“تأجيل” السلاح… خدمة لمشروع الكيان العلوي

إذا وضعنا جانباً الحملة المتجددة للحزب على الحكومة التي يرئسها نواف سلام، يبقى أنّ أهمّ ما تضمنه الخطاب الأخير لنعيم قاسم، بل جديد الخطاب، دعوته إلى “تأجيل” موضوع البحث في “حصرية” السلاح.
ذهب نعيم قاسم في خطابه الأخير بعيداً في حملته على الحكومة، علماً أنّها تضم وزيرين من “الحزب”. قال: “إنّ المطالبة بحصرية السلاح في الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل اعتداءاتها على لبنان تعني أن أصحاب هذا الطرح لا يعملون لمصلحة لبنان، بل يخدمون مصلحة إسرائيل”. مثل هذا الكلام تخوين حقيقي لحكومة تعمل جاهدة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بدءا بانسحاب إسرائيل من المواقع التي تحتلها، في ضوء المغامرة التي أقدم عليها حزب يأتمر من طهران قرّر شنّ حرب على الدولة العبرية من دون معرفة بموازين القوى بينه وبينها.
تنسيق مع العلويين في سوريا؟
ما دام نزع الحزب لسلاحه، وهو في نهاية المطاف سلاح إيراني، مرفوضاً، كما ورد في خطابات سابقة لنعيم قاسم أو في تصريحات لمسؤولين كبار في الحزب، ما الذي يمكن فهمه من الدعوة إلى “تأجيل” البحث في هذا الموضوع؟ ما الذي يجعل من المرحلة الراهنة التي يمر بها لبنان مرحلة غير مناسبة للبحث في نزع السلاح أو “حصريته” لا فارق؟
لا يمكن فهم الدعوة إلى “تأجيل” موضوع نزع السلاح سوى في ضوء معطيين إثنين مرتبط كلّ منهما بالآخر. يتمثل المعطى الأول في الرهان على أحداث كبيرة تبدو سوريا مقبلة عليها. أمّا المعطى الثاني فهو متعلّق بدور للحزب في جعل لبنان قاعدة خلفية للتحرّك العلوي في سوريا.
ليس سرّا أن الخطاب الأخير للأمين العام للحزب جاء في يوم شهد فيه الساحل السوري سلسلة من الإشتباكات افتعلتها مجموعات من الطائفة العلوية بدأت تتحدث عن “حقّ تقرير المصير”، أي عن إقامة كيان علوي على قسم من الأرض السورية. كان لافتا أنّ الشيخ العلوي غزال غزال، الذي جعل من “حق تقرير المصير” مطلبا معلنا، كان وراء الدعوة إلى التظاهرات التي حصلت في مناطق مختلفة من الساحل السوري وتميّزت باطلاق للنار واشتباكات، سقط فيها قتلى، بين مسلحين علويين وقوات الأمن السورية!
بات واضحاً الرهان على تحرّك علوي في الساحل السوري من جهة ووجود دور لسلاح الحزب في حماية مجموعات لجأت إلى الأراضي اللبنانية في الأيّام والأسابيع التي تلت فرار بشّار الأسد إلى موسكو، من جهة أخرى. لا توجد معلومات دقيقة عن عدد العناصر العلوية التي كانت ضمن الجيش السوري التابع لبشّار الأسد والتي لجأت إلى لبنان. لكنّ ثمة من يقدّر العدد ببضعة آلاف. يرتدي مثل هذا الدور لسلاح الحزب في حماية هذه المجموعات بعدا في غاية الخطورة، خصوصاً في ضوء افتتاح الحزب حديثا لمجمع سكني في منطقة الهرمل في البقاع الشمالي. يضم المجمع 228 وحدة ثابتة (اسمنتية) مع مرافق وخدمات. لا يمكن، على حد تعبير الزميل سام منسى الذي أشار ألى الموضوع في مقال له في “الشرق الأوسط”، “اعتبار الأمر مجرد تفصيل، بمقدار ما هو فعل سياسي – امني بامتياز”.
تناقض كامل
من خطاب نعيم قاسم ودعوته إلى “تأجيل” البحث في “حصرية” السلاح، وصولا إلى افتتاح الحزب للمجمع السكني في الهرمل، بدأت تتحدّد ملامح الوظيفة الجديدة للسلاح غير الشرعي في لبنان. يلغي الدور الجديد للسلاح أي إمكانية لتحقيق انسحاب إسرائيلي من المواقع الخمسة المحتلة تمهيدا لعودة نحو 110 آلاف مواطن لبناني إلى أراضيهم التي هجروا منها. إنّه يعطل سلفا المفاوضات الدائرة بين لبنان وإسرائيل في إطار ما يسمّى “الميكانيزم”. يعود ذلك إلى أن الوفد اللبناني برئاسة المحامي سيمون كرم يركّز على إنهاء الاحتلال ومباشرة عودة النازحين إلى قراهم وأرضهم تمهيدا لمباشرة إعادة الإعمار.
في المقابل، ترفض إسرائيل التي قالت عبر سفيرها في واشنطن مايكل ليتر إنّ “لا أطماع لها في لبنان”، أي بحث في الانسحاب وإعادة إعمار القرى المدمّرة ما دام الحزب يحتفظ بسلاحه.
من يستطيع إجبار إسرائيل على تغيير موقفها في وقت ليس فيه ما يشير إلى استعداد إيراني لإستيعاب أنّ لا عودة لـ”الجمهورية الإسلاميّة” إلى سوريا من جهة وأن لا فائدة تذكر من استخدام لبنان قاعدة خلفية للتمّرد العلوي في سوريا من جهة أخرى. تبدو طهران عاجزة عن استيعاب أنّ الأيام التي كانت فيها الحدود بين لبنان وسوريا مفتوحة أمام مقاتلي الحزب انتهت إلى غير رجعة.
يفضل الحزب الإحتفاظ بالسلاح على إنهاء الاحتلال رافضا أخذ العلم بأن إسرائيل ليست جمعية خيرية بمقدار ما تبحث عن ثمن ما على لبنان دفعه. ترفض تحديد هذا الثمن قبل الإنتهاء من قضية سلاح الحزب في جنوب الليطاني وشماله. كيف ستفعل ذلك؟ هل الحاجة إلى حرب أخرى ومزيد من المهجرين من جنوب لبنان؟
دخل لبنان السنة 2026 من بوابة المأزق المتمثل في التناقض الكامل بين ما تسعى إليه الدولة، بما بقي لديها من مؤسسات، وبين ما تسعى إليه إيران عن طريق الحزب وسلاحه. يعني ذلك أنّ الدولة اللبنانية في مكان فيما إيران وحزبها الذي يطالب بـ”تأجيل” حصر السلاح، في مكان آخر. يعني ذلك أيضا أنّه ما دامت الظروف الراهنة على حالها سيبقى الاحتلال الإسرائيلي.
في الواقع، سيبقى لبنان في 2026 ضحية رهان إيراني أقرب إلى الوهم من أي شيء. إنّه وهم قيام كيان علوي يؤمن لـ”الجمهوريّة الإسلاميّة” موطئ قدم في سوريا يكون معبرا في الوقت ذاته إلى لبنان…
“تأجيل” السلاح… خدمة لمشروع الكيان العلوي

إذا وضعنا جانباً الحملة المتجددة للحزب على الحكومة التي يرئسها نواف سلام، يبقى أنّ أهمّ ما تضمنه الخطاب الأخير لنعيم قاسم، بل جديد الخطاب، دعوته إلى “تأجيل” موضوع البحث في “حصرية” السلاح.
ذهب نعيم قاسم في خطابه الأخير بعيداً في حملته على الحكومة، علماً أنّها تضم وزيرين من “الحزب”. قال: “إنّ المطالبة بحصرية السلاح في الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل اعتداءاتها على لبنان تعني أن أصحاب هذا الطرح لا يعملون لمصلحة لبنان، بل يخدمون مصلحة إسرائيل”. مثل هذا الكلام تخوين حقيقي لحكومة تعمل جاهدة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بدءا بانسحاب إسرائيل من المواقع التي تحتلها، في ضوء المغامرة التي أقدم عليها حزب يأتمر من طهران قرّر شنّ حرب على الدولة العبرية من دون معرفة بموازين القوى بينه وبينها.
تنسيق مع العلويين في سوريا؟
ما دام نزع الحزب لسلاحه، وهو في نهاية المطاف سلاح إيراني، مرفوضاً، كما ورد في خطابات سابقة لنعيم قاسم أو في تصريحات لمسؤولين كبار في الحزب، ما الذي يمكن فهمه من الدعوة إلى “تأجيل” البحث في هذا الموضوع؟ ما الذي يجعل من المرحلة الراهنة التي يمر بها لبنان مرحلة غير مناسبة للبحث في نزع السلاح أو “حصريته” لا فارق؟
لا يمكن فهم الدعوة إلى “تأجيل” موضوع نزع السلاح سوى في ضوء معطيين إثنين مرتبط كلّ منهما بالآخر. يتمثل المعطى الأول في الرهان على أحداث كبيرة تبدو سوريا مقبلة عليها. أمّا المعطى الثاني فهو متعلّق بدور للحزب في جعل لبنان قاعدة خلفية للتحرّك العلوي في سوريا.
ليس سرّا أن الخطاب الأخير للأمين العام للحزب جاء في يوم شهد فيه الساحل السوري سلسلة من الإشتباكات افتعلتها مجموعات من الطائفة العلوية بدأت تتحدث عن “حقّ تقرير المصير”، أي عن إقامة كيان علوي على قسم من الأرض السورية. كان لافتا أنّ الشيخ العلوي غزال غزال، الذي جعل من “حق تقرير المصير” مطلبا معلنا، كان وراء الدعوة إلى التظاهرات التي حصلت في مناطق مختلفة من الساحل السوري وتميّزت باطلاق للنار واشتباكات، سقط فيها قتلى، بين مسلحين علويين وقوات الأمن السورية!
بات واضحاً الرهان على تحرّك علوي في الساحل السوري من جهة ووجود دور لسلاح الحزب في حماية مجموعات لجأت إلى الأراضي اللبنانية في الأيّام والأسابيع التي تلت فرار بشّار الأسد إلى موسكو، من جهة أخرى. لا توجد معلومات دقيقة عن عدد العناصر العلوية التي كانت ضمن الجيش السوري التابع لبشّار الأسد والتي لجأت إلى لبنان. لكنّ ثمة من يقدّر العدد ببضعة آلاف. يرتدي مثل هذا الدور لسلاح الحزب في حماية هذه المجموعات بعدا في غاية الخطورة، خصوصاً في ضوء افتتاح الحزب حديثا لمجمع سكني في منطقة الهرمل في البقاع الشمالي. يضم المجمع 228 وحدة ثابتة (اسمنتية) مع مرافق وخدمات. لا يمكن، على حد تعبير الزميل سام منسى الذي أشار ألى الموضوع في مقال له في “الشرق الأوسط”، “اعتبار الأمر مجرد تفصيل، بمقدار ما هو فعل سياسي – امني بامتياز”.
تناقض كامل
من خطاب نعيم قاسم ودعوته إلى “تأجيل” البحث في “حصرية” السلاح، وصولا إلى افتتاح الحزب للمجمع السكني في الهرمل، بدأت تتحدّد ملامح الوظيفة الجديدة للسلاح غير الشرعي في لبنان. يلغي الدور الجديد للسلاح أي إمكانية لتحقيق انسحاب إسرائيلي من المواقع الخمسة المحتلة تمهيدا لعودة نحو 110 آلاف مواطن لبناني إلى أراضيهم التي هجروا منها. إنّه يعطل سلفا المفاوضات الدائرة بين لبنان وإسرائيل في إطار ما يسمّى “الميكانيزم”. يعود ذلك إلى أن الوفد اللبناني برئاسة المحامي سيمون كرم يركّز على إنهاء الاحتلال ومباشرة عودة النازحين إلى قراهم وأرضهم تمهيدا لمباشرة إعادة الإعمار.
في المقابل، ترفض إسرائيل التي قالت عبر سفيرها في واشنطن مايكل ليتر إنّ “لا أطماع لها في لبنان”، أي بحث في الانسحاب وإعادة إعمار القرى المدمّرة ما دام الحزب يحتفظ بسلاحه.
من يستطيع إجبار إسرائيل على تغيير موقفها في وقت ليس فيه ما يشير إلى استعداد إيراني لإستيعاب أنّ لا عودة لـ”الجمهورية الإسلاميّة” إلى سوريا من جهة وأن لا فائدة تذكر من استخدام لبنان قاعدة خلفية للتمّرد العلوي في سوريا من جهة أخرى. تبدو طهران عاجزة عن استيعاب أنّ الأيام التي كانت فيها الحدود بين لبنان وسوريا مفتوحة أمام مقاتلي الحزب انتهت إلى غير رجعة.
يفضل الحزب الإحتفاظ بالسلاح على إنهاء الاحتلال رافضا أخذ العلم بأن إسرائيل ليست جمعية خيرية بمقدار ما تبحث عن ثمن ما على لبنان دفعه. ترفض تحديد هذا الثمن قبل الإنتهاء من قضية سلاح الحزب في جنوب الليطاني وشماله. كيف ستفعل ذلك؟ هل الحاجة إلى حرب أخرى ومزيد من المهجرين من جنوب لبنان؟
دخل لبنان السنة 2026 من بوابة المأزق المتمثل في التناقض الكامل بين ما تسعى إليه الدولة، بما بقي لديها من مؤسسات، وبين ما تسعى إليه إيران عن طريق الحزب وسلاحه. يعني ذلك أنّ الدولة اللبنانية في مكان فيما إيران وحزبها الذي يطالب بـ”تأجيل” حصر السلاح، في مكان آخر. يعني ذلك أيضا أنّه ما دامت الظروف الراهنة على حالها سيبقى الاحتلال الإسرائيلي.
في الواقع، سيبقى لبنان في 2026 ضحية رهان إيراني أقرب إلى الوهم من أي شيء. إنّه وهم قيام كيان علوي يؤمن لـ”الجمهوريّة الإسلاميّة” موطئ قدم في سوريا يكون معبرا في الوقت ذاته إلى لبنان…











