دولة “أبو عمر”

تطرح قضية “الأمير أبو عمر” سؤالاً وجودياً على كل اللبنانيين، وربما ينطبق على كل من يتعاطى الشأن العام. أساس السؤال كان قد طرحه العبقري التشيكي ميلان كونديرا، في كتابه “كائن لا تحتمل خفّته”. ومحور السؤال إذا ما كان الوجود الحقيقي للإنسان يكمن في الخفّة أم في الثقل؟ طبعاً يمكن الاستعانة بكتاب الفيلسوف الكندي آلان دونو “نظام التفاهة” للإجابة على السؤال بطريقة سريعة، حول العصر الحالي. ففي هذا العصر، أصبحت الخفّة استسهالاً للوصول، وهي النمط الغالب والطاغي، ومنها ومعها تنمو الشعبوية وكل ما يتصل بالخفّة التي تطبق الشأن العام ومن يتعاطاه. فكتاب نظام التفاهة يتحدث عن كيف أصبحت التفاهة هي السائدة في المجتمع الحديث، حيث تُهمّش الكفاءة وتُفضّل السطحية، ما يؤدي لسيطرة التافهين على الإعلام والسياسة والمجتمع، عبر التركيز على الجوانب السطحية كالمال والمظاهر، وإشغال الناس بأمور لا قيمة لها بينما يغيب النقاش الجدي حول القضايا الأساسية.
التفاهة والتهافُت
وفي نظام التفاهة يسيطر أصحاب المال الذين يطمحون للعب أدوار سياسية في سياق الصراع للوصول إلى السلطة والسيطرة عليه، وبذلك وبنتيجة قدرتهم على الوصول، نجحوا في تتفيه السياسة وساهموا في تهافتها، وإن كانت عبارة التهافت ربما صعبة عليهم، أو لا يستحقونها لعدم فهمهم لها، خصوصاً أنها ترتبط بأعلام العلماء العرب عبر التاريخ وهي نتاج للمبارزة الفكرية والفلسفية بين تهافت الفلاسفة للغزالي، والردّ عليه بتهافت التهافت لابن رشد. لربما إحدى وصمات العار في هذه السطور، أن تدرج هذه الأسماء، مع المقصودين في تهافتهم لبنانياً وإن لم تتضمن السطور أسماءهم.
مالك نقود.. والعقل مفقود
وأهم ما يشير إليه دونو في كتابه أن التافهين يخدمون بعضهم بعضاً، فيرفع كلٌّ منهم الآخر، لتقع السلطة بيد جماعة تكبر باستمرار، لأن الطيور على أشكالها تقع. ما يهمّ هنا لا يتعلق بتجنّب الغباء، وإنما بالحرص على إحاطته بصور السّلطة”. وبذلك تصدر التافهون مواقع التأثير، إذ أصبحت النقود بذاتها غاية لغالبية الناس وحيازة النقود هي ما يمثل الهدف الأعلى لجميع الأنشطة الهادفة التي تقوم بها الغالبية. في لبنان هذه السمة أصبحت معممة، لكن ما هو أخطر أيضاً، أن من يمتلك النقود يعتبر نفسه قادراً على شراء كل ما يريده أو يحلو له ولو كان ذلك العقل المفقود.
سنوات مع ظاهرة أبو عمر
9 سنوات، ويتعايش اللبنانيون من مختلف المناصب العليا في الدولة، ومن المسترئسين والمستوزرين والطامحين للترشح للانتخابات النيابية مع ظاهرة أبو عمر. والذي على ما يبدو يفعّل من تحركاته بالتزامن مع كل استحقاق انتخابي. وهنا تماماً نعود إلى ميلان كونديرا، ولكن بتصرّف للحديث عن “خفة السياسي الذي لا تحتمل خفّته”. هو صاحب الدولة أو صاحب المعالي أو السعادة، يتقدم الصفوف وتؤدى له التحايا، ربما أيضاً يعيش صراعه الوجودي في البحث عن كيفية الوصول، ويتباهى في “التشبيك” والتربيط بعلاقاته السياسية والديبلوماسية والدولية، يصبح حامل المفاتيح، ومن خلاله تُفتح الطرق وتحطّ المواقع وبغضبه تطير.
البحث عن راجح
حتى في لحظة التحقيق مع أبو عمر، لم يُقدم المجرم الحقيقي. بل جرى تقديم شخص آخر، غُرر به على افتراض أنه الرجل المعني، لكن ذاك الكائن، تحول إلى شبح حتى الآن، وسط معلومات بأنه سيتم الكشف عن هويته، ولكن أياً يكن، فهو وفي المعايير اللبنانية أو بالموروث الرحباني، يمكن تشبيهه بشخصية راجح، وراجح هو تلك الشخصية التي تمثل الشر المطلق، التي يحاربها المسؤولون دوماً لحماية الناس. في حالة أبو عمر، أصبح الرجل بالنسبة إلى الساسة اللبنانيين، حامل الترياق ومفاتيح الجنان، فمن وصل إليه بلغ المنى، وهو الموصي بعمل الخير وتقديم المساعدات والإغداقات. ينتظر اللبنانيون معرفة راجح، لكن الحقيقة تشير إلى أن راجح هو كل واحد منهم أو فيهم.
أزمة وجودية
في الكائن الذي لا تُحتمل خفته، يطرح كونديرا أسئلة كثيرة عن الحرية والمصير، الهوية والوجود، وبالتأكيد أن معظم من وقع في شرك أبو عمر أو توهم أو استشعر نزوة للقوة والتسلط، كان يعيش أزمة وجودية أو يبحث عن تكوين هوية. وربما سعى هؤلاء إلى البحث عن المعنى لهذا الوجود السياسي، لكنه عملياً معنى فارغ من أي معنى، وعليه نعود إلى معادلة “الخفّة” التي يولدها توهّم الثقل أو الوزن.
من العدم إلى العدم
بعض هؤلاء تنطبق عليهم مواصفات “الإسراع في الوصول” أو بمعنى أوضح الوصولية، والتي غالباً ما تستند على السهولة في نيل المطالب إما بالتمني أو كمن يمنّي النفس بمنصب، فيلهث خلف شرائه. مثل هؤلاء لا مكان للمسؤولية لديهم، فخفة الكائن من خفة مسؤوليته، وهو الذي يريد أن يتخفف من أي عناء، في بناء أي دولة أو مؤسسة أو مشروع ليسوس من خلاله الناس. لكأن هؤلاء يهربون من العدم إلى العدم.
التخادم المتبادل
بالتأكيد، أن قضية أبو عمر أكبر وأخطر مما يتصور كثيرون، وهناك جهات عديدة وقفت على فيالقها أو انزلقت إلى منزلقاتها، لكن المسألة لم تعد في السؤال عمّا كان وعمّن كان، بقدر ما هي ثبوت، وبالوجه الشرعي، لمعنى “التفاهة السياسية” في لبنان. لكن الإيجابية الفعلية لكل ما يجرى، وبما أن المسألة تطال الجميع، أن الفضيحة المجلجلة، تثبت حجم الضحالة اللبنانية، وتهافت السياسة، وانزلاق الكثير من المعنيين بالشأن العام وإدارة البلاد. أما الأهم فهو أن ذلك يمكن أن يؤسس لتغيير حقيقي وجدي يطال كل الطبقة السياسية للمرحلة المقبلة، هذه الطبقة التي تجد نفسها دائماً أمام تخادم متبادل، وإن من موقع التناقض أو التصارع أو التنافس، وإن كان وفق معايير طائفية أو مذهبية أو مناطقية، حتى إنها كانت تتحكم في معايير اختيار أصحاب المعالي والدولة ووضعهم في سدّة الكراسي وفقاً لمنشأهم البيولوجي أو الاجتماعي، وبناء على ما يقدمونه من تسليفات أو يمتلكونه من ثروات. ولا شك في أن ذلك يأتي في ظل إكثار اللبنانيين من الحديث عن مرحلة تاريخية وفصلية تشهد تغييراً كبيراً، ويتوازى معها بحث لبناني إقليمي في انتاج تسويات سياسية جديدة، فلربما ينطبق هذا التغيير على “سقوط دولة أبو عمر”.
دولة “أبو عمر”

تطرح قضية “الأمير أبو عمر” سؤالاً وجودياً على كل اللبنانيين، وربما ينطبق على كل من يتعاطى الشأن العام. أساس السؤال كان قد طرحه العبقري التشيكي ميلان كونديرا، في كتابه “كائن لا تحتمل خفّته”. ومحور السؤال إذا ما كان الوجود الحقيقي للإنسان يكمن في الخفّة أم في الثقل؟ طبعاً يمكن الاستعانة بكتاب الفيلسوف الكندي آلان دونو “نظام التفاهة” للإجابة على السؤال بطريقة سريعة، حول العصر الحالي. ففي هذا العصر، أصبحت الخفّة استسهالاً للوصول، وهي النمط الغالب والطاغي، ومنها ومعها تنمو الشعبوية وكل ما يتصل بالخفّة التي تطبق الشأن العام ومن يتعاطاه. فكتاب نظام التفاهة يتحدث عن كيف أصبحت التفاهة هي السائدة في المجتمع الحديث، حيث تُهمّش الكفاءة وتُفضّل السطحية، ما يؤدي لسيطرة التافهين على الإعلام والسياسة والمجتمع، عبر التركيز على الجوانب السطحية كالمال والمظاهر، وإشغال الناس بأمور لا قيمة لها بينما يغيب النقاش الجدي حول القضايا الأساسية.
التفاهة والتهافُت
وفي نظام التفاهة يسيطر أصحاب المال الذين يطمحون للعب أدوار سياسية في سياق الصراع للوصول إلى السلطة والسيطرة عليه، وبذلك وبنتيجة قدرتهم على الوصول، نجحوا في تتفيه السياسة وساهموا في تهافتها، وإن كانت عبارة التهافت ربما صعبة عليهم، أو لا يستحقونها لعدم فهمهم لها، خصوصاً أنها ترتبط بأعلام العلماء العرب عبر التاريخ وهي نتاج للمبارزة الفكرية والفلسفية بين تهافت الفلاسفة للغزالي، والردّ عليه بتهافت التهافت لابن رشد. لربما إحدى وصمات العار في هذه السطور، أن تدرج هذه الأسماء، مع المقصودين في تهافتهم لبنانياً وإن لم تتضمن السطور أسماءهم.
مالك نقود.. والعقل مفقود
وأهم ما يشير إليه دونو في كتابه أن التافهين يخدمون بعضهم بعضاً، فيرفع كلٌّ منهم الآخر، لتقع السلطة بيد جماعة تكبر باستمرار، لأن الطيور على أشكالها تقع. ما يهمّ هنا لا يتعلق بتجنّب الغباء، وإنما بالحرص على إحاطته بصور السّلطة”. وبذلك تصدر التافهون مواقع التأثير، إذ أصبحت النقود بذاتها غاية لغالبية الناس وحيازة النقود هي ما يمثل الهدف الأعلى لجميع الأنشطة الهادفة التي تقوم بها الغالبية. في لبنان هذه السمة أصبحت معممة، لكن ما هو أخطر أيضاً، أن من يمتلك النقود يعتبر نفسه قادراً على شراء كل ما يريده أو يحلو له ولو كان ذلك العقل المفقود.
سنوات مع ظاهرة أبو عمر
9 سنوات، ويتعايش اللبنانيون من مختلف المناصب العليا في الدولة، ومن المسترئسين والمستوزرين والطامحين للترشح للانتخابات النيابية مع ظاهرة أبو عمر. والذي على ما يبدو يفعّل من تحركاته بالتزامن مع كل استحقاق انتخابي. وهنا تماماً نعود إلى ميلان كونديرا، ولكن بتصرّف للحديث عن “خفة السياسي الذي لا تحتمل خفّته”. هو صاحب الدولة أو صاحب المعالي أو السعادة، يتقدم الصفوف وتؤدى له التحايا، ربما أيضاً يعيش صراعه الوجودي في البحث عن كيفية الوصول، ويتباهى في “التشبيك” والتربيط بعلاقاته السياسية والديبلوماسية والدولية، يصبح حامل المفاتيح، ومن خلاله تُفتح الطرق وتحطّ المواقع وبغضبه تطير.
البحث عن راجح
حتى في لحظة التحقيق مع أبو عمر، لم يُقدم المجرم الحقيقي. بل جرى تقديم شخص آخر، غُرر به على افتراض أنه الرجل المعني، لكن ذاك الكائن، تحول إلى شبح حتى الآن، وسط معلومات بأنه سيتم الكشف عن هويته، ولكن أياً يكن، فهو وفي المعايير اللبنانية أو بالموروث الرحباني، يمكن تشبيهه بشخصية راجح، وراجح هو تلك الشخصية التي تمثل الشر المطلق، التي يحاربها المسؤولون دوماً لحماية الناس. في حالة أبو عمر، أصبح الرجل بالنسبة إلى الساسة اللبنانيين، حامل الترياق ومفاتيح الجنان، فمن وصل إليه بلغ المنى، وهو الموصي بعمل الخير وتقديم المساعدات والإغداقات. ينتظر اللبنانيون معرفة راجح، لكن الحقيقة تشير إلى أن راجح هو كل واحد منهم أو فيهم.
أزمة وجودية
في الكائن الذي لا تُحتمل خفته، يطرح كونديرا أسئلة كثيرة عن الحرية والمصير، الهوية والوجود، وبالتأكيد أن معظم من وقع في شرك أبو عمر أو توهم أو استشعر نزوة للقوة والتسلط، كان يعيش أزمة وجودية أو يبحث عن تكوين هوية. وربما سعى هؤلاء إلى البحث عن المعنى لهذا الوجود السياسي، لكنه عملياً معنى فارغ من أي معنى، وعليه نعود إلى معادلة “الخفّة” التي يولدها توهّم الثقل أو الوزن.
من العدم إلى العدم
بعض هؤلاء تنطبق عليهم مواصفات “الإسراع في الوصول” أو بمعنى أوضح الوصولية، والتي غالباً ما تستند على السهولة في نيل المطالب إما بالتمني أو كمن يمنّي النفس بمنصب، فيلهث خلف شرائه. مثل هؤلاء لا مكان للمسؤولية لديهم، فخفة الكائن من خفة مسؤوليته، وهو الذي يريد أن يتخفف من أي عناء، في بناء أي دولة أو مؤسسة أو مشروع ليسوس من خلاله الناس. لكأن هؤلاء يهربون من العدم إلى العدم.
التخادم المتبادل
بالتأكيد، أن قضية أبو عمر أكبر وأخطر مما يتصور كثيرون، وهناك جهات عديدة وقفت على فيالقها أو انزلقت إلى منزلقاتها، لكن المسألة لم تعد في السؤال عمّا كان وعمّن كان، بقدر ما هي ثبوت، وبالوجه الشرعي، لمعنى “التفاهة السياسية” في لبنان. لكن الإيجابية الفعلية لكل ما يجرى، وبما أن المسألة تطال الجميع، أن الفضيحة المجلجلة، تثبت حجم الضحالة اللبنانية، وتهافت السياسة، وانزلاق الكثير من المعنيين بالشأن العام وإدارة البلاد. أما الأهم فهو أن ذلك يمكن أن يؤسس لتغيير حقيقي وجدي يطال كل الطبقة السياسية للمرحلة المقبلة، هذه الطبقة التي تجد نفسها دائماً أمام تخادم متبادل، وإن من موقع التناقض أو التصارع أو التنافس، وإن كان وفق معايير طائفية أو مذهبية أو مناطقية، حتى إنها كانت تتحكم في معايير اختيار أصحاب المعالي والدولة ووضعهم في سدّة الكراسي وفقاً لمنشأهم البيولوجي أو الاجتماعي، وبناء على ما يقدمونه من تسليفات أو يمتلكونه من ثروات. ولا شك في أن ذلك يأتي في ظل إكثار اللبنانيين من الحديث عن مرحلة تاريخية وفصلية تشهد تغييراً كبيراً، ويتوازى معها بحث لبناني إقليمي في انتاج تسويات سياسية جديدة، فلربما ينطبق هذا التغيير على “سقوط دولة أبو عمر”.












