هل تطرق الفدرالية أبواب الساحل السوري؟

الكاتب: نايف عازار | المصدر: نداء الوطن
3 كانون الثاني 2026

ألهبت دعوة رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر الشيخ غزال غزال، أبناء الطائفة العلوية للتظاهر السلمي، شوارع الساحل السوري الأحد الماضي، خصوصًا مناطق طرطوس واللاذقية، قبل أن يتحول الحراك السلمي إلى اشتباكات دامية أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في اللاذقية.

الاحتجاجات التي حملت عنوان “طوفان الكرامة”، ورفع خلالها المتظاهرون شعارات تطالب بحكم لامركزي أو فدرالي في الساحل السوري ذات الغالبية العلوية، تُعدّ الثانية من نوعها بعد تحركات تشرين الثاني المنصرم. بيد أن “الجرّة لم تسلم” في تحركات النسخة الثانية. وبحسب الرواية السورية الرسمية، اختُرقت الاحتجاجات التي كانت سلمية في بادئ الأمر، من قبل مسلحين ملثمين يدورون في فلك النظام السابق، أمطروا بالرصاص قوات الأمن والمتظاهرين على حد سواء، ما قلب المشهد رأسًا على عقب، وحوّله من تظاهر مطلبي سلمي، إلى فوضى عارمة، خصوصًا مع انطلاق تظاهرات مضادة مؤيدة للحكومة ومنددة بتحرّك العلويين، واشتباك المتظاهرين من كلا الجانبين، وهو مشهد يؤكد عمق الشرخ الطائفي الذي يضرب المجتمع السوري حتى الصميم.

وإذا كانت التظاهرات أعقبت انفجارًا هز مسجد الإمام علي بن أبي طالب في منطقة وادي الذهب في حمص التي تقطنها غالبية علوية، ونجم عنه مقتل 8 مصلين، فإن حوادث الساحل الدامية في آذار الفائت لا تزال محفورة في ذاكرة أبناء الطائفة العلوية، التي ربط نظام الأسدين نفسه فيها.

التحركات المطلبية التي تنادي بالانفصال عن الدولة المركزية السورية الوليدة، والتي استحالت تطورات أمنية خطرة، تعكس حجم التحديات المهولة التي ترزح تحت وطأتها حكومة دمشق، في توقيت بالغ الحساسية، تتداخل فيه شجون السلم الأهلي ووحدة البلاد الممزقة، بعد سنين حرب طويلة، وملفات الأمن، في ظل تقارير إعلامية غربية كشفت خططًا لـ “جنرالات” ومسؤولين سابقين في نظام الأسد، يرنون إلى زعزعة استقرار حكم الرئيس أحمد الشرع، من خلال ضخ أموال طائلة ورفد فلول النظام السابق بالسلاح، تمهيدًا لتحقيق حلم السيطرة على الساحل السوري، وربما المطالبة بإعلانه إقليمًا مستقلًا عن الدولة السورية يتمتع بحكم ذاتي، في موازاة تصاعد دعوات مماثلة من قبل قوات “قسد” في شمال شرق البلاد، ومن مجموعات مسلحة في السويداء جنوب البلاد، حيث يسرح الجيش الإسرائيلي ويمرح بحجة حماية الدروز والعمق الإسرائيلي، وكل هذه العوامل الضاغطة تزيد من صعوبة توحيد البلاد الممزقة.

يبدو جليًا أن استغلال تظاهرات الساحل لا يصب في مصلحة العلويين هناك، بعد تسلل فلول نظام الأسد إليها، وتحويل مسارها من مطلبي إلى فوضوي، وهنا وَجب على قادة الحراك تنظيمه ضمن أطر واضحة، لأن غياب التنظيم والقيادة الواضحة يسمح في كل مرة باختراق التحركات الاحتجاجية من جهات مسلحة، تكن العداء للدولة السورية، وتسعى جاهدة إلى تعميم الفوضى، تمهيدًا ربما لشن عمل عسكري حاسم في الساحل، ينتهي بإخراج القوى الأمنية الرسمية “الطرية العود” من المنطقة، وتكون بذلك الفدرالية طرقت بقوة أبواب الساحل السوري.

يضاف إلى العوامل التي تزيد من سرعة إشعال فتيل الاضطرابات الأمنية في الساحل، تحويل النظام السابق منذ سنين المناطق العلوية الى مرتع لمستودعات السلاح، وبالتالي أي ضخ وإن كان بسيطًا للأموال بإمكانه تحريك بؤر توتر، معطوفًا على وجود العديد من الضباط السابقين في الساحل، الرافضين للاندماج في الدولة الوليدة.

وإذا كانت فلول النظام السابق تلعب أدوارًا سلبية في الساحل، وتضرّ بمصالح العلويين تحديدًا، فإن حكومة دمشق تُسأل هنا عمّا فعلته لسحب البساط من تحت أقدام من يستهدفون قواتها، فليس من المنطقي ولا الإنساني أن يُحمّل جميع العلويين مسؤولية ارتكابات النظام السابق، والعلويون المسالمون اليوم لا يطلبون من حكام الدولة الجديدة سوى الأمن والأمان والحفاظ على موارد أرزاقهم، في ظل مخاوفهم الكبيرة من هيمنة الخطاب الديني على مفاصل الدولة ومؤسساتها.

وفيما تغيب الطمأنينة عن نفوس العلويين الذين باتوا يشعرون أنهم مواطنون درجة ثانية، لا يبدو مسيحيو الساحل أفضل حالًا. فقد أكد مصدر سوري مسيحي لـ “نداء الوطن” أن توجّس مسيحيي الساحل من قابل الأيام يتعاظم، بسبب خلفية الشرع الجهادية، وأضاف المصدر أن المسيحيين لا يأسفون على رحيل النظام السابق الذي كان يبعث الخوف في نفوسهم، رغم بعض المصالح المشتركة التي كانت تجمع كبار التجار المسيحيين ورجالات النظام السابق. وختم المصدر السوري المسيحي بالتأكيد أن المسيحيين لم يشاركوا في تظاهرات الساحل، بل مكثوا في منازلهم بانتظار انقشاع غبار المواجهات، على أمل أن تحمل لهم الأيام غدًا أفضل، يبقيهم في أرضهم، حيث جذورهم المسيحية ضاربة في عمق التاريخ السوري.

هل تطرق الفدرالية أبواب الساحل السوري؟

الكاتب: نايف عازار | المصدر: نداء الوطن
3 كانون الثاني 2026

ألهبت دعوة رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر الشيخ غزال غزال، أبناء الطائفة العلوية للتظاهر السلمي، شوارع الساحل السوري الأحد الماضي، خصوصًا مناطق طرطوس واللاذقية، قبل أن يتحول الحراك السلمي إلى اشتباكات دامية أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في اللاذقية.

الاحتجاجات التي حملت عنوان “طوفان الكرامة”، ورفع خلالها المتظاهرون شعارات تطالب بحكم لامركزي أو فدرالي في الساحل السوري ذات الغالبية العلوية، تُعدّ الثانية من نوعها بعد تحركات تشرين الثاني المنصرم. بيد أن “الجرّة لم تسلم” في تحركات النسخة الثانية. وبحسب الرواية السورية الرسمية، اختُرقت الاحتجاجات التي كانت سلمية في بادئ الأمر، من قبل مسلحين ملثمين يدورون في فلك النظام السابق، أمطروا بالرصاص قوات الأمن والمتظاهرين على حد سواء، ما قلب المشهد رأسًا على عقب، وحوّله من تظاهر مطلبي سلمي، إلى فوضى عارمة، خصوصًا مع انطلاق تظاهرات مضادة مؤيدة للحكومة ومنددة بتحرّك العلويين، واشتباك المتظاهرين من كلا الجانبين، وهو مشهد يؤكد عمق الشرخ الطائفي الذي يضرب المجتمع السوري حتى الصميم.

وإذا كانت التظاهرات أعقبت انفجارًا هز مسجد الإمام علي بن أبي طالب في منطقة وادي الذهب في حمص التي تقطنها غالبية علوية، ونجم عنه مقتل 8 مصلين، فإن حوادث الساحل الدامية في آذار الفائت لا تزال محفورة في ذاكرة أبناء الطائفة العلوية، التي ربط نظام الأسدين نفسه فيها.

التحركات المطلبية التي تنادي بالانفصال عن الدولة المركزية السورية الوليدة، والتي استحالت تطورات أمنية خطرة، تعكس حجم التحديات المهولة التي ترزح تحت وطأتها حكومة دمشق، في توقيت بالغ الحساسية، تتداخل فيه شجون السلم الأهلي ووحدة البلاد الممزقة، بعد سنين حرب طويلة، وملفات الأمن، في ظل تقارير إعلامية غربية كشفت خططًا لـ “جنرالات” ومسؤولين سابقين في نظام الأسد، يرنون إلى زعزعة استقرار حكم الرئيس أحمد الشرع، من خلال ضخ أموال طائلة ورفد فلول النظام السابق بالسلاح، تمهيدًا لتحقيق حلم السيطرة على الساحل السوري، وربما المطالبة بإعلانه إقليمًا مستقلًا عن الدولة السورية يتمتع بحكم ذاتي، في موازاة تصاعد دعوات مماثلة من قبل قوات “قسد” في شمال شرق البلاد، ومن مجموعات مسلحة في السويداء جنوب البلاد، حيث يسرح الجيش الإسرائيلي ويمرح بحجة حماية الدروز والعمق الإسرائيلي، وكل هذه العوامل الضاغطة تزيد من صعوبة توحيد البلاد الممزقة.

يبدو جليًا أن استغلال تظاهرات الساحل لا يصب في مصلحة العلويين هناك، بعد تسلل فلول نظام الأسد إليها، وتحويل مسارها من مطلبي إلى فوضوي، وهنا وَجب على قادة الحراك تنظيمه ضمن أطر واضحة، لأن غياب التنظيم والقيادة الواضحة يسمح في كل مرة باختراق التحركات الاحتجاجية من جهات مسلحة، تكن العداء للدولة السورية، وتسعى جاهدة إلى تعميم الفوضى، تمهيدًا ربما لشن عمل عسكري حاسم في الساحل، ينتهي بإخراج القوى الأمنية الرسمية “الطرية العود” من المنطقة، وتكون بذلك الفدرالية طرقت بقوة أبواب الساحل السوري.

يضاف إلى العوامل التي تزيد من سرعة إشعال فتيل الاضطرابات الأمنية في الساحل، تحويل النظام السابق منذ سنين المناطق العلوية الى مرتع لمستودعات السلاح، وبالتالي أي ضخ وإن كان بسيطًا للأموال بإمكانه تحريك بؤر توتر، معطوفًا على وجود العديد من الضباط السابقين في الساحل، الرافضين للاندماج في الدولة الوليدة.

وإذا كانت فلول النظام السابق تلعب أدوارًا سلبية في الساحل، وتضرّ بمصالح العلويين تحديدًا، فإن حكومة دمشق تُسأل هنا عمّا فعلته لسحب البساط من تحت أقدام من يستهدفون قواتها، فليس من المنطقي ولا الإنساني أن يُحمّل جميع العلويين مسؤولية ارتكابات النظام السابق، والعلويون المسالمون اليوم لا يطلبون من حكام الدولة الجديدة سوى الأمن والأمان والحفاظ على موارد أرزاقهم، في ظل مخاوفهم الكبيرة من هيمنة الخطاب الديني على مفاصل الدولة ومؤسساتها.

وفيما تغيب الطمأنينة عن نفوس العلويين الذين باتوا يشعرون أنهم مواطنون درجة ثانية، لا يبدو مسيحيو الساحل أفضل حالًا. فقد أكد مصدر سوري مسيحي لـ “نداء الوطن” أن توجّس مسيحيي الساحل من قابل الأيام يتعاظم، بسبب خلفية الشرع الجهادية، وأضاف المصدر أن المسيحيين لا يأسفون على رحيل النظام السابق الذي كان يبعث الخوف في نفوسهم، رغم بعض المصالح المشتركة التي كانت تجمع كبار التجار المسيحيين ورجالات النظام السابق. وختم المصدر السوري المسيحي بالتأكيد أن المسيحيين لم يشاركوا في تظاهرات الساحل، بل مكثوا في منازلهم بانتظار انقشاع غبار المواجهات، على أمل أن تحمل لهم الأيام غدًا أفضل، يبقيهم في أرضهم، حيث جذورهم المسيحية ضاربة في عمق التاريخ السوري.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار