أبو علي الحضرمي… ما قصة تواجده في الضاحية الجنوبية لبيروت؟

يتهم بقيادة تشكيلات مسلحة شاركت في محاولات فرض السيطرة على شرق اليمن
عاد اسم “أبو علي الحضرمي” للواجهة في اليمن، بخاصة في حضرموت، بالتزامن مع تصعيد عسكري وتحركات للمجلس الانتقالي الجنوبي ومحاولات إعادة رسم خرائط النفوذ في الجنوب والشرق.
وتربط تقارير متعددة أبو علي بعلاقات سابقة مع بيروت والضاحية الجنوبية خلال فترة إقامة رئيس جمهورية اليمن الديمقراطية السابقة علي سالم البيض في لبنان، وبأدوار سياسية وإعلامية وأمنية، أبرزها في قناة “عدن لايف”.
خلال الأيام الأخيرة، عاد اسم “أبو علي الحضرمي” للواجهة بقوة، متقدماً عناوين النقاش السياسي والأمني في اليمن، بخاصة في محافظة حضرموت، وسط لحظة إقليمية شديدة التعقيد. هذا الظهور ترافق مع تطورات أمنية مستجدة بعد إعلان السعودية قصف مدينة المكلا في المحافظة على خلفية شحنة أسلحة آتية من دولة الإمارات، وصلت إلى هناك لمصلحة قوة انفصالية، معربة خلال بيان صدر عن وزارة خارجيتها عن أسفها لما قامت به الإمارات من ضغط على قوات المجلس الانتقالي الجنوبي لدفع قواته إلى القيام بعمليات عسكرية على حدود المملكة الجنوبية في محافظتي حضرموت والمهرة والتي تعد تهديداً للأمن الوطني للمملكة، والأمن والاستقرار في الجمهورية اليمنية والمنطقة، فيما رفضت أبو ظبي عبر بيان رسمي الزج باسمها في التوتر الحاصل بين الأطراف اليمنية، مستهجنة الادعاءات التي وردت حول القيام بالضغط أو توجيه أي طرف يمني للقيام بعمليات عسكرية تمس أمن السعودية الشقيقة أو تستهدف حدودها.
“أبو لولو” اليمن؟
بالعودة لقصة “أبو علي الحضرمي”، كان لافتاً اقتران اسمه خلال الآونة الأخيرة بلقب “أبو لولو”، بعد اتهام قواته بالعمل خارج القانون وارتكاب عمليات قتل وخطف ونهب وانتهاكات في شرق اليمن، تشبيهاً بـ”أبو لولو السودان” المتهم بارتكاب مجازر قتل وتعذيب في منطقة الفاشر السودانية.
ويتهم الحضرمي أيضاً بقيادة تشكيلات مسلحة شاركت في محاولات فرض السيطرة على شرق اليمن ضمن مشروع الانفصال.
ولفهم صعود اسم “أبو علي الحضرمي”، لا يمكن عزل المشهد اليمني عن سياقه الإقليمي الأوسع، فاليمن لم يعُد مجرد أزمة داخلية، بل تحول خلال العقد الأخير إلى مسرح تصفية حسابات بين محاور إقليمية. وفي هذا السياق، برز دور “حزب الله” بوصفه الذراع التنفيذية الأبرز لسياسات إيران خارج حدودها، سواء في سوريا أو العراق أو اليمن، عبر نقل “خبرات” أمنية وعسكرية وإدارة شبكات النفوذ.
والتقارير الدولية والإقليمية المتراكمة منذ أعوام تشير إلى أن الحزب قام بدور مباشر وغير مباشر في دعم الحوثيين، سواء عبر التدريب أو تقديم الاستشارات أو نقل الخبرات في مجالات الصواريخ والطائرات المسيّرة وبناء الشبكات الاستخباراتية. ومع الوقت، لم يعُد هذا الدور حبيس التكهنات، بل خرج إلى العلن عبر مسارات متعددة، من بينها تحقيقات صحافية وتسريبات أمنية وشهادات متقاطعة في اليمن ولبنان. وبهذا المعنى، لم يعُد لبنان، تحديداً الضاحية الجنوبية لبيروت تفصيلاً جانبياً في الملف اليمني، بل محطة أساسية في قصص كثيرة تتعلق بشخصيات يمنية صعدت أو تحركت على تماس مع هذا المحور.
ولعل اغتيال القيادي في “حزب الله” أبو علي الطبطبائي قبل أسابيع بضربة إسرائيلية استهدفته في قلب الضاحية، أكد مرة جديدة هذا الدور، إذ نعاه الحزب مشدداً على دوره العسكري في دعم الحوثيين في اليمن.
شخصيات يمنية على خط بيروت
ضمن هذا الإطار، ظهرت أسماء يمنية عدة كانت تتردد إلى لبنان خلال سنوات ما قبل الحرب اليمنية عام 2014 أو في بداياتها. وبعض هذه الزيارات كان يقدم تحت عناوين سياسية أو إعلامية أو “نضالية”، فيما تشير تقارير أخرى إلى أن جزءاً منها حمل أبعاداً تنظيمية وأمنية. هنا تحديداً، برز اسم “أبو علي الحضرمي” بوصفه أحد أبرز الشخصيات التي نسجت علاقات وثيقة مع دوائر القرار في الضاحية الجنوبية، في مرحلة كان فيها رئيس جمهورية اليمن الديمقراطية السابقة علي سالم البيض يقيم في بيروت ويبحث عن دعم سياسي وإعلامي وعسكري لمشروع “القضية الجنوبية”.
وبحسب تقارير يمنية متعددة، فإن “الحضرمي” لم يكن مجرد مرافق أو شخصية ثانوية في محيط البيض، بل شغل دوراً تنظيمياً واقتصادياً، وقدم نفسه في أكثر من محطة كحلقة وصل بين مشروع البيض وقنوات مرتبطة بإيران و”حزب الله”. وتذهب بعض هذه التقارير إلى حد القول إن الرجل دخل في مساعٍ لتأمين تدريب عناصر يمنية جنوبية في لبنان، وضمن سياق أوسع حاول توظيف الملف الجنوبي كورقة ضغط إضافية في مواجهة دول الخليج، أو كعامل موازٍ على خط الحوثيين في الشمال.
من هو “أبو علي الحضرمي”؟
اسمه الحقيقي صالح علي بن الشيخ أبو بكر، ويقدم غالباً بوصفه شخصية حضرمية، وإن كان خصومه يطعنون في “حضرمية” تمثيله السياسي والاجتماعي، ويعدّون حضوره أقرب إلى أنه واجهة مرسلة من خارج المحافظة. تاريخياً، برز اسمه منذ أواخر التسعينيات داخل أوساط الحراك الجنوبي، وارتبط بمحاولات مبكرة لتأسيس تنظيمات تمثل “المشروع الجنوبي”، ومن بينها حركة “حتم” التي تذكر في بعض الروايات بوصفها إطاراً سرياً أو تنظيمياً نشط خارج اليمن.
وتشير تقارير متداولة إلى أن البيض كلفه تأسيس حراك عسكري سري في الخارج، وتولى فيه “الحضرمي” موقعاً تنظيمياً ومالياً، فيما كانت شخصيات جنوبية أخرى تقود العمل الميداني داخل اليمن. وفي هذا السياق تحديداً، تطرح نقطة حساسة، إذ إن بعض التقارير تتحدث عن تدريبات تلقاها أفراد مرتبطون بهذه التشكيلات على أيدي خبراء من “حزب الله” في الضاحية الجنوبية، مع حديث عن دعم لوجستي ومالي إيراني في تلك المرحلة، وهذه النقطة تبقى في خانة الروايات التي تحتاج دائماً إلى تدقيق مستقل، لكنها تفسر لماذا ظل اسم “أبو علي” مرتبطاً ببيروت والضاحية في ذاكرة خصومه.
وبعد حرب عام 1994 وخروج البيض من اليمن، تشير روايات إلى أن “أبو علي” تولى إدارة مكتب البيض وظل حاضراً في محيطه لسنوات طويلة، فيما تشير بعض التقارير غير المؤكدة إلى أنه يحمل الجنسية الفرنسية، مما يفسر سهولة تحركاته بين العواصم وتبدل محطات إقامته. وفي المجمل، يوصف الرجل بأنه يفضل العمل خلف الكواليس، ويظهر عند اللحظات المفصلية ثم يعود للظل، وهي سمة ستتكرر لاحقاً أثناء تنقلاته بين عدن وحضرموت.
“عدن لايف” من بيروت
مع انتقال البيض إلى بيروت عام 2013 وفتح قنواته السياسية والإعلامية، تعزز دور “أبو علي الحضرمي”، بخاصة في الجانب الإعلامي، وهنا تبرز قصة قناة “عدن لايف” التي شكلت إحدى أهم الأدوات الإعلامية للحراك الجنوبي، وارتبط بثها من خارج اليمن بسياق العلاقة بين البيض والضاحية الجنوبية.
وتكشف المعلومات عن أن مقرها كان في حي الأميركان الواقع في قلب الضاحية الجنوبية لبيروت، وهو الحي الذي تعرض لقصف إسرائيلي متكرر خلال الحرب الأخيرة.
مصادر يمنية كشفت عن أن “الحضرمي” اضطلع بدور أساس في إدارة القناة خلال مرحلة وجودها في لبنان، وأنه تولى عام 2014 إعادة هيكلتها. وتذهب تقارير إلى أنه أجرى تغييرات إدارية واسعة وتولى الجانب الإرشادي في القناة، شملت الاستعانة بطاقم لبناني وتعيينات داخل غرفة الأخبار، فيما يربط متابعون لهذا الملف بين تلك المرحلة وتحول في سياسة القناة التحريرية، وصولاً إلى اتهام بعضهم أن خطاب هذه المؤسسة الإعلامية أصبح أكثر مهادنة للحوثيين في لحظة كانت فيها الجبهات تتغير بسرعة داخل اليمن.
وإحدى أكثر المعلومات المتداولة إثارة للجدل تتعلق بأرشيف القناة، إذ يتداول بعضهم إعلامياً أنه خلال حرب اليمن عام 2015، تعرض مقر القناة في بيروت لسيطرة أطراف موالية لمحور الحوثي، وأن “أبو علي الحضرمي” تمكن في لحظة لاحقة من تهريب جزء كبير من أرشيف “عدن لايف” خارج لبنان، مما سمح بإعادة تشغيل القناة من خارج نطاق السيطرة الأصلية في مرحلة لاحقة.
وبقيت القناة في بيروت لفترة عامين تقريباً قبل أن تقفل وتنتقل إلى اليمن.
ومع تطور الأمور ميدانياً عام 2015 في اليمن، عاد “أبو علي الحضرمي” للمشهد اليمني، وظهر لفترة كمستشار لمحافظ عدن آنذاك عيدروس الزبيدي، غير أن وجوده في هذا الموقع لم يدُم طويلاً، إذ أبعد لاحقاً وسط ضغوط واعتراضات محلية وإقليمية، وبسبب حساسية اسمه المرتبطة بعلاقات سابقة مع الضاحية وإيران وفق خصومه، لكن هذا الإبعاد لم ينهِ حضوره بل أدخله مرحلة “العمل في الظل” لأعوام.
حضرموت… العقدة الأصعب
حضرموت ليست محافظة عادية، إنها الأكبر مساحة في اليمن والأغنى بالثروات والأشد حساسية في توازناتها القبلية والسياسية، ودخول “أبو علي الحضرمي” على خط حضرموت عبر قيادته لما يعرف بـ “قوات الدعم الأمني” المرتبطة بالمجلس الانتقالي، فجر سجالاً واسعاً في الداخل الحضرمي. فهناك من يرى في هذه القوات محاولة لفرض أمر واقع بقوة السلاح، عبر استقدام عناصر من خارج المحافظة، بما يهدد التوازنات المحلية ويصطدم بمواقف قبائل مؤثرة وحلف قبائل حضرموت تحديداً.
في المقابل، يقدم أنصار هذه الشخصية مقاربة مغايرة تعتبر أن الهدف هو ضبط الأمن ومنع تمدد الحوثيين أو الجماعات المتطرفة، وأن حضرموت تحتاج إلى قوة صلبة تمنع الفوضى.
وتنسب تصريحات وتهديدات سابقة لهذه الشخصية ضد خصوم قبليين، وفيها اتهام لرموز حضرمية بـ”العمالة”، مما فجر غضباً محلياً ضده، ثم جاءت اشتباكات محدودة مع مقاتلين قبليين، لتؤشر إلى أن حضرموت قد تنزلق إلى صراع داخلي مفتوح إذا استمرت سياسة فرض الوقائع.
الجدل حول “أبو علي الحضرمي” يعكس في جوهره صراعاً أوسع، هو صراع على هوية الجنوب وعلى موقعه في الخريطة الإقليمية وعلى حدود النفوذ الإيراني في اليمن. فالرجل، سواء عُد فاعلاً مستقلاً، أو أداة ضمن مشروع أكبر، يمثل نموذجاً لشخصيات تشكلت في تقاطع السياسة بالإعلام بالأمن، وتحركت بين بيروت وحضرموت وفق إيقاع المصالح الإقليمية.
ماذا تقول المصادر الأمنية في بيروت؟
وفق مصدر أمني لبناني رسمي، فإن الأجهزة المعنية لا تملك معطيات رسمية مثبتة حول دخول أو خروج “أبو علي الحضرمي” إلى بيروت عبر القنوات النظامية، ويشير إلى أن غياب أي تسجيل رسمي لا يرقى تلقائياً إلى النفي، في ظل سوابق معروفة لطريقة إدارة “حزب الله” لحركة بعض الأشخاص أو المحسوبين عليه.
ويشرح المصدر أن الحزب، خلال مراحل سابقة، كان يؤمن مرور أفراد أو شخصيات غير لبنانية عبر مسارات تقليدية وغير تقليدية بعضها عبر بيروت مباشرة وبعضها الآخر بصورة غير مباشرة من سوريا، بالتالي من الصعب نفي أو تأكيد وجود هذه الشخصية قبل أعوام في لبنان.
في المقابل، يلفت المصدر إلى أن سياق السنوات الماضية في الضاحية الجنوبية كان معروفاً باحتضان “حزب الله” لعدد من الإعلاميين والناشطين والسياسيين والأمنيين اليمنيين ضمن شبكة علاقات ممتدة، بالتوازي مع استقبال وفود إيرانية رفيعة ضمن ترتيبات خاصة، ومن هذا الواقع يفسر لماذا تبقى معلومات الدولة ناقصة أو غير مكتملة في ملفات محددة، إذ إن الأجهزة الرسمية، حتى عندما تملك مؤشرات أو روايات، تصطدم بسقف عملي يتعلق بما يسميه المصدر “حدود التعمق”، في ظل توازنات سياسية وقرارات حكومية متعاقبة منحت غطاءً واسعاً لما يعرف بـ”أمن الحزب”.
تقاطع المشاريع الإقليمية
وفي السياق يرى الناشط السياسي اليمني ياسين التميمي أن اسم “أبو علي الحضرمي” لا تمكن مقاربته فقط من زاوية حضرموت أو الجنوب اليمني، بل من خلال مساره السياسي والأمني الذي تشكل في لحظة كان فيها اليمن ساحة مفتوحة لتقاطع المشاريع الإقليمية. ويشير إلى أن العلاقة التي ربطت بعض القيادات الجنوبية السابقة بمحور إيران- “حزب الله” ليست تفصيلاً ثانوياً، بل جزءاً من استراتيجية إيرانية أوسع سعت إلى توسيع نفوذها في اليمن عبر قنوات غير حوثية، مستفيدة من حال الانقسام التي أعقبت حرب 1994.
ويضيف التميمي أن بيروت، تحديداً الضاحية الجنوبية، شكلت خلال أعوام معينة محطة سياسية وأمنية لعدد من الشخصيات اليمنية، حيث لم يكن الدعم الإيراني محصوراً بالسلاح فقط، بل شمل الإعلام وبناء الشبكات والتدريب، مما يفسر، على حد قوله، بروز أسماء قامت بأدوار مركبة لاحقاً في الداخل اليمني. وفي هذا السياق، يندرج اسم “أبو علي الحضرمي” ضمن جيل من الفاعلين الذين تنقلوا بين أدوار سياسية وإعلامية وأمنية، وتكيفوا مع تغير موازين القوى.
بدوره يكشف الباحث اليمني في المعهد الملكي البريطاني براء شيبان بعض المعلومات عن “أبو علي الحضرمي”، ويقول إنه كان أحد المسؤولين البارزين عن حركة “حتم” مع عيدروس الزبيدي، وإن هذه الحركة كانت في بدايتها محدودة العدد، ويعتقد بأن عدد مقاتليها كان نحو 2000 مقاتل، وكانت تتلقى دعماً من إيران. وكان هو، أي “الحضرمي”، حلقة الوصل الأساسية مع إيران عبر “حزب الله”، إذ كان مستقراً في لبنان خلال تلك الفترة، ونسج علاقات مع الحزب مباشرة.
ويضيف “هو شخص يفضل دائماً العمل في الظل، ونادر الظهور العلني، ولم يظهر إلا خلال الفترة الأخيرة داخل حضرموت، حيث قاد ما يسمى ’قوات الدعم والإسناد‘ أو ’قوات الدعم الأمني‘ وهي قوات متخصصة كانت موجودة داخل المحافظة تحت رئاسة المجلس الانتقالي، وهو أيضاً من قاد التحرك الأخير الذي حصل في حضرموت والمهرة، بسبب علاقاته القديمة مع الحزب وإيران”.
أبو علي الحضرمي… ما قصة تواجده في الضاحية الجنوبية لبيروت؟

يتهم بقيادة تشكيلات مسلحة شاركت في محاولات فرض السيطرة على شرق اليمن
عاد اسم “أبو علي الحضرمي” للواجهة في اليمن، بخاصة في حضرموت، بالتزامن مع تصعيد عسكري وتحركات للمجلس الانتقالي الجنوبي ومحاولات إعادة رسم خرائط النفوذ في الجنوب والشرق.
وتربط تقارير متعددة أبو علي بعلاقات سابقة مع بيروت والضاحية الجنوبية خلال فترة إقامة رئيس جمهورية اليمن الديمقراطية السابقة علي سالم البيض في لبنان، وبأدوار سياسية وإعلامية وأمنية، أبرزها في قناة “عدن لايف”.
خلال الأيام الأخيرة، عاد اسم “أبو علي الحضرمي” للواجهة بقوة، متقدماً عناوين النقاش السياسي والأمني في اليمن، بخاصة في محافظة حضرموت، وسط لحظة إقليمية شديدة التعقيد. هذا الظهور ترافق مع تطورات أمنية مستجدة بعد إعلان السعودية قصف مدينة المكلا في المحافظة على خلفية شحنة أسلحة آتية من دولة الإمارات، وصلت إلى هناك لمصلحة قوة انفصالية، معربة خلال بيان صدر عن وزارة خارجيتها عن أسفها لما قامت به الإمارات من ضغط على قوات المجلس الانتقالي الجنوبي لدفع قواته إلى القيام بعمليات عسكرية على حدود المملكة الجنوبية في محافظتي حضرموت والمهرة والتي تعد تهديداً للأمن الوطني للمملكة، والأمن والاستقرار في الجمهورية اليمنية والمنطقة، فيما رفضت أبو ظبي عبر بيان رسمي الزج باسمها في التوتر الحاصل بين الأطراف اليمنية، مستهجنة الادعاءات التي وردت حول القيام بالضغط أو توجيه أي طرف يمني للقيام بعمليات عسكرية تمس أمن السعودية الشقيقة أو تستهدف حدودها.
“أبو لولو” اليمن؟
بالعودة لقصة “أبو علي الحضرمي”، كان لافتاً اقتران اسمه خلال الآونة الأخيرة بلقب “أبو لولو”، بعد اتهام قواته بالعمل خارج القانون وارتكاب عمليات قتل وخطف ونهب وانتهاكات في شرق اليمن، تشبيهاً بـ”أبو لولو السودان” المتهم بارتكاب مجازر قتل وتعذيب في منطقة الفاشر السودانية.
ويتهم الحضرمي أيضاً بقيادة تشكيلات مسلحة شاركت في محاولات فرض السيطرة على شرق اليمن ضمن مشروع الانفصال.
ولفهم صعود اسم “أبو علي الحضرمي”، لا يمكن عزل المشهد اليمني عن سياقه الإقليمي الأوسع، فاليمن لم يعُد مجرد أزمة داخلية، بل تحول خلال العقد الأخير إلى مسرح تصفية حسابات بين محاور إقليمية. وفي هذا السياق، برز دور “حزب الله” بوصفه الذراع التنفيذية الأبرز لسياسات إيران خارج حدودها، سواء في سوريا أو العراق أو اليمن، عبر نقل “خبرات” أمنية وعسكرية وإدارة شبكات النفوذ.
والتقارير الدولية والإقليمية المتراكمة منذ أعوام تشير إلى أن الحزب قام بدور مباشر وغير مباشر في دعم الحوثيين، سواء عبر التدريب أو تقديم الاستشارات أو نقل الخبرات في مجالات الصواريخ والطائرات المسيّرة وبناء الشبكات الاستخباراتية. ومع الوقت، لم يعُد هذا الدور حبيس التكهنات، بل خرج إلى العلن عبر مسارات متعددة، من بينها تحقيقات صحافية وتسريبات أمنية وشهادات متقاطعة في اليمن ولبنان. وبهذا المعنى، لم يعُد لبنان، تحديداً الضاحية الجنوبية لبيروت تفصيلاً جانبياً في الملف اليمني، بل محطة أساسية في قصص كثيرة تتعلق بشخصيات يمنية صعدت أو تحركت على تماس مع هذا المحور.
ولعل اغتيال القيادي في “حزب الله” أبو علي الطبطبائي قبل أسابيع بضربة إسرائيلية استهدفته في قلب الضاحية، أكد مرة جديدة هذا الدور، إذ نعاه الحزب مشدداً على دوره العسكري في دعم الحوثيين في اليمن.
شخصيات يمنية على خط بيروت
ضمن هذا الإطار، ظهرت أسماء يمنية عدة كانت تتردد إلى لبنان خلال سنوات ما قبل الحرب اليمنية عام 2014 أو في بداياتها. وبعض هذه الزيارات كان يقدم تحت عناوين سياسية أو إعلامية أو “نضالية”، فيما تشير تقارير أخرى إلى أن جزءاً منها حمل أبعاداً تنظيمية وأمنية. هنا تحديداً، برز اسم “أبو علي الحضرمي” بوصفه أحد أبرز الشخصيات التي نسجت علاقات وثيقة مع دوائر القرار في الضاحية الجنوبية، في مرحلة كان فيها رئيس جمهورية اليمن الديمقراطية السابقة علي سالم البيض يقيم في بيروت ويبحث عن دعم سياسي وإعلامي وعسكري لمشروع “القضية الجنوبية”.
وبحسب تقارير يمنية متعددة، فإن “الحضرمي” لم يكن مجرد مرافق أو شخصية ثانوية في محيط البيض، بل شغل دوراً تنظيمياً واقتصادياً، وقدم نفسه في أكثر من محطة كحلقة وصل بين مشروع البيض وقنوات مرتبطة بإيران و”حزب الله”. وتذهب بعض هذه التقارير إلى حد القول إن الرجل دخل في مساعٍ لتأمين تدريب عناصر يمنية جنوبية في لبنان، وضمن سياق أوسع حاول توظيف الملف الجنوبي كورقة ضغط إضافية في مواجهة دول الخليج، أو كعامل موازٍ على خط الحوثيين في الشمال.
من هو “أبو علي الحضرمي”؟
اسمه الحقيقي صالح علي بن الشيخ أبو بكر، ويقدم غالباً بوصفه شخصية حضرمية، وإن كان خصومه يطعنون في “حضرمية” تمثيله السياسي والاجتماعي، ويعدّون حضوره أقرب إلى أنه واجهة مرسلة من خارج المحافظة. تاريخياً، برز اسمه منذ أواخر التسعينيات داخل أوساط الحراك الجنوبي، وارتبط بمحاولات مبكرة لتأسيس تنظيمات تمثل “المشروع الجنوبي”، ومن بينها حركة “حتم” التي تذكر في بعض الروايات بوصفها إطاراً سرياً أو تنظيمياً نشط خارج اليمن.
وتشير تقارير متداولة إلى أن البيض كلفه تأسيس حراك عسكري سري في الخارج، وتولى فيه “الحضرمي” موقعاً تنظيمياً ومالياً، فيما كانت شخصيات جنوبية أخرى تقود العمل الميداني داخل اليمن. وفي هذا السياق تحديداً، تطرح نقطة حساسة، إذ إن بعض التقارير تتحدث عن تدريبات تلقاها أفراد مرتبطون بهذه التشكيلات على أيدي خبراء من “حزب الله” في الضاحية الجنوبية، مع حديث عن دعم لوجستي ومالي إيراني في تلك المرحلة، وهذه النقطة تبقى في خانة الروايات التي تحتاج دائماً إلى تدقيق مستقل، لكنها تفسر لماذا ظل اسم “أبو علي” مرتبطاً ببيروت والضاحية في ذاكرة خصومه.
وبعد حرب عام 1994 وخروج البيض من اليمن، تشير روايات إلى أن “أبو علي” تولى إدارة مكتب البيض وظل حاضراً في محيطه لسنوات طويلة، فيما تشير بعض التقارير غير المؤكدة إلى أنه يحمل الجنسية الفرنسية، مما يفسر سهولة تحركاته بين العواصم وتبدل محطات إقامته. وفي المجمل، يوصف الرجل بأنه يفضل العمل خلف الكواليس، ويظهر عند اللحظات المفصلية ثم يعود للظل، وهي سمة ستتكرر لاحقاً أثناء تنقلاته بين عدن وحضرموت.
“عدن لايف” من بيروت
مع انتقال البيض إلى بيروت عام 2013 وفتح قنواته السياسية والإعلامية، تعزز دور “أبو علي الحضرمي”، بخاصة في الجانب الإعلامي، وهنا تبرز قصة قناة “عدن لايف” التي شكلت إحدى أهم الأدوات الإعلامية للحراك الجنوبي، وارتبط بثها من خارج اليمن بسياق العلاقة بين البيض والضاحية الجنوبية.
وتكشف المعلومات عن أن مقرها كان في حي الأميركان الواقع في قلب الضاحية الجنوبية لبيروت، وهو الحي الذي تعرض لقصف إسرائيلي متكرر خلال الحرب الأخيرة.
مصادر يمنية كشفت عن أن “الحضرمي” اضطلع بدور أساس في إدارة القناة خلال مرحلة وجودها في لبنان، وأنه تولى عام 2014 إعادة هيكلتها. وتذهب تقارير إلى أنه أجرى تغييرات إدارية واسعة وتولى الجانب الإرشادي في القناة، شملت الاستعانة بطاقم لبناني وتعيينات داخل غرفة الأخبار، فيما يربط متابعون لهذا الملف بين تلك المرحلة وتحول في سياسة القناة التحريرية، وصولاً إلى اتهام بعضهم أن خطاب هذه المؤسسة الإعلامية أصبح أكثر مهادنة للحوثيين في لحظة كانت فيها الجبهات تتغير بسرعة داخل اليمن.
وإحدى أكثر المعلومات المتداولة إثارة للجدل تتعلق بأرشيف القناة، إذ يتداول بعضهم إعلامياً أنه خلال حرب اليمن عام 2015، تعرض مقر القناة في بيروت لسيطرة أطراف موالية لمحور الحوثي، وأن “أبو علي الحضرمي” تمكن في لحظة لاحقة من تهريب جزء كبير من أرشيف “عدن لايف” خارج لبنان، مما سمح بإعادة تشغيل القناة من خارج نطاق السيطرة الأصلية في مرحلة لاحقة.
وبقيت القناة في بيروت لفترة عامين تقريباً قبل أن تقفل وتنتقل إلى اليمن.
ومع تطور الأمور ميدانياً عام 2015 في اليمن، عاد “أبو علي الحضرمي” للمشهد اليمني، وظهر لفترة كمستشار لمحافظ عدن آنذاك عيدروس الزبيدي، غير أن وجوده في هذا الموقع لم يدُم طويلاً، إذ أبعد لاحقاً وسط ضغوط واعتراضات محلية وإقليمية، وبسبب حساسية اسمه المرتبطة بعلاقات سابقة مع الضاحية وإيران وفق خصومه، لكن هذا الإبعاد لم ينهِ حضوره بل أدخله مرحلة “العمل في الظل” لأعوام.
حضرموت… العقدة الأصعب
حضرموت ليست محافظة عادية، إنها الأكبر مساحة في اليمن والأغنى بالثروات والأشد حساسية في توازناتها القبلية والسياسية، ودخول “أبو علي الحضرمي” على خط حضرموت عبر قيادته لما يعرف بـ “قوات الدعم الأمني” المرتبطة بالمجلس الانتقالي، فجر سجالاً واسعاً في الداخل الحضرمي. فهناك من يرى في هذه القوات محاولة لفرض أمر واقع بقوة السلاح، عبر استقدام عناصر من خارج المحافظة، بما يهدد التوازنات المحلية ويصطدم بمواقف قبائل مؤثرة وحلف قبائل حضرموت تحديداً.
في المقابل، يقدم أنصار هذه الشخصية مقاربة مغايرة تعتبر أن الهدف هو ضبط الأمن ومنع تمدد الحوثيين أو الجماعات المتطرفة، وأن حضرموت تحتاج إلى قوة صلبة تمنع الفوضى.
وتنسب تصريحات وتهديدات سابقة لهذه الشخصية ضد خصوم قبليين، وفيها اتهام لرموز حضرمية بـ”العمالة”، مما فجر غضباً محلياً ضده، ثم جاءت اشتباكات محدودة مع مقاتلين قبليين، لتؤشر إلى أن حضرموت قد تنزلق إلى صراع داخلي مفتوح إذا استمرت سياسة فرض الوقائع.
الجدل حول “أبو علي الحضرمي” يعكس في جوهره صراعاً أوسع، هو صراع على هوية الجنوب وعلى موقعه في الخريطة الإقليمية وعلى حدود النفوذ الإيراني في اليمن. فالرجل، سواء عُد فاعلاً مستقلاً، أو أداة ضمن مشروع أكبر، يمثل نموذجاً لشخصيات تشكلت في تقاطع السياسة بالإعلام بالأمن، وتحركت بين بيروت وحضرموت وفق إيقاع المصالح الإقليمية.
ماذا تقول المصادر الأمنية في بيروت؟
وفق مصدر أمني لبناني رسمي، فإن الأجهزة المعنية لا تملك معطيات رسمية مثبتة حول دخول أو خروج “أبو علي الحضرمي” إلى بيروت عبر القنوات النظامية، ويشير إلى أن غياب أي تسجيل رسمي لا يرقى تلقائياً إلى النفي، في ظل سوابق معروفة لطريقة إدارة “حزب الله” لحركة بعض الأشخاص أو المحسوبين عليه.
ويشرح المصدر أن الحزب، خلال مراحل سابقة، كان يؤمن مرور أفراد أو شخصيات غير لبنانية عبر مسارات تقليدية وغير تقليدية بعضها عبر بيروت مباشرة وبعضها الآخر بصورة غير مباشرة من سوريا، بالتالي من الصعب نفي أو تأكيد وجود هذه الشخصية قبل أعوام في لبنان.
في المقابل، يلفت المصدر إلى أن سياق السنوات الماضية في الضاحية الجنوبية كان معروفاً باحتضان “حزب الله” لعدد من الإعلاميين والناشطين والسياسيين والأمنيين اليمنيين ضمن شبكة علاقات ممتدة، بالتوازي مع استقبال وفود إيرانية رفيعة ضمن ترتيبات خاصة، ومن هذا الواقع يفسر لماذا تبقى معلومات الدولة ناقصة أو غير مكتملة في ملفات محددة، إذ إن الأجهزة الرسمية، حتى عندما تملك مؤشرات أو روايات، تصطدم بسقف عملي يتعلق بما يسميه المصدر “حدود التعمق”، في ظل توازنات سياسية وقرارات حكومية متعاقبة منحت غطاءً واسعاً لما يعرف بـ”أمن الحزب”.
تقاطع المشاريع الإقليمية
وفي السياق يرى الناشط السياسي اليمني ياسين التميمي أن اسم “أبو علي الحضرمي” لا تمكن مقاربته فقط من زاوية حضرموت أو الجنوب اليمني، بل من خلال مساره السياسي والأمني الذي تشكل في لحظة كان فيها اليمن ساحة مفتوحة لتقاطع المشاريع الإقليمية. ويشير إلى أن العلاقة التي ربطت بعض القيادات الجنوبية السابقة بمحور إيران- “حزب الله” ليست تفصيلاً ثانوياً، بل جزءاً من استراتيجية إيرانية أوسع سعت إلى توسيع نفوذها في اليمن عبر قنوات غير حوثية، مستفيدة من حال الانقسام التي أعقبت حرب 1994.
ويضيف التميمي أن بيروت، تحديداً الضاحية الجنوبية، شكلت خلال أعوام معينة محطة سياسية وأمنية لعدد من الشخصيات اليمنية، حيث لم يكن الدعم الإيراني محصوراً بالسلاح فقط، بل شمل الإعلام وبناء الشبكات والتدريب، مما يفسر، على حد قوله، بروز أسماء قامت بأدوار مركبة لاحقاً في الداخل اليمني. وفي هذا السياق، يندرج اسم “أبو علي الحضرمي” ضمن جيل من الفاعلين الذين تنقلوا بين أدوار سياسية وإعلامية وأمنية، وتكيفوا مع تغير موازين القوى.
بدوره يكشف الباحث اليمني في المعهد الملكي البريطاني براء شيبان بعض المعلومات عن “أبو علي الحضرمي”، ويقول إنه كان أحد المسؤولين البارزين عن حركة “حتم” مع عيدروس الزبيدي، وإن هذه الحركة كانت في بدايتها محدودة العدد، ويعتقد بأن عدد مقاتليها كان نحو 2000 مقاتل، وكانت تتلقى دعماً من إيران. وكان هو، أي “الحضرمي”، حلقة الوصل الأساسية مع إيران عبر “حزب الله”، إذ كان مستقراً في لبنان خلال تلك الفترة، ونسج علاقات مع الحزب مباشرة.
ويضيف “هو شخص يفضل دائماً العمل في الظل، ونادر الظهور العلني، ولم يظهر إلا خلال الفترة الأخيرة داخل حضرموت، حيث قاد ما يسمى ’قوات الدعم والإسناد‘ أو ’قوات الدعم الأمني‘ وهي قوات متخصصة كانت موجودة داخل المحافظة تحت رئاسة المجلس الانتقالي، وهو أيضاً من قاد التحرك الأخير الذي حصل في حضرموت والمهرة، بسبب علاقاته القديمة مع الحزب وإيران”.











