أميركا تضرب معقل “اليسار الشعبوي”

الكاتب: طوني بولس | المصدر: اندبندنت عربية
4 كانون الثاني 2026

إسقاط نيكولاس مادورو عبر عملية أميركية خاطفة لم يكن حدثاً محلياً، بل محطة تأسيسية في نهج جديد يقوم على كسر الحصانات وتفكيك الشبكات المرتبطة بمحور مترابط يمتد من فنزويلا إلى إيران وكوريا الشمالية. هذا المحور، الذي عاش على اقتصاد الظل والفساد وتجارة المخدرات وتحالف اليسار العالمي مع الإسلام السياسي، تلقى ضربة استراتيجية.

دخل العالم عام 2026 على إيقاع الحسم وليس على وقع التسويات الرمادية، وعلى وقائع صلبة تؤكد أن مرحلة إدارة الأزمات من الخلف انتهت. الولايات المتحدة الأميركية، وفق إيقاع دونالد ترمب، لم تعد تكتفي بالعقوبات والبيانات والوساطات البطيئة، بل قررت أن تتقدم إلى الواجهة وتستعيد دور القائد المباشر للنظام العالمي.

أميركا اليوم تتصرف بوصفها “مركز القيادة” الذي يضبط الإيقاع، يدخل في التفاصيل ويعيد رسم الخرائط، لا في الشرق الأوسط فحسب بل على مستوى العالم. ما نشهده ليس حدثاً موضعياً ولا رد فعل ظرفياً، بل نمطٌ يتوسع من كاراكاس إلى طهران إلى بيونغ يانغ على قاعدة واحدة، إسقاط الحصانات وقطع رؤوس الشبكات وتوجيه ضربة استراتيجية لمحور بات في المفهوم الأميركي مترابطاً في التمويل والسرديات والأدوات، مهما اختلفت شعاراته وأزياؤه.

في هذا السياق، جاء المشهد الفنزويلي كإشارة افتتاحية صادمة للعام الجديد. عملية أميركية خاطفة، إنزال مباشر على القصر الرئاسي في كاراكاس، اعتقال نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، وترحيلهما خارج البلاد باتجاه الولايات المتحدة وفق ما أعلنته واشنطن.

هنا لا يمكن الحديث عن ضغط سياسي أو انقلاب داخلي أو انتفاضة شعبية فحسب، بل عن نموذج تدخل مباشر يعيد إلى الذاكرة ما جرى في بنما عام 1989، حين اعتقلت الولايات المتحدة الجنرال مانويل نورييغا ونقلته إلى أميركا لمحاكمته بتهم مرتبطة بالمخدرات. التشابه لا يقتصر على المشهد العسكري بل يمتد إلى الفلسفة نفسها، الدولة التي تصنفها واشنطن كـ”منظومة إجرامية – سياسية” يمكن اقتلاع رأسها بالقوة ونقله إلى قفص القضاء الأميركي، ثم ترك البلد أمام مرحلة انتقال تتصارع فوقها القوى الداخلية والخارجية.

نظام عالمي جديد

بنما كانت درساً مبكراً في أن واشنطن حين تحسم قرارها، تتجاوز الحسابات الشكلية للشرعية الدولية وتتحرك وفق أولوياتها الأمنية والسياسية. واليوم، في فنزويلا، يتكرر الدرس بصورة أكثر حدة، لأن العالم لم يعد يعيش ثنائية قطبين كما في زمن الحرب الباردة، ولأن الأمم المتحدة ببطئها وتعقيدها وبيروقراطيتها الثقيلة، تحولت عند كثرٍ إلى منصة خطب لا غرفة قرار.

 ترمب لم يخف يوماً ازدراءه لهذا النموذج، هاجم الأمم المتحدة وتهكم على عجزها واعتبرها مؤسسة فاشلة، ثم جاء عام 2026 ليحول هذا الموقف من خطاب سياسي إلى ممارسة عملية، أميركا تتحرك كأنها سلطة تنفيذ فوق النظام الدولي، أو خارجه عند الحاجة.

من هنا يصبح التعامل مع إسقاط مادورو كخبر محلي في أميركا اللاتينية خطأً فادحاً. مادورو ليس مجرد رئيس في دولة نفطية تعاني أزمة اقتصادية خانقة، بل هو رأس عقدة في شبكة تداخلت فيها ثلاثة مسارات متلازمة. المسار الأول أيديولوجي، يتمثل في امتداد تجربة هوغو تشافيز واليسار الشعبوي اللاتيني الذي صنع أسطورة “مقاومة الإمبريالية” بوصفها الشرعية الوحيدة للحكم، ثم استخدمها لتبرير تهشيم الدولة والمؤسسات والفشل الاقتصادي والقمع.

المسار الثاني جيوسياسي، عبر تحالفات واضحة مع خصوم واشنطن، روسيا وإيران وكوبا وكوريا الشمالية، جعلت من فنزويلا نقطة ارتكاز لمحور مناهض للغرب في نصف الكرة الغربي. أما المسار الثالث، وهو الأخطر، فمالي-أمني، يتمثل في الاتهامات الأميركية بانخراط النظام في اقتصاد الجريمة، تهريب مخدرات وشبكات غسل أموال، وتحويل الدولة إلى مظلة حماية لاقتصاد غير شرعي.

هنا تظهر نقطة مفصلية في السردية الأميركية، العملية لم تقدم كحرب تقليدية، بل كعملية “إنفاذ قانون” بغطاء عسكري. إدارة ترمب استندت إلى ملف قضائي أميركي قديم ضد مادورو بتهم مرتبطة بالمخدرات، وتحدثت عن “ناركو-إرهاب”، وعن “كارتل الشمس” داخل الدولة، وعن مكافآت مالية ضخمة وصلت إلى عشرات ملايين الدولارات لمن يقود إلى اعتقاله. القضية ليست في عدالة الاتهام من عدمه، بل في كيفية بناء الشرعية السياسية داخل واشنطن، عندما يتحول الخصم إلى تاجر مخدرات أو إرهابي يصبح إسقاطه عملاً مشروعا داخلياً، وتتحول السيادة الخارجية إلى تفصيل ثانوي.

التفاصيل العسكرية التي تسربت لاحقاً عززت فكرة أن القرار كان استراتيجياً لا ارتجالياً، عملية نفذتها وحدات نخبوية مدعومة بطائرات متطورة ضمن حشد بحري وجوي غير مسبوق في الكاريبي، وُصف بأنه الأكبر منذ بنما، وترافق مع استخدام بوابات قانونية داخلية، منها توسيع تصنيف الشبكات الفنزويلية كمنظمات إرهابية، لتسهيل استخدام القوة دون الدخول في معركة تفويض طويلة. هكذا تتبلور معادلة جديدة، القانون الأميركي يتحول إلى منصة لإعادة ترتيب العالم، لا مجرد أداة قضائية داخلية.

في قلب هذا المشهد لا بد من التوقف عند البعد الأوسع، نحن أمام لحظة تدشين نظام عالمي جديد. إسقاط مادورو ليس حدثاً معزولاً، بل محطة افتتاحية في “نظام تشغيل” عالمي مختلف. أميركا، تحت قيادة ترمب، تتصرف كقطب أوحد يريد تنظيم العالم بالقوة، لا بإدارة التوازنات فحسب. والمحور الذي تعده واشنطن خطراً لم يعد يُقرأ كملفات منفصلة، فنزويلا ليست بعيدة من إيران وإيران ليست بعيدة من كوريا الشمالية، لأن الرابط ليس الجغرافيا بل الوظيفة، اقتصاد ظل وشبكات سلاح ومال وسرديات أيديولوجية تستخدم كقناع، وتحالفات تتبادل الحماية.

تحالف اليسار والإسلام السياسي

ومن هنا تتضح ضربة اليسار العالمي. القصة لا تتوقف عند سقوط مادورو كحليف لإيران وروسيا، بل تمتد إلى ضرب رمزية اليسار الشعبوي الذي عاش بعد سقوط الاتحاد السوفياتي على ثلاثية خطرة، الشعبوية واحتكار السلطة واقتصاد الظل. هذا التيار لم يحافظ على وجوده لأنه قدم نموذج دولة حديثة، بل لأنه أنشأ بدائل تمويل بعد انقطاع الداعم الأكبر. الفساد تحول إلى نظام حكم، وتجارة المخدرات في بعض الحالات إلى شريان سياسي، وعلاقات الدول الخارجة عن النظام العالمي إلى شبكة أمان. ومع الوقت، تحولت أميركا الجنوبية في كثير من التجارب إلى مساحة تتصارع فيها الدولة الرسمية مع الكارتلات أو تتحالف معها أو تخترق منها.

ومن هنا يصبح سقوط مادورو ضربة لليسار العالمي في صورته المتصلبة، صورة “معقل اليسار الشعبي” الذي يعيش على خطاب “المقاومة” بينما يتعايش مع اقتصاد التهريب والصفقات السوداء. حين تسقط واشنطن أحد أبرز رموزه بهذه الطريقة، فهي لا تطيح حليفاً فحسب، بل تفكك مصدر تمويل ونفوذ وسردية، وتبعث برسالة واضحة لبقية العقد، لا دولة بعيدة بما يكفي عن القبضة الأميركية.

في هذا الإطار تبرز أيضاً مسألة التزاوج بين اليسار العالمي والإسلام السياسي، لا كتحالف فكري بريء بل كزواج مصالح. التجربة أثبتت أن هذا التحالف يقوم على قاعدة واحدة، عدونا واحد، إذاً نحن شركاء. في الغرب، يتخفى الإسلام السياسي غالباً خلف قنوات يسارية أو خطاب حقوقي وأقلياتي، ويجد في اليسار منصة انتخابية وإعلامية جاهزة. وفي دول ذات غالبية مسلمة، يحدث العكس أحياناً، حيث يذوب اليسار في الخطاب الإسلامي أو يدخل معه في جبهات معادية للغرب والقيم العالمية، مستخدمين لغة العداء لما يسمونه “الاستكبار العالمي” و”الإمبريالية المتوحشة” كمظلة أيديولوجية.

التاريخ الإقليمي يقدم أمثلة واضحة، تحالف أنظمة بعثية أو اشتراكية “علمانية” مع إيران على رغم التناقض العقائدي، لأن الوظيفة السياسية واحدة، تثبيت السلطة وتصدير النفوذ وحماية شبكات السلاح والمال. سوريا في عهد آل الأسد كانت النموذج الأوضح، حيث تداخلت سرديات “الممانعة” مع بنية أمنية-اقتصادية انتهت إلى كارثة شاملة. والتجربة أثبتت أيضاً أن المعارضة السلمية وحدها في الأنظمة المتحجرة غالباً لا تكفي لإسقاطها، فسقوط النظام السوري لم يكن ممكناً لولا تدخلات إقليمية ودولية، وبالمنطق نفسه لم يكن سقوط مادورو ليحدث دون قرار أميركي مباشر.

من هنا يطل السؤال الكبير، خامنئي بعد مادورو؟ حين تعتمد واشنطن نموذج “قطع الرأس” في فنزويلا يصبح التساؤل طبيعياً حول إمكانية تطبيق المنطق نفسه في إيران. صحيح أن إيران ليست فنزويلا من حيث الحجم والقدرات والتعقيد، لكن الفكرة ليست تكرار الإنزال حرفياً، بل تفكيك منظومة طويلة العمر لا تسقط بالضغط الداخلي وحده. إيران التي كانت في عهد الشاه دولة منفتحة وعصرية تحولت إلى دولة خمينية خارج الزمن، تصدر الخراب وتستثمر في الميليشيات، مستفيدة من شلل النظام الدولي وبطء الأمم المتحدة. ومع عام 2026، تبدو واشنطن وكأنها قررت إنهاء زمن الاستغلال، من يهدد الأمن الأميركي بوصفه جزءاً من محور مترابط، يصبح داخل دائرة الاستهداف.

الرسالة السياسية واضحة، لا أحد محصن. وهذا بحد ذاته يغير الحسابات داخل الأنظمة وخارجها، ويفتح سيناريوهات انشقاقات وتآكل ولاءات وتحولات داخلية تحت ضغط الخوف من المصير نفسه. نجاح العملية الفنزويلية بهذه السرعة، وما تردد عن خروقات داخل الدائرة الضيقة، كفيل بأن يزرع الرعب في أي نظام يقوم على تماسك الأجهزة لا على شرعية شعبية.

بعد كاراكاس، لم يعد السؤال هل العالم يتغير، بل من يقرأ التحول ومن يتجاهله. لأن من يتجاهله قد لا يخسر معركة سياسية فحسب، بل قد يخسر شرعيته وتحالفاته وربما حريته حين تحين لحظة “قطع الرأس” التالي.

أميركا تضرب معقل “اليسار الشعبوي”

الكاتب: طوني بولس | المصدر: اندبندنت عربية
4 كانون الثاني 2026

إسقاط نيكولاس مادورو عبر عملية أميركية خاطفة لم يكن حدثاً محلياً، بل محطة تأسيسية في نهج جديد يقوم على كسر الحصانات وتفكيك الشبكات المرتبطة بمحور مترابط يمتد من فنزويلا إلى إيران وكوريا الشمالية. هذا المحور، الذي عاش على اقتصاد الظل والفساد وتجارة المخدرات وتحالف اليسار العالمي مع الإسلام السياسي، تلقى ضربة استراتيجية.

دخل العالم عام 2026 على إيقاع الحسم وليس على وقع التسويات الرمادية، وعلى وقائع صلبة تؤكد أن مرحلة إدارة الأزمات من الخلف انتهت. الولايات المتحدة الأميركية، وفق إيقاع دونالد ترمب، لم تعد تكتفي بالعقوبات والبيانات والوساطات البطيئة، بل قررت أن تتقدم إلى الواجهة وتستعيد دور القائد المباشر للنظام العالمي.

أميركا اليوم تتصرف بوصفها “مركز القيادة” الذي يضبط الإيقاع، يدخل في التفاصيل ويعيد رسم الخرائط، لا في الشرق الأوسط فحسب بل على مستوى العالم. ما نشهده ليس حدثاً موضعياً ولا رد فعل ظرفياً، بل نمطٌ يتوسع من كاراكاس إلى طهران إلى بيونغ يانغ على قاعدة واحدة، إسقاط الحصانات وقطع رؤوس الشبكات وتوجيه ضربة استراتيجية لمحور بات في المفهوم الأميركي مترابطاً في التمويل والسرديات والأدوات، مهما اختلفت شعاراته وأزياؤه.

في هذا السياق، جاء المشهد الفنزويلي كإشارة افتتاحية صادمة للعام الجديد. عملية أميركية خاطفة، إنزال مباشر على القصر الرئاسي في كاراكاس، اعتقال نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، وترحيلهما خارج البلاد باتجاه الولايات المتحدة وفق ما أعلنته واشنطن.

هنا لا يمكن الحديث عن ضغط سياسي أو انقلاب داخلي أو انتفاضة شعبية فحسب، بل عن نموذج تدخل مباشر يعيد إلى الذاكرة ما جرى في بنما عام 1989، حين اعتقلت الولايات المتحدة الجنرال مانويل نورييغا ونقلته إلى أميركا لمحاكمته بتهم مرتبطة بالمخدرات. التشابه لا يقتصر على المشهد العسكري بل يمتد إلى الفلسفة نفسها، الدولة التي تصنفها واشنطن كـ”منظومة إجرامية – سياسية” يمكن اقتلاع رأسها بالقوة ونقله إلى قفص القضاء الأميركي، ثم ترك البلد أمام مرحلة انتقال تتصارع فوقها القوى الداخلية والخارجية.

نظام عالمي جديد

بنما كانت درساً مبكراً في أن واشنطن حين تحسم قرارها، تتجاوز الحسابات الشكلية للشرعية الدولية وتتحرك وفق أولوياتها الأمنية والسياسية. واليوم، في فنزويلا، يتكرر الدرس بصورة أكثر حدة، لأن العالم لم يعد يعيش ثنائية قطبين كما في زمن الحرب الباردة، ولأن الأمم المتحدة ببطئها وتعقيدها وبيروقراطيتها الثقيلة، تحولت عند كثرٍ إلى منصة خطب لا غرفة قرار.

 ترمب لم يخف يوماً ازدراءه لهذا النموذج، هاجم الأمم المتحدة وتهكم على عجزها واعتبرها مؤسسة فاشلة، ثم جاء عام 2026 ليحول هذا الموقف من خطاب سياسي إلى ممارسة عملية، أميركا تتحرك كأنها سلطة تنفيذ فوق النظام الدولي، أو خارجه عند الحاجة.

من هنا يصبح التعامل مع إسقاط مادورو كخبر محلي في أميركا اللاتينية خطأً فادحاً. مادورو ليس مجرد رئيس في دولة نفطية تعاني أزمة اقتصادية خانقة، بل هو رأس عقدة في شبكة تداخلت فيها ثلاثة مسارات متلازمة. المسار الأول أيديولوجي، يتمثل في امتداد تجربة هوغو تشافيز واليسار الشعبوي اللاتيني الذي صنع أسطورة “مقاومة الإمبريالية” بوصفها الشرعية الوحيدة للحكم، ثم استخدمها لتبرير تهشيم الدولة والمؤسسات والفشل الاقتصادي والقمع.

المسار الثاني جيوسياسي، عبر تحالفات واضحة مع خصوم واشنطن، روسيا وإيران وكوبا وكوريا الشمالية، جعلت من فنزويلا نقطة ارتكاز لمحور مناهض للغرب في نصف الكرة الغربي. أما المسار الثالث، وهو الأخطر، فمالي-أمني، يتمثل في الاتهامات الأميركية بانخراط النظام في اقتصاد الجريمة، تهريب مخدرات وشبكات غسل أموال، وتحويل الدولة إلى مظلة حماية لاقتصاد غير شرعي.

هنا تظهر نقطة مفصلية في السردية الأميركية، العملية لم تقدم كحرب تقليدية، بل كعملية “إنفاذ قانون” بغطاء عسكري. إدارة ترمب استندت إلى ملف قضائي أميركي قديم ضد مادورو بتهم مرتبطة بالمخدرات، وتحدثت عن “ناركو-إرهاب”، وعن “كارتل الشمس” داخل الدولة، وعن مكافآت مالية ضخمة وصلت إلى عشرات ملايين الدولارات لمن يقود إلى اعتقاله. القضية ليست في عدالة الاتهام من عدمه، بل في كيفية بناء الشرعية السياسية داخل واشنطن، عندما يتحول الخصم إلى تاجر مخدرات أو إرهابي يصبح إسقاطه عملاً مشروعا داخلياً، وتتحول السيادة الخارجية إلى تفصيل ثانوي.

التفاصيل العسكرية التي تسربت لاحقاً عززت فكرة أن القرار كان استراتيجياً لا ارتجالياً، عملية نفذتها وحدات نخبوية مدعومة بطائرات متطورة ضمن حشد بحري وجوي غير مسبوق في الكاريبي، وُصف بأنه الأكبر منذ بنما، وترافق مع استخدام بوابات قانونية داخلية، منها توسيع تصنيف الشبكات الفنزويلية كمنظمات إرهابية، لتسهيل استخدام القوة دون الدخول في معركة تفويض طويلة. هكذا تتبلور معادلة جديدة، القانون الأميركي يتحول إلى منصة لإعادة ترتيب العالم، لا مجرد أداة قضائية داخلية.

في قلب هذا المشهد لا بد من التوقف عند البعد الأوسع، نحن أمام لحظة تدشين نظام عالمي جديد. إسقاط مادورو ليس حدثاً معزولاً، بل محطة افتتاحية في “نظام تشغيل” عالمي مختلف. أميركا، تحت قيادة ترمب، تتصرف كقطب أوحد يريد تنظيم العالم بالقوة، لا بإدارة التوازنات فحسب. والمحور الذي تعده واشنطن خطراً لم يعد يُقرأ كملفات منفصلة، فنزويلا ليست بعيدة من إيران وإيران ليست بعيدة من كوريا الشمالية، لأن الرابط ليس الجغرافيا بل الوظيفة، اقتصاد ظل وشبكات سلاح ومال وسرديات أيديولوجية تستخدم كقناع، وتحالفات تتبادل الحماية.

تحالف اليسار والإسلام السياسي

ومن هنا تتضح ضربة اليسار العالمي. القصة لا تتوقف عند سقوط مادورو كحليف لإيران وروسيا، بل تمتد إلى ضرب رمزية اليسار الشعبوي الذي عاش بعد سقوط الاتحاد السوفياتي على ثلاثية خطرة، الشعبوية واحتكار السلطة واقتصاد الظل. هذا التيار لم يحافظ على وجوده لأنه قدم نموذج دولة حديثة، بل لأنه أنشأ بدائل تمويل بعد انقطاع الداعم الأكبر. الفساد تحول إلى نظام حكم، وتجارة المخدرات في بعض الحالات إلى شريان سياسي، وعلاقات الدول الخارجة عن النظام العالمي إلى شبكة أمان. ومع الوقت، تحولت أميركا الجنوبية في كثير من التجارب إلى مساحة تتصارع فيها الدولة الرسمية مع الكارتلات أو تتحالف معها أو تخترق منها.

ومن هنا يصبح سقوط مادورو ضربة لليسار العالمي في صورته المتصلبة، صورة “معقل اليسار الشعبي” الذي يعيش على خطاب “المقاومة” بينما يتعايش مع اقتصاد التهريب والصفقات السوداء. حين تسقط واشنطن أحد أبرز رموزه بهذه الطريقة، فهي لا تطيح حليفاً فحسب، بل تفكك مصدر تمويل ونفوذ وسردية، وتبعث برسالة واضحة لبقية العقد، لا دولة بعيدة بما يكفي عن القبضة الأميركية.

في هذا الإطار تبرز أيضاً مسألة التزاوج بين اليسار العالمي والإسلام السياسي، لا كتحالف فكري بريء بل كزواج مصالح. التجربة أثبتت أن هذا التحالف يقوم على قاعدة واحدة، عدونا واحد، إذاً نحن شركاء. في الغرب، يتخفى الإسلام السياسي غالباً خلف قنوات يسارية أو خطاب حقوقي وأقلياتي، ويجد في اليسار منصة انتخابية وإعلامية جاهزة. وفي دول ذات غالبية مسلمة، يحدث العكس أحياناً، حيث يذوب اليسار في الخطاب الإسلامي أو يدخل معه في جبهات معادية للغرب والقيم العالمية، مستخدمين لغة العداء لما يسمونه “الاستكبار العالمي” و”الإمبريالية المتوحشة” كمظلة أيديولوجية.

التاريخ الإقليمي يقدم أمثلة واضحة، تحالف أنظمة بعثية أو اشتراكية “علمانية” مع إيران على رغم التناقض العقائدي، لأن الوظيفة السياسية واحدة، تثبيت السلطة وتصدير النفوذ وحماية شبكات السلاح والمال. سوريا في عهد آل الأسد كانت النموذج الأوضح، حيث تداخلت سرديات “الممانعة” مع بنية أمنية-اقتصادية انتهت إلى كارثة شاملة. والتجربة أثبتت أيضاً أن المعارضة السلمية وحدها في الأنظمة المتحجرة غالباً لا تكفي لإسقاطها، فسقوط النظام السوري لم يكن ممكناً لولا تدخلات إقليمية ودولية، وبالمنطق نفسه لم يكن سقوط مادورو ليحدث دون قرار أميركي مباشر.

من هنا يطل السؤال الكبير، خامنئي بعد مادورو؟ حين تعتمد واشنطن نموذج “قطع الرأس” في فنزويلا يصبح التساؤل طبيعياً حول إمكانية تطبيق المنطق نفسه في إيران. صحيح أن إيران ليست فنزويلا من حيث الحجم والقدرات والتعقيد، لكن الفكرة ليست تكرار الإنزال حرفياً، بل تفكيك منظومة طويلة العمر لا تسقط بالضغط الداخلي وحده. إيران التي كانت في عهد الشاه دولة منفتحة وعصرية تحولت إلى دولة خمينية خارج الزمن، تصدر الخراب وتستثمر في الميليشيات، مستفيدة من شلل النظام الدولي وبطء الأمم المتحدة. ومع عام 2026، تبدو واشنطن وكأنها قررت إنهاء زمن الاستغلال، من يهدد الأمن الأميركي بوصفه جزءاً من محور مترابط، يصبح داخل دائرة الاستهداف.

الرسالة السياسية واضحة، لا أحد محصن. وهذا بحد ذاته يغير الحسابات داخل الأنظمة وخارجها، ويفتح سيناريوهات انشقاقات وتآكل ولاءات وتحولات داخلية تحت ضغط الخوف من المصير نفسه. نجاح العملية الفنزويلية بهذه السرعة، وما تردد عن خروقات داخل الدائرة الضيقة، كفيل بأن يزرع الرعب في أي نظام يقوم على تماسك الأجهزة لا على شرعية شعبية.

بعد كاراكاس، لم يعد السؤال هل العالم يتغير، بل من يقرأ التحول ومن يتجاهله. لأن من يتجاهله قد لا يخسر معركة سياسية فحسب، بل قد يخسر شرعيته وتحالفاته وربما حريته حين تحين لحظة “قطع الرأس” التالي.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار