احتجاجات إيران: ترامب يدعو نتنياهو للتّريّث..

قبل اندلاع الاحتجاجات الشعبيّة في إيران الأحد الماضي، كان السؤال: هل كان دونالد ترامب سيطلق يد بنيامين نتنياهو لتوجيه ضربة استباقيّة لها؟
بعدما توسّعت هذه الاحتجاجات طُرِح سؤالٌ افتراضيٌّ معاكسٌ: هل توجِّه طهران ضربة استباقيّة لإسرائيل للخروج من المأزق؟ وبصرف النظر عن أنّ هذا الافتراض تغذّيه أوساط في إسرائيل من باب تضخيم المخاطر الإيرانيّة عليها، فإنّه ناجم عن ميل إدارة ترامب إلى استبعاد عمل عسكريّ ضدّ بلاد الفرس. فحرب الـ12 يوماً في حزيران الماضي أضعفت برنامج طهران النوويّ وقدراتها العسكريّة، والحصار الأميركيّ الغربيّ أخذ يعمِّق أزمة النظام.
تشبيه إيران بسوريا؟
شبّه العديد من المحلّلين والمتابعين للحدث الإيراني، سواء ممّن ظهروا على الشاشات أو بعض من تحدّث إليهم “أساس”، ما يجري في بلاد الفرس بما حصل في سوريا من سقوط لنظام بشّار الأسد. إلّا أنّ أيّاً منهم لم يذهب إلى درجة توقّع الفترة الزمنيّة التي سيستغرقها التغيير المقبل في بلاد الفرس، والتي قد تمتدّ أو تقصُر. وفي كلّ الأحوال تفرض ميزات المجتمع الإيرانيّ الشديد الالتصاق بشعوره القوميّ واستقلاليّته، والتعقيدات المحيطة بموازين السلطة وبموقع إيران الجيوسياسيّ، على المحلّلين تواضعاً في التوقّعات. أحد المستجدّات أنّ الصراع داخل السلطة بين التيّارين الإصلاحيّ والأصوليّ حيال الاحتجاج الشعبيّ ظَهَر بأشدّ مظاهره.
في انتظار اتّضاح ما ستؤول إليه الاحتجاجات التي اندلعت بفعل التدهور الدراماتيكيّ لسعر صرف الريال الإيرانيّ وتوسّعت بسبب تراكم الأزمة الاقتصاديّة الخانقة واللامساواة بين المناطق والمحافظات، يمكن تسجيل الآتي حيالها:
لترامب أسبابه في استبعاد الحلّ العسكريّ
1- حين علّق دونالد ترامب، وإلى جانبه نتنياهو، على احتمال توجيه ضربة عسكريّة لإيران بالإيجاب في حال جدّدت برنامجها النوويّ، أردف قائلاً: “سنرى”، تعبيراً عن التريّث في صدد ما دعاه إليه رئيس الوزراء الإسرائيليّ. كان يتحدّث في اليوم التالي لاندلاع الاحتجاجات في طهران، من البازار هذه المرّة. يشي ذلك بأنّ واشنطن كانت تتوقّع أن يؤدّي تشديدها للحصار بالعقوبات وبالإجراءات الرقابيّة على نقل الأموال، لا سيما في العراق وفي تركيا، إلى خنق القدرات الماليّة واهتراء داخليّ من نتائجه الاعتراض الشعبيّ على التردّي الاقتصاديّ والماليّ. ومن نافل القول أنّ إدارة ترامب كانت ترصد تأثير ذلك على الموقف السياسيّ لحكّام طهران. لم يفُت ترامب أن ينبّه وسائل الإعلام إلى أنّ الجانب الإيرانيّ يريد التفاوض والتوصّل إلى اتّفاق في الملفّ النوويّ، موحياً بأنّه يترقّب ذلك. وحين قال ترامب أمس: “إذا أطلقت طهران النار على المتظاهرين السلميّين وقتلتهم فسنتدخّل لمساعدتهم”. وبقدر ما كان يرهن تهديده بالقيام بعمل عسكريّ ضدّ إيران بتطوّر الوضع الداخليّ، كان في الوقت نفسه كمن يوحي لنتنياهو بأن يجلس جانباً وأنّ واشنطن ستتولّى الأمر، وعلى الرغم من التنسيق الاستخباريّ المتواصل داخل إيران تبقى الكلمة الأخيرة لأميركا. جاء ذلك بعد مقتل عدد من المتظاهرين على يد قوّات “الباسيج”، التي قمعت بشكل وحشيّ كلّ الحركات الاحتجاجيّة السابقة التي قامت منذ 2009، بموازاة سجن النظام لقادتها سواء من السياسيّين الكبار أو من الناشطين والحقوقيّين وكبار الفنّانين. فكُثر من هؤلاء غادروا البلاد إمّا بعد خروجهم من السجون أو تجنّباً لسجنهم وتعذيبهم. ومن بقوا فضّلوا ترحيل عائلاتهم إلى الخارج تجنّباً لاستهداف أفرادها. وشكّل هؤلاء المهاجرون على مدى عقود لوبياً مؤثّراً في أوروبا وأميركا ضدّ نظام الملالي.
ماذا أعدّ النّظام ضدّ تدخُّل إسرائيل؟
2- ليست المرّة الأولى التي يتّهم فيها رموز القيادة الإيرانيّة المتظاهرين بأنّ إسرائيل تقف خلفهم وتحرِّكهم. كان هذا من باب إنكار الأضرار الهائلة لسياسة الحكّام على الوضعَين الاقتصاديّ والسياسيّ في الداخل، وتراكم النقمة بسبب إفقار شرائح واسعة والبطالة. يقرّ مطّلعون على التطوّرات الأخيرة بصحّة تدخُّل إسرائيل، التي لم يخفِ جهازها “الموساد” مساعدته لبعض المحتجّين.
لكنّ هؤلاء يسألون: ما دامت الدولة العبريّة أفلحت في تحقيق الاختراقات الكبيرة الأمنيّة والسياسيّة داخل إيران، فماذا أعدّت قوى النظام لمواجهة تلك الاختراقات أو تفادي توسّعها أمنيّاً وسياسيّاً؟ هذه الاختراقات ثبت عمقها في الضربات القاسية التي تعرّضت لها المواقع النوويّة والإمكانات العسكريّة الإيرانيّة في حزيران الماضي، وفي اغتيال قادة عسكريّين وعلماء نوويّين، وتدلّ على الفشل الذريع لحكّام طهران الذين ضخّموا قدراتهم بمواجهة الدولة العبريّة فجلبوا على أنفسهم الهزائم مقابل أوهام الانتصارات والعنتريّات المغلّفة بالشعارات الإيمانيّة والغيبيّة. وهذا ينسحب على الأذرع في لبنان وسوريا والعراق واليمن.
تصدُّر البازار للاعتراض يرفع التّعبئة
3- لم تكن المرّة الأولى التي ترفع فيها الحركات الاحتجاجيّة في إيران، منذ “الحركة الخضراء” في 2009، شعار “لا غزّة.. لا لبنان.. أرواحنا من أجل إيران”. كانت الشعارات تترجم الغضب الشعبيّ من إنفاق الأموال الإيرانيّة على دعم الميليشيات والقوى التي صنعت نفوذ طهران الإقليميّ ومن تورّط النظام في سوريا دعماً لحكم بشّار الأسد. ومع أنّ انسحاب “حرس الثورة” من بلاد الشام إثر السقوط المدوّي للمشروع الإيرانيّ التوسّعي عبر سوريا، منذ أكثر من سنة، خفّض من هذا الإنفاق، ما يزال استنزاف الخزينة الإيرانيّة لمصلحة بقايا محور الممانعة سبباً للاعتراض الشعبيّ.
الجديد هو أنّ من يعتقدون بأنّ الدعم الماليّ للأذرع يستنزف الوضع الماليّ بمليارات الدولارات أصبحوا أكثريّة، بعدما كانوا أقليّة بين الأوساط الشعبيّة الإيرانيّة. فهناك إحصاءات مستقلّة في عام 2018 أشارت إلى أنّ نسبة هؤلاء لم تكن تتجاوز عشرين في المئة، فيما كان الذين يرفضون إرسال “الحرس” إلى سوريا بحدود 36 في المئة. لكنّ اندلاع الاحتجاجات من بازار طهران هذه المرّة وتوسّعها في مدن عدّة وشمولها فئات شعبيّة وشبابيّة وعمّاليّة دليل على انضمام الطبقة الوسطى بقوّة إلى شرائح الفقراء في الاعتراض. وتصدُّر تجّار البازار الاحتجاج يعطيه بعداً سياسيّاً أكبر ضدّ النظام لأنّه يرفع مستوى التعبئة الاجتماعيّة ويوسّع رقعتها، فالانهيار الأخير للعملة هو رأس جبل الجليد لآثار تراكم البطالة والهدر الماليّ المسيّس الذي يغطّي الفساد المستشري والعجز عن معالجة انقطاع الكهرباء والجفاف وترهّل المؤسّسات.
احتجاجات إيران: ترامب يدعو نتنياهو للتّريّث..

قبل اندلاع الاحتجاجات الشعبيّة في إيران الأحد الماضي، كان السؤال: هل كان دونالد ترامب سيطلق يد بنيامين نتنياهو لتوجيه ضربة استباقيّة لها؟
بعدما توسّعت هذه الاحتجاجات طُرِح سؤالٌ افتراضيٌّ معاكسٌ: هل توجِّه طهران ضربة استباقيّة لإسرائيل للخروج من المأزق؟ وبصرف النظر عن أنّ هذا الافتراض تغذّيه أوساط في إسرائيل من باب تضخيم المخاطر الإيرانيّة عليها، فإنّه ناجم عن ميل إدارة ترامب إلى استبعاد عمل عسكريّ ضدّ بلاد الفرس. فحرب الـ12 يوماً في حزيران الماضي أضعفت برنامج طهران النوويّ وقدراتها العسكريّة، والحصار الأميركيّ الغربيّ أخذ يعمِّق أزمة النظام.
تشبيه إيران بسوريا؟
شبّه العديد من المحلّلين والمتابعين للحدث الإيراني، سواء ممّن ظهروا على الشاشات أو بعض من تحدّث إليهم “أساس”، ما يجري في بلاد الفرس بما حصل في سوريا من سقوط لنظام بشّار الأسد. إلّا أنّ أيّاً منهم لم يذهب إلى درجة توقّع الفترة الزمنيّة التي سيستغرقها التغيير المقبل في بلاد الفرس، والتي قد تمتدّ أو تقصُر. وفي كلّ الأحوال تفرض ميزات المجتمع الإيرانيّ الشديد الالتصاق بشعوره القوميّ واستقلاليّته، والتعقيدات المحيطة بموازين السلطة وبموقع إيران الجيوسياسيّ، على المحلّلين تواضعاً في التوقّعات. أحد المستجدّات أنّ الصراع داخل السلطة بين التيّارين الإصلاحيّ والأصوليّ حيال الاحتجاج الشعبيّ ظَهَر بأشدّ مظاهره.
في انتظار اتّضاح ما ستؤول إليه الاحتجاجات التي اندلعت بفعل التدهور الدراماتيكيّ لسعر صرف الريال الإيرانيّ وتوسّعت بسبب تراكم الأزمة الاقتصاديّة الخانقة واللامساواة بين المناطق والمحافظات، يمكن تسجيل الآتي حيالها:
لترامب أسبابه في استبعاد الحلّ العسكريّ
1- حين علّق دونالد ترامب، وإلى جانبه نتنياهو، على احتمال توجيه ضربة عسكريّة لإيران بالإيجاب في حال جدّدت برنامجها النوويّ، أردف قائلاً: “سنرى”، تعبيراً عن التريّث في صدد ما دعاه إليه رئيس الوزراء الإسرائيليّ. كان يتحدّث في اليوم التالي لاندلاع الاحتجاجات في طهران، من البازار هذه المرّة. يشي ذلك بأنّ واشنطن كانت تتوقّع أن يؤدّي تشديدها للحصار بالعقوبات وبالإجراءات الرقابيّة على نقل الأموال، لا سيما في العراق وفي تركيا، إلى خنق القدرات الماليّة واهتراء داخليّ من نتائجه الاعتراض الشعبيّ على التردّي الاقتصاديّ والماليّ. ومن نافل القول أنّ إدارة ترامب كانت ترصد تأثير ذلك على الموقف السياسيّ لحكّام طهران. لم يفُت ترامب أن ينبّه وسائل الإعلام إلى أنّ الجانب الإيرانيّ يريد التفاوض والتوصّل إلى اتّفاق في الملفّ النوويّ، موحياً بأنّه يترقّب ذلك. وحين قال ترامب أمس: “إذا أطلقت طهران النار على المتظاهرين السلميّين وقتلتهم فسنتدخّل لمساعدتهم”. وبقدر ما كان يرهن تهديده بالقيام بعمل عسكريّ ضدّ إيران بتطوّر الوضع الداخليّ، كان في الوقت نفسه كمن يوحي لنتنياهو بأن يجلس جانباً وأنّ واشنطن ستتولّى الأمر، وعلى الرغم من التنسيق الاستخباريّ المتواصل داخل إيران تبقى الكلمة الأخيرة لأميركا. جاء ذلك بعد مقتل عدد من المتظاهرين على يد قوّات “الباسيج”، التي قمعت بشكل وحشيّ كلّ الحركات الاحتجاجيّة السابقة التي قامت منذ 2009، بموازاة سجن النظام لقادتها سواء من السياسيّين الكبار أو من الناشطين والحقوقيّين وكبار الفنّانين. فكُثر من هؤلاء غادروا البلاد إمّا بعد خروجهم من السجون أو تجنّباً لسجنهم وتعذيبهم. ومن بقوا فضّلوا ترحيل عائلاتهم إلى الخارج تجنّباً لاستهداف أفرادها. وشكّل هؤلاء المهاجرون على مدى عقود لوبياً مؤثّراً في أوروبا وأميركا ضدّ نظام الملالي.
ماذا أعدّ النّظام ضدّ تدخُّل إسرائيل؟
2- ليست المرّة الأولى التي يتّهم فيها رموز القيادة الإيرانيّة المتظاهرين بأنّ إسرائيل تقف خلفهم وتحرِّكهم. كان هذا من باب إنكار الأضرار الهائلة لسياسة الحكّام على الوضعَين الاقتصاديّ والسياسيّ في الداخل، وتراكم النقمة بسبب إفقار شرائح واسعة والبطالة. يقرّ مطّلعون على التطوّرات الأخيرة بصحّة تدخُّل إسرائيل، التي لم يخفِ جهازها “الموساد” مساعدته لبعض المحتجّين.
لكنّ هؤلاء يسألون: ما دامت الدولة العبريّة أفلحت في تحقيق الاختراقات الكبيرة الأمنيّة والسياسيّة داخل إيران، فماذا أعدّت قوى النظام لمواجهة تلك الاختراقات أو تفادي توسّعها أمنيّاً وسياسيّاً؟ هذه الاختراقات ثبت عمقها في الضربات القاسية التي تعرّضت لها المواقع النوويّة والإمكانات العسكريّة الإيرانيّة في حزيران الماضي، وفي اغتيال قادة عسكريّين وعلماء نوويّين، وتدلّ على الفشل الذريع لحكّام طهران الذين ضخّموا قدراتهم بمواجهة الدولة العبريّة فجلبوا على أنفسهم الهزائم مقابل أوهام الانتصارات والعنتريّات المغلّفة بالشعارات الإيمانيّة والغيبيّة. وهذا ينسحب على الأذرع في لبنان وسوريا والعراق واليمن.
تصدُّر البازار للاعتراض يرفع التّعبئة
3- لم تكن المرّة الأولى التي ترفع فيها الحركات الاحتجاجيّة في إيران، منذ “الحركة الخضراء” في 2009، شعار “لا غزّة.. لا لبنان.. أرواحنا من أجل إيران”. كانت الشعارات تترجم الغضب الشعبيّ من إنفاق الأموال الإيرانيّة على دعم الميليشيات والقوى التي صنعت نفوذ طهران الإقليميّ ومن تورّط النظام في سوريا دعماً لحكم بشّار الأسد. ومع أنّ انسحاب “حرس الثورة” من بلاد الشام إثر السقوط المدوّي للمشروع الإيرانيّ التوسّعي عبر سوريا، منذ أكثر من سنة، خفّض من هذا الإنفاق، ما يزال استنزاف الخزينة الإيرانيّة لمصلحة بقايا محور الممانعة سبباً للاعتراض الشعبيّ.
الجديد هو أنّ من يعتقدون بأنّ الدعم الماليّ للأذرع يستنزف الوضع الماليّ بمليارات الدولارات أصبحوا أكثريّة، بعدما كانوا أقليّة بين الأوساط الشعبيّة الإيرانيّة. فهناك إحصاءات مستقلّة في عام 2018 أشارت إلى أنّ نسبة هؤلاء لم تكن تتجاوز عشرين في المئة، فيما كان الذين يرفضون إرسال “الحرس” إلى سوريا بحدود 36 في المئة. لكنّ اندلاع الاحتجاجات من بازار طهران هذه المرّة وتوسّعها في مدن عدّة وشمولها فئات شعبيّة وشبابيّة وعمّاليّة دليل على انضمام الطبقة الوسطى بقوّة إلى شرائح الفقراء في الاعتراض. وتصدُّر تجّار البازار الاحتجاج يعطيه بعداً سياسيّاً أكبر ضدّ النظام لأنّه يرفع مستوى التعبئة الاجتماعيّة ويوسّع رقعتها، فالانهيار الأخير للعملة هو رأس جبل الجليد لآثار تراكم البطالة والهدر الماليّ المسيّس الذي يغطّي الفساد المستشري والعجز عن معالجة انقطاع الكهرباء والجفاف وترهّل المؤسّسات.








