لبنان في مرمى ارتدادات الضربة الأميركية لفنزويلا

قد يخيَّل للبعض أن ما يجري في فنزويلا، وتاليًا في إيران وفي حضرموت، وما يُهيّأ للداخل السوري، شأن بعيد لا يعني اللبنانيين لا من قريب ولا من بعيد. ويخطئ من يظن أن الضربات الأميركية ضد نظام نيكولاس مادورو لا تتعدّى حدود أميركا اللاتينية. فالتجارب التاريخية فيها الكثير من المعطيات، التي تجعل المرء يعتقد أن الجغرافيا في زمن المحاور لم تعد تحمي أحدًا، وأن الدول الصغيرة والهشّة، وقد يكون لبنان في طليعتها، غالبًا ما تدفع
أثمان صراعات لا قرار لها فيها.
الضربات الأميركية ضد فنزويلا ليست تفصيلًا عابرًا، بل حلقة في سلسلة استهداف منظومة كاملة من التحالفات التي نسجتها إيران على امتداد القارات. ومادورو لم يكن يومًا مجرّد رئيس دولة معزولة، بل شكّل، بنظامه وشبكاته، نقطة تقاطع سياسية ومالية وأمنية مع قوى إقليمية، من بينها “حزب الله” كأحد أذرع النظام الايراني، وفق ما تؤكده تقارير دولية متراكمة.
من هنا، يصبح السؤال مشروعًا بالنسبة إلى اللبنانيين، الذين يتملكهم الخوف من أي انعكاس لأي حدث في العالم على وضعيتهم الداخلية، خصوصًا أن لبنان يعيش على فوهة بركان لا يعرف أحد، وحتى المنجمون، متى ينفجر وتتطاير حممه في كل اتجاه: ماذا بعد فنزويلا، وأين يقف لبنان من كل ذلك؟
ثمة احتمالات لأكثر من سيناريو، وفق قراءات أولية لأكثر من محلل جيواستراتيجي. وأول هذه السيناريوهات سيناريو “الاحتواء”، أي تضييق الخناق بلا انفجار. وفي هذا السيناريو، تبدو واشنطن كمن يفضّل تقليم الأظافر بدلًا من كسر العظم، بحيث تكون الضربات مدروسة، ترافقها عقوبات اقتصادية واسعة النطاق، وتفكيك شبكات تمويل وتهريب، وعزل سياسي تدريجي. فهذا المسار، في رأي الخبراء، لا يحتاج إلى حرب شاملة كي يحقق أهدافه.
أمّا بالنسبة إلى لبنان، فالخطر في هذا المجال قد لا يكون أمنيًا مباشرًا، بل مالي وسيادي، أي بمعنى ممارسة المزيد من التدقيق الدولي، والمزيد من الضغط على القطاع المصرفي، والمزيد من الشبهات التي تُلصق بدولة عاجزة عن إقناع العالم بأنها تملك قرارها. ففي هذا السيناريو، من المتوقع أني يدفع لبنان ثمن علاقات لم يخترها شعبه، بل فُرضت عليه بقوة الأمر الواقع.
وثمة سيناريو آخر يمكن اللجوء إليه، وهو سيناريو المواجهة بالوكالة، أي بمعنى استخدام الساحات، ومن بينها الساحة اللبنانية، للردّ على الضربات الأميركية لفنزويلا، وهو من بين أخطر السيناريوهات المحتملة، خصوصًا إذا اعتبرت طهران وحلفاؤها أن استهداف فنزويلا يستوجب الردّ في ساحات أخرى. لا حروب كبرى، بل توتير محسوب، ورسائل بالنار عند اللزوم.
وهنا، لا يمكن للبنانيين أن يطمئنوا كثيرًا، إذ يبقى الجنوب ورقة جاهزة، في الوقت الذي يبدو الداخل اللبناني الغارق بأزماته المتراكمة أكثر هشاشة من أي وقت مضى، فيما تبدو الدولة غائبة أو مغيّبة. فأي تصعيد، ولو محدود، كفيل بتجميد ما تبقّى من أمل اقتصادي أو سياسي، وإعادة حصر لبنان بدور لا يريده، بل يرفضه، وهو تحويله إلى صندوق بريد إقليمي.
أمّا السيناريو الأكثر رجاحة، وفق بعض القراءات السياسية، فهو سيناريو ما يُسمّى بـ “الصفقة”، أي حين تصبح الضربات أوراق تفاوض. فهذا السيناريو هو الأقل ضجيجًا، ويقوم على تحويل الضربات إلى شماعة تفاوضية، وفق منطق الصفقات أو التسويات المتفرقة، ووفق تصّور واضح المعالم، ويعتمد اسلوبًا تقليديًا، أي بمعنى التخطيط لصفقة من هنا، وتسوية من هناك، والسعي إلى تخفيف بعض العقوبات مقابل بعض التنازلات. وفي هذا المشهد، قد يتراجع منسوب التوتر، لكن الثمن سيكون حتمًا سياسيًا.
وفي هذه الحال، لا يُستبعد أن يُطلب من لبنان الكثير: إصلاحات حقيقية، قرارات سيادية، وربما أثمان باهظة طال تأجيلها. ولكن يبقى سؤال جوهري يدور في أذهان المراقبين: هل يملك لبنان الجرأة على اتخاذ قراراته بنفسه، أم ينتظر دائمًا أن تُفرض عليه من الخارج؟
فما يجري في فنزويلا لا يستهدف لبنان مباشرة، لكنه يذكّر الجميع بحقيقة مرّة ومؤلمة، وهي أنه حين تغيب الدولة أو تغيّب نفسها، يصبح البلد ملحقًا بمحاور الآخرين. وقد لا يكمن الخطر الحقيقي في الصواريخ المعدّ اطلاقها في أي لحظة من لحظات غفلات الزمن، بل في استمرار سياسة الإنكار، وكأن لبنان جزيرة معزولة عن العالم.
ففي زمن إعادة رسم النفوذ الدولي بالقوة، لا ضير بأن يلجأ لبنان إلى سياسة الحياد الايجابي، مترافقًا مع تثبيت القدرة على استعادة دوره الحواري. أمّا إذا لم يفعل وبقي قابعًا على قارعات الطرق، فإنه حتمًا سيكون مسرحًا لارتدادات ما يحصل خارج حدوده، من كراكاس وحضرموت وطهران إلى الجنوب.
لبنان في مرمى ارتدادات الضربة الأميركية لفنزويلا

قد يخيَّل للبعض أن ما يجري في فنزويلا، وتاليًا في إيران وفي حضرموت، وما يُهيّأ للداخل السوري، شأن بعيد لا يعني اللبنانيين لا من قريب ولا من بعيد. ويخطئ من يظن أن الضربات الأميركية ضد نظام نيكولاس مادورو لا تتعدّى حدود أميركا اللاتينية. فالتجارب التاريخية فيها الكثير من المعطيات، التي تجعل المرء يعتقد أن الجغرافيا في زمن المحاور لم تعد تحمي أحدًا، وأن الدول الصغيرة والهشّة، وقد يكون لبنان في طليعتها، غالبًا ما تدفع
أثمان صراعات لا قرار لها فيها.
الضربات الأميركية ضد فنزويلا ليست تفصيلًا عابرًا، بل حلقة في سلسلة استهداف منظومة كاملة من التحالفات التي نسجتها إيران على امتداد القارات. ومادورو لم يكن يومًا مجرّد رئيس دولة معزولة، بل شكّل، بنظامه وشبكاته، نقطة تقاطع سياسية ومالية وأمنية مع قوى إقليمية، من بينها “حزب الله” كأحد أذرع النظام الايراني، وفق ما تؤكده تقارير دولية متراكمة.
من هنا، يصبح السؤال مشروعًا بالنسبة إلى اللبنانيين، الذين يتملكهم الخوف من أي انعكاس لأي حدث في العالم على وضعيتهم الداخلية، خصوصًا أن لبنان يعيش على فوهة بركان لا يعرف أحد، وحتى المنجمون، متى ينفجر وتتطاير حممه في كل اتجاه: ماذا بعد فنزويلا، وأين يقف لبنان من كل ذلك؟
ثمة احتمالات لأكثر من سيناريو، وفق قراءات أولية لأكثر من محلل جيواستراتيجي. وأول هذه السيناريوهات سيناريو “الاحتواء”، أي تضييق الخناق بلا انفجار. وفي هذا السيناريو، تبدو واشنطن كمن يفضّل تقليم الأظافر بدلًا من كسر العظم، بحيث تكون الضربات مدروسة، ترافقها عقوبات اقتصادية واسعة النطاق، وتفكيك شبكات تمويل وتهريب، وعزل سياسي تدريجي. فهذا المسار، في رأي الخبراء، لا يحتاج إلى حرب شاملة كي يحقق أهدافه.
أمّا بالنسبة إلى لبنان، فالخطر في هذا المجال قد لا يكون أمنيًا مباشرًا، بل مالي وسيادي، أي بمعنى ممارسة المزيد من التدقيق الدولي، والمزيد من الضغط على القطاع المصرفي، والمزيد من الشبهات التي تُلصق بدولة عاجزة عن إقناع العالم بأنها تملك قرارها. ففي هذا السيناريو، من المتوقع أني يدفع لبنان ثمن علاقات لم يخترها شعبه، بل فُرضت عليه بقوة الأمر الواقع.
وثمة سيناريو آخر يمكن اللجوء إليه، وهو سيناريو المواجهة بالوكالة، أي بمعنى استخدام الساحات، ومن بينها الساحة اللبنانية، للردّ على الضربات الأميركية لفنزويلا، وهو من بين أخطر السيناريوهات المحتملة، خصوصًا إذا اعتبرت طهران وحلفاؤها أن استهداف فنزويلا يستوجب الردّ في ساحات أخرى. لا حروب كبرى، بل توتير محسوب، ورسائل بالنار عند اللزوم.
وهنا، لا يمكن للبنانيين أن يطمئنوا كثيرًا، إذ يبقى الجنوب ورقة جاهزة، في الوقت الذي يبدو الداخل اللبناني الغارق بأزماته المتراكمة أكثر هشاشة من أي وقت مضى، فيما تبدو الدولة غائبة أو مغيّبة. فأي تصعيد، ولو محدود، كفيل بتجميد ما تبقّى من أمل اقتصادي أو سياسي، وإعادة حصر لبنان بدور لا يريده، بل يرفضه، وهو تحويله إلى صندوق بريد إقليمي.
أمّا السيناريو الأكثر رجاحة، وفق بعض القراءات السياسية، فهو سيناريو ما يُسمّى بـ “الصفقة”، أي حين تصبح الضربات أوراق تفاوض. فهذا السيناريو هو الأقل ضجيجًا، ويقوم على تحويل الضربات إلى شماعة تفاوضية، وفق منطق الصفقات أو التسويات المتفرقة، ووفق تصّور واضح المعالم، ويعتمد اسلوبًا تقليديًا، أي بمعنى التخطيط لصفقة من هنا، وتسوية من هناك، والسعي إلى تخفيف بعض العقوبات مقابل بعض التنازلات. وفي هذا المشهد، قد يتراجع منسوب التوتر، لكن الثمن سيكون حتمًا سياسيًا.
وفي هذه الحال، لا يُستبعد أن يُطلب من لبنان الكثير: إصلاحات حقيقية، قرارات سيادية، وربما أثمان باهظة طال تأجيلها. ولكن يبقى سؤال جوهري يدور في أذهان المراقبين: هل يملك لبنان الجرأة على اتخاذ قراراته بنفسه، أم ينتظر دائمًا أن تُفرض عليه من الخارج؟
فما يجري في فنزويلا لا يستهدف لبنان مباشرة، لكنه يذكّر الجميع بحقيقة مرّة ومؤلمة، وهي أنه حين تغيب الدولة أو تغيّب نفسها، يصبح البلد ملحقًا بمحاور الآخرين. وقد لا يكمن الخطر الحقيقي في الصواريخ المعدّ اطلاقها في أي لحظة من لحظات غفلات الزمن، بل في استمرار سياسة الإنكار، وكأن لبنان جزيرة معزولة عن العالم.
ففي زمن إعادة رسم النفوذ الدولي بالقوة، لا ضير بأن يلجأ لبنان إلى سياسة الحياد الايجابي، مترافقًا مع تثبيت القدرة على استعادة دوره الحواري. أمّا إذا لم يفعل وبقي قابعًا على قارعات الطرق، فإنه حتمًا سيكون مسرحًا لارتدادات ما يحصل خارج حدوده، من كراكاس وحضرموت وطهران إلى الجنوب.











