من فنزويلا: رسائل ترامب إلى إيران و”الحزب” والعالم

ما جرى ويجري وسوف يجري، يتجاوز حدود العقل أو الخيال. كانت ضربة أميركا لفنزويلا متوقعة، لكن لم يكن أحد ليتخيل دخول القوات الأميركية إلى قصر الرئيس واعتقاله. لا يتعلق ذلك بإثبات الهيمنة الأميركية فقط، ولا “الأحادية القطبية”، بل أصبح النقاش هو في شكل ونوعية الهيمنة الأميركية، التي تطغى إما عسكرياً أو اقتصادياً أو أمنياً أو جغرافياً، بمعنى أن أميركا الحالية لا تعترف بحدود ولا بدول ولا أنظمة، ولا يوجد نظام عالمي يحكم، بل المصلحة الأميركية هي التي تحكم، وهذه الهيمنة ترى مصلحتها في ما تفعله في فنزويلا، أو غرينلاند، أو كيفية التعاطي مع كندا، أو مع إيران لاحقاً. استهداف فنزويلا سيشكل درساً قاسياً لكل خصومها، وستكون تداعياته ونتائجه على ملفات كثيرة أبرزها الحرب الروسية الأوكرانية، المواجهة مع الصين، وإيران، وحتى كوريا الشمالية.
توقيت العملية.. رسالة
اختير توقيت العملية في الذكرى الخامسة لاغتيال قاسم سليماني، وفي تاريخ اليوم نفسه، فترامب يريد أن يقول إنه قادر على الضرب شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً ومتى يحتاج لذلك. بهذه العملية تثبت واشنطن اهتمامها الأساسي بهندسة الوضع على حدودها الجنوبية، وفي إعادة رسم التوازنات كلها. ذلك كله يندرج ضمن الاستراتيجية الأميركية الجديدة للأمن القومي وفي إعادة رسم الموازين على الساحة العالمية في إطار المواجهة الأميركية مع الصين.
هنا لا يمكن إغفال أن العملية جاءت بعد استقبال مادورو لمبعوث صيني، أما روسيا فقد طلبت توضيحاً لصورة ما جرى، ما بدا وكأن العالم كله يعيش بحالة من الذهول، ولم يكن أحد يتوقع أن تصل الأمور إلى حد اقتحام مقر إقامة رئيس دولة وأسره مع زوجته. العملية بحد ذاتها تحمل تهديدات رمزية وجدية لأي حاكم تريد واشنطن ان تتخلص منه، بلا أي معيار دولي أو قانوني، فالحكم للقوة التي بدافعها تنتج واشنطن أي توازن تريده.
أثر فنزويلا على إيران وحزب الله
البعد المباشر لما جرى في فنزويلا، سيكون أثره على إيران مباشراً، وهي التي تشهد حالياً تحركات شعبية واحتجاجية، كان ترامب قد دخل على خطها بإطلاق مواقف تهديد للنظام الإيراني بعدم استخدام العنف ضد المتظاهرين، لكن الأهم أن عملية ترامب في فنزويلا ستفتح شهية نتنياهو لعملية مماثلة في إيران، وربما يفكر ترامب بانتقام بمفعول رجعي من الإيرانيين على حادثة اقتحام السفارة الأميركية في طهران عام 1979 واحتجاز الدبلوماسيين، كما أن نتنياهو كان يسعى بكل السبل لإقناع ترامب بخوض الحرب ضد إيران وإسقاط النظام، بينما تركت واشنطن هامشاً للتفاوض لعلّ طهران تتجنب الحرب وتوافق على تغيير الوجهة السياسية بالكامل والالتزام بما يمليه الأميركيون. ولا تقف عملية فنزويلا عند حدود إيران، بل تطال لبنان أيضاً، وفق السردية الأميركية، فإن الأراضي الفنزويلية والاقتصاد كانت كلها تقوم على تجارة النفط بالالتفاف على العقوبات وتجارة المخدرات وتعتبر معقلاً أساسياً لتمويل حزب الله والنظام الإيراني. وقبل فترة تلقى حزب الله رسائل كثيرة من جهات أميركية، مفادها أن “اللعبة انتهت”، الضربة لفنزويلا ستحصل، وانسوا ما كان قائماً، وكل شيء في العالم سيتغير، وتتضمن الرسالة أيضاً نصيحة للحزب بأن يتعاطى ببراغماتية ويوافق على التفاوض الجدي والتخلي عن السلاح مقابل البحث عن التسوية السياسية والمكسب الذي يمكن له تحقيقه. ويمكن لترامب هنا أن يفكر بالانتقام لعملية استهداف السفارة الأميركية وقوات المارينز في بيروت 1983، في حال كان الاتجاه هو للتصعيد ولم تنجح المحاولات السياسية بالوصول إلى حل.
ووفق المعلومات فقبل أسابيع قليلة زارت شخصية لبنانية أميركية فاعلة في الكونغرس لبنان، وعقدت لقاءات مع المسؤولين ومع شخصيات مقربة من الحزب وأبلغتهم رسالة مفادها أن ترامب مصمم على ضرب فنزويلا وتغيير النظام فيها، وكذلك بالنسبة إلى إيران في حال لم توافق على التفاوض وفق الشروط الأميركية. وقالت الشخصية الأميركية إنه أمام حزب الله فرصة للدخول في تسوية داخلية لأن كل أوضاع المنطقة ستتغير وألا يجب عليه أن يراهن لا على الوقت ولا على أي متغير سيوقف هذا المسار.
هذا الكلام يتردد في الكواليس والدوائر الديبلوماسية، بما فيها على لسان شخصيات أميركية، حتى أن هناك من سمع من السفير الأميركي ميشال عيسى بأنه يجب على الحزب الدخول في تسوية سياسية، وليعلن ما يريده مقابل التخلي عن السلاح. من هنا لا ينفصل تحرك الكثير من القوى الإقليمية والدولية باتجاه الساحة اللبنانية، كما أن مسؤولين كبار أجروا زيارات إلى الخارج في إطار البحث مع قوى إقليمية ودولية بهذه التسوية والصيغة، ومستقبل النظام والتركيبة في لبنان. والفترة المقبلة ستشهد المزيد من الاتصالات والتحركات، على مستوى قوى دولية وإقليمية من مصر وقطر وفرنسا والسعودية وغيرهم، تجاه لبنان في سبيل إنضاج ذلك، ولتجنب حرب كبرى وسعياً وراء توافق على صيغة ترضي الجهات اللبنانية المختلفة، ولا تخرج عن سياق “الهيمنة الأميركية”.
من فنزويلا: رسائل ترامب إلى إيران و”الحزب” والعالم

ما جرى ويجري وسوف يجري، يتجاوز حدود العقل أو الخيال. كانت ضربة أميركا لفنزويلا متوقعة، لكن لم يكن أحد ليتخيل دخول القوات الأميركية إلى قصر الرئيس واعتقاله. لا يتعلق ذلك بإثبات الهيمنة الأميركية فقط، ولا “الأحادية القطبية”، بل أصبح النقاش هو في شكل ونوعية الهيمنة الأميركية، التي تطغى إما عسكرياً أو اقتصادياً أو أمنياً أو جغرافياً، بمعنى أن أميركا الحالية لا تعترف بحدود ولا بدول ولا أنظمة، ولا يوجد نظام عالمي يحكم، بل المصلحة الأميركية هي التي تحكم، وهذه الهيمنة ترى مصلحتها في ما تفعله في فنزويلا، أو غرينلاند، أو كيفية التعاطي مع كندا، أو مع إيران لاحقاً. استهداف فنزويلا سيشكل درساً قاسياً لكل خصومها، وستكون تداعياته ونتائجه على ملفات كثيرة أبرزها الحرب الروسية الأوكرانية، المواجهة مع الصين، وإيران، وحتى كوريا الشمالية.
توقيت العملية.. رسالة
اختير توقيت العملية في الذكرى الخامسة لاغتيال قاسم سليماني، وفي تاريخ اليوم نفسه، فترامب يريد أن يقول إنه قادر على الضرب شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً ومتى يحتاج لذلك. بهذه العملية تثبت واشنطن اهتمامها الأساسي بهندسة الوضع على حدودها الجنوبية، وفي إعادة رسم التوازنات كلها. ذلك كله يندرج ضمن الاستراتيجية الأميركية الجديدة للأمن القومي وفي إعادة رسم الموازين على الساحة العالمية في إطار المواجهة الأميركية مع الصين.
هنا لا يمكن إغفال أن العملية جاءت بعد استقبال مادورو لمبعوث صيني، أما روسيا فقد طلبت توضيحاً لصورة ما جرى، ما بدا وكأن العالم كله يعيش بحالة من الذهول، ولم يكن أحد يتوقع أن تصل الأمور إلى حد اقتحام مقر إقامة رئيس دولة وأسره مع زوجته. العملية بحد ذاتها تحمل تهديدات رمزية وجدية لأي حاكم تريد واشنطن ان تتخلص منه، بلا أي معيار دولي أو قانوني، فالحكم للقوة التي بدافعها تنتج واشنطن أي توازن تريده.
أثر فنزويلا على إيران وحزب الله
البعد المباشر لما جرى في فنزويلا، سيكون أثره على إيران مباشراً، وهي التي تشهد حالياً تحركات شعبية واحتجاجية، كان ترامب قد دخل على خطها بإطلاق مواقف تهديد للنظام الإيراني بعدم استخدام العنف ضد المتظاهرين، لكن الأهم أن عملية ترامب في فنزويلا ستفتح شهية نتنياهو لعملية مماثلة في إيران، وربما يفكر ترامب بانتقام بمفعول رجعي من الإيرانيين على حادثة اقتحام السفارة الأميركية في طهران عام 1979 واحتجاز الدبلوماسيين، كما أن نتنياهو كان يسعى بكل السبل لإقناع ترامب بخوض الحرب ضد إيران وإسقاط النظام، بينما تركت واشنطن هامشاً للتفاوض لعلّ طهران تتجنب الحرب وتوافق على تغيير الوجهة السياسية بالكامل والالتزام بما يمليه الأميركيون. ولا تقف عملية فنزويلا عند حدود إيران، بل تطال لبنان أيضاً، وفق السردية الأميركية، فإن الأراضي الفنزويلية والاقتصاد كانت كلها تقوم على تجارة النفط بالالتفاف على العقوبات وتجارة المخدرات وتعتبر معقلاً أساسياً لتمويل حزب الله والنظام الإيراني. وقبل فترة تلقى حزب الله رسائل كثيرة من جهات أميركية، مفادها أن “اللعبة انتهت”، الضربة لفنزويلا ستحصل، وانسوا ما كان قائماً، وكل شيء في العالم سيتغير، وتتضمن الرسالة أيضاً نصيحة للحزب بأن يتعاطى ببراغماتية ويوافق على التفاوض الجدي والتخلي عن السلاح مقابل البحث عن التسوية السياسية والمكسب الذي يمكن له تحقيقه. ويمكن لترامب هنا أن يفكر بالانتقام لعملية استهداف السفارة الأميركية وقوات المارينز في بيروت 1983، في حال كان الاتجاه هو للتصعيد ولم تنجح المحاولات السياسية بالوصول إلى حل.
ووفق المعلومات فقبل أسابيع قليلة زارت شخصية لبنانية أميركية فاعلة في الكونغرس لبنان، وعقدت لقاءات مع المسؤولين ومع شخصيات مقربة من الحزب وأبلغتهم رسالة مفادها أن ترامب مصمم على ضرب فنزويلا وتغيير النظام فيها، وكذلك بالنسبة إلى إيران في حال لم توافق على التفاوض وفق الشروط الأميركية. وقالت الشخصية الأميركية إنه أمام حزب الله فرصة للدخول في تسوية داخلية لأن كل أوضاع المنطقة ستتغير وألا يجب عليه أن يراهن لا على الوقت ولا على أي متغير سيوقف هذا المسار.
هذا الكلام يتردد في الكواليس والدوائر الديبلوماسية، بما فيها على لسان شخصيات أميركية، حتى أن هناك من سمع من السفير الأميركي ميشال عيسى بأنه يجب على الحزب الدخول في تسوية سياسية، وليعلن ما يريده مقابل التخلي عن السلاح. من هنا لا ينفصل تحرك الكثير من القوى الإقليمية والدولية باتجاه الساحة اللبنانية، كما أن مسؤولين كبار أجروا زيارات إلى الخارج في إطار البحث مع قوى إقليمية ودولية بهذه التسوية والصيغة، ومستقبل النظام والتركيبة في لبنان. والفترة المقبلة ستشهد المزيد من الاتصالات والتحركات، على مستوى قوى دولية وإقليمية من مصر وقطر وفرنسا والسعودية وغيرهم، تجاه لبنان في سبيل إنضاج ذلك، ولتجنب حرب كبرى وسعياً وراء توافق على صيغة ترضي الجهات اللبنانية المختلفة، ولا تخرج عن سياق “الهيمنة الأميركية”.












