حرب الأعماق الرقمية.. كابلات البحر تتحوّل إلى “نقطة ضعف” عالمية

تتجه المواجهة المقبلة على البنية التحتية الرقمية إلى قاع المحيطات، حيث تتحول الكابلات البحرية إلى ساحة نزاع حسّاسة.
وبحسب تحليل نشرته مجلة “فورين أفيرز”، تنقل هذه الكابلات نحو 99% من البيانات العابرة للقارات، ما يجعلها شرياناً حيوياً للاتصالات المالية والدبلوماسية والعسكرية، وفي الوقت نفسه نقطة ضعف استراتيجية، خصوصاً أن القوانين والمؤسسات المنظمة لها لم تواكب سرعتها وأهميتها، لتبقى عرضة للتخريب والمراقبة وتوسّع السيطرة الإقليمية.
وتُظهر الأمثلة الأوروبية والآسيوية حجم التهديد. ففي أوروبا، أعادت انفجارات خط أنابيب نورد ستريم عام 2022 تسليط الضوء على هشاشة البنى التحتية الحساسة، فيما أشارت تحقيقات لاحقة إلى قدرة جهات أجنبية على التأثير عن بُعد. وفي آسيا، تواجه تايوان سنوياً 7-8 حوادث قطع للكابلات.
ويرى التحليل أن الأطر الدولية، مثل اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) لعام 1982، لم تعد كافية. صحيح أنها تمنح حرية مرور الكابلات وصيانتها على الأرفف القارية، لكن التطبيق غير متسق، كما أن المحاكم كثيراً ما تعجز عن محاسبة المتسببين، لا سيما عند استخدام سفن مسجلة في دول محدودة القدرة أو غير راغبة بالتحقيق، كما ورد في قضية سفينة Eagle S الروسية في بحر البلطيق، وسط صعوبة إضافية في نسب الاتهام مع المنصات غير المأهولة.
وبعيداً عن المخاطر العسكرية والتقنية، تواجه الكابلات عراقيل بيروقراطية أيضاً. فقيود بيئية وتراخيص ومتطلبات موافقة طويلة قد تعرقل التمديد أو الصيانة، كما حدث مع مشروع Southeast Asia–Japan Cable 2 الذي تأخر أكثر من عام بسبب اعتراضات صينية.
أما الاستجابة الدولية فتبقى مجزأة. الولايات المتحدة عززت حماية نقاط الهبوط، ودفعت بتشريعات مثل Undersea Cable Control Act لمنع وصول قوى أجنبية إلى هذه البنية التحتية. والاتحاد الأوروبي اعتمد خطة عمل لمنع الأضرار وتطوير تقنيات مراقبة ذكية، في حين لا يزال التعاون الإقليمي في آسيا محدوداً رغم بعض التحركات ضمن آسيان لتعزيز صيانة الكابلات وفرض معايير مشتركة.
وعلى المستوى العالمي، أُطلقت مبادرة مشتركة خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة 2024 لتعزيز أطر الأمن والسياسة المشتركة للكابلات، لكنها غير ملزمة.
ويخلص التحليل إلى أن حماية هذه الشرايين البحرية تتطلب “هندسة عالمية” متكاملة تشمل إصلاح القانون الدولي عبر توضيح حقوق وواجبات الدول الساحلية ودول العلم، وفرض عقوبات على التخريب وتسجيل المنصات غير المأهولة، إلى جانب تعاون إقليمي ودولي ينسق الدوريات البحرية والجوية ويسرّع تراخيص الصيانة ويعزز مشاركة المعلومات الاستخباراتية. كما يدعو إلى شراكات بين القطاعين العام والخاص لتحديد مسؤوليات المشغّلين وتنويع المسارات ونقاط الهبوط ووضع معايير أمنية موحدة، إضافة إلى طرح إنشاء منظمة دولية جديدة للبنية التحتية البحرية تتولى التحقيق الفني المستقل وإصدار شهادات “الكابل الموثوق” وحل النزاعات التنظيمية بين الدول والشركات.
والهدف، وفق التحليل، رفع كلفة التخريب والمراقبة غير المشروعة وتوفير رادع فعّال، لأن غياب الإطار القانوني والمؤسسي المتكامل سيُبقي الكابلات البحرية مكشوفة ويضع الدول في موقع استراتيجي ضعيف، مع تحذير من أن الصراع عليها سيكون محور السلطة العالمية في القرن الحادي والعشرين، “على أضلاع الأرض”.
حرب الأعماق الرقمية.. كابلات البحر تتحوّل إلى “نقطة ضعف” عالمية

تتجه المواجهة المقبلة على البنية التحتية الرقمية إلى قاع المحيطات، حيث تتحول الكابلات البحرية إلى ساحة نزاع حسّاسة.
وبحسب تحليل نشرته مجلة “فورين أفيرز”، تنقل هذه الكابلات نحو 99% من البيانات العابرة للقارات، ما يجعلها شرياناً حيوياً للاتصالات المالية والدبلوماسية والعسكرية، وفي الوقت نفسه نقطة ضعف استراتيجية، خصوصاً أن القوانين والمؤسسات المنظمة لها لم تواكب سرعتها وأهميتها، لتبقى عرضة للتخريب والمراقبة وتوسّع السيطرة الإقليمية.
وتُظهر الأمثلة الأوروبية والآسيوية حجم التهديد. ففي أوروبا، أعادت انفجارات خط أنابيب نورد ستريم عام 2022 تسليط الضوء على هشاشة البنى التحتية الحساسة، فيما أشارت تحقيقات لاحقة إلى قدرة جهات أجنبية على التأثير عن بُعد. وفي آسيا، تواجه تايوان سنوياً 7-8 حوادث قطع للكابلات.
ويرى التحليل أن الأطر الدولية، مثل اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) لعام 1982، لم تعد كافية. صحيح أنها تمنح حرية مرور الكابلات وصيانتها على الأرفف القارية، لكن التطبيق غير متسق، كما أن المحاكم كثيراً ما تعجز عن محاسبة المتسببين، لا سيما عند استخدام سفن مسجلة في دول محدودة القدرة أو غير راغبة بالتحقيق، كما ورد في قضية سفينة Eagle S الروسية في بحر البلطيق، وسط صعوبة إضافية في نسب الاتهام مع المنصات غير المأهولة.
وبعيداً عن المخاطر العسكرية والتقنية، تواجه الكابلات عراقيل بيروقراطية أيضاً. فقيود بيئية وتراخيص ومتطلبات موافقة طويلة قد تعرقل التمديد أو الصيانة، كما حدث مع مشروع Southeast Asia–Japan Cable 2 الذي تأخر أكثر من عام بسبب اعتراضات صينية.
أما الاستجابة الدولية فتبقى مجزأة. الولايات المتحدة عززت حماية نقاط الهبوط، ودفعت بتشريعات مثل Undersea Cable Control Act لمنع وصول قوى أجنبية إلى هذه البنية التحتية. والاتحاد الأوروبي اعتمد خطة عمل لمنع الأضرار وتطوير تقنيات مراقبة ذكية، في حين لا يزال التعاون الإقليمي في آسيا محدوداً رغم بعض التحركات ضمن آسيان لتعزيز صيانة الكابلات وفرض معايير مشتركة.
وعلى المستوى العالمي، أُطلقت مبادرة مشتركة خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة 2024 لتعزيز أطر الأمن والسياسة المشتركة للكابلات، لكنها غير ملزمة.
ويخلص التحليل إلى أن حماية هذه الشرايين البحرية تتطلب “هندسة عالمية” متكاملة تشمل إصلاح القانون الدولي عبر توضيح حقوق وواجبات الدول الساحلية ودول العلم، وفرض عقوبات على التخريب وتسجيل المنصات غير المأهولة، إلى جانب تعاون إقليمي ودولي ينسق الدوريات البحرية والجوية ويسرّع تراخيص الصيانة ويعزز مشاركة المعلومات الاستخباراتية. كما يدعو إلى شراكات بين القطاعين العام والخاص لتحديد مسؤوليات المشغّلين وتنويع المسارات ونقاط الهبوط ووضع معايير أمنية موحدة، إضافة إلى طرح إنشاء منظمة دولية جديدة للبنية التحتية البحرية تتولى التحقيق الفني المستقل وإصدار شهادات “الكابل الموثوق” وحل النزاعات التنظيمية بين الدول والشركات.
والهدف، وفق التحليل، رفع كلفة التخريب والمراقبة غير المشروعة وتوفير رادع فعّال، لأن غياب الإطار القانوني والمؤسسي المتكامل سيُبقي الكابلات البحرية مكشوفة ويضع الدول في موقع استراتيجي ضعيف، مع تحذير من أن الصراع عليها سيكون محور السلطة العالمية في القرن الحادي والعشرين، “على أضلاع الأرض”.











