نهاية التطرف واليسار الشعبوي: العالم يدخل مرحلة ما بعد الأيديولوجيات

الكاتب: غسان حاصباني | المصدر: نداء الوطن
5 كانون الثاني 2026

يشهد العالم اليوم تحوّلًا تاريخيًا عميقًا يتمثل في تراجع موجة التطرف السياسي والديني، وأفول اليسار الشعبوي ذي الطابع التوتاليتاري، وهي ظواهر هيمنت على المشهد الدولي لعقود طويلة. وقد بدأت ملامح هذا التحوّل بالظهور مع مطلع الألفية الثالثة، وتسارعت بشكل لافت بعد هجمات 11 أيلول 2001، لتفتح الباب أمام إعادة تشكيل عميقة للنظامين السياسي والاقتصادي عالميًا.

على مدى العقود الأربعة التي سبقت نهاية الحرب الباردة، تعامل الغرب ببراغماتية مفرطة مع نشوء أنظمة وتنظيمات متطرفة، بل وساهم أحيانًا في دعمها أو غض الطرف عنها، باعتبارها أدوات في مواجهة المدّ الشيوعي. وفي هذا السياق، نشأت أنظمة جمعت بين خطاب يساري اقتصادي وشعارات معادية للإمبريالية، لكنها قامت فعليًا على حكم فردي صارم، وأجهزة قمع، وإقصاء كامل للمجتمع عن الحياة السياسية.

تحت عناوين “تحرير الشعوب” و “مقاومة الاستعمار”، حكمت هذه الأنظمة مجتمعاتها لعقود، وتحكمت بمصائرها السياسية والاقتصادية، فيما كانت في الواقع تعيد إنتاج أشكال جديدة من الاستبداد، وتمنع تطور الدولة والمؤسسات. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، فقدت هذه المنظومات غطاءها الأيديولوجي الدولي، لكنها استمرت في الحكم داخل فراغٍ عالمي، في ظل غياب إرادة دولية واضحة لمواجهتها أو دفعها نحو التحول.

إلا أن العقدين الأخيرين شكّلا نقطة انعطاف حاسمة. بدأت الأنظمة الفاشلة، التي شكّلت البيئة الحاضنة للتطرف، تتهاوى تباعًا. سقط النظام العراقي، ثم الليبي، واهتزت البنية السلطوية في مصر، وانهار النظام السابق في سوريا. وفي الوقت نفسه، تراجعت التنظيمات الجهادية العابرة للحدود، مثل القاعدة وما تفرّع عنها، بعد أن بلغت ذروة تمددها. وعلى الضفة الأخرى من العالم، تشّفت أزمة اليسار الشعبوي في أميركا اللاتينية، مع الانهيار الاقتصادي والاجتماعي في فنزويلا، بوصفها المثال الأوضح على فشل هذا المسار خارج سياقه التاريخي، في ظل مرحلة تحوّل بدأت تتشكّل عقب تدخل أميركي مباشر.

صحيح أن بعض رواسب القرن العشرين ما تزال قائمة، من أنظمة توتاليتارية، وأيديولوجيات دينية متشددة، وخطابات يسارية راديكالية، إلا أن هذه جميعًا تعيش اليوم حالة ترنح واضحة، وتعاني من فقدان متزايد للشرعية والقدرة على الاستمرار، كما يظهر بوضوح في مسار النظام الإيراني الحالي.

أهمية هذه التحولات لا تكمن فقط في إسقاط أنظمة أو تراجع تنظيمات، بل في أنها ترسم ملامح خريطة سياسية واقتصادية واجتماعية جديدة للعالم. وهي تحولات يمكن مقارنتها، من حيث عمقها وأثرها التاريخي، بمنعطفات كبرى عرفتها البشرية، مثل القضاء على القرصنة العالمية، أو الثورتين الصناعيتين، أو إعادة تشكيل النظام الدولي بعد الحربين العالميتين.

العالم يدخل اليوم مرحلة ما بعد الأيديولوجيات المغلقة، حيث تتراجع الشعارات الكبرى أمام معايير الأداء، وتُختبر شرعية الأنظمة بقدرتها على التنمية والاستقرار لا بخطاباتها الثورية. وفهم هذا التحوّل لم يعد مسألة فكرية أو نظرية، بل ضرورة سياسية وإعلامية لفهم اتجاه التاريخ، والتعامل بواقعية مع عالمٍ يتغيّر بسرعة، ومن لا يقرأه جيدًا، سيتحوّل إلى مجرد متلقٍ لنتائجه.

نهاية التطرف واليسار الشعبوي: العالم يدخل مرحلة ما بعد الأيديولوجيات

الكاتب: غسان حاصباني | المصدر: نداء الوطن
5 كانون الثاني 2026

يشهد العالم اليوم تحوّلًا تاريخيًا عميقًا يتمثل في تراجع موجة التطرف السياسي والديني، وأفول اليسار الشعبوي ذي الطابع التوتاليتاري، وهي ظواهر هيمنت على المشهد الدولي لعقود طويلة. وقد بدأت ملامح هذا التحوّل بالظهور مع مطلع الألفية الثالثة، وتسارعت بشكل لافت بعد هجمات 11 أيلول 2001، لتفتح الباب أمام إعادة تشكيل عميقة للنظامين السياسي والاقتصادي عالميًا.

على مدى العقود الأربعة التي سبقت نهاية الحرب الباردة، تعامل الغرب ببراغماتية مفرطة مع نشوء أنظمة وتنظيمات متطرفة، بل وساهم أحيانًا في دعمها أو غض الطرف عنها، باعتبارها أدوات في مواجهة المدّ الشيوعي. وفي هذا السياق، نشأت أنظمة جمعت بين خطاب يساري اقتصادي وشعارات معادية للإمبريالية، لكنها قامت فعليًا على حكم فردي صارم، وأجهزة قمع، وإقصاء كامل للمجتمع عن الحياة السياسية.

تحت عناوين “تحرير الشعوب” و “مقاومة الاستعمار”، حكمت هذه الأنظمة مجتمعاتها لعقود، وتحكمت بمصائرها السياسية والاقتصادية، فيما كانت في الواقع تعيد إنتاج أشكال جديدة من الاستبداد، وتمنع تطور الدولة والمؤسسات. وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، فقدت هذه المنظومات غطاءها الأيديولوجي الدولي، لكنها استمرت في الحكم داخل فراغٍ عالمي، في ظل غياب إرادة دولية واضحة لمواجهتها أو دفعها نحو التحول.

إلا أن العقدين الأخيرين شكّلا نقطة انعطاف حاسمة. بدأت الأنظمة الفاشلة، التي شكّلت البيئة الحاضنة للتطرف، تتهاوى تباعًا. سقط النظام العراقي، ثم الليبي، واهتزت البنية السلطوية في مصر، وانهار النظام السابق في سوريا. وفي الوقت نفسه، تراجعت التنظيمات الجهادية العابرة للحدود، مثل القاعدة وما تفرّع عنها، بعد أن بلغت ذروة تمددها. وعلى الضفة الأخرى من العالم، تشّفت أزمة اليسار الشعبوي في أميركا اللاتينية، مع الانهيار الاقتصادي والاجتماعي في فنزويلا، بوصفها المثال الأوضح على فشل هذا المسار خارج سياقه التاريخي، في ظل مرحلة تحوّل بدأت تتشكّل عقب تدخل أميركي مباشر.

صحيح أن بعض رواسب القرن العشرين ما تزال قائمة، من أنظمة توتاليتارية، وأيديولوجيات دينية متشددة، وخطابات يسارية راديكالية، إلا أن هذه جميعًا تعيش اليوم حالة ترنح واضحة، وتعاني من فقدان متزايد للشرعية والقدرة على الاستمرار، كما يظهر بوضوح في مسار النظام الإيراني الحالي.

أهمية هذه التحولات لا تكمن فقط في إسقاط أنظمة أو تراجع تنظيمات، بل في أنها ترسم ملامح خريطة سياسية واقتصادية واجتماعية جديدة للعالم. وهي تحولات يمكن مقارنتها، من حيث عمقها وأثرها التاريخي، بمنعطفات كبرى عرفتها البشرية، مثل القضاء على القرصنة العالمية، أو الثورتين الصناعيتين، أو إعادة تشكيل النظام الدولي بعد الحربين العالميتين.

العالم يدخل اليوم مرحلة ما بعد الأيديولوجيات المغلقة، حيث تتراجع الشعارات الكبرى أمام معايير الأداء، وتُختبر شرعية الأنظمة بقدرتها على التنمية والاستقرار لا بخطاباتها الثورية. وفهم هذا التحوّل لم يعد مسألة فكرية أو نظرية، بل ضرورة سياسية وإعلامية لفهم اتجاه التاريخ، والتعامل بواقعية مع عالمٍ يتغيّر بسرعة، ومن لا يقرأه جيدًا، سيتحوّل إلى مجرد متلقٍ لنتائجه.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار