طفلان وقودًا في صراع سياسيّ عبر الفضاء الافتراضي

الكاتب: الين الحاج | المصدر: نداء الوطن
6 كانون الثاني 2026

في الوقت الذي تفرض فيه كبرى منصات التواصل الاجتماعي، قوانين صارمة تمنع بموجبها الأطفال من إنشاء حسابات خاصة بهم بهدف حمايتهم من التنمّر الإلكتروني أو ما يُعرف بالـ “Cyberbullying”، ومن أمور أخرى لا تتوافق وبراءة طفولتهم، أطلّت أمّ لبنانية لتقلب المعايير رأسًا على عقب، في قضية هزت الشارع اللبناني لأنها تجاوزت الخلاف السياسي، لتضرب بعرض الحائط أبسط قواعد حماية الطفولة والقيم الأخلاقيّة والأُسريّة.

فبدلًا من أن تقوم الأم بدورها المفترض وسط عائلتها كدرع يحمي صغارها، اختارت إحداهن وضع طفليها في “فوهة المدفع”، فحوّلتهما لا إلى ضحيّتَين فحسب، بل أيضًا إلى متنمِّرَين صغيرَين يمارسان أبشع أنواع خطاب الكراهية. قبل أن يتحوّل الموضوع برمّته إلى قضيّة رأي عام، وتتناوله نشرة أخبار “mtv” ضمن تقرير يستنكر ما حصل ويوضح من منظور علم النفس تأثير التربية على الأطفال.

بدأت القصّة يوم الأحد، حين أعادت الإعلاميّة ديما صادق، المعروفة بمعارضتها الشديدة لـ “حزب الله”، نشر مقطع مصوّر لسيّدة تدعى موني الحاج تنتمي إلى بيئة “حزب الله”، كانت الأخيرة نشرته في حسابها على منصّة “إكس”. الفيديو كشف مشهدًا صادمًا يعكس انحدارًا أخلاقيًا غير مسبوق، حيث استغلّت الأم براءة ولدَيها، اللذَين لا تتجاوز أعمارهما السنوات الست، وجعلتهما يردّدان كلامًا غير لائق ضد صادق، وينعتانها بعبارة “الشر****”، مع حركة مهينة بإصبعيهما، فيما أرفقت الأم الفيديو بتعليق مباشر: “إلى ديما صادق انتي شر****”. كلّ ذلك انطلاقًا من الخصومة السياسيّة.

الردّ والردّ التصعيدي

يُحسب لديما صادق أنها لم تردّ بإساءة مماثلة، بل أطلقت صرخة وجع تربويّة كتبت فيها: “إنتي عم ترتكبي جريمة بحق أولادك. اتقي الله فيهن! أنتِ عم تعلّمي أولادك ثقافة الكراهية، عم تعلّميهن سوقيّة المسبّات…”، لتردّ عليها الحاج بوقاحة، معلِّقةً: “كرمال يفهموا من وهني صغار أنو “الشر****” ما ضروري تكون ببيت دعارة فيها تكون إعلاميّة متلِك كمان”، ما أدى إلى انفجار التعليقات، ومن بينها ردّ صاعق: “وفيها تكون أُم متلِك”.

في الواقع، منذ اللحظة الأولى التي أعادت فيها صادق نشر الفيديو، لم يهدأ الفضاء الرقميّ وتحوّل إلى ساحة غضب وانتقاد واسع، فيما حذر عدد من الناشطين من العواقب القانونية والاجتماعية لفعل تلك السيّدة. وبرز تعليق لافت قدّم نصيحة واضحة لها، حيث كتبت إحداهن: “نصيحة احذفي الفيديو.. أيّ منظمة لحقوق الطفل إلها حق تتشكّى عليكي، لأنِك عم تربّي جيل بس يكبر الله أعلم شو بدّو يطلع. إذا هلق عم بيحكي ألفاظ نحنا ما إلنا عين نقولن! واجهو الشخص بالقلم والعِلم مش بالمسبّات، يا حرام على هالولدَين”. هذه النصيحة تلاقت مع صرخة ناشط آخر، قال فيها: “بهدلتي ولادك إلى الأبد.. فيديو رح يضل محفوظ، وولادِك بس يكبروا رح ينضرّوا كتير”.

وبدلًا من التراجع أمام موجة الغضب الشعبي، حتى من خصوم صادق السياسيين الذين استهجنوا زجّ الأطفال في هذا “الوحل”، اختارت الأم “الهروب إلى الأمام”، فنشرت شريطًا مصوَّرًا آخر تسأل فيه طفلها الأصغر عن رأيه في اتهام المعلِّقين له بـ “قلّة التربية”، ليتدخل طفلها الأكبر ويكرّر الكلمة البذيئة إياها بتشجيع منها.

تصعيد الأم لم يتوقف عند هذا الحد، بل ختمت مشهد “السقوط” بفيديو ثالث حاولت فيه تبرير فعلتها، حيث ظهرت بنفسها مبرِّرةً فعلتها وهي تكيل المزيد من الإهانات والشتائم للإعلاميّة ديما صادق، وتؤكد أن ولدَيها “يعلّمان الآخرين التربية والأدب والشرف والكرامة”. فبادلها الناشطون بتعليقات قاسية على مثال: “بعد ما شفت وسمعت الأم، عذرت الأولاد. الأم هي الأساس والأم بهالحالة جورة صحية”، كما كتبت إحدى الأمهات أيضًا: “إنسانة مريضة نفسيًا واجتماعيًا وأخلاقيًا”.

أخلاق “انتقائية”؟

وسط هذا الغليان، تتجلّى مفارقة “الازدواجيّة الرقمية” بوضوح: فالفضاء نفسه الذي دان تصرّف الأم وهاجم تربيتها لطفلَيها، يغصّ يوميًا بالتنمّر الرقميّ (Cyberbullying) ضد نساء، من شخصيات عامة وفنانات بمن فيهن ديما صادق نفسها، بكلمات وأساليب أفظع بكثير، كما أن عددًا من الذين رجموا الأم بتعليقات مثل: “لازم يقشطوكي ولادِك يا بلا مربى”، يمارسون العنف اللفظي بدورهم من دون مساءلة.

لكن ربما يمكن القول إن ما “استفز” الضمير الجماعي في هذه القضيّة، هو “انتحار القدوة”. فالمجتمع صُدم برؤية “أمّ” تُورِث الحقد لجيل لم يتعرّف إلى العالم الخارجي بعد.

تجدر الإشارة إلى أن في مواجهة معضلة “التنمّر الرقميّ”، كانت النجمة هيفا وهبة وعارضة الأزياء نور عريضة قد قدّمتا في وقت سابق فيلمًا توعويًا مشتركًا يسلّط الضوء على مخاطر التنمرّ الإلكترونيّ، كما على خطاب الكراهية.

الوصمة الأبدية

يبقى أن البذاءة والاستغلال لا يصنعان قضية أو يدافعان عنها. فما تابعه اللبنانيّون على “إكس” منذ الأحد، كشف حجم الانتهاك الأخلاقيّ للأطفال لأسباب سياسية، لكن ردّ الفعل “الرقميّ” شكّل انتفاضة أخلاقية ضد تحويل الطفولة إلى أداة كراهية، ورسالة واضحة لكل من يترك محتوى مسيئًا محفوظًا على الإنترنت. إنها وصمة رقميّة لن تمحى مع الزمن، وستظل تلاحق هذَين الطفلَين إذا لم يُتخذ قرار بوقف هذا الانحدار.

الطفلان وتعليقات الأم على “إكس”
موني الحاج كما بدت في شريط لاحق
موني الحاج كما بدت في شريط لاحق

طفلان وقودًا في صراع سياسيّ عبر الفضاء الافتراضي

الكاتب: الين الحاج | المصدر: نداء الوطن
6 كانون الثاني 2026

في الوقت الذي تفرض فيه كبرى منصات التواصل الاجتماعي، قوانين صارمة تمنع بموجبها الأطفال من إنشاء حسابات خاصة بهم بهدف حمايتهم من التنمّر الإلكتروني أو ما يُعرف بالـ “Cyberbullying”، ومن أمور أخرى لا تتوافق وبراءة طفولتهم، أطلّت أمّ لبنانية لتقلب المعايير رأسًا على عقب، في قضية هزت الشارع اللبناني لأنها تجاوزت الخلاف السياسي، لتضرب بعرض الحائط أبسط قواعد حماية الطفولة والقيم الأخلاقيّة والأُسريّة.

فبدلًا من أن تقوم الأم بدورها المفترض وسط عائلتها كدرع يحمي صغارها، اختارت إحداهن وضع طفليها في “فوهة المدفع”، فحوّلتهما لا إلى ضحيّتَين فحسب، بل أيضًا إلى متنمِّرَين صغيرَين يمارسان أبشع أنواع خطاب الكراهية. قبل أن يتحوّل الموضوع برمّته إلى قضيّة رأي عام، وتتناوله نشرة أخبار “mtv” ضمن تقرير يستنكر ما حصل ويوضح من منظور علم النفس تأثير التربية على الأطفال.

بدأت القصّة يوم الأحد، حين أعادت الإعلاميّة ديما صادق، المعروفة بمعارضتها الشديدة لـ “حزب الله”، نشر مقطع مصوّر لسيّدة تدعى موني الحاج تنتمي إلى بيئة “حزب الله”، كانت الأخيرة نشرته في حسابها على منصّة “إكس”. الفيديو كشف مشهدًا صادمًا يعكس انحدارًا أخلاقيًا غير مسبوق، حيث استغلّت الأم براءة ولدَيها، اللذَين لا تتجاوز أعمارهما السنوات الست، وجعلتهما يردّدان كلامًا غير لائق ضد صادق، وينعتانها بعبارة “الشر****”، مع حركة مهينة بإصبعيهما، فيما أرفقت الأم الفيديو بتعليق مباشر: “إلى ديما صادق انتي شر****”. كلّ ذلك انطلاقًا من الخصومة السياسيّة.

الردّ والردّ التصعيدي

يُحسب لديما صادق أنها لم تردّ بإساءة مماثلة، بل أطلقت صرخة وجع تربويّة كتبت فيها: “إنتي عم ترتكبي جريمة بحق أولادك. اتقي الله فيهن! أنتِ عم تعلّمي أولادك ثقافة الكراهية، عم تعلّميهن سوقيّة المسبّات…”، لتردّ عليها الحاج بوقاحة، معلِّقةً: “كرمال يفهموا من وهني صغار أنو “الشر****” ما ضروري تكون ببيت دعارة فيها تكون إعلاميّة متلِك كمان”، ما أدى إلى انفجار التعليقات، ومن بينها ردّ صاعق: “وفيها تكون أُم متلِك”.

في الواقع، منذ اللحظة الأولى التي أعادت فيها صادق نشر الفيديو، لم يهدأ الفضاء الرقميّ وتحوّل إلى ساحة غضب وانتقاد واسع، فيما حذر عدد من الناشطين من العواقب القانونية والاجتماعية لفعل تلك السيّدة. وبرز تعليق لافت قدّم نصيحة واضحة لها، حيث كتبت إحداهن: “نصيحة احذفي الفيديو.. أيّ منظمة لحقوق الطفل إلها حق تتشكّى عليكي، لأنِك عم تربّي جيل بس يكبر الله أعلم شو بدّو يطلع. إذا هلق عم بيحكي ألفاظ نحنا ما إلنا عين نقولن! واجهو الشخص بالقلم والعِلم مش بالمسبّات، يا حرام على هالولدَين”. هذه النصيحة تلاقت مع صرخة ناشط آخر، قال فيها: “بهدلتي ولادك إلى الأبد.. فيديو رح يضل محفوظ، وولادِك بس يكبروا رح ينضرّوا كتير”.

وبدلًا من التراجع أمام موجة الغضب الشعبي، حتى من خصوم صادق السياسيين الذين استهجنوا زجّ الأطفال في هذا “الوحل”، اختارت الأم “الهروب إلى الأمام”، فنشرت شريطًا مصوَّرًا آخر تسأل فيه طفلها الأصغر عن رأيه في اتهام المعلِّقين له بـ “قلّة التربية”، ليتدخل طفلها الأكبر ويكرّر الكلمة البذيئة إياها بتشجيع منها.

تصعيد الأم لم يتوقف عند هذا الحد، بل ختمت مشهد “السقوط” بفيديو ثالث حاولت فيه تبرير فعلتها، حيث ظهرت بنفسها مبرِّرةً فعلتها وهي تكيل المزيد من الإهانات والشتائم للإعلاميّة ديما صادق، وتؤكد أن ولدَيها “يعلّمان الآخرين التربية والأدب والشرف والكرامة”. فبادلها الناشطون بتعليقات قاسية على مثال: “بعد ما شفت وسمعت الأم، عذرت الأولاد. الأم هي الأساس والأم بهالحالة جورة صحية”، كما كتبت إحدى الأمهات أيضًا: “إنسانة مريضة نفسيًا واجتماعيًا وأخلاقيًا”.

أخلاق “انتقائية”؟

وسط هذا الغليان، تتجلّى مفارقة “الازدواجيّة الرقمية” بوضوح: فالفضاء نفسه الذي دان تصرّف الأم وهاجم تربيتها لطفلَيها، يغصّ يوميًا بالتنمّر الرقميّ (Cyberbullying) ضد نساء، من شخصيات عامة وفنانات بمن فيهن ديما صادق نفسها، بكلمات وأساليب أفظع بكثير، كما أن عددًا من الذين رجموا الأم بتعليقات مثل: “لازم يقشطوكي ولادِك يا بلا مربى”، يمارسون العنف اللفظي بدورهم من دون مساءلة.

لكن ربما يمكن القول إن ما “استفز” الضمير الجماعي في هذه القضيّة، هو “انتحار القدوة”. فالمجتمع صُدم برؤية “أمّ” تُورِث الحقد لجيل لم يتعرّف إلى العالم الخارجي بعد.

تجدر الإشارة إلى أن في مواجهة معضلة “التنمّر الرقميّ”، كانت النجمة هيفا وهبة وعارضة الأزياء نور عريضة قد قدّمتا في وقت سابق فيلمًا توعويًا مشتركًا يسلّط الضوء على مخاطر التنمرّ الإلكترونيّ، كما على خطاب الكراهية.

الوصمة الأبدية

يبقى أن البذاءة والاستغلال لا يصنعان قضية أو يدافعان عنها. فما تابعه اللبنانيّون على “إكس” منذ الأحد، كشف حجم الانتهاك الأخلاقيّ للأطفال لأسباب سياسية، لكن ردّ الفعل “الرقميّ” شكّل انتفاضة أخلاقية ضد تحويل الطفولة إلى أداة كراهية، ورسالة واضحة لكل من يترك محتوى مسيئًا محفوظًا على الإنترنت. إنها وصمة رقميّة لن تمحى مع الزمن، وستظل تلاحق هذَين الطفلَين إذا لم يُتخذ قرار بوقف هذا الانحدار.

الطفلان وتعليقات الأم على “إكس”
موني الحاج كما بدت في شريط لاحق
موني الحاج كما بدت في شريط لاحق

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار