هكذا تسرح وتمرح “فلول الأسد” في لبنان

في “فلول لاند” يسرح حافظ ابن منذر الأسد ويمرح، في “المرسيدس” C300 ورقمها اللبناني يبدأ بحرف الـ “G” للإشارة إلى منطقة جونية، ويسهر في قهوة “ز. ر”. ويرتاد أولاد جنرالات الأسد صالات الرياضة الرفيعة، وفنادق بيروت، فيما توقف الأجهزة الأمنية بعد يوم حافل من المداهمات “فهد وشادي وعلي”، (أسماء ما عليها القيمة)، من منطقة الحيصة حيث يتمركز من شارك بإبادة جماعية وجرائم تعذيب.
يُترك المحرّض بدر قاسم في المنطقة نفسها من دون التحقيق معه ولو على خلفية ما يوزعه من فيديوات تهدد بالقتل والإبادة وتدعو إلى التنظيم العسكري المباشر من لبنان لتحرير الساحل السوري وتقسيمه بإمرة دينية واضحة من شيخه وينجح بعض الضباط السابقين في تهريب الأغراض التي يحتاجونها من دون أن يوقفهم “حاجز أمني” بما يضيف بعدًا مقلقًا يتعلق بتجاوز الرقابة الرسمية. ويقول أحد سكان المنطقة لـ “نداء الوطن” إنه “فرح عند انتشار صور سيارات الأمن تجول في المنطقة وسرعان ما خاب الأمل”.
التحويلات المالية بين الخارج و “فلول لاند”، لا تدلّ على أنها ترقى إلى مستوى التمويل العسكري كونها لا تتعدى الـ 14 ألف دولار، وهذه التحويلات تظهر كجزء من منظومة أوسع لتغطية نفقات تشغيلية لمكتب الحيصة.
في “فلول لاند” حاز بعض الأفراد المرتبطين بشبكة الأسديين، إقامات قانونية موقتة داخل لبنان، ما يتيح لهم العمل والتحرك ضمن هوامش تبدو شرعية، بينما تتمّ إدارة نشاط غير مرئي خلفها.
وتكشف المعلومات التي حصلت عليها “نداء الوطن” أن لبنان لا يظهر، في هذه المرحلة، كساحة مواجهة، بقدر ما يتحوّل إلى منصّة إدارة لشبكات ظلّ مسلّحة تنشط في سوريا انطلاقًا منه وتستفيد من فراغه السياسي ومن التراخي الأمني المعتمد فيه. فالأسلحة التي تبيّن أن ضباط الأسد يملكونها ليست في لبنان بل في الساحل السوري، إلا أن ذلك لا يعني أنه لا يمكن للمتوارين في لبنان توسيع طموحاتهم العسكرية والتسلّح في الشمال، فقد يملكون، إن أرادوا، بعد التمركز، ما يسمح بإحداث اضطراب موضعي وكافٍ لإشعال مشكلة، لبنان وسوريا، بغنى عنها.
وبعد مقاطعة معلومات “نداء الوطن” مع ما سُرِّب أو بُث، تؤكد سجلات التنصّت التي نُشرت في وثائقية قناة “الجزيرة” جداول قوّة بشرية وتسليحية، ومراسلات داخلية واقتصاد أمني موازٍ يتغذى من المال والسلاح والولاءات، ويتحرّك عبر الحدود بخفة لافتة وتحاك معها أسئلة حول جدية الأجهزة الأمنية في ملاحقتهم على الأراضي اللبنانية بناء على الاستنابات القضائية المتخذة بحقهم.
في بيروقراطية السلاح تأتي جداول تُظهر أعدادًا دقيقة لما يوصف بأنه “قوة جاهزة”، تتوزع على مناطق سورية مختلفة، مع رصد لعدد البنادق والرشاشات والقاذفات، وحتى الذخيرة والآليات، ولا شك أن جنرالات الأسد يرفعونها لجهة ممولة تدقق بقدرات العساكر ومراجعاتهم.
ويقول المصدر الخاص لـ “نداء الوطن” إن المجموعات “متشظيّة، تميل إلى تضخيم أعدادها، طمعًا بحصة أكبر من الدعم المالي لغياب آليات التصحيح والمساءلة الداخلية. وبعكس الرواية التي تُباع للعسكر، يعمل قادة الأسد وفق منطق التمويل، لا السياسة ولا الأيديولوجيا. والرواتب التي تُدفع لهم بالدولار الأميركي، تأتي بشكل دوري، فيما تُصرف المساعدات على مراحل، وينتشر بين الأعضاء خلاف على الأحقية. اقتصاد ظل قائم بذاته”.
ويشرح أحد الأمنيين الذين ينظرون بالملف بعد انتشار التسريبات لـ “نداء الوطن” إجابة على سؤال “من يقرّر بين سهيل الحسن وغياث دلّا وغيرهما من الضباط القريبين من رامي مخلوف في النهاية؟” إن التحركات حتى الساعة جاءت بالاتفاق الأكثري وأن وضعهم بعد التسريب ليس كما قبله، يُطرح احتمال الضمان الدولي الروسي لهم في حال تغيّرت الخرائط، كما يُطرح احتمال الانسحاب الموقت، أو الانتظار حتى تتضح الصورة. لكن الثابت الوحيد هو أن شبكة الضباط لا تتحرّك إلا عندما تتأكد من وجود مظلةٍ ما سياسية، مالية، أو أمنية. وأخطر ما في هذه المنظومة أنها تستطيع في لحظة أن تعيد التموضع أي تختفي، ثم تظهر من جديد، باسمٍ آخر، وترتيبٍ آخر، وشعارٍ آخر وربما غطاء داخلي من المحيط اللبناني”.
فالدعم بحسبه “لا يأتي دفعة واحدة؛ ويتسلّل عبر قنوات متشابكة، ويعيد إنتاج خريطة النفوذ ذاتها للضباط الكبار. وحين تُصبح الرواتب مشروطة، يتحوّل الفرد المسلح (وعددهم من المرجح ألا يكون مضخمًا كما انتشر) إلى عنصرٍ داخل سوق مفتوحة، ينتقل حيثما تتوافر الحماية والدفع، ويتراجع حيث يُرفع الغطاء”.
وبما أن الجغرافيا اللبنانية تؤدي دورًا مزدوجًا بحيث أنها ليست مكانًا للتجميع العسكري، بل نقطة تقاطع بين الإقامة الموقتة، وإدارة الاتصالات، وترتيب الموارد، ومن حين إلى آخر، محاولة التفاوض، يمكن للأجهزة الأمنية اللبنانية أن تُلقي القبض على المطلوبين قضائيًا بسهولة ومن دون الحاجة للاشتباك.
لا بل يظهر في أكثر من موضع توترٌ واضح لدى بعض الفاعلين من ضباط الأسد إزاء الأجهزة الأمنية، وتبديلٌ متكرر للهواتف والأماكن، مع حرصٍ على تجنب أي احتكاك مباشر. ولا شك بأن شبكات الفلول في عكّار تعمل حاليًا بعقلية التخفي والإدارة، وتتفادى المواجهة. وبذلك، فإن أي سيناريو لاشتباك واسع مع القوى الأمنية اللبنانية، في الحيصة يبدو غير مرجّح، فيما تبقى المخاطر الحقيقية في الفوضى المحدودة وترهيب السكان الذي يُمكن أن يحدث عند أي اهتزاز أمني في الساحل السوري.
في النهاية، يظلّ السؤال معلّقًا، فإلى أي مدى يمكن لشبكات كهذه أن تستمرّ في العمل من دون أن تترك أثرًا واضحًا؟
وهل نحن أمام ظاهرة عابرة، أم أمام نموذج “خلايا نائمة” ترعاها إيران ويحميها “حزب الله”؟ ما نعرفه حتى الآن هو ما تتيحه المعلومات من خيوط متشابكة، وأصوات متوترة، وخلية نائمة. أما ما لا نعرفه بعد، فربما يكون أخطر لأنه لا يزال خارج الاختراق… وخارج المحاسبة.
هكذا تسرح وتمرح “فلول الأسد” في لبنان

في “فلول لاند” يسرح حافظ ابن منذر الأسد ويمرح، في “المرسيدس” C300 ورقمها اللبناني يبدأ بحرف الـ “G” للإشارة إلى منطقة جونية، ويسهر في قهوة “ز. ر”. ويرتاد أولاد جنرالات الأسد صالات الرياضة الرفيعة، وفنادق بيروت، فيما توقف الأجهزة الأمنية بعد يوم حافل من المداهمات “فهد وشادي وعلي”، (أسماء ما عليها القيمة)، من منطقة الحيصة حيث يتمركز من شارك بإبادة جماعية وجرائم تعذيب.
يُترك المحرّض بدر قاسم في المنطقة نفسها من دون التحقيق معه ولو على خلفية ما يوزعه من فيديوات تهدد بالقتل والإبادة وتدعو إلى التنظيم العسكري المباشر من لبنان لتحرير الساحل السوري وتقسيمه بإمرة دينية واضحة من شيخه وينجح بعض الضباط السابقين في تهريب الأغراض التي يحتاجونها من دون أن يوقفهم “حاجز أمني” بما يضيف بعدًا مقلقًا يتعلق بتجاوز الرقابة الرسمية. ويقول أحد سكان المنطقة لـ “نداء الوطن” إنه “فرح عند انتشار صور سيارات الأمن تجول في المنطقة وسرعان ما خاب الأمل”.
التحويلات المالية بين الخارج و “فلول لاند”، لا تدلّ على أنها ترقى إلى مستوى التمويل العسكري كونها لا تتعدى الـ 14 ألف دولار، وهذه التحويلات تظهر كجزء من منظومة أوسع لتغطية نفقات تشغيلية لمكتب الحيصة.
في “فلول لاند” حاز بعض الأفراد المرتبطين بشبكة الأسديين، إقامات قانونية موقتة داخل لبنان، ما يتيح لهم العمل والتحرك ضمن هوامش تبدو شرعية، بينما تتمّ إدارة نشاط غير مرئي خلفها.
وتكشف المعلومات التي حصلت عليها “نداء الوطن” أن لبنان لا يظهر، في هذه المرحلة، كساحة مواجهة، بقدر ما يتحوّل إلى منصّة إدارة لشبكات ظلّ مسلّحة تنشط في سوريا انطلاقًا منه وتستفيد من فراغه السياسي ومن التراخي الأمني المعتمد فيه. فالأسلحة التي تبيّن أن ضباط الأسد يملكونها ليست في لبنان بل في الساحل السوري، إلا أن ذلك لا يعني أنه لا يمكن للمتوارين في لبنان توسيع طموحاتهم العسكرية والتسلّح في الشمال، فقد يملكون، إن أرادوا، بعد التمركز، ما يسمح بإحداث اضطراب موضعي وكافٍ لإشعال مشكلة، لبنان وسوريا، بغنى عنها.
وبعد مقاطعة معلومات “نداء الوطن” مع ما سُرِّب أو بُث، تؤكد سجلات التنصّت التي نُشرت في وثائقية قناة “الجزيرة” جداول قوّة بشرية وتسليحية، ومراسلات داخلية واقتصاد أمني موازٍ يتغذى من المال والسلاح والولاءات، ويتحرّك عبر الحدود بخفة لافتة وتحاك معها أسئلة حول جدية الأجهزة الأمنية في ملاحقتهم على الأراضي اللبنانية بناء على الاستنابات القضائية المتخذة بحقهم.
في بيروقراطية السلاح تأتي جداول تُظهر أعدادًا دقيقة لما يوصف بأنه “قوة جاهزة”، تتوزع على مناطق سورية مختلفة، مع رصد لعدد البنادق والرشاشات والقاذفات، وحتى الذخيرة والآليات، ولا شك أن جنرالات الأسد يرفعونها لجهة ممولة تدقق بقدرات العساكر ومراجعاتهم.
ويقول المصدر الخاص لـ “نداء الوطن” إن المجموعات “متشظيّة، تميل إلى تضخيم أعدادها، طمعًا بحصة أكبر من الدعم المالي لغياب آليات التصحيح والمساءلة الداخلية. وبعكس الرواية التي تُباع للعسكر، يعمل قادة الأسد وفق منطق التمويل، لا السياسة ولا الأيديولوجيا. والرواتب التي تُدفع لهم بالدولار الأميركي، تأتي بشكل دوري، فيما تُصرف المساعدات على مراحل، وينتشر بين الأعضاء خلاف على الأحقية. اقتصاد ظل قائم بذاته”.
ويشرح أحد الأمنيين الذين ينظرون بالملف بعد انتشار التسريبات لـ “نداء الوطن” إجابة على سؤال “من يقرّر بين سهيل الحسن وغياث دلّا وغيرهما من الضباط القريبين من رامي مخلوف في النهاية؟” إن التحركات حتى الساعة جاءت بالاتفاق الأكثري وأن وضعهم بعد التسريب ليس كما قبله، يُطرح احتمال الضمان الدولي الروسي لهم في حال تغيّرت الخرائط، كما يُطرح احتمال الانسحاب الموقت، أو الانتظار حتى تتضح الصورة. لكن الثابت الوحيد هو أن شبكة الضباط لا تتحرّك إلا عندما تتأكد من وجود مظلةٍ ما سياسية، مالية، أو أمنية. وأخطر ما في هذه المنظومة أنها تستطيع في لحظة أن تعيد التموضع أي تختفي، ثم تظهر من جديد، باسمٍ آخر، وترتيبٍ آخر، وشعارٍ آخر وربما غطاء داخلي من المحيط اللبناني”.
فالدعم بحسبه “لا يأتي دفعة واحدة؛ ويتسلّل عبر قنوات متشابكة، ويعيد إنتاج خريطة النفوذ ذاتها للضباط الكبار. وحين تُصبح الرواتب مشروطة، يتحوّل الفرد المسلح (وعددهم من المرجح ألا يكون مضخمًا كما انتشر) إلى عنصرٍ داخل سوق مفتوحة، ينتقل حيثما تتوافر الحماية والدفع، ويتراجع حيث يُرفع الغطاء”.
وبما أن الجغرافيا اللبنانية تؤدي دورًا مزدوجًا بحيث أنها ليست مكانًا للتجميع العسكري، بل نقطة تقاطع بين الإقامة الموقتة، وإدارة الاتصالات، وترتيب الموارد، ومن حين إلى آخر، محاولة التفاوض، يمكن للأجهزة الأمنية اللبنانية أن تُلقي القبض على المطلوبين قضائيًا بسهولة ومن دون الحاجة للاشتباك.
لا بل يظهر في أكثر من موضع توترٌ واضح لدى بعض الفاعلين من ضباط الأسد إزاء الأجهزة الأمنية، وتبديلٌ متكرر للهواتف والأماكن، مع حرصٍ على تجنب أي احتكاك مباشر. ولا شك بأن شبكات الفلول في عكّار تعمل حاليًا بعقلية التخفي والإدارة، وتتفادى المواجهة. وبذلك، فإن أي سيناريو لاشتباك واسع مع القوى الأمنية اللبنانية، في الحيصة يبدو غير مرجّح، فيما تبقى المخاطر الحقيقية في الفوضى المحدودة وترهيب السكان الذي يُمكن أن يحدث عند أي اهتزاز أمني في الساحل السوري.
في النهاية، يظلّ السؤال معلّقًا، فإلى أي مدى يمكن لشبكات كهذه أن تستمرّ في العمل من دون أن تترك أثرًا واضحًا؟
وهل نحن أمام ظاهرة عابرة، أم أمام نموذج “خلايا نائمة” ترعاها إيران ويحميها “حزب الله”؟ ما نعرفه حتى الآن هو ما تتيحه المعلومات من خيوط متشابكة، وأصوات متوترة، وخلية نائمة. أما ما لا نعرفه بعد، فربما يكون أخطر لأنه لا يزال خارج الاختراق… وخارج المحاسبة.












