أسماء الأسد… حين تتحوّل السيدة الأولى إلى نظام

المصدر: المدن
7 كانون الثاني 2026

حين تزوّجت أسماء الأخرس من بشار الأسد عام 2000، لم يكن الزواج حدثاً شخصياً عابراً في سيرة رئيس جديد، بقدر ما كان تحولاً رمزياً داخل بنية نظامٍ شديد الانغلاق، اعتاد أن يعيد إنتاج نفسه ضمن دائرة ضيقة من القرابة والولاء والطائفة. فالزوجة الجديدة لم تكن ابنة هذا النظام ولا امتداداً طبيعياً له: سُنّية، تنحدر من عائلة مدينية متوسطة من حمص، نشأت وتعلّمت في لندن، وتكوّنت مهنياً في قلب القطاع المصرفي البريطاني، بعيداً عن ثقافة الأجهزة والرتب والبيوتات الأمنية التي شكّلت العمود الفقري للسلطة في سوريا لعقود.

هذا الخليط الاجتماعي والثقافي بدا، منذ اللحظة الأولى، نشازاً محسوباً داخل نظام صُمّم تاريخياً على قاعدة عسكرية ـ عائلية ــ طائفية مغلقة، لا يدخلها الغرباء إلا بوصفهم واجهات أو أدوات. لذلك لم يكن الزواج، كما حاول الإعلام الرسمي تسويقه، “جِسْراً وطنياً” يوحي بالمصالحة أو التنوّع، بل كان استثماراً سياسياً في الصورة: نظام يريد أن يخفف من خشونته المتراكمة، ورئيس شاب يحتاج إلى واجهة حديثة، أنيقة، قادرة على مخاطبة الخارج وتلميع الداخل، وتخفيف ثقل إرث والده الأمني والسياسي.

أسماء الأسد لم تدخل القصر بوصفها امتداداً اجتماعياً للنظام، ولا باعتبارها ابنة بيئته الطبيعية، بل دخلته عنصراً دخيلاً محسوباً، جرى تقديمه كعلامة على التغيير والانفتاح. غير أن هذا “الدخول من الخارج” حمل في طياته مفارقة حاسمة: فإما أن يعيد النظام تشكيلها وفق قواعده الصلبة، أو أن تعيد هي، مع الوقت، تشكيل موقعها داخله، لا كزوجة في الظل، بل كلاعبة فاعلة في إعادة توزيع الرمزية والنفوذ والوظيفة السياسية للسيدة الأولى.

ما بعد أنيسة مخلوف

بوفاة أنيسة مخلوف، أُغلق فصل كامل من تاريخ “السيدة الأولى” في سوريا. انتهى نموذج المرأة الصامتة، الحاضرة من خلف الستار، ذات النفوذ العائلي الخفي الذي يُمارَس عبر القرابة والوساطة والولاء داخل بنية السلطة. ومع هذا الغياب، لم يترك القصر فراغاً طويلاً، بل أُعيد تعريف الدور نفسه وفق شروط جديدة، أقل صمتاً وأكثر علنية: المرأة الحاضرة في الفضاء العام، المتحدّثة باسم الدولة، وصاحبة المشاريع والعلاقات الدولية.

أسماء الأسد ملأت هذا الفراغ بسرعة لافتة، لكن ليس عبر السياسة المباشرة أو التدخل العلني في القرار، بل عبر بوابة بدت في ظاهرها محايدة وغير صدامية: ما سُمّي “العمل التنموي”. تأسيسها للأمانة السورية للتنمية لم يكن مجرد نشاط خيري أو مبادرة اجتماعية معزولة، بل شكّل إطاراً بديلاً عن المجتمع المدني المستقل، وذراعاً ناعمة لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع، بحيث تمر المبادرات، والبرامج، وحتى مفاهيم “التنمية” نفسها، عبر القصر أو تحت إشرافه.

بهذا المعنى، لم يكن الدور الجديد للسيدة الأولى منفصلاً عن منطق السلطة، بل متماهياً معه بوسائل أكثر حداثة. فقد تحوّل “العمل الأهلي” إلى مساحة مضبوطة سياسياً، تُدار بلغة تقنية ناعمة، لكنها تؤدي وظيفة سياسية واضحة: احتواء المجتمع، ضبط حركته وإفراغ أي إمكانية لاستقلاله التنظيمي.

لذلك، لم تكن أسماء الأسد نقيضاً لأنيسة مخلوف، ولا قطيعة مع إرثها، بل تطويراً وظيفياً لدور السيدة الأولى: انتقالاً من نفوذ عائلي مغلق، يُمارَس في الظل، إلى نفوذ مؤسساتي معلن، مموّه بلغة التنمية والشراكة والتمكين. نفوذ أقل فجاجة في شكله، لكنه أوسع مدى، وأكثر قدرة على اختراق المجتمع وإعادة تشكيله وفق حاجات السلطة.

قبل أن تنكسر المرآة

قبل عام 2011، جرى تقديم أسماء الأسد في الصحافة الغربية بوصفها الوجه الإصلاحي الهادئ للنظام السوري، و”المرأة التي قد تغيّر سوريا من الداخل”. مجلات لامعة وصحف مؤثرة أعادت إنتاج هذه الصورة مراراً، محتفية بسيرتها الشخصية، تعليمها الغربي، أناقتها، وخطابها “العقلاني”، في سردية بدت أقرب إلى قصة صعود فردية، منها إلى قراءة سياسية لبنية السلطة التي تعمل داخلها.

في تلك المرحلة، لم تكن أسماء تُقدَّم كجزء من النظام، بل كاستثناء عنه: امرأة “حديثة” في محيط تقليدي، وواجهة ناعمة لدولة قاسية، ووسيط محتمل بين دمشق والعواصم الغربية. هذا التقديم لم يكن بريئاً، بل استند إلى تغاضٍ منهجي عن طبيعة النظام نفسه، وعن كونه نظاماً أمنياً مغلقاً لا يسمح بإصلاح حقيقي من داخله، ولا يمنح أدواراً مستقلة، مهما بدا شكلها حداثياً.

لكن مع اندلاع الثورة السورية، تحطمت المرآة بالكامل. لم يعد ممكناً الاستمرار في فصل الصورة عن الواقع، ولا الادعاء بوجود “منطقة أخلاقية وسطى” بين نظام يمارس العنف على نطاق واسع ومجتمع ينتفض. في تلك اللحظة، فقدت أسماء الأسد قدرتها على لعب دور الوسيط الرمزي أو الأخلاقي بين السلطة والعالم، واضطرت إلى اتخاذ موقف واضح، وإن لم يُعلن صراحة.

اختارت البقاء في صف النظام، لا عبر الصمت فقط، بل عبر المشاركة الرمزية في تثبيت السلطة. ظهرت في مناطق موالية، وتحوّلت إلى جزء من مشهد التعبئة المعنوية، وأدارت، بشكل مباشر أو غير مباشر، شبكات “الإغاثة” التي لم تعمل بوصفها عملاً إنسانياً مستقلاً، بل كأدوات ضبط اجتماعي، تُكافئ الولاء وتعاقب الخروج، وتعيد رسم خريطة “الضحايا المستحقين” وفق معايير سياسية.

منذ تلك اللحظة، لم تعد أسماء الأسد رصيداً دولياً محتملاً أو واجهة قابلة للتسويق خارجياً، بل تحوّلت إلى جزءٍ عضوي من آلة السلطة: تتحرك ضمن منطقها، وتؤدي وظيفة من وظائفها، وتدافع عنها بالصورة حيناً، وبالإدارة حيناً آخر. وهكذا انتهت مرحلة “السيدة الأولى الإصلاحية”، لتحل مكانها مرحلة الفاعل السياسي غير المعلن، المرتبط عضوياً ببقاء النظام واستمراره.

نساء القصر

داخل الدائرة الضيقة للسلطة، لم يكن نفوذ أسماء الأسد مطلقاً أو بلا منازعة، كما بدا في كثير من الأحيان من الخارج. فالقصر الرئاسي، على انغلاقه الشديد، لم يكن فضاءً خالياً من التنافس، بل مسرحاً لصراعات صامتة، تُدار بعيداً عن الأضواء، وتتحرك وفق منطق القرب من الرئيس، لا وفق المناصب المعلنة أو التسميات الرسمية.

من أبرز وجوه هذا الصراع كانت لونا الشبل، المستشارة الإعلامية والسياسية التي راكمت، على مدى سنوات، نفوذاً خاصاً داخل القصر، مستندة إلى موقعها في صياغة الخطاب الرسمي، وإدارتها لملفات حساسة تتصل بصورة النظام في الداخل والخارج. حضورها لم يكن تقنياً فقط، بل سياسياً بامتياز، ما جعلها إحدى الشخصيات القليلة القادرة على التأثير في المزاج العام للسلطة، وفي الطريقة التي ترى بها نفسها وتُقدَّم بها.

لم يكن الصراع بين أسماء الأسد ولونا الشبل صراع مواقع رسمية أو تنافساً على ألقاب وصلاحيات محددة، بل تنافساً على القرب من مركز القرار، وعلى من يملك حق تمثيل “العقل السياسي” للنظام، وصياغة روايته عن ذاته، وتحديد أولوياته الرمزية والإعلامية. في مثل هذا النوع من الصراعات، لا تُقاس القوة بالمنصب، بل بالقدرة على الوصول، والتأثير، وإقصاء الآخرين بهدوء.

ومع تراجع حضور لونا الشبل تدريجياً، ثم وفاتها الغامضة، بدا أن كفة أسماء الأسد رجحت نهائياً داخل هذا التوازن الهش، لا بوصفها زوجة الرئيس فقط، بل باعتبارها صاحبة شبكة مصالح متكاملة، تمتد من العمل “التنموي” إلى الاقتصاد، ومن الصورة العامة إلى الإدارة غير المعلنة للنفوذ. بذلك، لم تعد أسماء مجرد طرف في صراع داخل القصر، بل أصبحت إحدى نتائجه الحاسمة: الفاعل الأكثر ثباتاً في دائرة تضيق باستمرار.

المرض وتوقيته

حين أُعلن عن إصابة أسماء الأسد بسرطان الثدي عام 2018، ثم عن إصابتها بسرطان الدم عام 2024، لم يكن الحدث صحياً صرفاً أو شأناً شخصياً معزولاً عن السياق العام. ففي أنظمة مغلقة، لا يبقى الجسد خارج السياسة، ولا يُقرأ المرض بوصفه واقعة إنسانية فحسب، بل يتحوّل سريعاً إلى مسألة سيادية، تُدار وتُقدَّم وتُؤوَّل وفق حاجات السلطة وتوازناتها.

توقيت الإعلان لم يكن تفصيلاً عابراً، وكذلك طريقة إدارته إعلامياً، واللغة المستخدمة في توصيف الحالة، والحرص على إبراز “القدرة على المواصلة” أو “الانتصار على المرض”. كل ذلك دخل ضمن حسابات دقيقة: هل النظام مستقر بما يكفي لتحمّل غياب السيدة الأولى عن المشهد؟ هل ما زالت قادرة على أداء دورها العام؟ وهل يفتح المرض باباً لفراغ محتمل في شبكة نفوذ باتت تتمحور حولها؟

في هذا السياق، لم يُقدَّم المرض بوصفه ضعفاً، بل جرى تأطيره كاختبار صمود، في انسجام واضح مع خطاب السلطة عن التماسك والتحدّي. غير أن هذا الخطاب، مهما بدا محكماً، لم يمنع تسلّل الأسئلة إلى داخل النظام نفسه، حول استمرارية الأدوار التي باتت أسماء الأسد تؤديها فعلياً، لا رمزياً فقط.

غيابها المؤقت عن الواجهة أعاد طرح أسئلة حساسة عن من يدير الشبكات الاقتصادية والاجتماعية التي أصبحت مرتبطة باسمها مباشرة، وعن آليات اتخاذ القرار في حال تراجع حضورها أو طال غيابها. والأهم، أنه كشف بوضوح مدى التحوّل الذي طرأ على موقعها داخل السلطة: من سيدة أولى ذات وظيفة رمزية، إلى فاعل بنيوي يصعب استبداله بسهولة، لأن غيابه لا يعني غياب صورة، بل ارتباكاً في إدارة مصالح ونفوذ وشبكات متشابكة.

بهذا المعنى، لم يكن المرض مجرد حدث طارئ في سيرة أسماء الأسد، بل لحظة كاشفة، أظهرت هشاشة التوازنات التي بُنيت حول شخص واحد، وأعادت التذكير بأن الجسد، في الأنظمة السلطوية، ليس ملكاً لصاحبه وحده، بل جزءاً من معادلة الحكم نفسها.

رامي مخلوف

لم يكن الصدام مع رامي مخلوف مجرد خلاف عائلي خرج إلى العلن، ولا حملة عابرة تحت شعار “مكافحة الفساد”، كما حاول الخطاب الرسمي تسويقه. ما جرى كان، في جوهره، إعادة رسم شاملة لخريطة الاقتصاد السياسي للنظام، ونقطة تحوّل حاسمة في طريقة إدارة السلطة للموارد، والتحالفات، ومراكز النفوذ.

على مدى عقود، مثّل رامي مخلوف نموذج “رجل الأعمال الحارس”: واجهة اقتصادية للنظام، يدير قطاعات حيوية، ويحتكر أسواقاً واسعة، مقابل ولاء مطلق وحماية سياسية غير مشروطة. كان هذا النموذج مناسباً لمرحلة الاستقرار النسبي، حيث يُفوَّض الاقتصاد إلى دائرة ضيقة من الأقارب، مقابل ضمان تدفّق المال واستقرار شبكة الولاءات.

لكن الحرب قلبت المعادلة. العقوبات، وتراجع الموارد، وانكماش الاقتصاد، جعلت هذا النموذج عبئاً ثقيلاً بدل أن يكون أداة فعّالة. لم يعد مقبولاً وجود مركز اقتصادي شبه مستقل، حتى لو كان من صلب العائلة، في لحظة باتت فيها السلطة بحاجة إلى كل مورد، وكل قرار، وكل هامش سيطرة.

في هذا السياق، برزت أسماء الأسد بوصفها الوجه الأوضح للانتقال إلى نموذج جديد: اقتصاد مركزي شديد الضيق، تُدار مفاصله مباشرة من القصر، بلا وسطاء كبار، ولا شركاء يصعب ضبطهم. لم يعد المطلوب “رجل أعمال يحمي النظام”، بل شبكة أكثر انضباطاً، أقل صخباً، وأكثر خضوعاً للقرار السياسي المباشر.

إقصاء رامي مخلوف، إذاً، لم يكن إضعافاً للنظام، ولا خطوة إصلاحية كما أُريد لها أن تبدو، بل عملية تركيز للسلطة الاقتصادية في يد دائرة أصغر، أشد تماسكا، وأقل قابلية للتمرّد أو التفاوض. كانت رسالة واضحة إلى الداخل قبل الخارج: لا أحد فوق منطق إعادة الهيكلة، ولا نفوذ يُحصَّن بالقرابة وحدها.

بهذا المعنى، شكّل سقوط مخلوف العلني نهاية مرحلة كاملة من تاريخ الاقتصاد السوري، وبداية مرحلة أكثر قسوة واحتكاراً، تُدار فيها الثروة باعتبارها جزءاً مباشراً من أدوات الحكم، لا مجالاً للمساومة أو الشراكة. مرحلة لا تبحث عن شركاء أقوياء، بل عن منفذين صامتين، يعملون داخل نظام بات يرى في أي قوة مستقلة خطراً محتملاً.

من التنمية إلى الاحتكار

ما بعد إقصاء رامي مخلوف، برزت أسماء الأسد بوصفها المنسّق غير المعلن للاقتصاد السوري المتبقي، والمرجعية الفعلية لإدارة ما تبقّى من موارد الدولة والأسواق. لم يكن هذا التحول فجائياً، بل نتيجة مسار تراكمي استُخدمت فيه أدوات بدت في ظاهرها اجتماعية وتنموية، لكنها أدّت، في جوهرها، وظيفة اقتصادية ــ سياسية واضحة.

عبر الأمانة السورية للتنمية، وشبكات رجال أعمال جدد صعدوا في ظل الحرب، ومشاريع إعادة إعمار انتقائية تُدار بمعايير سياسية أكثر منها اقتصادية، تحوّل “العمل الخيري” إلى أداة تصفية وإعادة توزيع للثروة. لم يعُد الهدف سدّ فجوات اجتماعية أو دعم الفئات الأشد هشاشة، بل إعادة تنظيم السوق، وإقصاء لاعبين قدامى، وفتح المجال أمام شبكات أكثر التصاقاً بالقصر، وأكثر قابلية للضبط.

في هذا السياق، لم تعُد السيطرة اقتصادية بالمعنى الضيق، بل سيطرة سياسية – اجتماعية مركّبة. من يحصل على فرصة استثمار، ومن يُسمح له بالعمل، ومن يُمنح تسهيلات أو إعفاءات، ومن يُقصى بصمت، كلها قرارات تمر عبر قنوات غير معلنة، لكنها معروفة داخل دوائر السلطة. الاقتصاد هنا لم يعد مجالاً مستقلاً نسبياً، بل تحوّل إلى أداة حكم مباشرة، تُستخدم لإعادة إنتاج الولاء، ومعاقبة الخصوم، وضبط المجتمع عبر لقمة عيشه.

بهذا المعنى، لم تعد أسماء الأسد “سيدة أولى” بالمعنى البروتوكولي، ولا حتى فاعلة اقتصادية تقليدية، بل أصبحت عقدةً مركزيةً في شبكة حكم تعيش على ما تبقّى من البلاد. عقدةً تربط بين التنمية والاحتكار، وبين الإغاثة والسيطرة، وبين الخطاب الاجتماعي وإدارة الثروة بالقوة الناعمة. لم يكن حضورها في الاقتصاد استثناءً، بل تعبيراً مكثفاً عن طبيعة نظامٍ لم يعد قادراً على الفصل بين الدولة والمال، ولا بين العمل العام والمصلحة الخاصة. إلى الحدّ الذي جرى فيه تداول توصيف ساخر ــ داخلي، يربط اسمها بلقب “رئيس فرع الخطيب”، في إشارة إلى الدور الذي لعبته شبكات مرتبطة بها في إخضاع تجّار يرفضون دفع الإتاوات.

أسماء الأسد اليوم

اليوم، وبعد سقوط النظام وخروجها من دمشق إلى موسكو، لم تعد أسماء الأسد تمثّل سلطة قائمة بقدر ما تمثّل أثراً مكتملاً لمرحلة كاملة من الحكم. لم تعد فاعلة في المشهد، لكنها ما تزال حاضرة في فهمه: بوصفها إحدى النتائج المنطقية لنظام استبدادي حوّل الدولة إلى ملكية خاصة، ثم احتاج، في لحظة حصار وانكماش، إلى إدارتها بعقل أكثر براغماتية وأقل أيديولوجية، وأكثر استعداداً لتذويب الحدود بين العام والخاص.

خروجها إلى موسكو، في ظل تداول أخبار عن معاناتها الصحية، بما في ذلك الحديث عن إصابتها بسرطان الدم في مراحله الأخيرة وهي لا تزال داخل بنية السلطة، أضفى على صورتها بعداً إضافياً: نهايةً شخصيةً توازي نهاية نظام. جسدٌ منهك، وسلطةٌ منهكة، وكلاهما خرج من المشهد من دون محاسبة، لكن محمَّلاً بدلالات سياسية ثقيلة.

بهذا المعنى، فإن أسماء الأسد اليوم لا تمثّل شخصاً في المنفى بقدر ما تمثّل ذاكرة سلطة: سلطة حاولت أن تتأنّق لتخفي عنفها، وأن تتنمّى لتغطي احتكارها، وأن تتأنسن لتؤجّل سقوطها، لكنها سقطت في النهاية، تاركة خلفها سؤالاً مفتوحاً عن الثمن الذي دفعه المجتمع مقابل هذا الوهم الطويل.

أسماء الأسد… حين تتحوّل السيدة الأولى إلى نظام

المصدر: المدن
7 كانون الثاني 2026

حين تزوّجت أسماء الأخرس من بشار الأسد عام 2000، لم يكن الزواج حدثاً شخصياً عابراً في سيرة رئيس جديد، بقدر ما كان تحولاً رمزياً داخل بنية نظامٍ شديد الانغلاق، اعتاد أن يعيد إنتاج نفسه ضمن دائرة ضيقة من القرابة والولاء والطائفة. فالزوجة الجديدة لم تكن ابنة هذا النظام ولا امتداداً طبيعياً له: سُنّية، تنحدر من عائلة مدينية متوسطة من حمص، نشأت وتعلّمت في لندن، وتكوّنت مهنياً في قلب القطاع المصرفي البريطاني، بعيداً عن ثقافة الأجهزة والرتب والبيوتات الأمنية التي شكّلت العمود الفقري للسلطة في سوريا لعقود.

هذا الخليط الاجتماعي والثقافي بدا، منذ اللحظة الأولى، نشازاً محسوباً داخل نظام صُمّم تاريخياً على قاعدة عسكرية ـ عائلية ــ طائفية مغلقة، لا يدخلها الغرباء إلا بوصفهم واجهات أو أدوات. لذلك لم يكن الزواج، كما حاول الإعلام الرسمي تسويقه، “جِسْراً وطنياً” يوحي بالمصالحة أو التنوّع، بل كان استثماراً سياسياً في الصورة: نظام يريد أن يخفف من خشونته المتراكمة، ورئيس شاب يحتاج إلى واجهة حديثة، أنيقة، قادرة على مخاطبة الخارج وتلميع الداخل، وتخفيف ثقل إرث والده الأمني والسياسي.

أسماء الأسد لم تدخل القصر بوصفها امتداداً اجتماعياً للنظام، ولا باعتبارها ابنة بيئته الطبيعية، بل دخلته عنصراً دخيلاً محسوباً، جرى تقديمه كعلامة على التغيير والانفتاح. غير أن هذا “الدخول من الخارج” حمل في طياته مفارقة حاسمة: فإما أن يعيد النظام تشكيلها وفق قواعده الصلبة، أو أن تعيد هي، مع الوقت، تشكيل موقعها داخله، لا كزوجة في الظل، بل كلاعبة فاعلة في إعادة توزيع الرمزية والنفوذ والوظيفة السياسية للسيدة الأولى.

ما بعد أنيسة مخلوف

بوفاة أنيسة مخلوف، أُغلق فصل كامل من تاريخ “السيدة الأولى” في سوريا. انتهى نموذج المرأة الصامتة، الحاضرة من خلف الستار، ذات النفوذ العائلي الخفي الذي يُمارَس عبر القرابة والوساطة والولاء داخل بنية السلطة. ومع هذا الغياب، لم يترك القصر فراغاً طويلاً، بل أُعيد تعريف الدور نفسه وفق شروط جديدة، أقل صمتاً وأكثر علنية: المرأة الحاضرة في الفضاء العام، المتحدّثة باسم الدولة، وصاحبة المشاريع والعلاقات الدولية.

أسماء الأسد ملأت هذا الفراغ بسرعة لافتة، لكن ليس عبر السياسة المباشرة أو التدخل العلني في القرار، بل عبر بوابة بدت في ظاهرها محايدة وغير صدامية: ما سُمّي “العمل التنموي”. تأسيسها للأمانة السورية للتنمية لم يكن مجرد نشاط خيري أو مبادرة اجتماعية معزولة، بل شكّل إطاراً بديلاً عن المجتمع المدني المستقل، وذراعاً ناعمة لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمجتمع، بحيث تمر المبادرات، والبرامج، وحتى مفاهيم “التنمية” نفسها، عبر القصر أو تحت إشرافه.

بهذا المعنى، لم يكن الدور الجديد للسيدة الأولى منفصلاً عن منطق السلطة، بل متماهياً معه بوسائل أكثر حداثة. فقد تحوّل “العمل الأهلي” إلى مساحة مضبوطة سياسياً، تُدار بلغة تقنية ناعمة، لكنها تؤدي وظيفة سياسية واضحة: احتواء المجتمع، ضبط حركته وإفراغ أي إمكانية لاستقلاله التنظيمي.

لذلك، لم تكن أسماء الأسد نقيضاً لأنيسة مخلوف، ولا قطيعة مع إرثها، بل تطويراً وظيفياً لدور السيدة الأولى: انتقالاً من نفوذ عائلي مغلق، يُمارَس في الظل، إلى نفوذ مؤسساتي معلن، مموّه بلغة التنمية والشراكة والتمكين. نفوذ أقل فجاجة في شكله، لكنه أوسع مدى، وأكثر قدرة على اختراق المجتمع وإعادة تشكيله وفق حاجات السلطة.

قبل أن تنكسر المرآة

قبل عام 2011، جرى تقديم أسماء الأسد في الصحافة الغربية بوصفها الوجه الإصلاحي الهادئ للنظام السوري، و”المرأة التي قد تغيّر سوريا من الداخل”. مجلات لامعة وصحف مؤثرة أعادت إنتاج هذه الصورة مراراً، محتفية بسيرتها الشخصية، تعليمها الغربي، أناقتها، وخطابها “العقلاني”، في سردية بدت أقرب إلى قصة صعود فردية، منها إلى قراءة سياسية لبنية السلطة التي تعمل داخلها.

في تلك المرحلة، لم تكن أسماء تُقدَّم كجزء من النظام، بل كاستثناء عنه: امرأة “حديثة” في محيط تقليدي، وواجهة ناعمة لدولة قاسية، ووسيط محتمل بين دمشق والعواصم الغربية. هذا التقديم لم يكن بريئاً، بل استند إلى تغاضٍ منهجي عن طبيعة النظام نفسه، وعن كونه نظاماً أمنياً مغلقاً لا يسمح بإصلاح حقيقي من داخله، ولا يمنح أدواراً مستقلة، مهما بدا شكلها حداثياً.

لكن مع اندلاع الثورة السورية، تحطمت المرآة بالكامل. لم يعد ممكناً الاستمرار في فصل الصورة عن الواقع، ولا الادعاء بوجود “منطقة أخلاقية وسطى” بين نظام يمارس العنف على نطاق واسع ومجتمع ينتفض. في تلك اللحظة، فقدت أسماء الأسد قدرتها على لعب دور الوسيط الرمزي أو الأخلاقي بين السلطة والعالم، واضطرت إلى اتخاذ موقف واضح، وإن لم يُعلن صراحة.

اختارت البقاء في صف النظام، لا عبر الصمت فقط، بل عبر المشاركة الرمزية في تثبيت السلطة. ظهرت في مناطق موالية، وتحوّلت إلى جزء من مشهد التعبئة المعنوية، وأدارت، بشكل مباشر أو غير مباشر، شبكات “الإغاثة” التي لم تعمل بوصفها عملاً إنسانياً مستقلاً، بل كأدوات ضبط اجتماعي، تُكافئ الولاء وتعاقب الخروج، وتعيد رسم خريطة “الضحايا المستحقين” وفق معايير سياسية.

منذ تلك اللحظة، لم تعد أسماء الأسد رصيداً دولياً محتملاً أو واجهة قابلة للتسويق خارجياً، بل تحوّلت إلى جزءٍ عضوي من آلة السلطة: تتحرك ضمن منطقها، وتؤدي وظيفة من وظائفها، وتدافع عنها بالصورة حيناً، وبالإدارة حيناً آخر. وهكذا انتهت مرحلة “السيدة الأولى الإصلاحية”، لتحل مكانها مرحلة الفاعل السياسي غير المعلن، المرتبط عضوياً ببقاء النظام واستمراره.

نساء القصر

داخل الدائرة الضيقة للسلطة، لم يكن نفوذ أسماء الأسد مطلقاً أو بلا منازعة، كما بدا في كثير من الأحيان من الخارج. فالقصر الرئاسي، على انغلاقه الشديد، لم يكن فضاءً خالياً من التنافس، بل مسرحاً لصراعات صامتة، تُدار بعيداً عن الأضواء، وتتحرك وفق منطق القرب من الرئيس، لا وفق المناصب المعلنة أو التسميات الرسمية.

من أبرز وجوه هذا الصراع كانت لونا الشبل، المستشارة الإعلامية والسياسية التي راكمت، على مدى سنوات، نفوذاً خاصاً داخل القصر، مستندة إلى موقعها في صياغة الخطاب الرسمي، وإدارتها لملفات حساسة تتصل بصورة النظام في الداخل والخارج. حضورها لم يكن تقنياً فقط، بل سياسياً بامتياز، ما جعلها إحدى الشخصيات القليلة القادرة على التأثير في المزاج العام للسلطة، وفي الطريقة التي ترى بها نفسها وتُقدَّم بها.

لم يكن الصراع بين أسماء الأسد ولونا الشبل صراع مواقع رسمية أو تنافساً على ألقاب وصلاحيات محددة، بل تنافساً على القرب من مركز القرار، وعلى من يملك حق تمثيل “العقل السياسي” للنظام، وصياغة روايته عن ذاته، وتحديد أولوياته الرمزية والإعلامية. في مثل هذا النوع من الصراعات، لا تُقاس القوة بالمنصب، بل بالقدرة على الوصول، والتأثير، وإقصاء الآخرين بهدوء.

ومع تراجع حضور لونا الشبل تدريجياً، ثم وفاتها الغامضة، بدا أن كفة أسماء الأسد رجحت نهائياً داخل هذا التوازن الهش، لا بوصفها زوجة الرئيس فقط، بل باعتبارها صاحبة شبكة مصالح متكاملة، تمتد من العمل “التنموي” إلى الاقتصاد، ومن الصورة العامة إلى الإدارة غير المعلنة للنفوذ. بذلك، لم تعد أسماء مجرد طرف في صراع داخل القصر، بل أصبحت إحدى نتائجه الحاسمة: الفاعل الأكثر ثباتاً في دائرة تضيق باستمرار.

المرض وتوقيته

حين أُعلن عن إصابة أسماء الأسد بسرطان الثدي عام 2018، ثم عن إصابتها بسرطان الدم عام 2024، لم يكن الحدث صحياً صرفاً أو شأناً شخصياً معزولاً عن السياق العام. ففي أنظمة مغلقة، لا يبقى الجسد خارج السياسة، ولا يُقرأ المرض بوصفه واقعة إنسانية فحسب، بل يتحوّل سريعاً إلى مسألة سيادية، تُدار وتُقدَّم وتُؤوَّل وفق حاجات السلطة وتوازناتها.

توقيت الإعلان لم يكن تفصيلاً عابراً، وكذلك طريقة إدارته إعلامياً، واللغة المستخدمة في توصيف الحالة، والحرص على إبراز “القدرة على المواصلة” أو “الانتصار على المرض”. كل ذلك دخل ضمن حسابات دقيقة: هل النظام مستقر بما يكفي لتحمّل غياب السيدة الأولى عن المشهد؟ هل ما زالت قادرة على أداء دورها العام؟ وهل يفتح المرض باباً لفراغ محتمل في شبكة نفوذ باتت تتمحور حولها؟

في هذا السياق، لم يُقدَّم المرض بوصفه ضعفاً، بل جرى تأطيره كاختبار صمود، في انسجام واضح مع خطاب السلطة عن التماسك والتحدّي. غير أن هذا الخطاب، مهما بدا محكماً، لم يمنع تسلّل الأسئلة إلى داخل النظام نفسه، حول استمرارية الأدوار التي باتت أسماء الأسد تؤديها فعلياً، لا رمزياً فقط.

غيابها المؤقت عن الواجهة أعاد طرح أسئلة حساسة عن من يدير الشبكات الاقتصادية والاجتماعية التي أصبحت مرتبطة باسمها مباشرة، وعن آليات اتخاذ القرار في حال تراجع حضورها أو طال غيابها. والأهم، أنه كشف بوضوح مدى التحوّل الذي طرأ على موقعها داخل السلطة: من سيدة أولى ذات وظيفة رمزية، إلى فاعل بنيوي يصعب استبداله بسهولة، لأن غيابه لا يعني غياب صورة، بل ارتباكاً في إدارة مصالح ونفوذ وشبكات متشابكة.

بهذا المعنى، لم يكن المرض مجرد حدث طارئ في سيرة أسماء الأسد، بل لحظة كاشفة، أظهرت هشاشة التوازنات التي بُنيت حول شخص واحد، وأعادت التذكير بأن الجسد، في الأنظمة السلطوية، ليس ملكاً لصاحبه وحده، بل جزءاً من معادلة الحكم نفسها.

رامي مخلوف

لم يكن الصدام مع رامي مخلوف مجرد خلاف عائلي خرج إلى العلن، ولا حملة عابرة تحت شعار “مكافحة الفساد”، كما حاول الخطاب الرسمي تسويقه. ما جرى كان، في جوهره، إعادة رسم شاملة لخريطة الاقتصاد السياسي للنظام، ونقطة تحوّل حاسمة في طريقة إدارة السلطة للموارد، والتحالفات، ومراكز النفوذ.

على مدى عقود، مثّل رامي مخلوف نموذج “رجل الأعمال الحارس”: واجهة اقتصادية للنظام، يدير قطاعات حيوية، ويحتكر أسواقاً واسعة، مقابل ولاء مطلق وحماية سياسية غير مشروطة. كان هذا النموذج مناسباً لمرحلة الاستقرار النسبي، حيث يُفوَّض الاقتصاد إلى دائرة ضيقة من الأقارب، مقابل ضمان تدفّق المال واستقرار شبكة الولاءات.

لكن الحرب قلبت المعادلة. العقوبات، وتراجع الموارد، وانكماش الاقتصاد، جعلت هذا النموذج عبئاً ثقيلاً بدل أن يكون أداة فعّالة. لم يعد مقبولاً وجود مركز اقتصادي شبه مستقل، حتى لو كان من صلب العائلة، في لحظة باتت فيها السلطة بحاجة إلى كل مورد، وكل قرار، وكل هامش سيطرة.

في هذا السياق، برزت أسماء الأسد بوصفها الوجه الأوضح للانتقال إلى نموذج جديد: اقتصاد مركزي شديد الضيق، تُدار مفاصله مباشرة من القصر، بلا وسطاء كبار، ولا شركاء يصعب ضبطهم. لم يعد المطلوب “رجل أعمال يحمي النظام”، بل شبكة أكثر انضباطاً، أقل صخباً، وأكثر خضوعاً للقرار السياسي المباشر.

إقصاء رامي مخلوف، إذاً، لم يكن إضعافاً للنظام، ولا خطوة إصلاحية كما أُريد لها أن تبدو، بل عملية تركيز للسلطة الاقتصادية في يد دائرة أصغر، أشد تماسكا، وأقل قابلية للتمرّد أو التفاوض. كانت رسالة واضحة إلى الداخل قبل الخارج: لا أحد فوق منطق إعادة الهيكلة، ولا نفوذ يُحصَّن بالقرابة وحدها.

بهذا المعنى، شكّل سقوط مخلوف العلني نهاية مرحلة كاملة من تاريخ الاقتصاد السوري، وبداية مرحلة أكثر قسوة واحتكاراً، تُدار فيها الثروة باعتبارها جزءاً مباشراً من أدوات الحكم، لا مجالاً للمساومة أو الشراكة. مرحلة لا تبحث عن شركاء أقوياء، بل عن منفذين صامتين، يعملون داخل نظام بات يرى في أي قوة مستقلة خطراً محتملاً.

من التنمية إلى الاحتكار

ما بعد إقصاء رامي مخلوف، برزت أسماء الأسد بوصفها المنسّق غير المعلن للاقتصاد السوري المتبقي، والمرجعية الفعلية لإدارة ما تبقّى من موارد الدولة والأسواق. لم يكن هذا التحول فجائياً، بل نتيجة مسار تراكمي استُخدمت فيه أدوات بدت في ظاهرها اجتماعية وتنموية، لكنها أدّت، في جوهرها، وظيفة اقتصادية ــ سياسية واضحة.

عبر الأمانة السورية للتنمية، وشبكات رجال أعمال جدد صعدوا في ظل الحرب، ومشاريع إعادة إعمار انتقائية تُدار بمعايير سياسية أكثر منها اقتصادية، تحوّل “العمل الخيري” إلى أداة تصفية وإعادة توزيع للثروة. لم يعُد الهدف سدّ فجوات اجتماعية أو دعم الفئات الأشد هشاشة، بل إعادة تنظيم السوق، وإقصاء لاعبين قدامى، وفتح المجال أمام شبكات أكثر التصاقاً بالقصر، وأكثر قابلية للضبط.

في هذا السياق، لم تعُد السيطرة اقتصادية بالمعنى الضيق، بل سيطرة سياسية – اجتماعية مركّبة. من يحصل على فرصة استثمار، ومن يُسمح له بالعمل، ومن يُمنح تسهيلات أو إعفاءات، ومن يُقصى بصمت، كلها قرارات تمر عبر قنوات غير معلنة، لكنها معروفة داخل دوائر السلطة. الاقتصاد هنا لم يعد مجالاً مستقلاً نسبياً، بل تحوّل إلى أداة حكم مباشرة، تُستخدم لإعادة إنتاج الولاء، ومعاقبة الخصوم، وضبط المجتمع عبر لقمة عيشه.

بهذا المعنى، لم تعد أسماء الأسد “سيدة أولى” بالمعنى البروتوكولي، ولا حتى فاعلة اقتصادية تقليدية، بل أصبحت عقدةً مركزيةً في شبكة حكم تعيش على ما تبقّى من البلاد. عقدةً تربط بين التنمية والاحتكار، وبين الإغاثة والسيطرة، وبين الخطاب الاجتماعي وإدارة الثروة بالقوة الناعمة. لم يكن حضورها في الاقتصاد استثناءً، بل تعبيراً مكثفاً عن طبيعة نظامٍ لم يعد قادراً على الفصل بين الدولة والمال، ولا بين العمل العام والمصلحة الخاصة. إلى الحدّ الذي جرى فيه تداول توصيف ساخر ــ داخلي، يربط اسمها بلقب “رئيس فرع الخطيب”، في إشارة إلى الدور الذي لعبته شبكات مرتبطة بها في إخضاع تجّار يرفضون دفع الإتاوات.

أسماء الأسد اليوم

اليوم، وبعد سقوط النظام وخروجها من دمشق إلى موسكو، لم تعد أسماء الأسد تمثّل سلطة قائمة بقدر ما تمثّل أثراً مكتملاً لمرحلة كاملة من الحكم. لم تعد فاعلة في المشهد، لكنها ما تزال حاضرة في فهمه: بوصفها إحدى النتائج المنطقية لنظام استبدادي حوّل الدولة إلى ملكية خاصة، ثم احتاج، في لحظة حصار وانكماش، إلى إدارتها بعقل أكثر براغماتية وأقل أيديولوجية، وأكثر استعداداً لتذويب الحدود بين العام والخاص.

خروجها إلى موسكو، في ظل تداول أخبار عن معاناتها الصحية، بما في ذلك الحديث عن إصابتها بسرطان الدم في مراحله الأخيرة وهي لا تزال داخل بنية السلطة، أضفى على صورتها بعداً إضافياً: نهايةً شخصيةً توازي نهاية نظام. جسدٌ منهك، وسلطةٌ منهكة، وكلاهما خرج من المشهد من دون محاسبة، لكن محمَّلاً بدلالات سياسية ثقيلة.

بهذا المعنى، فإن أسماء الأسد اليوم لا تمثّل شخصاً في المنفى بقدر ما تمثّل ذاكرة سلطة: سلطة حاولت أن تتأنّق لتخفي عنفها، وأن تتنمّى لتغطي احتكارها، وأن تتأنسن لتؤجّل سقوطها، لكنها سقطت في النهاية، تاركة خلفها سؤالاً مفتوحاً عن الثمن الذي دفعه المجتمع مقابل هذا الوهم الطويل.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار