الإمبراطور فتح باب تغيير الأنظمة.. أسرع مما نتوقّع

الكاتب: محمد بركات | المصدر: اساس ميديا
7 كانون الثاني 2026

العالم على أعتاب تحوّلات معرفية هائلة، ستعكس حكماً “هويّتها” على شكل الإمبراطورية التي تحكم الكوكب. وستقدّم ترامب كإمبراطور ذي تجرية غير مسبوقة في “السيطرة على العالم”.

هذه ليست عودة كلاسيكية إلى استعمار القرن التاسع عشر. إنّها شيء آخر.

تكنولوجيا، واقتصاد، واستخبارات، وتحالفات داخلية في الدول المستهدفة… كلها عناصر تُركّب اليوم نموذجاً جديداً من “الإطاحة عن بُعد”، بلا جيوش ولا احتلال ولا صور المارينز على شرفات القصور.

تعميم نموذج فنزويلا

لم يكن الانقضاض الأميركي على مادورو اجتياحاً عسكرياً. كان أقرب إلى انقلابٍ أُدير من الخارج، مستنداً إلى لحظة تعب وطنية، وإلى دولة فاشلة انهارت فيها كل مقومات الاقتصاد والسياسة والاجتماع. بدا الشارع الفنزويلي ساكناً أو راضخاً أو غير راغب في الدفاع عن نظامٍ أنهك الناس والجغرافيا معاً.

هكذا تطوّرت تجربة أميركا، من وحول فيتنام، إلى اجتياح العراق واحتلاله بخسائر بشرية أقلّ، إلى انقلاب شبه أبيض في سوريا، وصولاً إلى نموذج فنزويلا 2026. وهو نموذج يمكن تعميمه وتطويره أيضاً.

وإذا كانت أميركا قد فشلت لعقود في إعادة هندسة أنظمة أميركا اللاتينية، فإنّها اليوم تبدو أكثر قدرة على تنفيذ “العملية الجراحية الكاملة”: القبض على الرئيس، وضع اليد على قطاع النفط لصالح شركاتها الكبرى، وإدارة المشهد من الخلف بهدوءٍ لا يشبه الحروب القديمة.

من هنا يصبح السؤال منطقياً: هل فتحت واشنطن باباً تاريخياً لشرعنة “تغيير الأنظمة” بالقوة الناعمة المسلّحة، طالما أنّ النظام المصاب بالعفن يفقد جمهوره، وتصبح الإطاحة به مطلباً شعبياً مكتوماً أو صريحاً؟

إيرانWho’s next:؟

ليس خافياً أنّ إيران هي الاسم التالي الأكثر تداولاً في هذه اللائحة. وصور خامنئي هي الأكثر تداولاً على سبيل التندّر والتوقّع.

النظام الإيراني الذي عاش طوال عقوده في ظل معادلة “النفوذ الخارجي مقابل القمع الداخلي”، يواجه اليوم احتمال انتقال العالم إلى مرحلة جديدة من الضربات الموجّهة التي تُصيب الرأس وتترك الجسد لعمليات التخثّر السريع وربما الانقلاي من الداخل.

لكن اللائحة لا تقف هنا.

روسيا نفسها، بكل جبروتها، مرشحة للدخول في دائرة الصراع الطويل. خصوصا أنّ ترامب أعلن في مؤتمر اعتقال مادورو، أنه ليس راضياً عن بوتين.

الصين أيضاً على اللائحة. كذلك كوريا الشمالية الدائمة التحدّي. وربما دول أخرى لا أحد يتوقعها اليوم.

إنه ليس صدام أيديولوجيات، بل منافسة بين أنظمة ترى نفسها محصّنة داخل حدودها، وبين إمبراطورية تقول الآن إنها قادرة على الوصول إلى أي مكان، دون أن تتحمّل كلفة الاحتلال أو بناء قواعد دائمة أو إغراق جثامين الجنود في مطارات العودة.

 التكنولوجيا تغيّر جوهر الإمبراطورية

الثورة التكنولوجية هنا ليست تفصيلاً. بل هي السلاح الجديد. وكلّ ثورة معرفية اعتاد التاريخ أن تنتج أشكال حكم جديدة، وأنماط علاقات دولية جديدة.

لذا فالعالم على أعتاب تحوّلات معرفية هائلة، ستعكس حكماً “هويّتها” على شكل الإمبراطورية التي تحكم الكوكب. وستقدّم ترامب كإمبراطور ذي تجرية غير مسبوقة في “السيطرة على العالم”.

من أرباب المراقبة، إلى آلهة البيانات، إلى تحوّلات الاقتصاديّات الرقمية، وأنظمة الذكاء الاصطناعي العسكري، والطائرات المسيّرة… كلّها تجعل الهيمنة أقل كلفة وأكثر سرعة، وتحوّل “تغيير النظام” إلى خيار سياسي قابل للتكرار، لا إلى مغامرة وجودية كما كان يحصل في العراق وأفغانستان.

الإمبراطورية الجديدة لا تحتاج إلى رفع العلم فوق القصر الرئاسي. يكفيها أن تغيّر القفل. أو أن تخلعه وتترك للشعوب أن تدخل وتغيّر.

نهاية القانون الدولي؟

وسط هذا المشهد، ينهار ما كان يُسمّى “القانون الدولي”.

هو أصلاً لم يكن قانوناً بالمعنى الفلسفي للكلمة، بل منظومة شرعنة للعنف، توزّع الضوء الأخضر وتُعطي صك البراءة هنا وهناك. اليوم، تسحب واشنطن هذا الغطاء نهائياً، وتعلن أنها القانون والشرعية والقوة في آن.

ومن باب المفارقة، قد يكون هذا الانكشاف مناسبة لإسقاط ما تبقى من أوهام حول “عدالة النظام العالمي” فالحقيقة صارت عارية: لا قوانين في السياسة الدولية، بل موازين قوة ومصالح صريحة.

مرحلة قد تطول

السؤال الآن ليس: هل يحقّ لترامب أن يفعل ذلك؟

بل: هل يستطيع العالم أن يمنعه؟

على الأرجح لا.

على الأقل في المدى المنظور.

قد تستمر هذه المرحلة سنة أو عشرين. قد تتبدّل الوجوه في البيت الأبيض، لكن الباب الذي فتحه ترامب قد لا يُغلق سريعاً. فحين تكتشف الإمبراطوريات وصفةً ناجحة للهيمنة منخفضة الكلفة، تصبح هذه الوصفة جزءاً من جوهر وجودها.

الشعوب… بين الاستبداد المحلي والإمبراطوري

المأساة أنّ الأنظمة التي ترفع شعار العداء للإمبريالية، مارست على شعوبها من القمع والفساد ما يجعل تلك الشعوب عاجزة عن الدفاع عنها حين يأتي الغريب.

وبين استبداد الداخل واستبداد الخارج، تضيع المعركة الكبرى: معركة الديمقراطية.

ما جرى في فنزويلا ليس خبراً عادياً. إنه إعلان دخول العالم مرحلة جديدة من تاريخ الإمبراطوريات:

إمبراطورية بلا احتلال مباشر، وبلا حشود، وبلا خطاب أيديولوجي، لكنها أكثر حضوراً وتأثيراً من أي وقت مضى.

وما بدأ مع مادورو، قد لا ينتهي عنده.

إنه باب فُتِح.

والبقية… ستأتي.

الإمبراطور فتح باب تغيير الأنظمة.. أسرع مما نتوقّع

الكاتب: محمد بركات | المصدر: اساس ميديا
7 كانون الثاني 2026

العالم على أعتاب تحوّلات معرفية هائلة، ستعكس حكماً “هويّتها” على شكل الإمبراطورية التي تحكم الكوكب. وستقدّم ترامب كإمبراطور ذي تجرية غير مسبوقة في “السيطرة على العالم”.

هذه ليست عودة كلاسيكية إلى استعمار القرن التاسع عشر. إنّها شيء آخر.

تكنولوجيا، واقتصاد، واستخبارات، وتحالفات داخلية في الدول المستهدفة… كلها عناصر تُركّب اليوم نموذجاً جديداً من “الإطاحة عن بُعد”، بلا جيوش ولا احتلال ولا صور المارينز على شرفات القصور.

تعميم نموذج فنزويلا

لم يكن الانقضاض الأميركي على مادورو اجتياحاً عسكرياً. كان أقرب إلى انقلابٍ أُدير من الخارج، مستنداً إلى لحظة تعب وطنية، وإلى دولة فاشلة انهارت فيها كل مقومات الاقتصاد والسياسة والاجتماع. بدا الشارع الفنزويلي ساكناً أو راضخاً أو غير راغب في الدفاع عن نظامٍ أنهك الناس والجغرافيا معاً.

هكذا تطوّرت تجربة أميركا، من وحول فيتنام، إلى اجتياح العراق واحتلاله بخسائر بشرية أقلّ، إلى انقلاب شبه أبيض في سوريا، وصولاً إلى نموذج فنزويلا 2026. وهو نموذج يمكن تعميمه وتطويره أيضاً.

وإذا كانت أميركا قد فشلت لعقود في إعادة هندسة أنظمة أميركا اللاتينية، فإنّها اليوم تبدو أكثر قدرة على تنفيذ “العملية الجراحية الكاملة”: القبض على الرئيس، وضع اليد على قطاع النفط لصالح شركاتها الكبرى، وإدارة المشهد من الخلف بهدوءٍ لا يشبه الحروب القديمة.

من هنا يصبح السؤال منطقياً: هل فتحت واشنطن باباً تاريخياً لشرعنة “تغيير الأنظمة” بالقوة الناعمة المسلّحة، طالما أنّ النظام المصاب بالعفن يفقد جمهوره، وتصبح الإطاحة به مطلباً شعبياً مكتوماً أو صريحاً؟

إيرانWho’s next:؟

ليس خافياً أنّ إيران هي الاسم التالي الأكثر تداولاً في هذه اللائحة. وصور خامنئي هي الأكثر تداولاً على سبيل التندّر والتوقّع.

النظام الإيراني الذي عاش طوال عقوده في ظل معادلة “النفوذ الخارجي مقابل القمع الداخلي”، يواجه اليوم احتمال انتقال العالم إلى مرحلة جديدة من الضربات الموجّهة التي تُصيب الرأس وتترك الجسد لعمليات التخثّر السريع وربما الانقلاي من الداخل.

لكن اللائحة لا تقف هنا.

روسيا نفسها، بكل جبروتها، مرشحة للدخول في دائرة الصراع الطويل. خصوصا أنّ ترامب أعلن في مؤتمر اعتقال مادورو، أنه ليس راضياً عن بوتين.

الصين أيضاً على اللائحة. كذلك كوريا الشمالية الدائمة التحدّي. وربما دول أخرى لا أحد يتوقعها اليوم.

إنه ليس صدام أيديولوجيات، بل منافسة بين أنظمة ترى نفسها محصّنة داخل حدودها، وبين إمبراطورية تقول الآن إنها قادرة على الوصول إلى أي مكان، دون أن تتحمّل كلفة الاحتلال أو بناء قواعد دائمة أو إغراق جثامين الجنود في مطارات العودة.

 التكنولوجيا تغيّر جوهر الإمبراطورية

الثورة التكنولوجية هنا ليست تفصيلاً. بل هي السلاح الجديد. وكلّ ثورة معرفية اعتاد التاريخ أن تنتج أشكال حكم جديدة، وأنماط علاقات دولية جديدة.

لذا فالعالم على أعتاب تحوّلات معرفية هائلة، ستعكس حكماً “هويّتها” على شكل الإمبراطورية التي تحكم الكوكب. وستقدّم ترامب كإمبراطور ذي تجرية غير مسبوقة في “السيطرة على العالم”.

من أرباب المراقبة، إلى آلهة البيانات، إلى تحوّلات الاقتصاديّات الرقمية، وأنظمة الذكاء الاصطناعي العسكري، والطائرات المسيّرة… كلّها تجعل الهيمنة أقل كلفة وأكثر سرعة، وتحوّل “تغيير النظام” إلى خيار سياسي قابل للتكرار، لا إلى مغامرة وجودية كما كان يحصل في العراق وأفغانستان.

الإمبراطورية الجديدة لا تحتاج إلى رفع العلم فوق القصر الرئاسي. يكفيها أن تغيّر القفل. أو أن تخلعه وتترك للشعوب أن تدخل وتغيّر.

نهاية القانون الدولي؟

وسط هذا المشهد، ينهار ما كان يُسمّى “القانون الدولي”.

هو أصلاً لم يكن قانوناً بالمعنى الفلسفي للكلمة، بل منظومة شرعنة للعنف، توزّع الضوء الأخضر وتُعطي صك البراءة هنا وهناك. اليوم، تسحب واشنطن هذا الغطاء نهائياً، وتعلن أنها القانون والشرعية والقوة في آن.

ومن باب المفارقة، قد يكون هذا الانكشاف مناسبة لإسقاط ما تبقى من أوهام حول “عدالة النظام العالمي” فالحقيقة صارت عارية: لا قوانين في السياسة الدولية، بل موازين قوة ومصالح صريحة.

مرحلة قد تطول

السؤال الآن ليس: هل يحقّ لترامب أن يفعل ذلك؟

بل: هل يستطيع العالم أن يمنعه؟

على الأرجح لا.

على الأقل في المدى المنظور.

قد تستمر هذه المرحلة سنة أو عشرين. قد تتبدّل الوجوه في البيت الأبيض، لكن الباب الذي فتحه ترامب قد لا يُغلق سريعاً. فحين تكتشف الإمبراطوريات وصفةً ناجحة للهيمنة منخفضة الكلفة، تصبح هذه الوصفة جزءاً من جوهر وجودها.

الشعوب… بين الاستبداد المحلي والإمبراطوري

المأساة أنّ الأنظمة التي ترفع شعار العداء للإمبريالية، مارست على شعوبها من القمع والفساد ما يجعل تلك الشعوب عاجزة عن الدفاع عنها حين يأتي الغريب.

وبين استبداد الداخل واستبداد الخارج، تضيع المعركة الكبرى: معركة الديمقراطية.

ما جرى في فنزويلا ليس خبراً عادياً. إنه إعلان دخول العالم مرحلة جديدة من تاريخ الإمبراطوريات:

إمبراطورية بلا احتلال مباشر، وبلا حشود، وبلا خطاب أيديولوجي، لكنها أكثر حضوراً وتأثيراً من أي وقت مضى.

وما بدأ مع مادورو، قد لا ينتهي عنده.

إنه باب فُتِح.

والبقية… ستأتي.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار