سوريا تفرض معادلتها: التعويضات من إيران وروسيا أضعاف الدين

المصدر: المدن
7 كانون الثاني 2026

في تصريح غير مسبوق، أعاد وزير المالية السوري محمد يسر برنية ملف الديون الخارجية إلى واجهة المشهد السياسي والاقتصادي السوري، مُطلِقاً ما يمكن اعتباره “ورقة ضغط سياسية” جديدة في مواجهة إيران وروسيا، اللتين تقودان منذ سنوات ملف الدعم المالي والعسكري للنظام البائد.

الوزير، خلال مقابلة في برنامج “صالون الجمهورية” على منصة “سوريا الآن”، لم يكتفِ بالإشارة إلى أن ديون طهران وموسكو “بغيضة”، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، معلناً أن الحكومة السورية تستعد لتقديم مطالبات مالية مضادة قد تصل إلى “أضعاف” ما تطالب به الدولتان، وذلك تعويضاً عن الدمار الذي تسبّبت به سياساتهما في البلاد. 

وعبّر برنية عن الموقف بوضوح: “إذا هم يطالبون بمبلغ معين، فنحن سنطالب بأضعافه، من مساهمتهم في تدمير البلد”.

ويرى مراقبون، أن هذه العبارة ليست مجرد رفض فني لسداد ديون، بل هي تحوّل لغوي وقانوني عميق، فـ”المطالبة بأضعاف” تُخرِج الملف من سياق الالتزام المالي إلى سياق المسؤولية السياسية والأخلاقية عن التدمير والدمار، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة تعريف العلاقة مع طهران وموسكو انطلاقاً من مبدأ “المحاسبة”، لا “الامتنان”.

إعادة صياغة الملف: من دَين إلى تعويض

واعتبر محللون أن الرسالة السياسية هنا واضحة: لا يمكن أن تُفرض على سوريا “فاتورة دعم” سياسية أو عسكرية تحوّلت، وفق رواية دمشق الجديدة، إلى أداة تفتيت واسعة النطاق، فالدمار الذي أصاب البنية التحتية، والخراب الذي لحق بالاقتصاد، وانهيار الليرة، والنزوح الداخلي والخارجي، كلها عوامل تدخل، في المنطق الجديد، ضمن قائمة الأضرار القابلة للتعويض، لا ضمن قائمة “الإنجازات المستحقة للثمن”.

ومن هذا المنظور، فإن التلويح بالمطالبات المضادة لا يُقرأ كتهديد اقتصادي فقط، بل كـإعادة تأهيل للسيادة السورية في علاقاتها الخارجية، فقد اختفى مفهوم “الحليف الاستراتيجي” الذي طالما أُطلِق على إيران وروسيا في الخطاب السابق، لتحل محله صيغة جديدة: “طرفان مسؤولان عن أضرار يجب أن يدفعا ثمنها”.

تفاوض في ظل ضغوط متزايدة

من المهم الإشارة إلى أن التصريح جاء في وقت تتحدث فيه تقارير دولية عن نيّة إيرانية جادة لاسترداد ديونها من سوريا، والتي تُقدّر بعشرات المليارات من الدولارات (بما فيها قروض نفطية، ودعم لوجستي، واعتمادات سلعية).

وفي ظل أزمة سيولة عالمية، وضغوط داخلية على طهران، فإن مثل هذه المطالب ليست بعيدة عن الواقع.

لكن دمشق، من جهتها، تستبق هذه الخطوة بإعادة ترتيب أوراقها: فالموازنة تحقق فائضاً في الأشهر العشرة الأولى من العام، والدين الداخلي صار صفراً بعد سداد السلف من المركزي، والانضباط المالي بات ركيزة أساسية في البناء الاقتصادي الجديد. هذا الوضع يمنح الحكومة هامشاً تفاوضياً أوسع، ويقلّل من احتمالات ابتزاز خارجي.

من منظور سياسي، تدرك دمشق أن الحديث عن مطالبات تعويضية من إيران لا يُقرأ في إطار القانون الدولي بشكل صرف، بل في إطار إعادة تعريف العلاقة بين الطرفين بعد انهيار معادلات ما قبل 2024.

بدورها إيران، التي لطالما قدّمت تدخلها بوصفه “دعماً لحليف”، تجد نفسها اليوم أمام سردية سورية جديدة تقول إن هذا “الدعم” كان أحد العوامل الرئيسة في تعميق الحرب، وتوسيع نطاق العنف، وإلحاق أضرار هائلة بالبنية التحتية وبالنسيج الاجتماعي، فضلاً عن تكاليف بشرية لا يمكن اختزالها بالأرقام.

وفي هذا الصدد، يقول الباحث في مركز عمران للدراسات محمد زكوان كوكة، لـ”المدن”، إن تصريح برنية “ليس مجرّد ردٍّ تقني على نقاش مالي عالق، بل كان إعلاناً سياسياً عن تعريف سوريا للعلاقة مع طهران، فالقضية ليست كما تحاول طهران تصويرها على أنها مسألة (قروض وخطوط ائتمان) بين دولتين، بل هي مسألة من يتحمّل كلفة الدمار الذي أصاب الدولة والمجتمع السوريين خلال سنوات التدخل العسكري المباشر وغير المباشر؟”.

ويلفت كوكة إلى أن “دمشق لا تخفي إدراكها لحدود قدرتها على تحويل هذه المطالبات إلى مسار قضائي دولي حاسم. فتجارب التاريخ الحديث تُظهر أن قضايا التعويض بين الدول، ولا سيما تلك المتصلة بالحروب والتدخلات، نادراً ما تُحسم في قاعات المحاكم، إنما غالباً ما تُدار على طاولات السياسة”. معتبراً أن “المطالبات السورية المضادّة أقرب إلى ورقة ضغط استراتيجية، تهدف إلى إعادة التوازن وضبط البوصلة في أي نقاش حول الديون التي تلوّح بها طهران”.

وهكذا يمكننا التوصل إلى خلاصة مفادها، أن المطالبات السورية المضادّة لإيران لا تُقاس بقدرتها الفورية على استرجاع مليارات الدولارات، بل بفعاليتها في إعادة رسم ميزان الخطاب، حسب كوكة الذي يلفت إلى أن التوجه السوري “هو محاولة لنقل النقاش من سؤال: كم تدين سوريا لإيران؟ إلى سؤال أكثر إزعاجاً لطهران: من يدين لمن سياسياً وأخلاقياً عن سنوات الدمار؟”.

بين روسيا وإيران

وقبل سقوط نظام الأسد السابق بأشهر، كشف حشمت الله فلاحت بيشه، رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني السابق، أن المطالبات المالية الإيرانية على سوريا تقدّر بـ ما بين 20 و30 مليار دولار، مؤكّداً أن استيفاءها ليس مسألة خيارية، بل التزام قانوني دولي لا يمكن تجاوزه. 

ويكتسب هذا التصريح أهمية متزايدة في ضوء تسريبات سابقة، نهاية عام 2023، نشرتها مجموعة “قيام تا سرنكوني”، لوثيقة داخلية صادرة عن مؤسسة الرئاسة في طهران، كشفت أن التدخل العسكري والسياسي الإيراني في سوريا كلف الخزينة الإيرانية أكثر من 50 مليار دولار، استُثمرت في دعم بقاء النظام السابق، لا في بناء دولة قابلة للاستمرار.

ولفتت الوثيقة إلى أن الجانب السوري التابع للنظام السابق، لم يقدّم ضمانات حقيقية لسداد تلك التكاليف، بل قيّد التزاماته بتعهدات مبهمة بسداد نحو 18 مليار دولار، غير أنها لم تُترجم نقداً، بل صيغت على هيئة مشاريع استثمارية وخطط تنمية تفتقر إلى الجدوى الفنية والاقتصادية، ولا تمتلك أي ضمانات تنفيذية أو آليات رقابة، ما يُثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذه الاتفاقيات ومدى قابليتها للتحوّل إلى واقع ملموس.

وبالتالي، وحسب محللين، فإن الحديث الإيراني المتكرر عن الديون المستحقة ليس مجرّد مطالبة مالية، بل جزء من محاولة لإعادة ترتيب الأوراق في مرحلة ما بعد الانهيار، إعادة تسعى طهران من خلالها إلى تثبيت نفوذها الاقتصادي في المستقبل السوري، ولو عبر ضغوط قانونية وسياسية، مع مراقبة دقيقة لكيفية تعاطي الإدارة السورية الجديدة مع هذا الإرث الثقيل.

ويرى الباحث في مركز جسور للدراسات محمد سليمان، أن مطالبات وزير المالية الأخيرة لإيران ” تعكس توجه الدولة السورية السياسي نحو استعادة حقوق الشعب السوري”، مشيراً إلى أنه “برغم إدراك الحكومة السورية المسبق بأن هذه المطالبات لن تؤدي إلى مكاسب مالية مباشرة، إلا أنها تمثل أداة ضغط سياسية تهدف إلى كبح محاولات إيران المستمرة لزعزعة الاستقرار وإيقاف مطالباتها غير المحقة باسترجاع الديون التي خلفها النظام السابق”.

ويقول سليمان لـ”المدن”، إن “مطالبة الحكومة السورية لإيران بهذه الديون تأخذ طابعاً سياسياً أكثر منه مالياً، فهي وسيلة للضغط المعاكس لردع طهران عن أي تحرك قد يضع الحكومة السورية في موقف ضعيف أمام المجتمع الدولي أو يجرها إلى أزمات جديدة”.

وفي ما يخص مطالبة الدولة السورية لروسيا بديون أو تعويضات، أشار إلى أن الوضع مع روسيا مختلف إلى حد كبير، معتبراً أن “العلاقة بين سوريا وروسيا متشعبة ومتداخلة وتشمل الجوانب السياسية والعسكرية والاقتصادية والخدمية، ولذلك فإن المطالبات السورية تجاه موسكو تدار بحذر، مع مراعاة المصالح المتبادلة”.

وقاحة إيرانية وفجور سياسي 

إيران وعلى مدى أربعة عشر عاماً كانت في موقع الشريك الكامل بالتكافل والتضامن مع النظام السوري السابق، وقد جلبت هذه الشراكة التدمير والنزوح والتهجير على الشعب السوري إرضاءً لأطماع فارسية توسعية كان مصيرها الفشل أمام ثورة الشعب السوري العظيمة، وفق وصف خبراء ومراقبين.

ويقول رئيس الشبكة السورية البريطانية محمد الحاج علي، لـ”المدن”، إن “مطالب إيران يمكن تسميتها بالوقاحة والفجور السياسي الذي يدفع القاتل لمطالبة الضحية بثمن الرصاص الذي قتله به”.

ويضيف الحاج علي أن “الرد ينبغي أن يكون بقائمة تعويضات مادية مفصلة توضح تماماً كلفة الدمار المادي والبشري التي تورطت فيها إيران بشكل مباشر وغير مباشر، مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة عبر المحاكم الدولية المختصة بالنزاعات بين الدول”. ويوضح أنه “ينبغي اتباع نفس الطريقة مع روسيا التي كانت الداعم الأول والأساسي الذي حال دون سقوط النظام وأطال من معاناة الشعب السوري منذ التدخل المباشر في العام 2015”.

ويرى أنه “ينبغي اتباع نفس الطريقة مع روسيا التي كانت الداعم الأول والأساسي الذي حال دون سقوط النظام”، معتبراً ن “ملف التعويضات المادية يمكن أن يصبح ورقة تفاوضية قوية بيد الحكومة السورية في أي استحقاقات ومباحثات مقبلة تقوم بها مع روسيا”.

ويشدد على أن “تسليم مجرمي النظام السابق والمقيمين في روسيا والمطالبة بتعويضات مادية، ينبغي أن تبقى على لائحة المطالب السورية في أي محادثات سورية-روسية، بغض النظر عن الردود الروسية السابقة على ذلك، أو الرفض الجاهز المتوقع في مواجهة هذه المطالب المحقة”.

سوريا تفرض معادلتها: التعويضات من إيران وروسيا أضعاف الدين

المصدر: المدن
7 كانون الثاني 2026

في تصريح غير مسبوق، أعاد وزير المالية السوري محمد يسر برنية ملف الديون الخارجية إلى واجهة المشهد السياسي والاقتصادي السوري، مُطلِقاً ما يمكن اعتباره “ورقة ضغط سياسية” جديدة في مواجهة إيران وروسيا، اللتين تقودان منذ سنوات ملف الدعم المالي والعسكري للنظام البائد.

الوزير، خلال مقابلة في برنامج “صالون الجمهورية” على منصة “سوريا الآن”، لم يكتفِ بالإشارة إلى أن ديون طهران وموسكو “بغيضة”، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، معلناً أن الحكومة السورية تستعد لتقديم مطالبات مالية مضادة قد تصل إلى “أضعاف” ما تطالب به الدولتان، وذلك تعويضاً عن الدمار الذي تسبّبت به سياساتهما في البلاد. 

وعبّر برنية عن الموقف بوضوح: “إذا هم يطالبون بمبلغ معين، فنحن سنطالب بأضعافه، من مساهمتهم في تدمير البلد”.

ويرى مراقبون، أن هذه العبارة ليست مجرد رفض فني لسداد ديون، بل هي تحوّل لغوي وقانوني عميق، فـ”المطالبة بأضعاف” تُخرِج الملف من سياق الالتزام المالي إلى سياق المسؤولية السياسية والأخلاقية عن التدمير والدمار، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة تعريف العلاقة مع طهران وموسكو انطلاقاً من مبدأ “المحاسبة”، لا “الامتنان”.

إعادة صياغة الملف: من دَين إلى تعويض

واعتبر محللون أن الرسالة السياسية هنا واضحة: لا يمكن أن تُفرض على سوريا “فاتورة دعم” سياسية أو عسكرية تحوّلت، وفق رواية دمشق الجديدة، إلى أداة تفتيت واسعة النطاق، فالدمار الذي أصاب البنية التحتية، والخراب الذي لحق بالاقتصاد، وانهيار الليرة، والنزوح الداخلي والخارجي، كلها عوامل تدخل، في المنطق الجديد، ضمن قائمة الأضرار القابلة للتعويض، لا ضمن قائمة “الإنجازات المستحقة للثمن”.

ومن هذا المنظور، فإن التلويح بالمطالبات المضادة لا يُقرأ كتهديد اقتصادي فقط، بل كـإعادة تأهيل للسيادة السورية في علاقاتها الخارجية، فقد اختفى مفهوم “الحليف الاستراتيجي” الذي طالما أُطلِق على إيران وروسيا في الخطاب السابق، لتحل محله صيغة جديدة: “طرفان مسؤولان عن أضرار يجب أن يدفعا ثمنها”.

تفاوض في ظل ضغوط متزايدة

من المهم الإشارة إلى أن التصريح جاء في وقت تتحدث فيه تقارير دولية عن نيّة إيرانية جادة لاسترداد ديونها من سوريا، والتي تُقدّر بعشرات المليارات من الدولارات (بما فيها قروض نفطية، ودعم لوجستي، واعتمادات سلعية).

وفي ظل أزمة سيولة عالمية، وضغوط داخلية على طهران، فإن مثل هذه المطالب ليست بعيدة عن الواقع.

لكن دمشق، من جهتها، تستبق هذه الخطوة بإعادة ترتيب أوراقها: فالموازنة تحقق فائضاً في الأشهر العشرة الأولى من العام، والدين الداخلي صار صفراً بعد سداد السلف من المركزي، والانضباط المالي بات ركيزة أساسية في البناء الاقتصادي الجديد. هذا الوضع يمنح الحكومة هامشاً تفاوضياً أوسع، ويقلّل من احتمالات ابتزاز خارجي.

من منظور سياسي، تدرك دمشق أن الحديث عن مطالبات تعويضية من إيران لا يُقرأ في إطار القانون الدولي بشكل صرف، بل في إطار إعادة تعريف العلاقة بين الطرفين بعد انهيار معادلات ما قبل 2024.

بدورها إيران، التي لطالما قدّمت تدخلها بوصفه “دعماً لحليف”، تجد نفسها اليوم أمام سردية سورية جديدة تقول إن هذا “الدعم” كان أحد العوامل الرئيسة في تعميق الحرب، وتوسيع نطاق العنف، وإلحاق أضرار هائلة بالبنية التحتية وبالنسيج الاجتماعي، فضلاً عن تكاليف بشرية لا يمكن اختزالها بالأرقام.

وفي هذا الصدد، يقول الباحث في مركز عمران للدراسات محمد زكوان كوكة، لـ”المدن”، إن تصريح برنية “ليس مجرّد ردٍّ تقني على نقاش مالي عالق، بل كان إعلاناً سياسياً عن تعريف سوريا للعلاقة مع طهران، فالقضية ليست كما تحاول طهران تصويرها على أنها مسألة (قروض وخطوط ائتمان) بين دولتين، بل هي مسألة من يتحمّل كلفة الدمار الذي أصاب الدولة والمجتمع السوريين خلال سنوات التدخل العسكري المباشر وغير المباشر؟”.

ويلفت كوكة إلى أن “دمشق لا تخفي إدراكها لحدود قدرتها على تحويل هذه المطالبات إلى مسار قضائي دولي حاسم. فتجارب التاريخ الحديث تُظهر أن قضايا التعويض بين الدول، ولا سيما تلك المتصلة بالحروب والتدخلات، نادراً ما تُحسم في قاعات المحاكم، إنما غالباً ما تُدار على طاولات السياسة”. معتبراً أن “المطالبات السورية المضادّة أقرب إلى ورقة ضغط استراتيجية، تهدف إلى إعادة التوازن وضبط البوصلة في أي نقاش حول الديون التي تلوّح بها طهران”.

وهكذا يمكننا التوصل إلى خلاصة مفادها، أن المطالبات السورية المضادّة لإيران لا تُقاس بقدرتها الفورية على استرجاع مليارات الدولارات، بل بفعاليتها في إعادة رسم ميزان الخطاب، حسب كوكة الذي يلفت إلى أن التوجه السوري “هو محاولة لنقل النقاش من سؤال: كم تدين سوريا لإيران؟ إلى سؤال أكثر إزعاجاً لطهران: من يدين لمن سياسياً وأخلاقياً عن سنوات الدمار؟”.

بين روسيا وإيران

وقبل سقوط نظام الأسد السابق بأشهر، كشف حشمت الله فلاحت بيشه، رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني السابق، أن المطالبات المالية الإيرانية على سوريا تقدّر بـ ما بين 20 و30 مليار دولار، مؤكّداً أن استيفاءها ليس مسألة خيارية، بل التزام قانوني دولي لا يمكن تجاوزه. 

ويكتسب هذا التصريح أهمية متزايدة في ضوء تسريبات سابقة، نهاية عام 2023، نشرتها مجموعة “قيام تا سرنكوني”، لوثيقة داخلية صادرة عن مؤسسة الرئاسة في طهران، كشفت أن التدخل العسكري والسياسي الإيراني في سوريا كلف الخزينة الإيرانية أكثر من 50 مليار دولار، استُثمرت في دعم بقاء النظام السابق، لا في بناء دولة قابلة للاستمرار.

ولفتت الوثيقة إلى أن الجانب السوري التابع للنظام السابق، لم يقدّم ضمانات حقيقية لسداد تلك التكاليف، بل قيّد التزاماته بتعهدات مبهمة بسداد نحو 18 مليار دولار، غير أنها لم تُترجم نقداً، بل صيغت على هيئة مشاريع استثمارية وخطط تنمية تفتقر إلى الجدوى الفنية والاقتصادية، ولا تمتلك أي ضمانات تنفيذية أو آليات رقابة، ما يُثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذه الاتفاقيات ومدى قابليتها للتحوّل إلى واقع ملموس.

وبالتالي، وحسب محللين، فإن الحديث الإيراني المتكرر عن الديون المستحقة ليس مجرّد مطالبة مالية، بل جزء من محاولة لإعادة ترتيب الأوراق في مرحلة ما بعد الانهيار، إعادة تسعى طهران من خلالها إلى تثبيت نفوذها الاقتصادي في المستقبل السوري، ولو عبر ضغوط قانونية وسياسية، مع مراقبة دقيقة لكيفية تعاطي الإدارة السورية الجديدة مع هذا الإرث الثقيل.

ويرى الباحث في مركز جسور للدراسات محمد سليمان، أن مطالبات وزير المالية الأخيرة لإيران ” تعكس توجه الدولة السورية السياسي نحو استعادة حقوق الشعب السوري”، مشيراً إلى أنه “برغم إدراك الحكومة السورية المسبق بأن هذه المطالبات لن تؤدي إلى مكاسب مالية مباشرة، إلا أنها تمثل أداة ضغط سياسية تهدف إلى كبح محاولات إيران المستمرة لزعزعة الاستقرار وإيقاف مطالباتها غير المحقة باسترجاع الديون التي خلفها النظام السابق”.

ويقول سليمان لـ”المدن”، إن “مطالبة الحكومة السورية لإيران بهذه الديون تأخذ طابعاً سياسياً أكثر منه مالياً، فهي وسيلة للضغط المعاكس لردع طهران عن أي تحرك قد يضع الحكومة السورية في موقف ضعيف أمام المجتمع الدولي أو يجرها إلى أزمات جديدة”.

وفي ما يخص مطالبة الدولة السورية لروسيا بديون أو تعويضات، أشار إلى أن الوضع مع روسيا مختلف إلى حد كبير، معتبراً أن “العلاقة بين سوريا وروسيا متشعبة ومتداخلة وتشمل الجوانب السياسية والعسكرية والاقتصادية والخدمية، ولذلك فإن المطالبات السورية تجاه موسكو تدار بحذر، مع مراعاة المصالح المتبادلة”.

وقاحة إيرانية وفجور سياسي 

إيران وعلى مدى أربعة عشر عاماً كانت في موقع الشريك الكامل بالتكافل والتضامن مع النظام السوري السابق، وقد جلبت هذه الشراكة التدمير والنزوح والتهجير على الشعب السوري إرضاءً لأطماع فارسية توسعية كان مصيرها الفشل أمام ثورة الشعب السوري العظيمة، وفق وصف خبراء ومراقبين.

ويقول رئيس الشبكة السورية البريطانية محمد الحاج علي، لـ”المدن”، إن “مطالب إيران يمكن تسميتها بالوقاحة والفجور السياسي الذي يدفع القاتل لمطالبة الضحية بثمن الرصاص الذي قتله به”.

ويضيف الحاج علي أن “الرد ينبغي أن يكون بقائمة تعويضات مادية مفصلة توضح تماماً كلفة الدمار المادي والبشري التي تورطت فيها إيران بشكل مباشر وغير مباشر، مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة عبر المحاكم الدولية المختصة بالنزاعات بين الدول”. ويوضح أنه “ينبغي اتباع نفس الطريقة مع روسيا التي كانت الداعم الأول والأساسي الذي حال دون سقوط النظام وأطال من معاناة الشعب السوري منذ التدخل المباشر في العام 2015”.

ويرى أنه “ينبغي اتباع نفس الطريقة مع روسيا التي كانت الداعم الأول والأساسي الذي حال دون سقوط النظام”، معتبراً ن “ملف التعويضات المادية يمكن أن يصبح ورقة تفاوضية قوية بيد الحكومة السورية في أي استحقاقات ومباحثات مقبلة تقوم بها مع روسيا”.

ويشدد على أن “تسليم مجرمي النظام السابق والمقيمين في روسيا والمطالبة بتعويضات مادية، ينبغي أن تبقى على لائحة المطالب السورية في أي محادثات سورية-روسية، بغض النظر عن الردود الروسية السابقة على ذلك، أو الرفض الجاهز المتوقع في مواجهة هذه المطالب المحقة”.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار