الرئيس جوزاف عون في سنته الأولى…لبنان من فوق غير ما هو عليه من تحت

سنة مرّت من عهد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون. لم تكن سنة عادية في تاريخ لبنان، لا من حيث التحديات ولا من حيث الحضور، ولا من حيث النتائج، ولا من حيث التطلعات. فالواقع الظرفي الذي يمرّ به لبنان في ظل هذا الكمّ من التحديات والصعوبات والتعقيدات السياسية والاقتصادية والأمنية فرض ايقاعه على هذه السنة، التي تُعتبر تأسيسية. فالرجل تسلّم رئاسة بلدٍ منهك، تتنازع قراره أزمات حادّة وانقسامات عميقة، افقيًا وعموديًا. ومنذ اليوم الأول اختار أن يقدّم نموذجًا مغايرًا في الأداء التأسيسي القائم على عناوين رئيسية في خطاب القسم، الذي لا يزال الركيزة الأساسية لرئاسة يريدها فوق أي اشتباك سياسي.
ففي سنةٍ واحدة، بدا واضحًا أن الرئيس عون لا يريد أن تكون بعبدا منبرًا لأي نوع من السجالات العقيمة، ولا ساحة لتسجيل النقاط. ما سعى إليه طوال هذه السنة، وهي الأصعب في مسيرة الست سنوات، هو أن يجعل الرئاسة مرجعية دستورية لضبط الإيقاع السياسي والحؤول دون الفوضى، التي كانت سائدة خلال فترة الفراغ الرئاسي وقبلها. فهذا الخيار مكلف في بلد عاش فترة طويلة على منطق التسويات وأنصاف الحلول. وعلى رغم صعوبة هذا الخيار المكلف فإنه يعكس بالتأكيد إدراكًا عميقًا لحساسية المرحلة وحدود الممكن.
أبرز ما ميّز السنة الأولى من عهد الرئيس عون هو إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة، ولو على مستوى الخطاب والموقف. فهو لم يلجأ إلى الشعبوية ولا إلى وعود فضفاضة، بل سعى إلى تثبيت عناوين واضحة تختصر مساحة واسعة في مسيرة احترام الدستور، وانتظام عمل المؤسسات، وبسط سلطة الدولة، وحصرية السلاح بيدها. وهي عناوين يعرف رئيس الجمهورية قبل غيره مدى صعوبة ترجمتها على أرض الواقع، لكنه أصرّ على وضعها في صلب النقاش الوطني، لا على هامشه.
في المقابل، لم تكن إدارة التوازنات سهلة خلال هذه السنة. فالمشاكل الداخلية شديدة التعقيد، فيما يمارس الخارج أقصى أنواع الضغط. في هذه السنة واجه الرئيس عون صعوبات كثيرة بدءًا من الجنوب المشتعل، وإلى الوضع الاقتصادي الهش والمهترئ، وإلى خلافات سياسية مستفحلة. ومع ذلك، استطاع رئيس البلاد أن يحافظ على خط تواصل مفتوح مع الجميع من دون أن يضطّر لمسايرة أي محور، فبدا حريصًا على عدم استدراج الرئاسة إلى مواجهات لا طائل منها، ولا إلى صفقات تفرغها من مضمونها.
غير أن سنة التأسيس هذه لا تعفي أحدًا من وضع النقاط على الحروف النافرة. فالرمزية وحدها لا تكفي. فالسنة الثانية ستكون سنة الامتحان الفعلي. فهل تنتقل الرئاسة من إدارة الأزمة إلى فرض إيقاع مختلف، وهل تتحوّل العناوين السيادية إلى مسار عملي، وهل تستطيع الدولة أن تستعيد جزءًا من هيبتها المفقودة؟
حتى الآن، يمكن القول إن الرئيس عون نجح إلى حدّ كبير في منع الانهيار السياسي، من خلال إعادة الحدّ الأدنى من الثقة والاحترام إلى الرئاسة الأولى. لكن النجاح الكامل مرهون بما ستشهده السنوات المقبلة، وبقدرته على تحويل حال المراوحة إلى فعل قوة، والصبر إلى قرار، والدولة من فكرة إلى واقع.
فعندما ألقى الرئيس عون خطاب القسم، بدا واضحًا أنه يريد رسم مسار مختلف لرئاسة الجمهورية. لقد أراد من خلاله أن تكون دولة سيدة، والمؤسسات فاعلة، وأن يُحصر السلاح بيد الشرعية، وأن يعيد إصلاح الثقة بين الدولة والمواطن. بعد سنة على هذا الخطاب، يصبح السؤال مشروعًا: ماذا بقي من الوعود، وما الذي حال دون تنفيذ ما جاء فيه من وعود؟
ففي هذا الخطاب شكّلت استعادة سيادة الدولة وبسط سلطتها على كامل أراضيها الركيزة الأساسية. بعد سنة، يمكن القول إن السيادة عادت إلى الخطاب الرسمي بقوة، لكنها لم تنتقل بعد إلى اكتمال حلقاتها. فالخطاب كان واضحًا لجهة حصر السلاح بيد الدولة. فالرئاسة لم تتراجع بطبيعة الحال عن هذا المبدأ، لكنها اختارت عدم الذهاب إلى مواجهة مفتوحة، مدركة أن أي خطوة غير محسوبة قد تفجّر الداخل بدلًا من أن تعزّز الوحدة الوطنية.
وعد خطاب القسم بإصلاحات مالية واقتصادية تعالج جذور الانهيار. بعد سنة، لا يمكن الحديث عن اختراق فعلي. الفجوة المالية لا تزال قائمة، والعدالة الاجتماعية لم تُستعاد، والدولة ما زالت عاجزة عن فرض قرارات موجعة لكنها ضرورية. ما تحقق بقي في إطار إدارة الأزمة لا الخروج منها. إلا أن هذا الخلل لا يمنع من الاعتراف بما تحقق من إيجابيات. فالرئاسة نجحت في إعادة انتظام الحد الأدنى لعمل المؤسسات، وفي تثبيت موقع بعبدا كمرجعية دستورية لا كساحة نزاع. هذا الأمر ليس إنجازًا صغيرًا في بلد كانت مؤسساته معطّلة حتى الشلل.
خطاب القسم رسم سقفًا عاليًا، فيما السنة الأولى فرضت سقف الممكن. فالرئيس عون اختار التعاطي مع مواضيع الساعة بواقعية بعيدًا عن أي مغامرة مدّمر. وهذا الخيار، في رأي كثيرين، حمى الاستقرار، لكنه أخّر التغيير.
بعد سنة، يمكن القول إن خطاب القسم لا يزال قائمًا، لكنه لم يُنفّذ بالكامل. تحقّق منه الاتجاه العام، لا النتائج الحاسمة. الرئاسة ثبّتت البوصلة، لكنها لم تفرض المسار بعد. فهل ستكون السنة الثانية فاصلة بعد أن توضع نقطة على آخر السطر؟
الرئيس جوزاف عون في سنته الأولى…لبنان من فوق غير ما هو عليه من تحت

سنة مرّت من عهد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون. لم تكن سنة عادية في تاريخ لبنان، لا من حيث التحديات ولا من حيث الحضور، ولا من حيث النتائج، ولا من حيث التطلعات. فالواقع الظرفي الذي يمرّ به لبنان في ظل هذا الكمّ من التحديات والصعوبات والتعقيدات السياسية والاقتصادية والأمنية فرض ايقاعه على هذه السنة، التي تُعتبر تأسيسية. فالرجل تسلّم رئاسة بلدٍ منهك، تتنازع قراره أزمات حادّة وانقسامات عميقة، افقيًا وعموديًا. ومنذ اليوم الأول اختار أن يقدّم نموذجًا مغايرًا في الأداء التأسيسي القائم على عناوين رئيسية في خطاب القسم، الذي لا يزال الركيزة الأساسية لرئاسة يريدها فوق أي اشتباك سياسي.
ففي سنةٍ واحدة، بدا واضحًا أن الرئيس عون لا يريد أن تكون بعبدا منبرًا لأي نوع من السجالات العقيمة، ولا ساحة لتسجيل النقاط. ما سعى إليه طوال هذه السنة، وهي الأصعب في مسيرة الست سنوات، هو أن يجعل الرئاسة مرجعية دستورية لضبط الإيقاع السياسي والحؤول دون الفوضى، التي كانت سائدة خلال فترة الفراغ الرئاسي وقبلها. فهذا الخيار مكلف في بلد عاش فترة طويلة على منطق التسويات وأنصاف الحلول. وعلى رغم صعوبة هذا الخيار المكلف فإنه يعكس بالتأكيد إدراكًا عميقًا لحساسية المرحلة وحدود الممكن.
أبرز ما ميّز السنة الأولى من عهد الرئيس عون هو إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة، ولو على مستوى الخطاب والموقف. فهو لم يلجأ إلى الشعبوية ولا إلى وعود فضفاضة، بل سعى إلى تثبيت عناوين واضحة تختصر مساحة واسعة في مسيرة احترام الدستور، وانتظام عمل المؤسسات، وبسط سلطة الدولة، وحصرية السلاح بيدها. وهي عناوين يعرف رئيس الجمهورية قبل غيره مدى صعوبة ترجمتها على أرض الواقع، لكنه أصرّ على وضعها في صلب النقاش الوطني، لا على هامشه.
في المقابل، لم تكن إدارة التوازنات سهلة خلال هذه السنة. فالمشاكل الداخلية شديدة التعقيد، فيما يمارس الخارج أقصى أنواع الضغط. في هذه السنة واجه الرئيس عون صعوبات كثيرة بدءًا من الجنوب المشتعل، وإلى الوضع الاقتصادي الهش والمهترئ، وإلى خلافات سياسية مستفحلة. ومع ذلك، استطاع رئيس البلاد أن يحافظ على خط تواصل مفتوح مع الجميع من دون أن يضطّر لمسايرة أي محور، فبدا حريصًا على عدم استدراج الرئاسة إلى مواجهات لا طائل منها، ولا إلى صفقات تفرغها من مضمونها.
غير أن سنة التأسيس هذه لا تعفي أحدًا من وضع النقاط على الحروف النافرة. فالرمزية وحدها لا تكفي. فالسنة الثانية ستكون سنة الامتحان الفعلي. فهل تنتقل الرئاسة من إدارة الأزمة إلى فرض إيقاع مختلف، وهل تتحوّل العناوين السيادية إلى مسار عملي، وهل تستطيع الدولة أن تستعيد جزءًا من هيبتها المفقودة؟
حتى الآن، يمكن القول إن الرئيس عون نجح إلى حدّ كبير في منع الانهيار السياسي، من خلال إعادة الحدّ الأدنى من الثقة والاحترام إلى الرئاسة الأولى. لكن النجاح الكامل مرهون بما ستشهده السنوات المقبلة، وبقدرته على تحويل حال المراوحة إلى فعل قوة، والصبر إلى قرار، والدولة من فكرة إلى واقع.
فعندما ألقى الرئيس عون خطاب القسم، بدا واضحًا أنه يريد رسم مسار مختلف لرئاسة الجمهورية. لقد أراد من خلاله أن تكون دولة سيدة، والمؤسسات فاعلة، وأن يُحصر السلاح بيد الشرعية، وأن يعيد إصلاح الثقة بين الدولة والمواطن. بعد سنة على هذا الخطاب، يصبح السؤال مشروعًا: ماذا بقي من الوعود، وما الذي حال دون تنفيذ ما جاء فيه من وعود؟
ففي هذا الخطاب شكّلت استعادة سيادة الدولة وبسط سلطتها على كامل أراضيها الركيزة الأساسية. بعد سنة، يمكن القول إن السيادة عادت إلى الخطاب الرسمي بقوة، لكنها لم تنتقل بعد إلى اكتمال حلقاتها. فالخطاب كان واضحًا لجهة حصر السلاح بيد الدولة. فالرئاسة لم تتراجع بطبيعة الحال عن هذا المبدأ، لكنها اختارت عدم الذهاب إلى مواجهة مفتوحة، مدركة أن أي خطوة غير محسوبة قد تفجّر الداخل بدلًا من أن تعزّز الوحدة الوطنية.
وعد خطاب القسم بإصلاحات مالية واقتصادية تعالج جذور الانهيار. بعد سنة، لا يمكن الحديث عن اختراق فعلي. الفجوة المالية لا تزال قائمة، والعدالة الاجتماعية لم تُستعاد، والدولة ما زالت عاجزة عن فرض قرارات موجعة لكنها ضرورية. ما تحقق بقي في إطار إدارة الأزمة لا الخروج منها. إلا أن هذا الخلل لا يمنع من الاعتراف بما تحقق من إيجابيات. فالرئاسة نجحت في إعادة انتظام الحد الأدنى لعمل المؤسسات، وفي تثبيت موقع بعبدا كمرجعية دستورية لا كساحة نزاع. هذا الأمر ليس إنجازًا صغيرًا في بلد كانت مؤسساته معطّلة حتى الشلل.
خطاب القسم رسم سقفًا عاليًا، فيما السنة الأولى فرضت سقف الممكن. فالرئيس عون اختار التعاطي مع مواضيع الساعة بواقعية بعيدًا عن أي مغامرة مدّمر. وهذا الخيار، في رأي كثيرين، حمى الاستقرار، لكنه أخّر التغيير.
بعد سنة، يمكن القول إن خطاب القسم لا يزال قائمًا، لكنه لم يُنفّذ بالكامل. تحقّق منه الاتجاه العام، لا النتائج الحاسمة. الرئاسة ثبّتت البوصلة، لكنها لم تفرض المسار بعد. فهل ستكون السنة الثانية فاصلة بعد أن توضع نقطة على آخر السطر؟










