برّي: نحن في عالم يحكمه يوليوس قيصر

تكاد عبارة مقتضبة قالها رئيس البرلمان نبيه برّي تكون كافية لتفسير كلّ ما يجري أو ما سيجري في الجنوب من استمرار تدهور الوضع الأمنيّ والغارات الإسرائيليّة اليوميّة عليه: “ليس في العالم اليوم سوى دولة واحدة، وليس فيه سوى إمبراطور واحد. نحن في عالم يحكمه يوليوس قيصر”.
دلَّ بذلك على عدم جدوى الدور الذي تقوم به لجنة “الميكانيزم”: “بينما هي تجتمع تقوم إسرائيل بالاعتداءات بلا توقّف. هذا هو الضامن الأميركيّ الذي عوّلنا عليه وأردت أن يكون إلى جانبه ضامن فرنسيّ كي نتحقّق من تطبيق ما اتّفقنا عليه، ويكفلا تنفيذ وقف النار. وهو ما لم يحدث أبداً منذ إعلان الاتّفاق”.
ما يجزم به رئيس البرلمان أنّ اجتماع لجنة “الميكانيزم” الأخير (الأربعاء) بضبّاطها دون المدنيّين هو “نتيجة افتعال الأميركيّين مشكلة بإبعاد الفرنسيّين عن دور الشريك فيها كي يستأثروا هم وإسرائيل بعملها ويعطّلوه. صرنا أخيراً، نحن والعالم كلّه، بين يدي الإمبراطور الوحيد”.
السفيرة الأميركية تخالف برّي الرأي..
يتحدّث عن أن “لا ضوابط لما يجري في الجنوب يوميّاً من دون تمكّن اللجنة من أداء مهمّاتها. نحن في خضمّ جزء من كلّ. الكلّ أحد مظاهره ما حدث أخيراً، وهو السعي الأميركيّ إلى النفط الثقيل في فنزويلّا المتوافر لديها ولدى روسيا وكندا بغية وضع اليد عليه. أمّا الجزء فهو أنّنا نعيش تحت نار الاعتداءات الإسرائيليّة. عندما زارني سفراء 15 دولة أعضاء في مجلس الأمن (5 كانون الأوّل المنصرم) شرحت أمامهم كلّ ما يجري في الجنوب وتنفيذ لبنان كلّ الالتزامات وما يترتّب عليه في اتّفاق وقف النار”.
يضيف: “انسحب “الحزب” من جنوب نهر الليطاني وانتشر الجيش اللبنانيّ. تناوبوا على التعقيب. 14 منهم أيّدوني. الأخير كان ممثّلة أميركا. تكلّمت في منحى مناقض لما قلته. هذا مؤشّر إلى أنّ أميركا تريد أن تكون هي في مكان والعالم كلّه في مكان آخر. قلت لوكيل الأمين العامّ للأمم المتّحدة لعمليّات السلام جان بيار لاكروا (الأربعاء) هل يتحسّبون بعد انسحاب قوّات “اليونيفيل” من لبنان آخر هذه السنة مَن سيُطبّق محلّهم القرار 1701 أم لا يعود للقرار أيّ وجود، وهو الذي ينصّ على دور الأمم المتّحدة في تنفيذه؟”.
يقول برّي أخيراً: “عندما وضعنا اتّفاق وقف النار وأنا أصررت على وجود ضامنَين له لتطبيقه هما الأميركيّ والفرنسيّ، كنّا نتحدّث عن أنّ للجنة “الميكانيزم” مهمّتين: المراقبة والمعاقبة. فهي مسؤولة عن توثيق انتهاك الاتّفاق، لكن أيضاً على فرض تطبيق الاتّفاق على مَن لا يفعل”.
عودة لجنة “الميكانيزم” إلى الالتئام بجنرالاتها الأربعاء قد لا تكون كافيةً للحكم على أنّها استعادت بنيتها التي أنشئت على أساسها، قبل أن ينضمّ إليها مدنيّون إلى جانب أعضائها العسكريّين بغية تعزيز التفاوض السياسيّ المباشر بين لبنان وإسرائيل. ربّما يجزم الاجتماع المقبل ما ستكون عليه هيئتها بعد انقضاء سنة وشهرين على إنشائها من غير تمكّنها إلّا من مراقبة الانتهاكات الإسرائيليّة دونما نجاحها في تطبيق الاتّفاق. تتحوّل بذلك إلى طبعة محدثة للدور المعطى للقوّة الدوليّة في الجنوب بعد عامَيْ 1978 و2006 عندما تحوّلت من مهمّة مساعدة الدولة اللبنانيّة على استعادة سيادتها على أراضيها إلى شاهدة على الاعتداءات الإسرائيليّة.
تطفيش الفرنسيّ
الأزمة المحدثة في لجنة “الميكانيزم” أنّ العضوين الأميركيّ والإسرائيليّ يسعيان إلى “تطفيش” الشريك الفرنسيّ فيها مذ اقترح تطوير آليّة التحقّق بغية طبع دور اللجنة بجدّيّة فعليّة. تقضي هذه الآليّة بالتحقّق من إخلاء جنوب نهر الليطاني من أيّ وجود مسلّح لـ”الحزب”، على أن تُناط الوظيفة الجديدة بجنود لبنانيّين وفرنسيّين يتولّونها في دوريّات مشتركة تتأكّد من تنفيذ اتّفاق وقف النار.
وافق الأميركيّون بادىء بدء، ثمّ تحفّظوا وفضّلوا أن لا تقتصر الدوريّات على دوريّات لبنانيّة ـ فرنسيّة كما لو أنّ هذه الآليّة فرنسيّة، بل أن تكون نيابة عن لجنة “الميكانيزم”، وفيما رحّب لبنان بالاقتراح لالتزامه بنود اتّفاق وقف النار، رفضته إسرائيل تفادياً لإحراجها بشمولها بتنفيذه فيما لا توقف انتهاكاتها اليوميّة.
ثمّة عامل إضافيّ ارتبط بمآخذ العضو الفرنسيّ في اللجنة على مداولاتها بعد أكثر من سجال دار بينه وبين نظيره الإسرائيليّ، خصوصاً عند إثارة المنطقة الاقتصاديّة الحرّة المتاخمة للخطّ الأزرق، بأن رَفَض الخوض فيها لما تتضمّنه من إخلاء منطقة واسعة من سكّانها كي تحلّ محلّها المنطقة الاقتصاديّة، وهو ما رفضه لبنان أيضاً لاقتطاعها من السيادة الوطنيّة للبلاد. تقاطَعَ الموقفان الفرنسيّ واللبنانيّ على التمسّك بالحدود اللبنانيّة ـ الفلسطينيّة المكرّسة في اتّفاق 1923 على أنّها جزء لا يتجزّأ من أبوّة فرنسا للحدود الدوليّة للبنان مذ أدخلتها في لبنان الكبير عام 1920 واعترفت بها ثمّ أتى دستور 1926 يثبّتها.
غياب أورتاغوس
حمل رفضُ آليّة التحقّق الشريكَ الفرنسيّ على مقاطعة اجتماعَين للجنة “الميكانيزم”. تنبّهت باريس لمحاولة استبعادها عنها فأعلنت عزم موفد الرئيس الفرنسيّ جان إيف لودريان على حضور اجتماعها التالي، المقرَّر الأربعاء المنصرم (7 كانون الثاني 2026). بذريعة تغيُّب ممثّلة أميركا فيها مورغان أورتاغوس لأسباب مختلفة منها مثولها أمام تحقيق إداريّ لدى إدارتها، انقلب الاجتماع الأخير مقتصراً على الجنرالات وحدهم من دون المدنيّين، ودونما أن يملأ غياب أورتاغوس آخر يحلّ محلّها كالسفير في بيروت ميشال عيسى.
فتح اجتماع الأربعاء باب الاجتهاد في ما ستكون عليه الهيئة الملتئمة للجنة “الميكانيزم”: هل يعود المدنيّون إليها أم تقتصر بعد الآن على عسكريّيها الذين تتألّف منهم في الأصل؟
برّي: نحن في عالم يحكمه يوليوس قيصر

تكاد عبارة مقتضبة قالها رئيس البرلمان نبيه برّي تكون كافية لتفسير كلّ ما يجري أو ما سيجري في الجنوب من استمرار تدهور الوضع الأمنيّ والغارات الإسرائيليّة اليوميّة عليه: “ليس في العالم اليوم سوى دولة واحدة، وليس فيه سوى إمبراطور واحد. نحن في عالم يحكمه يوليوس قيصر”.
دلَّ بذلك على عدم جدوى الدور الذي تقوم به لجنة “الميكانيزم”: “بينما هي تجتمع تقوم إسرائيل بالاعتداءات بلا توقّف. هذا هو الضامن الأميركيّ الذي عوّلنا عليه وأردت أن يكون إلى جانبه ضامن فرنسيّ كي نتحقّق من تطبيق ما اتّفقنا عليه، ويكفلا تنفيذ وقف النار. وهو ما لم يحدث أبداً منذ إعلان الاتّفاق”.
ما يجزم به رئيس البرلمان أنّ اجتماع لجنة “الميكانيزم” الأخير (الأربعاء) بضبّاطها دون المدنيّين هو “نتيجة افتعال الأميركيّين مشكلة بإبعاد الفرنسيّين عن دور الشريك فيها كي يستأثروا هم وإسرائيل بعملها ويعطّلوه. صرنا أخيراً، نحن والعالم كلّه، بين يدي الإمبراطور الوحيد”.
السفيرة الأميركية تخالف برّي الرأي..
يتحدّث عن أن “لا ضوابط لما يجري في الجنوب يوميّاً من دون تمكّن اللجنة من أداء مهمّاتها. نحن في خضمّ جزء من كلّ. الكلّ أحد مظاهره ما حدث أخيراً، وهو السعي الأميركيّ إلى النفط الثقيل في فنزويلّا المتوافر لديها ولدى روسيا وكندا بغية وضع اليد عليه. أمّا الجزء فهو أنّنا نعيش تحت نار الاعتداءات الإسرائيليّة. عندما زارني سفراء 15 دولة أعضاء في مجلس الأمن (5 كانون الأوّل المنصرم) شرحت أمامهم كلّ ما يجري في الجنوب وتنفيذ لبنان كلّ الالتزامات وما يترتّب عليه في اتّفاق وقف النار”.
يضيف: “انسحب “الحزب” من جنوب نهر الليطاني وانتشر الجيش اللبنانيّ. تناوبوا على التعقيب. 14 منهم أيّدوني. الأخير كان ممثّلة أميركا. تكلّمت في منحى مناقض لما قلته. هذا مؤشّر إلى أنّ أميركا تريد أن تكون هي في مكان والعالم كلّه في مكان آخر. قلت لوكيل الأمين العامّ للأمم المتّحدة لعمليّات السلام جان بيار لاكروا (الأربعاء) هل يتحسّبون بعد انسحاب قوّات “اليونيفيل” من لبنان آخر هذه السنة مَن سيُطبّق محلّهم القرار 1701 أم لا يعود للقرار أيّ وجود، وهو الذي ينصّ على دور الأمم المتّحدة في تنفيذه؟”.
يقول برّي أخيراً: “عندما وضعنا اتّفاق وقف النار وأنا أصررت على وجود ضامنَين له لتطبيقه هما الأميركيّ والفرنسيّ، كنّا نتحدّث عن أنّ للجنة “الميكانيزم” مهمّتين: المراقبة والمعاقبة. فهي مسؤولة عن توثيق انتهاك الاتّفاق، لكن أيضاً على فرض تطبيق الاتّفاق على مَن لا يفعل”.
عودة لجنة “الميكانيزم” إلى الالتئام بجنرالاتها الأربعاء قد لا تكون كافيةً للحكم على أنّها استعادت بنيتها التي أنشئت على أساسها، قبل أن ينضمّ إليها مدنيّون إلى جانب أعضائها العسكريّين بغية تعزيز التفاوض السياسيّ المباشر بين لبنان وإسرائيل. ربّما يجزم الاجتماع المقبل ما ستكون عليه هيئتها بعد انقضاء سنة وشهرين على إنشائها من غير تمكّنها إلّا من مراقبة الانتهاكات الإسرائيليّة دونما نجاحها في تطبيق الاتّفاق. تتحوّل بذلك إلى طبعة محدثة للدور المعطى للقوّة الدوليّة في الجنوب بعد عامَيْ 1978 و2006 عندما تحوّلت من مهمّة مساعدة الدولة اللبنانيّة على استعادة سيادتها على أراضيها إلى شاهدة على الاعتداءات الإسرائيليّة.
تطفيش الفرنسيّ
الأزمة المحدثة في لجنة “الميكانيزم” أنّ العضوين الأميركيّ والإسرائيليّ يسعيان إلى “تطفيش” الشريك الفرنسيّ فيها مذ اقترح تطوير آليّة التحقّق بغية طبع دور اللجنة بجدّيّة فعليّة. تقضي هذه الآليّة بالتحقّق من إخلاء جنوب نهر الليطاني من أيّ وجود مسلّح لـ”الحزب”، على أن تُناط الوظيفة الجديدة بجنود لبنانيّين وفرنسيّين يتولّونها في دوريّات مشتركة تتأكّد من تنفيذ اتّفاق وقف النار.
وافق الأميركيّون بادىء بدء، ثمّ تحفّظوا وفضّلوا أن لا تقتصر الدوريّات على دوريّات لبنانيّة ـ فرنسيّة كما لو أنّ هذه الآليّة فرنسيّة، بل أن تكون نيابة عن لجنة “الميكانيزم”، وفيما رحّب لبنان بالاقتراح لالتزامه بنود اتّفاق وقف النار، رفضته إسرائيل تفادياً لإحراجها بشمولها بتنفيذه فيما لا توقف انتهاكاتها اليوميّة.
ثمّة عامل إضافيّ ارتبط بمآخذ العضو الفرنسيّ في اللجنة على مداولاتها بعد أكثر من سجال دار بينه وبين نظيره الإسرائيليّ، خصوصاً عند إثارة المنطقة الاقتصاديّة الحرّة المتاخمة للخطّ الأزرق، بأن رَفَض الخوض فيها لما تتضمّنه من إخلاء منطقة واسعة من سكّانها كي تحلّ محلّها المنطقة الاقتصاديّة، وهو ما رفضه لبنان أيضاً لاقتطاعها من السيادة الوطنيّة للبلاد. تقاطَعَ الموقفان الفرنسيّ واللبنانيّ على التمسّك بالحدود اللبنانيّة ـ الفلسطينيّة المكرّسة في اتّفاق 1923 على أنّها جزء لا يتجزّأ من أبوّة فرنسا للحدود الدوليّة للبنان مذ أدخلتها في لبنان الكبير عام 1920 واعترفت بها ثمّ أتى دستور 1926 يثبّتها.
غياب أورتاغوس
حمل رفضُ آليّة التحقّق الشريكَ الفرنسيّ على مقاطعة اجتماعَين للجنة “الميكانيزم”. تنبّهت باريس لمحاولة استبعادها عنها فأعلنت عزم موفد الرئيس الفرنسيّ جان إيف لودريان على حضور اجتماعها التالي، المقرَّر الأربعاء المنصرم (7 كانون الثاني 2026). بذريعة تغيُّب ممثّلة أميركا فيها مورغان أورتاغوس لأسباب مختلفة منها مثولها أمام تحقيق إداريّ لدى إدارتها، انقلب الاجتماع الأخير مقتصراً على الجنرالات وحدهم من دون المدنيّين، ودونما أن يملأ غياب أورتاغوس آخر يحلّ محلّها كالسفير في بيروت ميشال عيسى.
فتح اجتماع الأربعاء باب الاجتهاد في ما ستكون عليه الهيئة الملتئمة للجنة “الميكانيزم”: هل يعود المدنيّون إليها أم تقتصر بعد الآن على عسكريّيها الذين تتألّف منهم في الأصل؟










