هل يُسلّم “الحزب” خرائطه إلى الجيش؟

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: هنا لبنان
9 كانون الثاني 2026

إذا كان “الحزب” يعتبر نفسه في صف واحد، وبلد واحد، مع دولته وجيشها، فأول عمل يجب أن يقوم به هو أن يوقف عمليات الالتفاف التي تؤدي إلى إجهاد الجيش وإرباكه في تنفيذ قرارات الحكومة. وعلى “الحزب”، إذا كان فعلاً يلتزم اتفاق تشرين، أن يسلّم بنفسه كامل خرائط السلاح والأنفاق التي يملكها، خصوصاً على ضفتي الأولي الجنوبية والشمالية، ولعشرات الكيلومترات في العمق

في تقريره الأخير للمرحلة الأولى، سيتصرف الجيش مهنياً. سيقول للحكومة: نفذنا ما طلبتموه كسلطة سياسية. نزعنا السلاح من جنوب الليطاني. والآن، عليكم أن تقرروا إعلان ذلك رسمياً وتحديد موعد لبدء المرحلة الثانية. لكننا نبلغكم بأنّ هذه المرحلة صعبة جداً. وعليكم أن تنسّقوا معنا بدقة مسألة المهل الزمنية اللازمة للتنفيذ.

تدرك الحكومة أساساً أنها في لحظة حساسة جداً. فمجرد إعلانها انتهاء المرحلة الأولى يضطرها إلى إطلاق المرحلة الثانية، المحددة بين الليطاني والأولي، وضمن مهل زمنية مضبوطة. وهذه مغامرة كبيرة لأنّ “الحزب” يصرّ على رفضه التخلي عن قطعة سلاح واحدة شمال الليطاني. أي إنّ هناك مشكلة تلوح في الأفق: إما صدام بين “الحزب” والجيش (سيتجنّبه الجميع بأي ثمن)، وإما استسلام الجميع للمصير المحتوم، أي لقيام إسرائيل بتدمير ترسانات “الحزب” بين النهرين، ما دامت الحكومة عاجزة عن القيام بذلك.

في المرحلة الأولى من الخطة، تخلى “الحزب” على مضض عن الكثير من سلاحه، لأنّ اتفاق تشرين الثاني 2024، واضح في إقرار نزع السلاح “بدءاً من جنوب الليطاني”. وربما يعتقد “الحزب” أنه قادر على خلق الذرائع للتمسك بسلاحه في كل لبنان، كما يفعل اليوم، إلا في جنوب الليطاني حيث الاعترف بنزعه جاء واضحاً في النص.

ولكن، على رغم هذا الاعتراف، أبقى “الحزب” “موافقته” على نزع السلاح هناك شكلية، فهو لم يُظهِر تعاوناً جدياً وعميقاً مع الجيش، بل تركه يتخبط في اجتماعات الميكانيزم. ففي كل يوم، يقدم الإسرائيليون إليه معلومات عن وجود أسلحة أو نفق أو أنشطة لـ”الحزب” في مكان معين. وعلى الأثر، يقوم الجيش بمداهمة هذه الأمكنة ويصادر الموجودات. لكنه في أحيان كثيرة، لم يكن يعثر على شيء. وهذا ما وتّر الأجواء مع الإسرائيليين داخل اللجنة، بسبب إصرارهم على أنّ المعلومات التي يملكونها عن الأهداف، دقيقة ولا يمكن إنكارها.

وفي الواقع، ما زال الجيش حتى اللحظة يكتشف المزيد من المخازن والأنفاق التي لم يكن يعرف بوجودها في جنوب الليطاني. وقبل يومين، أي عشية التقرير الذي سيعلن فيه الجيش خلو المنطقة من السلاح، أُعلِن عن اكتشاف نفق جديد في كفرا- صديقين، في قضاء صور، يمتد مئات الأمتار، ويحتوي على كميات كبيرة من السلاح والذخائر، وقيل أيضاً إنّ فيه نسخة قديمة من طائرة مسيّرة.

هذا الكلام يعني وجود أزمة ثقة مزدوجة. فمن جهة، يبدو الجيش كالزوج المخدوع لجهة المعلومات التي يقدمها “حزب الله” عن سلاحه وأنفاقه وأنشطته هناك. ومن جهة أخرى، هناك أزمة ثقة متبادلة بين الدولة والجيش اللبنانيين وإسرائيل. والجانب الأميركي غالباً ما يدعم وجهة النظر الإسرائيلية في هذه المسألة، ويعتبرها مشروعة، لأن لا ثقة لديه في أنّ “الحزب” مستعدٌّ فعلاً لإنهاء كل مقدراته في جنوب الليطاني.

وهذه التجربة في جنوب النهر تشير إلى أنّ ما ينتظر الضفة الشمالية لن يكون نزهة. ولهذا السبب، لم تنتظر إسرائيل أن يعلن لبنان نهاية مرحلة وبداية أخرى. فهي تعرف أن لبنان لن يقوم أبداً بالمهمة. ولذلك، سرعان ما باشرت ضرباتها الجديدة، وركزتها في المنطقة الواقعة بين الليطاني والأولي، حيث أصحاب العلاقة أنفسهم، أي “حزب الله”، يرفضون بقوة تسليم السلاح. بل إنّ البنية التحتية الحقيقية التي يعتمد عليها “الحزب” باتت اليوم محصورة بهذه المنطقة.

“حزب الله” هو الذي أوصل نفسه والبلد إلى هذا المصير، لكنه لا يعترف، وسيبقى ينكر ذلك حتى إشعار آخر. فهو الذي قرر إشعال حرب مع إسرائيل، وهو الذي أصر على عدم إيقافها على رغم الوساطات، وهو الذي اضطر إلى توقيع صك الاستسلام في تشرين، متعهداً بالتخلي عن كل مقدراته للجيش اللبناني، شرط أن توقف إسرائيل ضرباتها الساحقة. ولكن، عندما أخذت الدولة اللبنانية والجيش على عاتقها تنفيذ الاتفاق، انقلب على تعهداته وعلى الدولة، وراح يتّهمها بالعجز عن مواجهة إسرائيل ويرفض التنفيذ، أي أنّه ورطها في عملية تنفيذ الاتفاق. وهذا السلوك ينطوي على مخاطر داخلية يصعب تقدير عواقبها.

على أرض الواقع، يخطط “الحزب” للاحتفاظ بقدراته العسكرية، بل ترميمها وتطويرها من جديد. لكنه يخفي ذلك حتى عن الدولة والجيش اللذين يطالبهما بالدفاع عنه وتبرير ما يفعله أمام إسرائيل والأميركيين. وإذا لم يصدقه الأميركيون والإسرائيليون، فإنه ينتقم من الدولة لا من إسرائيل.

إذاً، الأيام الآتية، بين الليطاني والأولي، ستحمل تطورات شرسة. وإذا كان “حزب الله” يعتبر نفسه في صف واحد، وبلد واحد، مع دولته وجيشها، فأول عمل يجب أن يقوم به هو أن يوقف عمليات الالتفاف التي تؤدي إلى إجهاد الجيش وإرباكه في تنفيذ قرارات الحكومة. وعلى “الحزب”، إذا كان فعلاً يلتزم اتفاق تشرين، أن يسلّم بنفسه كامل خرائط السلاح والأنفاق التي يملكها، خصوصاً على ضفتي الأولي الجنوبية والشمالية، ولعشرات الكيلومترات في العمق. ففي هذه الحال فقط، يستطيع الجيش فعلاً أن يقنع الميكانيزم بوقف الضربات الإسرائيلية.

وفي أي حال، هذا ما كان يجب أن يتم في اليوم الأول بعد توقيع اتفاق تشرين، لو كانت النيات صافية، ولو لم تكن حكومة نجيب ميقاتي رهينة قرار “الحزب”. وأما إذا بقي “حزب الله” متمسكاً بالنهج إياه في شمال الليطاني، فالعواقب واضحة ولا حاجة إلى تحليلها، وبدأت إسرائيل تترجمها باكراً على الأرض. ويبدو أن نتنياهو العائد من واشنطن لا يريد إضاعة الوقت، فيما يعتقد كثير من المعنيين بالملف أن لا المرحلة الأولى انتهت فعلاً، ولا المرحلة الثانية ستبدأ فعلاً.

هل يُسلّم “الحزب” خرائطه إلى الجيش؟

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: هنا لبنان
9 كانون الثاني 2026

إذا كان “الحزب” يعتبر نفسه في صف واحد، وبلد واحد، مع دولته وجيشها، فأول عمل يجب أن يقوم به هو أن يوقف عمليات الالتفاف التي تؤدي إلى إجهاد الجيش وإرباكه في تنفيذ قرارات الحكومة. وعلى “الحزب”، إذا كان فعلاً يلتزم اتفاق تشرين، أن يسلّم بنفسه كامل خرائط السلاح والأنفاق التي يملكها، خصوصاً على ضفتي الأولي الجنوبية والشمالية، ولعشرات الكيلومترات في العمق

في تقريره الأخير للمرحلة الأولى، سيتصرف الجيش مهنياً. سيقول للحكومة: نفذنا ما طلبتموه كسلطة سياسية. نزعنا السلاح من جنوب الليطاني. والآن، عليكم أن تقرروا إعلان ذلك رسمياً وتحديد موعد لبدء المرحلة الثانية. لكننا نبلغكم بأنّ هذه المرحلة صعبة جداً. وعليكم أن تنسّقوا معنا بدقة مسألة المهل الزمنية اللازمة للتنفيذ.

تدرك الحكومة أساساً أنها في لحظة حساسة جداً. فمجرد إعلانها انتهاء المرحلة الأولى يضطرها إلى إطلاق المرحلة الثانية، المحددة بين الليطاني والأولي، وضمن مهل زمنية مضبوطة. وهذه مغامرة كبيرة لأنّ “الحزب” يصرّ على رفضه التخلي عن قطعة سلاح واحدة شمال الليطاني. أي إنّ هناك مشكلة تلوح في الأفق: إما صدام بين “الحزب” والجيش (سيتجنّبه الجميع بأي ثمن)، وإما استسلام الجميع للمصير المحتوم، أي لقيام إسرائيل بتدمير ترسانات “الحزب” بين النهرين، ما دامت الحكومة عاجزة عن القيام بذلك.

في المرحلة الأولى من الخطة، تخلى “الحزب” على مضض عن الكثير من سلاحه، لأنّ اتفاق تشرين الثاني 2024، واضح في إقرار نزع السلاح “بدءاً من جنوب الليطاني”. وربما يعتقد “الحزب” أنه قادر على خلق الذرائع للتمسك بسلاحه في كل لبنان، كما يفعل اليوم، إلا في جنوب الليطاني حيث الاعترف بنزعه جاء واضحاً في النص.

ولكن، على رغم هذا الاعتراف، أبقى “الحزب” “موافقته” على نزع السلاح هناك شكلية، فهو لم يُظهِر تعاوناً جدياً وعميقاً مع الجيش، بل تركه يتخبط في اجتماعات الميكانيزم. ففي كل يوم، يقدم الإسرائيليون إليه معلومات عن وجود أسلحة أو نفق أو أنشطة لـ”الحزب” في مكان معين. وعلى الأثر، يقوم الجيش بمداهمة هذه الأمكنة ويصادر الموجودات. لكنه في أحيان كثيرة، لم يكن يعثر على شيء. وهذا ما وتّر الأجواء مع الإسرائيليين داخل اللجنة، بسبب إصرارهم على أنّ المعلومات التي يملكونها عن الأهداف، دقيقة ولا يمكن إنكارها.

وفي الواقع، ما زال الجيش حتى اللحظة يكتشف المزيد من المخازن والأنفاق التي لم يكن يعرف بوجودها في جنوب الليطاني. وقبل يومين، أي عشية التقرير الذي سيعلن فيه الجيش خلو المنطقة من السلاح، أُعلِن عن اكتشاف نفق جديد في كفرا- صديقين، في قضاء صور، يمتد مئات الأمتار، ويحتوي على كميات كبيرة من السلاح والذخائر، وقيل أيضاً إنّ فيه نسخة قديمة من طائرة مسيّرة.

هذا الكلام يعني وجود أزمة ثقة مزدوجة. فمن جهة، يبدو الجيش كالزوج المخدوع لجهة المعلومات التي يقدمها “حزب الله” عن سلاحه وأنفاقه وأنشطته هناك. ومن جهة أخرى، هناك أزمة ثقة متبادلة بين الدولة والجيش اللبنانيين وإسرائيل. والجانب الأميركي غالباً ما يدعم وجهة النظر الإسرائيلية في هذه المسألة، ويعتبرها مشروعة، لأن لا ثقة لديه في أنّ “الحزب” مستعدٌّ فعلاً لإنهاء كل مقدراته في جنوب الليطاني.

وهذه التجربة في جنوب النهر تشير إلى أنّ ما ينتظر الضفة الشمالية لن يكون نزهة. ولهذا السبب، لم تنتظر إسرائيل أن يعلن لبنان نهاية مرحلة وبداية أخرى. فهي تعرف أن لبنان لن يقوم أبداً بالمهمة. ولذلك، سرعان ما باشرت ضرباتها الجديدة، وركزتها في المنطقة الواقعة بين الليطاني والأولي، حيث أصحاب العلاقة أنفسهم، أي “حزب الله”، يرفضون بقوة تسليم السلاح. بل إنّ البنية التحتية الحقيقية التي يعتمد عليها “الحزب” باتت اليوم محصورة بهذه المنطقة.

“حزب الله” هو الذي أوصل نفسه والبلد إلى هذا المصير، لكنه لا يعترف، وسيبقى ينكر ذلك حتى إشعار آخر. فهو الذي قرر إشعال حرب مع إسرائيل، وهو الذي أصر على عدم إيقافها على رغم الوساطات، وهو الذي اضطر إلى توقيع صك الاستسلام في تشرين، متعهداً بالتخلي عن كل مقدراته للجيش اللبناني، شرط أن توقف إسرائيل ضرباتها الساحقة. ولكن، عندما أخذت الدولة اللبنانية والجيش على عاتقها تنفيذ الاتفاق، انقلب على تعهداته وعلى الدولة، وراح يتّهمها بالعجز عن مواجهة إسرائيل ويرفض التنفيذ، أي أنّه ورطها في عملية تنفيذ الاتفاق. وهذا السلوك ينطوي على مخاطر داخلية يصعب تقدير عواقبها.

على أرض الواقع، يخطط “الحزب” للاحتفاظ بقدراته العسكرية، بل ترميمها وتطويرها من جديد. لكنه يخفي ذلك حتى عن الدولة والجيش اللذين يطالبهما بالدفاع عنه وتبرير ما يفعله أمام إسرائيل والأميركيين. وإذا لم يصدقه الأميركيون والإسرائيليون، فإنه ينتقم من الدولة لا من إسرائيل.

إذاً، الأيام الآتية، بين الليطاني والأولي، ستحمل تطورات شرسة. وإذا كان “حزب الله” يعتبر نفسه في صف واحد، وبلد واحد، مع دولته وجيشها، فأول عمل يجب أن يقوم به هو أن يوقف عمليات الالتفاف التي تؤدي إلى إجهاد الجيش وإرباكه في تنفيذ قرارات الحكومة. وعلى “الحزب”، إذا كان فعلاً يلتزم اتفاق تشرين، أن يسلّم بنفسه كامل خرائط السلاح والأنفاق التي يملكها، خصوصاً على ضفتي الأولي الجنوبية والشمالية، ولعشرات الكيلومترات في العمق. ففي هذه الحال فقط، يستطيع الجيش فعلاً أن يقنع الميكانيزم بوقف الضربات الإسرائيلية.

وفي أي حال، هذا ما كان يجب أن يتم في اليوم الأول بعد توقيع اتفاق تشرين، لو كانت النيات صافية، ولو لم تكن حكومة نجيب ميقاتي رهينة قرار “الحزب”. وأما إذا بقي “حزب الله” متمسكاً بالنهج إياه في شمال الليطاني، فالعواقب واضحة ولا حاجة إلى تحليلها، وبدأت إسرائيل تترجمها باكراً على الأرض. ويبدو أن نتنياهو العائد من واشنطن لا يريد إضاعة الوقت، فيما يعتقد كثير من المعنيين بالملف أن لا المرحلة الأولى انتهت فعلاً، ولا المرحلة الثانية ستبدأ فعلاً.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار