لا حرب كبرى على لبنان… ومفاوضات تحت الطّاولة

في المشهد السياسيّ العامّ، تتكاثر الأخبار، التي يندرج قسم منها في إطار التمنّيات والتهويل، فيما يدخل قسم آخر في خانة الحسابات السياسيّة الباردة. لكنّ الثابت أنّ لبنان دخل مرحلة جديدة مع تعيين السفير سيمون كرم في لجنة “الميكانيزم”، ليس لأنّ اللجنة ستنجح حتماً في مهمّتها التفاوضيّة المفترضة، بل لأنّ لبنان خطا خطوة متقدّمة وكسر أحد المحرّمات في مسار التفاوض السياسيّ مع إسرائيل. بناءً على أكثر من معطى، تبدو الحرب الكبرى، وتحديداً تلك التي تشبه حرب 2024، بعيدة عن الوقوع، فيما تظهر النافذة الدبلوماسيّة قائمة بجدّيّة، سواء في بعدها المعلن أو غير المعلن، وتقدّم مجدّداً التمييز بين الدولة و”الحزب”، وسيُستكمل التصعيد على “الحزب” بوتيرة أكبر.
بالنسبة إلى واشنطن، تعود مقاربة الملفّ اللبنانيّ في جوهرها إلى إسرائيل، بوصفها صاحبة الأولويّة في اتّخاذ أيّ قرار يتعلّق بلبنان، سواء على مستوى التعامل مع الدولة وخطواتها، أو على مستوى التعامل مع “الحزب”. أمّا الولايات المتّحدة فتوفّر الغطاء والدعم، مع الحفاظ على هامش التدخّل عند الضرورة، إذا رأت ذلك مناسباً.
انطلاقاً من ذلك، تشير المعطيات الدبلوماسيّة الغربيّة إلى جملة حسابات إسرائيليّة تمنع تل أبيب، في المرحلة الراهنة، من خوض حرب كبرى على لبنان شبيهة بالحرب الماضية. يعود ذلك، أوّلاً، إلى الوضع الداخليّ الإسرائيليّ الذي يمرّ بعام انتخابيّ حسّاس، وثانياً إلى أنّ أيّ حرب مقبلة لن تنتهي كما انتهت الحرب السابقة، بل ستؤول إلى حرب سحق مفتوحة من دون القدرة على توفير غطاء سياسيّ أو تحمّل كلفتها الاستراتيجيّة.
لذلك لا توجُّه حاليّاً في إسرائيل نحو شنّ حرب كبرى ما دامت تتصرّف على أساس “ضوء أخضر” يتيح لها شنّ غارات وتنفيذ اغتيالات تطال أيّ قياديّ في “الحزب” في أيّ مكان وزمان تختارهما.
عليه، تبقى صحيحةً ودقيقةً كلُّ المعطيات التي تتحدّث عن تصعيد، والحديث عن ارتفاع منسوب هذا التصعيد ليشمل مناطق جديدة شمال الليطاني هو أمر واقعيّ، على أن يصبح حال بعض هذه المناطق شبيهاً بجنوب الليطاني. وهو ما بدأ يتجلّى فعليّاً في الغارات على صيدا والبقاع الغربيّ، وقد يمتدّ لاحقاً إلى مناطق أخرى.
تفاوض تحت الطّاولة؟
سُجّل تناقض واضح بين كلام رئيس الحكومة الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، الذي أشاد بعمل الحكومة اللبنانيّة، وبين تصريحات الجيش الإسرائيليّ الذي يتّهم الجيش اللبنانيّ بالتقصير ويؤكّد استمرار نشاط “الحزب”، لكن المؤشّرات الدوليّة تتّجه نحو فصل مسؤوليّة الدولة عن مسؤوليّة “الحزب”. لا يعني ذلك رضىً كاملاً عن الأداء الرسميّ اللبنانيّ، لكنّه يعكس استعادة لبنان لهامش فرصة منذ تولّي رئيس الحكومة نوّاف سلام إدارة هذا الملفّ في آب الماضي، وصولاً إلى جلسة الحكومة الأخيرة يوم الخميس الفائت.
بالتوازي مع هذا المسار الرسميّ، تبرز لجنة “الميكانيزم”، وهي اللجنة التي بدأت الشكوك تحيط بإمكان نجاحها. في مقابلة مع موقع “أساس”، قال رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي إنّ اللجنة لا تستطيع القيام بدورها في ظلّ استمرار التصعيد الإسرائيليّ. في معلومات “أساس” أنّ اللجنة لا تزال تعقد اجتماعاتها، لكنّها تبقى عرضة للفشل، لا سيما أنّ الجانبين الأميركيّ والإسرائيليّ يسعيان إلى حصرها بهما مع الجانب اللبنانيّ فقط، من دون إشراك الفرنسيّين أو الأمم المتّحدة. من هنا، تتحدّث معلومات “أساس” عن مفاوضات بدأت “تحت الطاولة”، بعيداً عن الأطر الرسميّة وأيّ محاولات محتملة لعرقلتها.
إسرائيل لن تقوم بعمل السّلطة اللّبنانيّة
يتحدّث مسؤولون بارزون في الدولة عن الحرب المقبلة وكأنّها ستقوم بالعمل الذي كان يُفترض بالسلطة اللبنانيّة أن تقوم به، أي أنّهم يتحدّثون عن سيناريو حرب ساحقة على “الحزب”، وإن كانت كلفتها على لبنان كبيرة، على اعتبار أنّها ستعفي السلطة من تحمّل واجباتها الداخليّة. سبق أن وصل هذا الكلام إلى “الحزب”، واشنطن وتل أبيب في آنٍ معاً. جاء الجواب واضحاً وصريحاً: “إسرائيل لن تقوم بعمل السلطة اللبنانيّة”.
تشير المعلومات الدبلوماسيّة إلى أنّ ضرب “الحزب” سبق أن حصل خلال الحرب، وأنّ تلك الحرب مهّدت فعليّاً للجلوس إلى طاولة التفاوض، وساهمت في تهيئة المناخ الداخليّ اللبنانيّ لهذا المسار. إلّا أنّ ما بقي من تنفيذ اتّفاق وقف إطلاق النار، وترتيب الحياة السياسيّة اللبنانيّة، لم يعد شأناً إسرائيليّاً، بل يقع بالكامل على عاتق السلطة اللبنانيّة وأحزابها مجتمعة.
بناءً عليه، ستتصرّف إسرائيل دائماً انطلاقاً من مصلحتها الخاصّة، ولن تقدّم خدمات أو “تمنّيات” للبنان. لذلك يُفترض بالحسابات اللبنانيّة أن تُبنى على هذا الأساس، لا على وهم أنّ حرباً جديدة قد تحلّ مكان القرار السياسيّ الداخليّ. السلطة اللبنانيّة، بكلّ تفرّعاتها ومكوّناتها، مدعوّة إلى تحمّل مسؤوليّاتها الوطنيّة، سواء في مقاربة ملفّ “الحزب” أو في إدارة التوازنات الداخليّة، وصولاً إلى تثبيت الاستقرار الداخليّ بالتوازي مع تطبيق الشروط الدوليّة المفروضة.
ختاماً، وبينما يكثر الحديث عن أدوار إقليميّة تلعبها دول مختلفة في الوساطة وسط زحمة الموفدين، يبقى الأهمّ أنّ النافذة الدبلوماسيّة، المعلنة وغير المعلنة، بدأت فعليّاً تشقّ طريقها في اتّجاه إنقاذ لبنان من أيّ حرب مقبلة.
لا حرب كبرى على لبنان… ومفاوضات تحت الطّاولة

في المشهد السياسيّ العامّ، تتكاثر الأخبار، التي يندرج قسم منها في إطار التمنّيات والتهويل، فيما يدخل قسم آخر في خانة الحسابات السياسيّة الباردة. لكنّ الثابت أنّ لبنان دخل مرحلة جديدة مع تعيين السفير سيمون كرم في لجنة “الميكانيزم”، ليس لأنّ اللجنة ستنجح حتماً في مهمّتها التفاوضيّة المفترضة، بل لأنّ لبنان خطا خطوة متقدّمة وكسر أحد المحرّمات في مسار التفاوض السياسيّ مع إسرائيل. بناءً على أكثر من معطى، تبدو الحرب الكبرى، وتحديداً تلك التي تشبه حرب 2024، بعيدة عن الوقوع، فيما تظهر النافذة الدبلوماسيّة قائمة بجدّيّة، سواء في بعدها المعلن أو غير المعلن، وتقدّم مجدّداً التمييز بين الدولة و”الحزب”، وسيُستكمل التصعيد على “الحزب” بوتيرة أكبر.
بالنسبة إلى واشنطن، تعود مقاربة الملفّ اللبنانيّ في جوهرها إلى إسرائيل، بوصفها صاحبة الأولويّة في اتّخاذ أيّ قرار يتعلّق بلبنان، سواء على مستوى التعامل مع الدولة وخطواتها، أو على مستوى التعامل مع “الحزب”. أمّا الولايات المتّحدة فتوفّر الغطاء والدعم، مع الحفاظ على هامش التدخّل عند الضرورة، إذا رأت ذلك مناسباً.
انطلاقاً من ذلك، تشير المعطيات الدبلوماسيّة الغربيّة إلى جملة حسابات إسرائيليّة تمنع تل أبيب، في المرحلة الراهنة، من خوض حرب كبرى على لبنان شبيهة بالحرب الماضية. يعود ذلك، أوّلاً، إلى الوضع الداخليّ الإسرائيليّ الذي يمرّ بعام انتخابيّ حسّاس، وثانياً إلى أنّ أيّ حرب مقبلة لن تنتهي كما انتهت الحرب السابقة، بل ستؤول إلى حرب سحق مفتوحة من دون القدرة على توفير غطاء سياسيّ أو تحمّل كلفتها الاستراتيجيّة.
لذلك لا توجُّه حاليّاً في إسرائيل نحو شنّ حرب كبرى ما دامت تتصرّف على أساس “ضوء أخضر” يتيح لها شنّ غارات وتنفيذ اغتيالات تطال أيّ قياديّ في “الحزب” في أيّ مكان وزمان تختارهما.
عليه، تبقى صحيحةً ودقيقةً كلُّ المعطيات التي تتحدّث عن تصعيد، والحديث عن ارتفاع منسوب هذا التصعيد ليشمل مناطق جديدة شمال الليطاني هو أمر واقعيّ، على أن يصبح حال بعض هذه المناطق شبيهاً بجنوب الليطاني. وهو ما بدأ يتجلّى فعليّاً في الغارات على صيدا والبقاع الغربيّ، وقد يمتدّ لاحقاً إلى مناطق أخرى.
تفاوض تحت الطّاولة؟
سُجّل تناقض واضح بين كلام رئيس الحكومة الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، الذي أشاد بعمل الحكومة اللبنانيّة، وبين تصريحات الجيش الإسرائيليّ الذي يتّهم الجيش اللبنانيّ بالتقصير ويؤكّد استمرار نشاط “الحزب”، لكن المؤشّرات الدوليّة تتّجه نحو فصل مسؤوليّة الدولة عن مسؤوليّة “الحزب”. لا يعني ذلك رضىً كاملاً عن الأداء الرسميّ اللبنانيّ، لكنّه يعكس استعادة لبنان لهامش فرصة منذ تولّي رئيس الحكومة نوّاف سلام إدارة هذا الملفّ في آب الماضي، وصولاً إلى جلسة الحكومة الأخيرة يوم الخميس الفائت.
بالتوازي مع هذا المسار الرسميّ، تبرز لجنة “الميكانيزم”، وهي اللجنة التي بدأت الشكوك تحيط بإمكان نجاحها. في مقابلة مع موقع “أساس”، قال رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي إنّ اللجنة لا تستطيع القيام بدورها في ظلّ استمرار التصعيد الإسرائيليّ. في معلومات “أساس” أنّ اللجنة لا تزال تعقد اجتماعاتها، لكنّها تبقى عرضة للفشل، لا سيما أنّ الجانبين الأميركيّ والإسرائيليّ يسعيان إلى حصرها بهما مع الجانب اللبنانيّ فقط، من دون إشراك الفرنسيّين أو الأمم المتّحدة. من هنا، تتحدّث معلومات “أساس” عن مفاوضات بدأت “تحت الطاولة”، بعيداً عن الأطر الرسميّة وأيّ محاولات محتملة لعرقلتها.
إسرائيل لن تقوم بعمل السّلطة اللّبنانيّة
يتحدّث مسؤولون بارزون في الدولة عن الحرب المقبلة وكأنّها ستقوم بالعمل الذي كان يُفترض بالسلطة اللبنانيّة أن تقوم به، أي أنّهم يتحدّثون عن سيناريو حرب ساحقة على “الحزب”، وإن كانت كلفتها على لبنان كبيرة، على اعتبار أنّها ستعفي السلطة من تحمّل واجباتها الداخليّة. سبق أن وصل هذا الكلام إلى “الحزب”، واشنطن وتل أبيب في آنٍ معاً. جاء الجواب واضحاً وصريحاً: “إسرائيل لن تقوم بعمل السلطة اللبنانيّة”.
تشير المعلومات الدبلوماسيّة إلى أنّ ضرب “الحزب” سبق أن حصل خلال الحرب، وأنّ تلك الحرب مهّدت فعليّاً للجلوس إلى طاولة التفاوض، وساهمت في تهيئة المناخ الداخليّ اللبنانيّ لهذا المسار. إلّا أنّ ما بقي من تنفيذ اتّفاق وقف إطلاق النار، وترتيب الحياة السياسيّة اللبنانيّة، لم يعد شأناً إسرائيليّاً، بل يقع بالكامل على عاتق السلطة اللبنانيّة وأحزابها مجتمعة.
بناءً عليه، ستتصرّف إسرائيل دائماً انطلاقاً من مصلحتها الخاصّة، ولن تقدّم خدمات أو “تمنّيات” للبنان. لذلك يُفترض بالحسابات اللبنانيّة أن تُبنى على هذا الأساس، لا على وهم أنّ حرباً جديدة قد تحلّ مكان القرار السياسيّ الداخليّ. السلطة اللبنانيّة، بكلّ تفرّعاتها ومكوّناتها، مدعوّة إلى تحمّل مسؤوليّاتها الوطنيّة، سواء في مقاربة ملفّ “الحزب” أو في إدارة التوازنات الداخليّة، وصولاً إلى تثبيت الاستقرار الداخليّ بالتوازي مع تطبيق الشروط الدوليّة المفروضة.
ختاماً، وبينما يكثر الحديث عن أدوار إقليميّة تلعبها دول مختلفة في الوساطة وسط زحمة الموفدين، يبقى الأهمّ أنّ النافذة الدبلوماسيّة، المعلنة وغير المعلنة، بدأت فعليّاً تشقّ طريقها في اتّجاه إنقاذ لبنان من أيّ حرب مقبلة.













