مؤرّخ إيرانيّ: لقد بدأ عصر ما بعد خامنئي

الكاتب: ايمان شمص | المصدر: اساس ميديا
10 كانون الثاني 2026

اعتبر المؤرّخ والباحث الإيرانيّ – الأميركيّ الدكتور أراش عزيزي أنّه بسقوط نيكولاس مادورو “ماتت عمليّاً” الثورة الإسلاميّة، وأنّ عهد ما بعد خامنئي قد بدأ فعلاً، وسيُكتب مستقبل إيران في قطيعة تامّة مع إرث عام 1979.

 

في مقابلة مع مجلّة “لوبوان” الفرنسيّة، وضع عزيزي، المحاضر في جامعة ييل ومؤلّف كتاب “ما يريده الإيرانيّون: المرأة، الحياة، الحرّية” (2024)، الاحتجاجات الجارية في إيران ضمن سياق دورة طويلة من الاحتجاجات، تغذّيها أزمة اجتماعيّة واقتصاديّة متفاقمة، تشمل تضخّماً يتجاوز 40 في المئة، وانهياراً في العملة الإيرانيّة، وتراجعاً متسارعاً في حجم الطبقة الوسطى.

غير أنّ ما يميّز المرحلة الراهنة، في رأيه، هو عمق الانهيار الاجتماعيّ واتّساع قاعدته.عام  2017، انطلقت الاحتجاجات أساساً من المناطق الأكثر فقراً وتهميشاً، بينما تشهد المرحلة الحاليّة انزلاق قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى السابقة نحو الفقر والهشاشة. لا تعكس هذه الاحتجاجات أزمة عابرة، بل حالة إنهاك عميقة أصابت النظام الإيرانيّ اقتصاديّاً واجتماعيّاً وسياسيّاً، في ظلّ ضعف استراتيجيّ غير مسبوق داخليّاً وخارجيّاً.

يرى عزيزي أنّ نقطة انطلاق الاحتجاجات الأخيرة تحمل دلالة رمزيّة بالغة الأهميّة، إذ بدأت من تجّار البازار، الذين شكّلوا تاريخيّاً أحد الأعمدة الاجتماعيّة الداعمة للنظام. يواجه هؤلاء اليوم تهديداً وجوديّاً يتمثّل في غياب الزبائن وانهيار الطلب في اقتصاد مختنق. تراجعت القدرة الشرائيّة وتآكلت المدّخرات حتّى بات من يملكون بعض الموارد عاجزين عن الصمود وينضمّون تدريجاً إلى صفوف الفقراء.

اكتئاب جماعيّ

اعتبر أنّ الاتّساع الجغرافيّ والتنوّع الاجتماعيّ للاحتجاجات يشكّلان دليلاً على تفاقم حالة “اكتئاب جماعيّ” لدى الإيرانيّين، مقرونة بغضب ويأس وعجز عن التخطيط للمستقبل. بالنسبة إلى كثيرين، لم يعد الهدف إصلاح النظام، بل إنهاء سلطة يعتبرونها مسؤولة عن تدمير البلاد.

ردّاً على سؤال عن رفع شعارات في بعض التظاهرات تدعم رضا بهلوي، نجل الشاه، أكّد عزيزي أنّ بهلوي لا يحظى بتأييد الأغلبيّة، لكنّه يتمتّع بدعم حقيقيّ أصبح أكثر وضوحاً من ذي قبل. غير أنّ المشكلة الأساسيّة تكمن في غياب الآليّات التي تتيح تحويل هذا الدعم المتفرّق إلى قوّة سياسيّة فعّالة. لا يملك بهلوي تنظيماً متماسكاً، ولا شبكات فعّالة، ولا استراتيجية سياسيّة واضحة. يبدو أنّ “نظريّة التغيير” التي يتبنّاها تقوم على افتراض ضمنيّ للعودة إلى السلطة عبر دعم وتدخّل أميركيَّين أو إسرائيليَّين، وهو رهان يثير انقساماً حادّاً داخل صفوف المعارضة.

المعارضة اعلاميّة لا تنظيمية..

في المقابل، أشار عزيزي إلى وجود شخصيّات معارضة أخرى، مثل نرجس محمّدي أو مصطفى تاج زاده، تطرح بدائل ديمقراطيّة أكثر تماسكاً من حيث الرؤية، لكنّها تعاني ضعف الحضور الشعبيّ بسبب السجن والقمع وغياب الدعم المنظّم في الخارج. هكذا تبدو المعارضة الإيرانيّة مشتّتة: شخصيّات حاضرة إعلاميّاً لكنّها ضعيفة تنظيميّاً، في مقابل معارضة أكثر اتّساقاً فكريّاً لكنّها شبه غائبة عن المجال العامّ.

 

بحسب عزيزي، يتطلّب سقوط النظام، إن حدث، عاملين رئيسَين:

1- اندلاع إضرابات عامّة واسعة النطاق، وهو ما لم يتحقّق حتّى الآن بسبب ضعف النقابات وغياب ثقافة الإضراب.

2- وجود بديل سياسيّ واضح ومتّفق عليه يمكن أن يشجّع انشقاقات داخل أجهزة الأمن. من دون هذه الانشقاقات، يبقى انهيار النظام من الداخل أمراً مستبعداً.

رأى عزيزي أنّ سقوط نيكولاس مادورو في فنزويلّا شكّل ضربة معنويّة وسياسيّة إضافيّة للنظام الإيرانيّ، ودليلاً جديداً على هشاشته وعجزه عن حماية حلفاء آخرين، مثل بشّار الأسد و”الحزب”. وأشار إلى تزامن سقوط مادورو مع ذكرى اغتيال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، في غارة أميركيّة بطائرة مسيّرة في كانون الثاني 2020، وهو ما يعيد إحياء المخاوف من عمليّة أميركيّة جديدة تستهدف مواقع استراتيجيّة للنظام. لم يتردّد دونالد ترامب، في هذا السياق، في تشبيه التدخّل ضدّ مادورو بعمليّة “مطرقة منتصف الليل” التي نُفّذت الصيف الماضي ضدّ البرنامج النوويّ الإيرانيّ.

رفض تصدير الثّورة

لكنّ هذه النكسة الاستراتيجيّة الجديدة، المتمثّلة بسقوط حليف إضافيّ لنظام الملالي، قد تحمل أثراً عكسيّاً، بحسب عزيزي، إذ قد تدفع بعض الفصائل داخل النظام إلى البحث عن تسوية مع واشنطن، ولا سيما أنّ قنوات الحوار بين الولايات المتّحدة وإيران لا تزال قائمة، وأنّ الدعوات إلى اتّفاق نوويّ جديد لم تتوقّف.

أمّا الشعار الذي ردّده المتظاهرون “لا غزّة ولا لبنان، روحي فداء إيران”، فيعبّر، وفق عزيزي، عن رفض شعبيّ واسع لسياسة تصدير الثورة واستنزاف الموارد في صراعات خارجيّة. المطلب الأساسيّ هو العودة إلى دبلوماسيّة تقليديّة تضع المصلحة الوطنيّة في المقام الأوّل. ويرجّح أن تسعى أيّ حكومة جديدة إلى تطبيع علاقاتها مع واشنطن، والتحرّك نحو علاقة محايدة، بل سلميّة، مع إسرائيل، بعيداً عن العداء الأيديولوجيّ المطلق.

خلص عزيزي إلى أنّ الثورة الإسلاميّة فشلت في تحقيق أهدافها الجوهريّة: سعت إلى أسلمة المجتمع، لكنّها أفرزت واحداً من أكثر المجتمعات علمانيّة في العالم الإسلاميّ، وسعت إلى بناء قوّة إقليميّة كبرى، لكنّها قادت البلاد إلى عزلة وضعف غير مسبوقين. من هذا المنطلق، أّكد أنّ الثورة الإسلاميّة “ماتت عمليّاً”، وعهد ما بعد خامنئي قد بدأ بالفعل، وأنّه سيُكتب مستقبل إيران في انفصال كامل عن إرث عام 1979.

مؤرّخ إيرانيّ: لقد بدأ عصر ما بعد خامنئي

الكاتب: ايمان شمص | المصدر: اساس ميديا
10 كانون الثاني 2026

اعتبر المؤرّخ والباحث الإيرانيّ – الأميركيّ الدكتور أراش عزيزي أنّه بسقوط نيكولاس مادورو “ماتت عمليّاً” الثورة الإسلاميّة، وأنّ عهد ما بعد خامنئي قد بدأ فعلاً، وسيُكتب مستقبل إيران في قطيعة تامّة مع إرث عام 1979.

 

في مقابلة مع مجلّة “لوبوان” الفرنسيّة، وضع عزيزي، المحاضر في جامعة ييل ومؤلّف كتاب “ما يريده الإيرانيّون: المرأة، الحياة، الحرّية” (2024)، الاحتجاجات الجارية في إيران ضمن سياق دورة طويلة من الاحتجاجات، تغذّيها أزمة اجتماعيّة واقتصاديّة متفاقمة، تشمل تضخّماً يتجاوز 40 في المئة، وانهياراً في العملة الإيرانيّة، وتراجعاً متسارعاً في حجم الطبقة الوسطى.

غير أنّ ما يميّز المرحلة الراهنة، في رأيه، هو عمق الانهيار الاجتماعيّ واتّساع قاعدته.عام  2017، انطلقت الاحتجاجات أساساً من المناطق الأكثر فقراً وتهميشاً، بينما تشهد المرحلة الحاليّة انزلاق قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى السابقة نحو الفقر والهشاشة. لا تعكس هذه الاحتجاجات أزمة عابرة، بل حالة إنهاك عميقة أصابت النظام الإيرانيّ اقتصاديّاً واجتماعيّاً وسياسيّاً، في ظلّ ضعف استراتيجيّ غير مسبوق داخليّاً وخارجيّاً.

يرى عزيزي أنّ نقطة انطلاق الاحتجاجات الأخيرة تحمل دلالة رمزيّة بالغة الأهميّة، إذ بدأت من تجّار البازار، الذين شكّلوا تاريخيّاً أحد الأعمدة الاجتماعيّة الداعمة للنظام. يواجه هؤلاء اليوم تهديداً وجوديّاً يتمثّل في غياب الزبائن وانهيار الطلب في اقتصاد مختنق. تراجعت القدرة الشرائيّة وتآكلت المدّخرات حتّى بات من يملكون بعض الموارد عاجزين عن الصمود وينضمّون تدريجاً إلى صفوف الفقراء.

اكتئاب جماعيّ

اعتبر أنّ الاتّساع الجغرافيّ والتنوّع الاجتماعيّ للاحتجاجات يشكّلان دليلاً على تفاقم حالة “اكتئاب جماعيّ” لدى الإيرانيّين، مقرونة بغضب ويأس وعجز عن التخطيط للمستقبل. بالنسبة إلى كثيرين، لم يعد الهدف إصلاح النظام، بل إنهاء سلطة يعتبرونها مسؤولة عن تدمير البلاد.

ردّاً على سؤال عن رفع شعارات في بعض التظاهرات تدعم رضا بهلوي، نجل الشاه، أكّد عزيزي أنّ بهلوي لا يحظى بتأييد الأغلبيّة، لكنّه يتمتّع بدعم حقيقيّ أصبح أكثر وضوحاً من ذي قبل. غير أنّ المشكلة الأساسيّة تكمن في غياب الآليّات التي تتيح تحويل هذا الدعم المتفرّق إلى قوّة سياسيّة فعّالة. لا يملك بهلوي تنظيماً متماسكاً، ولا شبكات فعّالة، ولا استراتيجية سياسيّة واضحة. يبدو أنّ “نظريّة التغيير” التي يتبنّاها تقوم على افتراض ضمنيّ للعودة إلى السلطة عبر دعم وتدخّل أميركيَّين أو إسرائيليَّين، وهو رهان يثير انقساماً حادّاً داخل صفوف المعارضة.

المعارضة اعلاميّة لا تنظيمية..

في المقابل، أشار عزيزي إلى وجود شخصيّات معارضة أخرى، مثل نرجس محمّدي أو مصطفى تاج زاده، تطرح بدائل ديمقراطيّة أكثر تماسكاً من حيث الرؤية، لكنّها تعاني ضعف الحضور الشعبيّ بسبب السجن والقمع وغياب الدعم المنظّم في الخارج. هكذا تبدو المعارضة الإيرانيّة مشتّتة: شخصيّات حاضرة إعلاميّاً لكنّها ضعيفة تنظيميّاً، في مقابل معارضة أكثر اتّساقاً فكريّاً لكنّها شبه غائبة عن المجال العامّ.

 

بحسب عزيزي، يتطلّب سقوط النظام، إن حدث، عاملين رئيسَين:

1- اندلاع إضرابات عامّة واسعة النطاق، وهو ما لم يتحقّق حتّى الآن بسبب ضعف النقابات وغياب ثقافة الإضراب.

2- وجود بديل سياسيّ واضح ومتّفق عليه يمكن أن يشجّع انشقاقات داخل أجهزة الأمن. من دون هذه الانشقاقات، يبقى انهيار النظام من الداخل أمراً مستبعداً.

رأى عزيزي أنّ سقوط نيكولاس مادورو في فنزويلّا شكّل ضربة معنويّة وسياسيّة إضافيّة للنظام الإيرانيّ، ودليلاً جديداً على هشاشته وعجزه عن حماية حلفاء آخرين، مثل بشّار الأسد و”الحزب”. وأشار إلى تزامن سقوط مادورو مع ذكرى اغتيال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، في غارة أميركيّة بطائرة مسيّرة في كانون الثاني 2020، وهو ما يعيد إحياء المخاوف من عمليّة أميركيّة جديدة تستهدف مواقع استراتيجيّة للنظام. لم يتردّد دونالد ترامب، في هذا السياق، في تشبيه التدخّل ضدّ مادورو بعمليّة “مطرقة منتصف الليل” التي نُفّذت الصيف الماضي ضدّ البرنامج النوويّ الإيرانيّ.

رفض تصدير الثّورة

لكنّ هذه النكسة الاستراتيجيّة الجديدة، المتمثّلة بسقوط حليف إضافيّ لنظام الملالي، قد تحمل أثراً عكسيّاً، بحسب عزيزي، إذ قد تدفع بعض الفصائل داخل النظام إلى البحث عن تسوية مع واشنطن، ولا سيما أنّ قنوات الحوار بين الولايات المتّحدة وإيران لا تزال قائمة، وأنّ الدعوات إلى اتّفاق نوويّ جديد لم تتوقّف.

أمّا الشعار الذي ردّده المتظاهرون “لا غزّة ولا لبنان، روحي فداء إيران”، فيعبّر، وفق عزيزي، عن رفض شعبيّ واسع لسياسة تصدير الثورة واستنزاف الموارد في صراعات خارجيّة. المطلب الأساسيّ هو العودة إلى دبلوماسيّة تقليديّة تضع المصلحة الوطنيّة في المقام الأوّل. ويرجّح أن تسعى أيّ حكومة جديدة إلى تطبيع علاقاتها مع واشنطن، والتحرّك نحو علاقة محايدة، بل سلميّة، مع إسرائيل، بعيداً عن العداء الأيديولوجيّ المطلق.

خلص عزيزي إلى أنّ الثورة الإسلاميّة فشلت في تحقيق أهدافها الجوهريّة: سعت إلى أسلمة المجتمع، لكنّها أفرزت واحداً من أكثر المجتمعات علمانيّة في العالم الإسلاميّ، وسعت إلى بناء قوّة إقليميّة كبرى، لكنّها قادت البلاد إلى عزلة وضعف غير مسبوقين. من هذا المنطلق، أّكد أنّ الثورة الإسلاميّة “ماتت عمليّاً”، وعهد ما بعد خامنئي قد بدأ بالفعل، وأنّه سيُكتب مستقبل إيران في انفصال كامل عن إرث عام 1979.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار