إشكاليات قانونية وإنسانية وديموغرافية… هل يؤسس قانون الإيجارات لأزمات جديدة؟

الكاتب: زيزي إسطفان | المصدر: نداء الوطن
12 كانون الثاني 2026

يطل تاريخ 28 شباط 2026 كسيف مصلت فوق رؤوس المستأجرين القدامى. لكن التاريخ المذكور ليس نهاية أزمة تدحرجت منذ عقود بل هو استمرار لواقع قانوني وإنساني معقد جدًا لم يجد خاتمة له بعد. فإذا كانت الأمور قد حسمت بالنسبة للمستأجرين القادرين على الدفع، كما حددهم القانون، لإخلاء المأجور، فإن الكارثة الكبرى لا تزال جاثمة فوق رؤوس المستأجرين القدامى ومعظمهم من كبار السن الذين تسجلوا في صندوق الدعم الذي أقره القانون ولم يموله، إذ لا يزال الجدل قائمًا حول تحديد المهل المعطاة لهم وحول مصيرهم بشكل عام، كما حول حيثيات قانون الإيجار نفسه.

يعود قانون الإيجارات الجديد ليحتل واجهة الجدل العام، لا بوصفه مجرّد نص قانوني ينظم العلاقة بين المالك والمستأجر، بل كملف بالغ الحساسية تتقاطع فيه الناحيتين القانونية مع الإنسانية، والديموغرافيا مع الاستقرار الأهلي. قانونٌ وُضع لتصحيح ما اعتُبر خللًا تاريخيًّا بحق المالكين وتحرير عقود الإيجار القديمة، لكنه أُطلق إلى حيّز التنفيذ منقوصًا، من دون استكمال ركائزه الأساسية، وفي مقدّمها اللجان والصندوق، ما فتح الباب أمام فوضى تطبيقية واجتهادات فردية للقضاة وتحوّل القانون إلى مادة نزاع يومي بدل أن يكون أداة حلّ.

بين محاكم مثقلة بالدعاوى وما يرافقها من إشكاليات قانونية متشابكة، ومستأجرين مهدّدين بخسارة مساكنهم من دون بدائل واضحة، ومالكين عالقين بين حقوق معلّقة وتنفيذ مستحيل يبرز البعد الإنساني بقسوة، خصوصًا لدى كبار السن وذوي الدخل المحدود، فيما يلوح في الأفق هاجس ديموغرافي صامت، مع مخاوف من تفريغ أحياء معروفة بانتماءاتها الطائفية وتغيير وجه بيروت وضواحيها وخرائطها الاجتماعية.

المحامية مايا جعارة المستشارة القانونية للجنة الأهلية للمستأجرين، عرضت لـ “نداء الوطن” الإشكاليات القانونية والإنسانية الكبرى التي يطرحها قانون الإيجارات الذي تم تعديله في العام 2017، بعد أن كان قد أقر في العام 2014. وتقول إن احتساب المهل بدأ منذ 28 شباط 2017 ومعظم الأحكام التي صدرت عن المحاكم ذهبت في هذا الاتجاه بدل اعتماد العام 2014.

لكن المهل ليست وحدها سبب الفوضى القانونية بل إن قانون الإيجارات السكنية، كان يفترض أن يصدر مع سلة من الإصلاحات ضمن خطة سكنية متكاملة. لكنه صدر وحيدًا من دون خطة إسكانية وخلق للمستأجرين أزمة الوصول إلى سكن ملائم، لا سيما غير القادرين منهم، وسلط مبدأ سيف الإيجار الحرّ فوق رؤوسهم كخطر داهم يهدد حقهم بالسكن.

وتشرح جعارة أن المستأجرين القدامى هم في غالبيتهم من الكبار في السن الذين، إما ينالون رواتب تقاعدية فقدت معظم قيمتها اليوم أو فقدوا مدخراتهم في المصارف أو أشخاص لا معيل لهم؛ باتوا كلهم في خطر فقدان السقف الذي يحميهم والتحوّل إلى ناس بلا مأوى. لا يمكن للقانون أن يتجاهل الواقع الاجتماعي لهؤلاء الكبار في السن الذي أمضوا حياتهم في ظل قانون قديم أمّن لهم سقفًا ألفوه طوال حياتهم ورميهم خارجه بحجة القانون في ظل عدم القدرة على تأمين بدائل لهم.

سلة متكاملة لم ترَ النور

عند صدور القانون المعدل في العام 2017 كان ثمة تصوّر لحلول مستدامة تنصف المستأجرين القدامى أبرزها صندوق الدعم الذي كان يفترض أن يدفع بدل الإيجار عوضًا عن المستأجر غير القادر على تسديده، أو أن يمنحه خيار ترك المأجور والحصول على تعويض مالي. كما منح القانون أولية للمستأجرين القدامى بالاستفادة من قروض الإسكان وخيار الإيجار التملكي. لكن ما حصل أن صندوق الدعم لم يموّل واللجان التي كان من المفترض أن تشكل لتدرس بدل المثل (أي بدل الإيجار الذي يُفترض أن يستوفى لو كان العقار مؤجرًا اليوم وفق أسعار السوق لا وفق العقد القديم) والتي يفترض أن تبت في الخلافات الحاصلة بين المالكين والمستأجرين، لم يتم تشكيلها والبدء بعملها حتى العام 2020 (وقد بدأت العمل في بعض المناطق فيما لم تبدأ في مناطق أخرى)، ما جعل القانون ناقصًا ومجتزأ. وقد ساهمت هذه الثغرة القانونية حيث قضت المادة 58 من قانون العام 2017 أنه وخلافًا لأي نص مخالف، يعلّق القانون إلى حين دخول الصندوق حيّز التنفيذ في صدور أحكام لصالح المستأجرين.

أما بالنسبة للجان التي بدأت العمل في العام 2020 في بعض المناطق وذلك من أجل تقديم الطلبات للصندوق أو تحديد بدل المثل، فتقول المحامية جعارة إنه حتى اليوم، لم يعلن أحد بشكل رسمي انطلاقة هذه اللجان. لا بل إن عددًا كبيرًا من المستأجرين القدامى، لم يعلم في الأصل بوجود الصندوق ولم يقوموا نتيجة ذلك بما يتوجب عليهم لحماية أنفسهم، إذ لم تتم دعوتهم بشكل رسمي للتقدم بطلباتهم إلى الصندوق، كما لم ينشر بدء عمل اللجان في الجريدة الرسمية ولم يغطّ الإعلام ذلك. حتى الآن لم تبت اللجان وفق جعارة بأي طلب كما لم يتم تحديد ما إذا كان ينبغي على المستأجرين المنتسبين إلى الصندوق، تجديد طلبهم كل عام أو يتم الاكتفاء بالطلب القديم. كذلك لا بد من الإشارة إلى أن بعض اللجان، لا سيما في المتن وكسروان وطرابلس وبعض اللجان في بيروت، تمتنع عن استقبال الطلبات للاستفادة من الصندوق.

“الطاسة ضايعة”

بين القانون وثغراته والاجتهادات القضائية حوله “الطاسة ضايعة” والأسئلة كثيرة. لا شك أن مهلة السنوات التسع تنتهي بالنسبة للمستأجرين ذوي الدخل العالي في 28 شباط 2026 لكن من يحدد المهلة بالنسبة لمن تقدموا بالطلبات إلى صندوق الدعم. هؤلاء منحهم القانون 12 سنة منذ سنة 2017 ولكن السؤال الملح الذي يطرحه القانونيون والمستأجرون القدامى: هل عُلقت المهل لحين يدخل الصندوق حيز التنفيذ؟ من يوضح للأطراف كافة هذه الإشكالية؟ فالمحاكم ذاخرة بالدعاوى والأحكام أحيانًا تناقض بعضها،  بين من يرى أن المهل تنطلق من العام 2014 ومن يجد أنه لا بد من اعتماد 2017 كمرجعية،  وبين من يرى أنه لا يمكن اجتزاء القانون وتطبيقه قبل أن يتم إقرار الصندوق واللجان، وبين من يرى أن القاضي يمكن أن يحلّ محل اللجان ويصدر قراراته بناءً على اجتهاد شخصي. في ظل هذه التساؤلات، تبقى قضية المستأجرين المنتسبين إلى الصندوق، قضية معقدة لا بد من تدخل تشريعي لها وإقرار قانون يعالج كل الثغرات القانونية والإنسانية لتوفير كارثة جديدة على البلاد، تترك الناس الأكثر هشاشة لمصيرهم المجهول.

المحامي أديب زخور رئيس تجمع الحقوقيين للطعن وتعديل قانون الإيجارات، نشر أكثر من دراسة على “موقع محكمة”، أثبت فيها القرارات التي اتخذتها بعض المحاكم باعتماد قانون إيجارات 2017 لتحديد المهل وأورد أمثلة عديدة على قرارات قضائية، انطلقت من وجوب اعتبار 28 شباط 2017 هو بدء سريان المهل سواء كان المستأجر منتسبًا إلى الصندوق أم لا. كما أورد المحامي زخور أمثلة عن قضايا تم فيها تعليق النظر في الدعوى كون المستأجر تقدم بطلب إلى الصندوق وذلك استنادًا إلى المادة 8 وإلى تعليق القانون استنادًا إلى المادة 85 ومعها تعليق الدعوى ووقف النظر فيها لحين دخول الصندوق حيز التنفيذ، وشطب الدعوى وفقًا لذلك من جدول المرافعات، وتعليق المحاكمات إلى حين إنشاء اللجان والصندوق ودخوله حيز التنفيذ. وقد أسهب المحامي زخور في تقديم أمثلة عن أحكام قضائية أنصفت المستأجرين وما استندت إليه من اجتهادات قانونية وحددت بوضوح تاريخ بدء المهل وعدم إمكانية البت بالدعاوى المقدمة ضد المنتسبين إلى الصندوق تبعًا للأسباب الواردة سابقًا.

كارثة إنسانية وخطر ديموغرافي

إنسانيًّا، الأمور أكثر تعقيدًا، فالمستأجرون القدامى هم في غالبيتهم كبار السن الذين باتوا غير قادرين على الانتقال إلى مساكن أخرى، في ظل ما يشهده لبنان حاليًّا من عودة الارتفاع في الإيجارات، بعد أن كانت قد شهدت خمودًا وتراجعًا في سنوات الأزمة. كما بات معروفًا أن الرواتب التقاعدية التي ينالها هؤلاء في حال وجدت، قد فقدت أكثر من نصف قيمتها وما عادت قادرة على تلبية متطلبات الإيجارات الجديدة. ناهيك عن كون تحرير الإيجارات يعرّي هؤلاء ويترك مصيرهم كل ثلاث سنوات في مهب الريح، خاصة مع عدم وجود ضوابط محددة للإيجارات الحرة.

من جهة أخرى سوف تشهد المناطق تبدلًا واضحًا في بنيتها البشرية. فالمستأجرون القدامى الذين سيخلون منازلهم، سيدخل مكانهم الأشخاص القادرون على دفع الإيجارات المطلوبة سواء كانوا من أهل المنطقة أو من خارجها. واليوم مع ما يشهده الجنوب اللبناني والبقاع من اعتداءات شبه يومية، بات البحث عن مسكن خارج المناطق المستهدفة أولوية وهذا ما ينذر بتغييرات ديموغرافية، بدأت تتضح معالمها، ومنطقة بعبدا خير دليل على ذلك. من جهة أخرى يطرح قانون الإيجار إشكالية التعويضات التي ستمنح للمستأجرين عن الأضرار التي سببتها الحرب الأخيرة، ما يؤكد وجود ما لا يحصى من التعقيدات حوله تتطلب تدخلًا تشريعيًّا ملحًّا. لكن في زمن الانتخابات النيابية مَن مِن المشرّعين مستعد لحمل كرة النار هذه؟

إعرفوا حقوقكم!

المحامية مايا جعارة وبصفتها مستشارة قانونية للجنة الأهلية للمستأجرين تنصح المستأجرين القدامى المنتسبين إلى الصندوق بالتعرف إلى حقوقهم والقيام بالاستشارات القانونية الضرورية لذلك، وبتجديد طلباتهم في الصندوق وإضافة كل الأوراق المطلوبة. كما تصرّ على عدم التسرّع بقبول تحرير الإيجارات الذي يعرّي المستأجر من حقوقه ويترك مصيره في مهب الريح وعلى وجوب التمسك بالمأجور حتى ولو كان ثمن ذلك دعوى قضائية يرفعها المالك. إذ برأيها هي دعوى رابحة لصالح المستأجر تطول فترة البت فيها وهي أفضل بكثير من تحرير الإيجار وما قد يستتبعه من دعاوى عجلة قد تفرض على المستأجر إخلاءً سريعًا في حال الإيجار الحرّ. لا شك أن اتفاقيات كثيرة تم إقرارها بين المالكين والمستأجرين وكثر من المستأجرين رفعوا قيمة الإيجار وباتوا يدفعون الزيادة إلى المالك، إما بـ “وصل برّاني” أو من تحت الطاولة، رغم أن هذا الأمر يضعف موقفهم قانونيًّا في حال قرر المالك رفع دعوى. وتؤكد أنه رغم عدم وجود أرقام دقيقة إلا أن حوالى 12000 شخص في بيروت، تقدموا بطلبات إلى الصندوق، لكن من يجب أن يستفيدوا هم أكثر بكثير لكنهم لا يعرفون حقوقهم. ولكن منذ العام 2014 حتى اليوم تضاءل العدد، حيث أن الكثيرين من هؤلاء اتفقوا حبيًّا مع أصحاب الملك أو توفوا أو سافروا أو اشتروا المنازل التي يسكنونها أو انتقلوا إلى سواها.

لكن يبقى الحل بتشريع صحيح يعيد الأمور إلى نصابها ويوضح كل المشاكل العالقة. وتقترح اللجنة الأهلية للمستأجرين حلًّا يقوم على إبقاء المستأجرين القدامى فوق سن معينة في منازلهم على أن يتم رفع الإيجار بشكل تدريجي كل عام مع الأخذ بالاعتبار مؤشر التضخم السنوي. وهذا الحل يعطي للمالك حقه منذ اليوم ويريح المستأجر الذي يؤمّن بأنه باقٍ في منزله.

إشكاليات قانونية وإنسانية وديموغرافية… هل يؤسس قانون الإيجارات لأزمات جديدة؟

الكاتب: زيزي إسطفان | المصدر: نداء الوطن
12 كانون الثاني 2026

يطل تاريخ 28 شباط 2026 كسيف مصلت فوق رؤوس المستأجرين القدامى. لكن التاريخ المذكور ليس نهاية أزمة تدحرجت منذ عقود بل هو استمرار لواقع قانوني وإنساني معقد جدًا لم يجد خاتمة له بعد. فإذا كانت الأمور قد حسمت بالنسبة للمستأجرين القادرين على الدفع، كما حددهم القانون، لإخلاء المأجور، فإن الكارثة الكبرى لا تزال جاثمة فوق رؤوس المستأجرين القدامى ومعظمهم من كبار السن الذين تسجلوا في صندوق الدعم الذي أقره القانون ولم يموله، إذ لا يزال الجدل قائمًا حول تحديد المهل المعطاة لهم وحول مصيرهم بشكل عام، كما حول حيثيات قانون الإيجار نفسه.

يعود قانون الإيجارات الجديد ليحتل واجهة الجدل العام، لا بوصفه مجرّد نص قانوني ينظم العلاقة بين المالك والمستأجر، بل كملف بالغ الحساسية تتقاطع فيه الناحيتين القانونية مع الإنسانية، والديموغرافيا مع الاستقرار الأهلي. قانونٌ وُضع لتصحيح ما اعتُبر خللًا تاريخيًّا بحق المالكين وتحرير عقود الإيجار القديمة، لكنه أُطلق إلى حيّز التنفيذ منقوصًا، من دون استكمال ركائزه الأساسية، وفي مقدّمها اللجان والصندوق، ما فتح الباب أمام فوضى تطبيقية واجتهادات فردية للقضاة وتحوّل القانون إلى مادة نزاع يومي بدل أن يكون أداة حلّ.

بين محاكم مثقلة بالدعاوى وما يرافقها من إشكاليات قانونية متشابكة، ومستأجرين مهدّدين بخسارة مساكنهم من دون بدائل واضحة، ومالكين عالقين بين حقوق معلّقة وتنفيذ مستحيل يبرز البعد الإنساني بقسوة، خصوصًا لدى كبار السن وذوي الدخل المحدود، فيما يلوح في الأفق هاجس ديموغرافي صامت، مع مخاوف من تفريغ أحياء معروفة بانتماءاتها الطائفية وتغيير وجه بيروت وضواحيها وخرائطها الاجتماعية.

المحامية مايا جعارة المستشارة القانونية للجنة الأهلية للمستأجرين، عرضت لـ “نداء الوطن” الإشكاليات القانونية والإنسانية الكبرى التي يطرحها قانون الإيجارات الذي تم تعديله في العام 2017، بعد أن كان قد أقر في العام 2014. وتقول إن احتساب المهل بدأ منذ 28 شباط 2017 ومعظم الأحكام التي صدرت عن المحاكم ذهبت في هذا الاتجاه بدل اعتماد العام 2014.

لكن المهل ليست وحدها سبب الفوضى القانونية بل إن قانون الإيجارات السكنية، كان يفترض أن يصدر مع سلة من الإصلاحات ضمن خطة سكنية متكاملة. لكنه صدر وحيدًا من دون خطة إسكانية وخلق للمستأجرين أزمة الوصول إلى سكن ملائم، لا سيما غير القادرين منهم، وسلط مبدأ سيف الإيجار الحرّ فوق رؤوسهم كخطر داهم يهدد حقهم بالسكن.

وتشرح جعارة أن المستأجرين القدامى هم في غالبيتهم من الكبار في السن الذين، إما ينالون رواتب تقاعدية فقدت معظم قيمتها اليوم أو فقدوا مدخراتهم في المصارف أو أشخاص لا معيل لهم؛ باتوا كلهم في خطر فقدان السقف الذي يحميهم والتحوّل إلى ناس بلا مأوى. لا يمكن للقانون أن يتجاهل الواقع الاجتماعي لهؤلاء الكبار في السن الذي أمضوا حياتهم في ظل قانون قديم أمّن لهم سقفًا ألفوه طوال حياتهم ورميهم خارجه بحجة القانون في ظل عدم القدرة على تأمين بدائل لهم.

سلة متكاملة لم ترَ النور

عند صدور القانون المعدل في العام 2017 كان ثمة تصوّر لحلول مستدامة تنصف المستأجرين القدامى أبرزها صندوق الدعم الذي كان يفترض أن يدفع بدل الإيجار عوضًا عن المستأجر غير القادر على تسديده، أو أن يمنحه خيار ترك المأجور والحصول على تعويض مالي. كما منح القانون أولية للمستأجرين القدامى بالاستفادة من قروض الإسكان وخيار الإيجار التملكي. لكن ما حصل أن صندوق الدعم لم يموّل واللجان التي كان من المفترض أن تشكل لتدرس بدل المثل (أي بدل الإيجار الذي يُفترض أن يستوفى لو كان العقار مؤجرًا اليوم وفق أسعار السوق لا وفق العقد القديم) والتي يفترض أن تبت في الخلافات الحاصلة بين المالكين والمستأجرين، لم يتم تشكيلها والبدء بعملها حتى العام 2020 (وقد بدأت العمل في بعض المناطق فيما لم تبدأ في مناطق أخرى)، ما جعل القانون ناقصًا ومجتزأ. وقد ساهمت هذه الثغرة القانونية حيث قضت المادة 58 من قانون العام 2017 أنه وخلافًا لأي نص مخالف، يعلّق القانون إلى حين دخول الصندوق حيّز التنفيذ في صدور أحكام لصالح المستأجرين.

أما بالنسبة للجان التي بدأت العمل في العام 2020 في بعض المناطق وذلك من أجل تقديم الطلبات للصندوق أو تحديد بدل المثل، فتقول المحامية جعارة إنه حتى اليوم، لم يعلن أحد بشكل رسمي انطلاقة هذه اللجان. لا بل إن عددًا كبيرًا من المستأجرين القدامى، لم يعلم في الأصل بوجود الصندوق ولم يقوموا نتيجة ذلك بما يتوجب عليهم لحماية أنفسهم، إذ لم تتم دعوتهم بشكل رسمي للتقدم بطلباتهم إلى الصندوق، كما لم ينشر بدء عمل اللجان في الجريدة الرسمية ولم يغطّ الإعلام ذلك. حتى الآن لم تبت اللجان وفق جعارة بأي طلب كما لم يتم تحديد ما إذا كان ينبغي على المستأجرين المنتسبين إلى الصندوق، تجديد طلبهم كل عام أو يتم الاكتفاء بالطلب القديم. كذلك لا بد من الإشارة إلى أن بعض اللجان، لا سيما في المتن وكسروان وطرابلس وبعض اللجان في بيروت، تمتنع عن استقبال الطلبات للاستفادة من الصندوق.

“الطاسة ضايعة”

بين القانون وثغراته والاجتهادات القضائية حوله “الطاسة ضايعة” والأسئلة كثيرة. لا شك أن مهلة السنوات التسع تنتهي بالنسبة للمستأجرين ذوي الدخل العالي في 28 شباط 2026 لكن من يحدد المهلة بالنسبة لمن تقدموا بالطلبات إلى صندوق الدعم. هؤلاء منحهم القانون 12 سنة منذ سنة 2017 ولكن السؤال الملح الذي يطرحه القانونيون والمستأجرون القدامى: هل عُلقت المهل لحين يدخل الصندوق حيز التنفيذ؟ من يوضح للأطراف كافة هذه الإشكالية؟ فالمحاكم ذاخرة بالدعاوى والأحكام أحيانًا تناقض بعضها،  بين من يرى أن المهل تنطلق من العام 2014 ومن يجد أنه لا بد من اعتماد 2017 كمرجعية،  وبين من يرى أنه لا يمكن اجتزاء القانون وتطبيقه قبل أن يتم إقرار الصندوق واللجان، وبين من يرى أن القاضي يمكن أن يحلّ محل اللجان ويصدر قراراته بناءً على اجتهاد شخصي. في ظل هذه التساؤلات، تبقى قضية المستأجرين المنتسبين إلى الصندوق، قضية معقدة لا بد من تدخل تشريعي لها وإقرار قانون يعالج كل الثغرات القانونية والإنسانية لتوفير كارثة جديدة على البلاد، تترك الناس الأكثر هشاشة لمصيرهم المجهول.

المحامي أديب زخور رئيس تجمع الحقوقيين للطعن وتعديل قانون الإيجارات، نشر أكثر من دراسة على “موقع محكمة”، أثبت فيها القرارات التي اتخذتها بعض المحاكم باعتماد قانون إيجارات 2017 لتحديد المهل وأورد أمثلة عديدة على قرارات قضائية، انطلقت من وجوب اعتبار 28 شباط 2017 هو بدء سريان المهل سواء كان المستأجر منتسبًا إلى الصندوق أم لا. كما أورد المحامي زخور أمثلة عن قضايا تم فيها تعليق النظر في الدعوى كون المستأجر تقدم بطلب إلى الصندوق وذلك استنادًا إلى المادة 8 وإلى تعليق القانون استنادًا إلى المادة 85 ومعها تعليق الدعوى ووقف النظر فيها لحين دخول الصندوق حيز التنفيذ، وشطب الدعوى وفقًا لذلك من جدول المرافعات، وتعليق المحاكمات إلى حين إنشاء اللجان والصندوق ودخوله حيز التنفيذ. وقد أسهب المحامي زخور في تقديم أمثلة عن أحكام قضائية أنصفت المستأجرين وما استندت إليه من اجتهادات قانونية وحددت بوضوح تاريخ بدء المهل وعدم إمكانية البت بالدعاوى المقدمة ضد المنتسبين إلى الصندوق تبعًا للأسباب الواردة سابقًا.

كارثة إنسانية وخطر ديموغرافي

إنسانيًّا، الأمور أكثر تعقيدًا، فالمستأجرون القدامى هم في غالبيتهم كبار السن الذين باتوا غير قادرين على الانتقال إلى مساكن أخرى، في ظل ما يشهده لبنان حاليًّا من عودة الارتفاع في الإيجارات، بعد أن كانت قد شهدت خمودًا وتراجعًا في سنوات الأزمة. كما بات معروفًا أن الرواتب التقاعدية التي ينالها هؤلاء في حال وجدت، قد فقدت أكثر من نصف قيمتها وما عادت قادرة على تلبية متطلبات الإيجارات الجديدة. ناهيك عن كون تحرير الإيجارات يعرّي هؤلاء ويترك مصيرهم كل ثلاث سنوات في مهب الريح، خاصة مع عدم وجود ضوابط محددة للإيجارات الحرة.

من جهة أخرى سوف تشهد المناطق تبدلًا واضحًا في بنيتها البشرية. فالمستأجرون القدامى الذين سيخلون منازلهم، سيدخل مكانهم الأشخاص القادرون على دفع الإيجارات المطلوبة سواء كانوا من أهل المنطقة أو من خارجها. واليوم مع ما يشهده الجنوب اللبناني والبقاع من اعتداءات شبه يومية، بات البحث عن مسكن خارج المناطق المستهدفة أولوية وهذا ما ينذر بتغييرات ديموغرافية، بدأت تتضح معالمها، ومنطقة بعبدا خير دليل على ذلك. من جهة أخرى يطرح قانون الإيجار إشكالية التعويضات التي ستمنح للمستأجرين عن الأضرار التي سببتها الحرب الأخيرة، ما يؤكد وجود ما لا يحصى من التعقيدات حوله تتطلب تدخلًا تشريعيًّا ملحًّا. لكن في زمن الانتخابات النيابية مَن مِن المشرّعين مستعد لحمل كرة النار هذه؟

إعرفوا حقوقكم!

المحامية مايا جعارة وبصفتها مستشارة قانونية للجنة الأهلية للمستأجرين تنصح المستأجرين القدامى المنتسبين إلى الصندوق بالتعرف إلى حقوقهم والقيام بالاستشارات القانونية الضرورية لذلك، وبتجديد طلباتهم في الصندوق وإضافة كل الأوراق المطلوبة. كما تصرّ على عدم التسرّع بقبول تحرير الإيجارات الذي يعرّي المستأجر من حقوقه ويترك مصيره في مهب الريح وعلى وجوب التمسك بالمأجور حتى ولو كان ثمن ذلك دعوى قضائية يرفعها المالك. إذ برأيها هي دعوى رابحة لصالح المستأجر تطول فترة البت فيها وهي أفضل بكثير من تحرير الإيجار وما قد يستتبعه من دعاوى عجلة قد تفرض على المستأجر إخلاءً سريعًا في حال الإيجار الحرّ. لا شك أن اتفاقيات كثيرة تم إقرارها بين المالكين والمستأجرين وكثر من المستأجرين رفعوا قيمة الإيجار وباتوا يدفعون الزيادة إلى المالك، إما بـ “وصل برّاني” أو من تحت الطاولة، رغم أن هذا الأمر يضعف موقفهم قانونيًّا في حال قرر المالك رفع دعوى. وتؤكد أنه رغم عدم وجود أرقام دقيقة إلا أن حوالى 12000 شخص في بيروت، تقدموا بطلبات إلى الصندوق، لكن من يجب أن يستفيدوا هم أكثر بكثير لكنهم لا يعرفون حقوقهم. ولكن منذ العام 2014 حتى اليوم تضاءل العدد، حيث أن الكثيرين من هؤلاء اتفقوا حبيًّا مع أصحاب الملك أو توفوا أو سافروا أو اشتروا المنازل التي يسكنونها أو انتقلوا إلى سواها.

لكن يبقى الحل بتشريع صحيح يعيد الأمور إلى نصابها ويوضح كل المشاكل العالقة. وتقترح اللجنة الأهلية للمستأجرين حلًّا يقوم على إبقاء المستأجرين القدامى فوق سن معينة في منازلهم على أن يتم رفع الإيجار بشكل تدريجي كل عام مع الأخذ بالاعتبار مؤشر التضخم السنوي. وهذا الحل يعطي للمالك حقه منذ اليوم ويريح المستأجر الذي يؤمّن بأنه باقٍ في منزله.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار