تظاهرات إيران والحقبة الجديدة

الإحتجاجات الشعبية في إيران والتي تأخذ منحى تصاعدياً، فرضت على القوى المتصارعة في الشرق الأوسط حالة من الترقب، للتركيز على ما ستؤول إليه هذه التحركات الشعبية، خصوصاً مع دخول الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل على الخط. وهو ما يؤشر إلى احتمال أن تشكّل هذه التحركات الشعبية منعطفاً في مسار سلوك السلطة الممسكة بالقرار الإيراني منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979. والمقصود هنا، ليس بالضرورة انهيار النظام الديني القائم، بل ربما تعديل جذري في سلوكه السياسي، وعلى طريقة الإنقلاب الداخلي الأبيض.
تراجعت موجة التهديدات الإسرائيلية تجاه حزب الله، والتي ترافقت مع أجواء حول اكتمال التحضيرات لشن حرب محدودة. فمن المنطقي التركيز على التطورات الإيرانية بدرجة أولى ووضع الساحة اللبنانية في المرتبة الثانية. فطالما أنّ الهدف المطلوب من لبنان هو إخراج النفوذ الإيراني من ساحته، فإنّ التطورات الإيرانية يمكن أن تؤدي إلى هذه النتيجة، في حال صحّت التوقعات الأميركية، ومن دون التورط في مخاطر عسكرية مكلفة ومحفوفة المخاطر في لبنان.
وفجأة وبسرعة قياسية، انتقل الإهتمام من فنزويلا إلى حليفتها لا بل شريكتها إيران. فالضربة التي نفّذها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في كاراكاس وأدّت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، صعقت العالم. لكن هنالك مَن يرى أنّ ترامب أراد من خلال هذه العملية إظهار أنّ قواعد اللعبة المتبعة دولياً قد تبدّلت، وأنّ ما حصل منح جرعات جرأة للشارع الإيراني، سمح له بالإندفاع في الشوارع. فترامب هو أول رئيس في تاريخ الرؤساء الأميركيين يأمر بتنفيذ ضربات عسكرية ضدّ 7 دول خلال عامه الرئاسي الأول من ولايته الثانية، خارج إطار “إعلان الحرب” أو تفويض الكونغرس. وبحسب موقع “Military times” فلقد بلغ عدد الهجمات التي شنّها الجيش الأميركي حول العالم خلال العام الأول من لاية ترامب الثانية 626 ضربة، معظمها كان مسرحه الشرق الأوسط وإيران تحديداً. وهو ما يعكس سلوكاً هجومياً نافراً لترامب، لا بدّ أنّه أدّى إلى شحن المتظاهرين في الشوارع الإيرانية بشيء من الجرأة.
ووسط التطورات الشعبية المتسارعة في إيران في ظل القواعد الدولية الجديدة التي يسعى ترامب لإرسائها، تقف طهران أمام احتمالات ثلاثة:
ـ الأول، نجاح السلطات في القضاء على التحركات الشعبية من دون تقديم أي تنازلات. لكن هذا الإحتمال بات ضعيفاً في ظل التأثير الأميركي والإسرائيلي في ما يحدث، وفق كلام الرئيس الإيراني نفسه.
ـ الثاني، تصاعد هذه الإحتجاجات لتصل إلى مرحلة نسف النظام الديني القائم، وهو ما يبدو حصوله صعباً حتى الآن. فالذراع العسكرية والأمنية للنظام القائم لا تزال قوية ومتماسكة، فضلاً عن أنّ الإحتجاجات القائمة تفتقر إلى قيادة واضحة وإلى تنظيم متين. وهو ما يعني أنّ انهيار النظام لا يبدو وشيكاً، إلاّ في حال حصول تدخّل عسكري خارجي لا تبدو مؤشراته واضحة حتى الآن. فحتى إدارة ترامب تحدثت عن دعم المحتجين، ولكن ليس بالضرورة عبر التدخّل العسكري. فالشرق الأوسط ليس أميركا الجنوبية، وإيران ليست فنزويلا.
ـ الإحتمال الثالث، هو الذي يرجح حصول تغيير سياسي جذري، إما من خلال خامنئي نفسه (رغم أنّ استدارته تبدو صعبة) أو عبر وجوه جديدة من داخل النظام الديني، عسكرية كانت أو مدنية أو معممة، وهو ما ترجحه أو ربما تتمناه العواصم الغربية. فهذه الإحتجاجات تحصل في أكثر لحظات النظام ضعفاً. فهو خارج لتوه من حرب جوية صعبة أدّت إلى توجيه ضربات قوية للبرنامج النووي الذي كلّف إيران أثماناً باهظة طوال العقود الماضية، وطاولت هذه الضربات أنظمة الدفاع الجوي، وحيث هزّ انفجار الصواريخ والقنابل أرجاء طهران وبعض المدن الكبرى. كما تحصل هذه الإحتجاجات تحت وطأة أزمات إقتصادية ونقدية حادة، وإثر أزمة مياه تحولت من ضغط بيئي إلى صداع سياسي واجتماعي. ولا شك في أنّ بعض ركائز النظام تهتز بدءاً من الردع الخارجي، ووصولاً إلى الواقع الإقتصادي، وما بينهما من سأم المجتمع الإيراني من القيود الإجتماعية الصارمة التي تفرضها الإيديولوجيا الدينية. لكن الركائز الأمنية والعسكرية للنظام لا تزال متماسكة، وهو العامل الأهم لبقائه واستمراره. إلّا أنّ تطور الإحتجاجات سيؤدي حكماً إلى تآكل الركائز الأمنية والعسكرية في فترة غير بعيدة، ما يفرض على القيادة الإيرانية البحث عن حلول سريعة تحت مظلة النظام الديني القائم.
ويتصاعد القلق لدى الدول المحيطة والقريبة من إيران من مخاطر إنهيار النظام، كون ذلك سيؤدي إلى زعزعة التوازن الإقليمي الهش القائم. ما يعني أنّ محاذرة الجنوح في اتجاه الفوضى الإيرانية العارمة بات مطلباً إقليمياً أيضاً. ففي بلد يتجاوز تعداده السكاني الـ90 مليون نسمة، فإنّ انهياره غير المدروس سيؤدي إلى حدوث زلازل عنيفة في المنطقة كلها. وهنا يبدو النسيج المعقّد للمجتمع الإيراني مصدر حصانة لإيران لا العكس. فعلى سبيل المثال، فإنّ تركيا العاملة على خط تصفية النفوذ الإيراني الإقليمي تمهيداً لوراثته، تبدو قلقة من اتساع الفوضى، كونها ستكون أول المتأثرين سلباً منها، بسبب الحضور الكردي في الشمال الغربي. ففي الوقت الذي تتنازع أنقرة مع أكراد الداخل، وتعمل على تقويض حضورهم في شمال سوريا عبر سلطة دمشق، كمثل ما حصل في حلب، فهي تخشى أن تؤدي الفوضى في إيران إلى تعزيز قدرة الأكراد وقوتهم، ما سيجعل وضع تركيا أكثر صعوبة.
كما تخشى باكستان تفلّت “البلوش” الذين يتمركزون في الجنوب الشرقي لإيران، وتحديداً عند الحدود مع باكستان. وهنالك الأذريون في الشمال بالقرب من أذربيجان. والإنهيار سيدفع بروسيا لتوسيع نفوذها جنوباً، أي في آسيا الوسطى أو المنطقة الفائقة الأهمية. أضف إلى ذلك أنّ الفوضى داخل إيران ستنعكس سلباً على أمن دول الخليج. وهو ما يعني اختصاراً، أنّ تطويع السلوك والخيارات السياسية للنظام الديني القائم قد يكون الحل الأفضل والأضمن للجميع.
ومنذ يومين، لفت كلام فائق الأهمية لوزير الخارجية التركي حقان فيدان، وهو الآتي من رئاسة المخابرات التركية، قال فيه إنّه يجري التلاعب بالإحتجاجات الإيرانية من الخارج وخصوم إيران، وإنّ “الموساد” لا يخفي ذلك. وإنّ إسرائيل تحاول استغلال الوضع. وأضاف فيدان الذي يتمتع بخلفية أمنية واسعة وغنية، أنّ إيران في حاجة إلى الدخول في “مصالحة وتعاون حقيقيين” مع دول المنطقة (من دون تحديد هوية الدول المقصودة). وتابع، أنّ ما يحصل يوجّه رسالة قوية جداً للنظام، “وأنا على يقين من أنّ النظام سيصغي إليها”. وختم ناصحاً طهران باغتنام الفرصة المتاحة، والتي قد لا تتكرّر مرّة أخرى.
ويمكن الإستنتاج أنّ كلام فيدان حمل رسائل متعددة ومهمّة إلى القيادة الأيرانية، أولاً بعدم تفويت الفرصة المتاحة، والتي لا تبدو مدتها مفتوحة، خصوصاً أنّه لا يزال أمام ترامب ثلاث سنوات في البيت الأبيض، ستكون مشبعة بضغوط متتالية لا يمكن لإيران الصمود أمامها. وثانياً لنسج تفاهمات في العمق وفق سياسة جديدة.
صحيحٌ أنّ النظام نجح سابقاً في تجاوز أزمات خطرة مشابهة، لكن طبيعة الأزمة الحالية تبدو مختلفة. بمعنى أنّ “أزمة مهسا أميني” في العام 2022 مثلاً كان مضمونها يطاول القيود الإجتماعية المفروضة، وهو ما مكّن من تجاوزها بعد اتخاذ تدابير مرنة في هذا المجال. لكن الأزمة الحالية هي إقتصادية ومالية وحلولها غير متوافرة. فلا الوعود باتت قابلة للصرف وعامل الوقت يفاقم من حدّة الأزمة لا العكس.
طبعاً تدرك بكين أنّها تتلقّى الصفعة الثانية من واشنطن عبر طهران بعد صفعة كاراكاس. فالصين ستتضرّر بقوة خصوصاً أنّها تعتبر إيران ركناً أساسياً ضمن مشروعها الإستراتيجي والذي يحمل عنوان “استراتيجية الحزام والطريق”. لكن الصين التي تستحوذ على نحو 90% من صادرات الخام الإيراني عبر السوق السوداء، وجدت الفرصة ملائمة لتحقيق مكاسب تجارية لمصلحتها. فالظروف سمحت لها بفرض شروطها من خلال خصومات كبيرة وتأخير مواعيد دفع الإستحقاقات المالية. وقد يشجع هذا الواقع القيادة الإيرانية على التجاوب مع مساعي نسج إتفاق في العمق. وقد يكون الإستنتاج الواضح لعملية فنزويلا، أنّ ترامب غير مهتم بتغيير الأنظمة، بل فقط بنسج تفاهمات كاملة مع الدولة المستهدفة وفق شروط واشنطن ومصالحها. وهو ما يعني أنّه لا يريد تغيير النظام الديني القائم في إيران بل تطويع سياسته.
ومضمون كلام وزير الخارجية التركي قد لا يقتصر فقط على الرسائل الموجّهة لطهران، بل أيضاً يؤشر إلى باكورة الدور المحوري الجديد الذي تسعى له تركيا في المنطقة ويثير حفيظة إسرائيل. لذلك، مصلحة أنقرة تجمع ما بين تصفية ما تبقّى من النفوذ الإيراني في المنطقة إن بالقوة أو بالحيلة، وفي الوقت نفسه محاذرة دفع الداخل الإيراني إلى الإنفجار لكي لا تتضرّر تركيا نفسها وتصبح في موقع الدفاع لا الهجوم لتوسيع دائرة نفوذها الإقليمي وتثبيته. وأنقرة التي تراقب الوضع اللبناني بصمت، قد تكون قرأت في موضوع نزع سلاح حزب الله، والدفع في اتجاه التطبيع بين لبنان وإسرائيل، تكريساً لخسارة تركيا للساحل اللبناني. وهو ما يفسّر سعي أنقرة للعب دور الوسيط بين حزب الله ودمشق، على رغم من علمها بأنّ الفيتو الأميركي الموضوع على حزب الله مع دمشق يقلّص هامش المناورة التركية. كذلك لا بدّ لتركيا من أن تحتسب لعدم استفزاز السعودية التي تمنح رعايتها السياسية للبنان. وعلى رغم من ذلك تعمل أنقرة على محاولة التسلل بهدوء إلى الداخل اللبناني وفي الوقت نفسه على احتواء ما تبقّى من إرث إيراني في لبنان ولكن بالحيلة. من هنا ينظر البعض إلى التفاهم الإنتخابي الأسرع الذي حصل في لبنان بين حزب الله و”الجماعة الإسلامية”، والتي تُعتبر قريبة من الفلك التركي. فتركيا تعمل لانخراط ناعم في لبنان، في وقت تخوض نزاعاً مفتوحاً مع اليونان وقبرص حول السيطرة النفطية البحرية وحقوق استغلال موارد الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط. ولذلك ارتابت تركيا، وجاراها حزب الله، مع توقيع لبنان اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع قبرص، ما جعل أنقرة تصدر إشارات قلق حول احتمال انضمام لبنان إلى المحور المناوئ لها، ما يقوّض سعيها لفرض واقع جديد في المتوسط. ولذلك تسعى تركيا بقوة، ومن خلال تحركات من خلف الستارة، لجعل النظام الإيراني يقرأ بواقعية خلفيات التحركات الشعبية المتصاعدة. وهو ما جعل حقّان فيدان يقول بمعنى العارف “إنّ النظام الإيراني سيصغي إلى الرسائل القوية التي يتمّ إرسالها عبر الشارع”.
وإذا تحقق ذلك فعلاً، فهو سيعني بأنّه سيجرى طي المرحلة الماضية بكاملها، وأنّ حقبة جديدة ستبدأ في المنطقة.
تظاهرات إيران والحقبة الجديدة

الإحتجاجات الشعبية في إيران والتي تأخذ منحى تصاعدياً، فرضت على القوى المتصارعة في الشرق الأوسط حالة من الترقب، للتركيز على ما ستؤول إليه هذه التحركات الشعبية، خصوصاً مع دخول الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل على الخط. وهو ما يؤشر إلى احتمال أن تشكّل هذه التحركات الشعبية منعطفاً في مسار سلوك السلطة الممسكة بالقرار الإيراني منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979. والمقصود هنا، ليس بالضرورة انهيار النظام الديني القائم، بل ربما تعديل جذري في سلوكه السياسي، وعلى طريقة الإنقلاب الداخلي الأبيض.
تراجعت موجة التهديدات الإسرائيلية تجاه حزب الله، والتي ترافقت مع أجواء حول اكتمال التحضيرات لشن حرب محدودة. فمن المنطقي التركيز على التطورات الإيرانية بدرجة أولى ووضع الساحة اللبنانية في المرتبة الثانية. فطالما أنّ الهدف المطلوب من لبنان هو إخراج النفوذ الإيراني من ساحته، فإنّ التطورات الإيرانية يمكن أن تؤدي إلى هذه النتيجة، في حال صحّت التوقعات الأميركية، ومن دون التورط في مخاطر عسكرية مكلفة ومحفوفة المخاطر في لبنان.
وفجأة وبسرعة قياسية، انتقل الإهتمام من فنزويلا إلى حليفتها لا بل شريكتها إيران. فالضربة التي نفّذها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في كاراكاس وأدّت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، صعقت العالم. لكن هنالك مَن يرى أنّ ترامب أراد من خلال هذه العملية إظهار أنّ قواعد اللعبة المتبعة دولياً قد تبدّلت، وأنّ ما حصل منح جرعات جرأة للشارع الإيراني، سمح له بالإندفاع في الشوارع. فترامب هو أول رئيس في تاريخ الرؤساء الأميركيين يأمر بتنفيذ ضربات عسكرية ضدّ 7 دول خلال عامه الرئاسي الأول من ولايته الثانية، خارج إطار “إعلان الحرب” أو تفويض الكونغرس. وبحسب موقع “Military times” فلقد بلغ عدد الهجمات التي شنّها الجيش الأميركي حول العالم خلال العام الأول من لاية ترامب الثانية 626 ضربة، معظمها كان مسرحه الشرق الأوسط وإيران تحديداً. وهو ما يعكس سلوكاً هجومياً نافراً لترامب، لا بدّ أنّه أدّى إلى شحن المتظاهرين في الشوارع الإيرانية بشيء من الجرأة.
ووسط التطورات الشعبية المتسارعة في إيران في ظل القواعد الدولية الجديدة التي يسعى ترامب لإرسائها، تقف طهران أمام احتمالات ثلاثة:
ـ الأول، نجاح السلطات في القضاء على التحركات الشعبية من دون تقديم أي تنازلات. لكن هذا الإحتمال بات ضعيفاً في ظل التأثير الأميركي والإسرائيلي في ما يحدث، وفق كلام الرئيس الإيراني نفسه.
ـ الثاني، تصاعد هذه الإحتجاجات لتصل إلى مرحلة نسف النظام الديني القائم، وهو ما يبدو حصوله صعباً حتى الآن. فالذراع العسكرية والأمنية للنظام القائم لا تزال قوية ومتماسكة، فضلاً عن أنّ الإحتجاجات القائمة تفتقر إلى قيادة واضحة وإلى تنظيم متين. وهو ما يعني أنّ انهيار النظام لا يبدو وشيكاً، إلاّ في حال حصول تدخّل عسكري خارجي لا تبدو مؤشراته واضحة حتى الآن. فحتى إدارة ترامب تحدثت عن دعم المحتجين، ولكن ليس بالضرورة عبر التدخّل العسكري. فالشرق الأوسط ليس أميركا الجنوبية، وإيران ليست فنزويلا.
ـ الإحتمال الثالث، هو الذي يرجح حصول تغيير سياسي جذري، إما من خلال خامنئي نفسه (رغم أنّ استدارته تبدو صعبة) أو عبر وجوه جديدة من داخل النظام الديني، عسكرية كانت أو مدنية أو معممة، وهو ما ترجحه أو ربما تتمناه العواصم الغربية. فهذه الإحتجاجات تحصل في أكثر لحظات النظام ضعفاً. فهو خارج لتوه من حرب جوية صعبة أدّت إلى توجيه ضربات قوية للبرنامج النووي الذي كلّف إيران أثماناً باهظة طوال العقود الماضية، وطاولت هذه الضربات أنظمة الدفاع الجوي، وحيث هزّ انفجار الصواريخ والقنابل أرجاء طهران وبعض المدن الكبرى. كما تحصل هذه الإحتجاجات تحت وطأة أزمات إقتصادية ونقدية حادة، وإثر أزمة مياه تحولت من ضغط بيئي إلى صداع سياسي واجتماعي. ولا شك في أنّ بعض ركائز النظام تهتز بدءاً من الردع الخارجي، ووصولاً إلى الواقع الإقتصادي، وما بينهما من سأم المجتمع الإيراني من القيود الإجتماعية الصارمة التي تفرضها الإيديولوجيا الدينية. لكن الركائز الأمنية والعسكرية للنظام لا تزال متماسكة، وهو العامل الأهم لبقائه واستمراره. إلّا أنّ تطور الإحتجاجات سيؤدي حكماً إلى تآكل الركائز الأمنية والعسكرية في فترة غير بعيدة، ما يفرض على القيادة الإيرانية البحث عن حلول سريعة تحت مظلة النظام الديني القائم.
ويتصاعد القلق لدى الدول المحيطة والقريبة من إيران من مخاطر إنهيار النظام، كون ذلك سيؤدي إلى زعزعة التوازن الإقليمي الهش القائم. ما يعني أنّ محاذرة الجنوح في اتجاه الفوضى الإيرانية العارمة بات مطلباً إقليمياً أيضاً. ففي بلد يتجاوز تعداده السكاني الـ90 مليون نسمة، فإنّ انهياره غير المدروس سيؤدي إلى حدوث زلازل عنيفة في المنطقة كلها. وهنا يبدو النسيج المعقّد للمجتمع الإيراني مصدر حصانة لإيران لا العكس. فعلى سبيل المثال، فإنّ تركيا العاملة على خط تصفية النفوذ الإيراني الإقليمي تمهيداً لوراثته، تبدو قلقة من اتساع الفوضى، كونها ستكون أول المتأثرين سلباً منها، بسبب الحضور الكردي في الشمال الغربي. ففي الوقت الذي تتنازع أنقرة مع أكراد الداخل، وتعمل على تقويض حضورهم في شمال سوريا عبر سلطة دمشق، كمثل ما حصل في حلب، فهي تخشى أن تؤدي الفوضى في إيران إلى تعزيز قدرة الأكراد وقوتهم، ما سيجعل وضع تركيا أكثر صعوبة.
كما تخشى باكستان تفلّت “البلوش” الذين يتمركزون في الجنوب الشرقي لإيران، وتحديداً عند الحدود مع باكستان. وهنالك الأذريون في الشمال بالقرب من أذربيجان. والإنهيار سيدفع بروسيا لتوسيع نفوذها جنوباً، أي في آسيا الوسطى أو المنطقة الفائقة الأهمية. أضف إلى ذلك أنّ الفوضى داخل إيران ستنعكس سلباً على أمن دول الخليج. وهو ما يعني اختصاراً، أنّ تطويع السلوك والخيارات السياسية للنظام الديني القائم قد يكون الحل الأفضل والأضمن للجميع.
ومنذ يومين، لفت كلام فائق الأهمية لوزير الخارجية التركي حقان فيدان، وهو الآتي من رئاسة المخابرات التركية، قال فيه إنّه يجري التلاعب بالإحتجاجات الإيرانية من الخارج وخصوم إيران، وإنّ “الموساد” لا يخفي ذلك. وإنّ إسرائيل تحاول استغلال الوضع. وأضاف فيدان الذي يتمتع بخلفية أمنية واسعة وغنية، أنّ إيران في حاجة إلى الدخول في “مصالحة وتعاون حقيقيين” مع دول المنطقة (من دون تحديد هوية الدول المقصودة). وتابع، أنّ ما يحصل يوجّه رسالة قوية جداً للنظام، “وأنا على يقين من أنّ النظام سيصغي إليها”. وختم ناصحاً طهران باغتنام الفرصة المتاحة، والتي قد لا تتكرّر مرّة أخرى.
ويمكن الإستنتاج أنّ كلام فيدان حمل رسائل متعددة ومهمّة إلى القيادة الأيرانية، أولاً بعدم تفويت الفرصة المتاحة، والتي لا تبدو مدتها مفتوحة، خصوصاً أنّه لا يزال أمام ترامب ثلاث سنوات في البيت الأبيض، ستكون مشبعة بضغوط متتالية لا يمكن لإيران الصمود أمامها. وثانياً لنسج تفاهمات في العمق وفق سياسة جديدة.
صحيحٌ أنّ النظام نجح سابقاً في تجاوز أزمات خطرة مشابهة، لكن طبيعة الأزمة الحالية تبدو مختلفة. بمعنى أنّ “أزمة مهسا أميني” في العام 2022 مثلاً كان مضمونها يطاول القيود الإجتماعية المفروضة، وهو ما مكّن من تجاوزها بعد اتخاذ تدابير مرنة في هذا المجال. لكن الأزمة الحالية هي إقتصادية ومالية وحلولها غير متوافرة. فلا الوعود باتت قابلة للصرف وعامل الوقت يفاقم من حدّة الأزمة لا العكس.
طبعاً تدرك بكين أنّها تتلقّى الصفعة الثانية من واشنطن عبر طهران بعد صفعة كاراكاس. فالصين ستتضرّر بقوة خصوصاً أنّها تعتبر إيران ركناً أساسياً ضمن مشروعها الإستراتيجي والذي يحمل عنوان “استراتيجية الحزام والطريق”. لكن الصين التي تستحوذ على نحو 90% من صادرات الخام الإيراني عبر السوق السوداء، وجدت الفرصة ملائمة لتحقيق مكاسب تجارية لمصلحتها. فالظروف سمحت لها بفرض شروطها من خلال خصومات كبيرة وتأخير مواعيد دفع الإستحقاقات المالية. وقد يشجع هذا الواقع القيادة الإيرانية على التجاوب مع مساعي نسج إتفاق في العمق. وقد يكون الإستنتاج الواضح لعملية فنزويلا، أنّ ترامب غير مهتم بتغيير الأنظمة، بل فقط بنسج تفاهمات كاملة مع الدولة المستهدفة وفق شروط واشنطن ومصالحها. وهو ما يعني أنّه لا يريد تغيير النظام الديني القائم في إيران بل تطويع سياسته.
ومضمون كلام وزير الخارجية التركي قد لا يقتصر فقط على الرسائل الموجّهة لطهران، بل أيضاً يؤشر إلى باكورة الدور المحوري الجديد الذي تسعى له تركيا في المنطقة ويثير حفيظة إسرائيل. لذلك، مصلحة أنقرة تجمع ما بين تصفية ما تبقّى من النفوذ الإيراني في المنطقة إن بالقوة أو بالحيلة، وفي الوقت نفسه محاذرة دفع الداخل الإيراني إلى الإنفجار لكي لا تتضرّر تركيا نفسها وتصبح في موقع الدفاع لا الهجوم لتوسيع دائرة نفوذها الإقليمي وتثبيته. وأنقرة التي تراقب الوضع اللبناني بصمت، قد تكون قرأت في موضوع نزع سلاح حزب الله، والدفع في اتجاه التطبيع بين لبنان وإسرائيل، تكريساً لخسارة تركيا للساحل اللبناني. وهو ما يفسّر سعي أنقرة للعب دور الوسيط بين حزب الله ودمشق، على رغم من علمها بأنّ الفيتو الأميركي الموضوع على حزب الله مع دمشق يقلّص هامش المناورة التركية. كذلك لا بدّ لتركيا من أن تحتسب لعدم استفزاز السعودية التي تمنح رعايتها السياسية للبنان. وعلى رغم من ذلك تعمل أنقرة على محاولة التسلل بهدوء إلى الداخل اللبناني وفي الوقت نفسه على احتواء ما تبقّى من إرث إيراني في لبنان ولكن بالحيلة. من هنا ينظر البعض إلى التفاهم الإنتخابي الأسرع الذي حصل في لبنان بين حزب الله و”الجماعة الإسلامية”، والتي تُعتبر قريبة من الفلك التركي. فتركيا تعمل لانخراط ناعم في لبنان، في وقت تخوض نزاعاً مفتوحاً مع اليونان وقبرص حول السيطرة النفطية البحرية وحقوق استغلال موارد الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط. ولذلك ارتابت تركيا، وجاراها حزب الله، مع توقيع لبنان اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع قبرص، ما جعل أنقرة تصدر إشارات قلق حول احتمال انضمام لبنان إلى المحور المناوئ لها، ما يقوّض سعيها لفرض واقع جديد في المتوسط. ولذلك تسعى تركيا بقوة، ومن خلال تحركات من خلف الستارة، لجعل النظام الإيراني يقرأ بواقعية خلفيات التحركات الشعبية المتصاعدة. وهو ما جعل حقّان فيدان يقول بمعنى العارف “إنّ النظام الإيراني سيصغي إلى الرسائل القوية التي يتمّ إرسالها عبر الشارع”.
وإذا تحقق ذلك فعلاً، فهو سيعني بأنّه سيجرى طي المرحلة الماضية بكاملها، وأنّ حقبة جديدة ستبدأ في المنطقة.











