“جود”: “Rebranding” لا يقونن “القرض الحسن” ولا يضمن ردّ الذهب!

جود
الكاتب: فتات عيّاد | المصدر: نداء الوطن
14 كانون الثاني 2026

يكبر الإاعتراض في لبنان، عابرًاا للطوائف، على سلاح “حزب الله” وخياراته السياسية. لكن المفارقة أن انهيار القطاع المصرفي واقتصاد الكاش غير الشرعي حوّلا “القرض الحسن”، ذراع الحزب المالية، إلى ملاذٍ اضطراري لشرائح واسعة من اللبنانيين من خارج الطائفة الشيعية التي لطالما استخدمها “الحزب” كحاضنة لسلاحه سواء بالترغيب أو بالترهيب. اللافت أن سنةً، دروزًا، ومسيحيين من غير المؤيدين لـ “الحزب”، وجدوا أنفسهم – بوعي أو من دونه – يعززون شبكة مالية خارجة عن الدولة.

كما كان “الحزب” مكشوفًا على مستوى قياداته في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، كان “القرض الحسن”، مكشوفًا لخرق سيبراني لمجموعة قراصنة Spider Z عام 2020. رغم تسريب بيانات العملاء، لم يتراجع دوره، بل تعزز بفعل عوامل ثلاثة: انهيار القطاع المصرفي، توسّع اقتصاد الكاش، وغياب الدولة عن أخذ إجراء بحق جمعية تجاوزت رخصتها في الداخلية، فكانت مصرفًا بديلًا غير شرعي، وغير خاضع لرقابة مصرف لبنان، وخاضع منذ العام 2007 لعقوبات أميركية.

وحدها الضربات الإسرائيلية العسكرية في الحرب الأخيرة لعدد من فروعه، زعزعت ثقة آلاف العملاء بمستقبل “القرض الحسن”، ليأتي تعميم مصرف لبنان رقم 170 بمنع تعامل المصارف والمؤسسات المالية معه، ليزيد من ضبابية مستقبل هذه الجمعية، التي تخطت 30 فرعًا على الأراضي اللبنانية، ربطًا بضغط دولي على لبنان لإقفالها، كأحد شروط إزالة لبنان عن اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي ( (FATF، ليتصدر السؤال: هل يرتبط مصير “القرض الحسن”، الذراع المالية لـ “حزب الله”، بمصير سلاحه؟

يدرك “حزب الله” جدية النية الدولية لإقفال “القرض الحسن”، لكنه توصّل لمخرج على طريقة الدويلة، عبر تسجيل “جود ش.م.م” أو JOOD S.A.R.L” كمؤسسة تجارية في السجل التجاري، وإجراء معاملات عبرها لعملاء “القرض الحسن”، وفق ما يعرف بشراء وبيع الذهب بالتقسيط. فكيف استفاد “القرض الحسن” من الانهيار اللبناني ليوسع اقتصاد “حزب الله” الكاش؟ وهل تنجح “جود” بقوننته؟ وما مصير ذهب مودعيه؟

نص الترخيص في الداخلية!

في 23 كانون الأول عام 1987، تأسست جمعية “مؤسسة القرض الحسن”، وحملت “علم وخبر” رقم 217/أ.د، في عهد وزير الداخلية عبدلله الراسي. واتخذت من حارة حريك، سنتر حطيط قضاء بعبدا، مركزًا لها. أما مؤسّسوها فهم: إبراهيم عبدلله فقيه، حسين علي محمد الشامي، علي حسن زريق، ومحمد أحمد البرجاوي.

وهي “جمعية خيرية لا تتوخى الربح”. هذا ما ينص عليه حرفيًا ترخيصها في الداخلية. فغاية جمعية “القرض الحسن” هي “القيام بكافة الأعمال الخيرية والإنسانية والإجتماعية”. و “إنشاء المستوصفات والمستشفيات والمدارس…”.

من هنا، يتبيّن أن “القرض الحسن” لم يكتفِ بمخالفة قانون النقد والتسليف عبر ممارسة وظائف مصرفية محصورة بجهات مرخصة، من دون رخصة لذلك ودون الخضوع لرقابة مصرف لبنان، بل خالف أيضا حدود الترخيص الممنوح له كجمعية، متحوّلا عمليًا إلى مصرف غير مرخص، في مخالفة تفتح الباب قانونيًا أمام سحب ترخيصه من وزارة الداخلية، وهو ما ترجم في ارتفاع الأصوات لسحب الرخصة من “القرض الحسن”، يوم طرح ملف سحب الرخصة من جمعية “رسالات” التابعة لـ “حزب الله” في الحكومة، على خلفية إضاءة صخرة الروشة.

بين “تبييض الأموال” و “تبييض الصفحة”!

العام 2007، فرضت الولايات المتحدة الأميركية (وزارة الخزانة – مكتب مراقبة الأصول الأجنبية OFAC)، عقوبات على “مؤسسة القرض الحسن”، وذلك لأسباب تتعلق بصلات المؤسسة بتمويل “حزب الله” وتسهيل وصوله إلى النظام المالي الدولي، ليأتي تعميم مصرف لبنان رقم 170 في 14 تموز 2025، ويحظر المصارف والمؤسسات المالية المرخصة من أي تعامل مباشر أو غير مباشر مع “القرض الحسن” التابعة لـ “حزب الله”، انطلاقًا من أن الدولة اللبنانية ملزمة بالإيفاء بخطة العمل المطلوبة من لبنان لإزالته عن اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي FATF، لناحية وضع القطاع المالي غير المرخص ومكافحة تبييض الأموال.

وأتى تعميم مصرف لبنان، بعد أيام على فرض وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على سبعة مسؤولين كبار مرتبطين بمؤسسة “القرض الحسن”، قالت الخزانة الأميركيةإنهم “قد قاموا بتسهيل تهرُّب “حزب الله” من العقوبات، ما مكّن “مؤسسة القرض الحسن” من إجراء معاملات بملايين الدولارات من خلال حسابات موازية”.

وبما أن أهمية “القرض الحسن”، المؤسسة المالية لـ “حزب الله”، لا تقارن بجمعية “رسالات” التي أدت دورها يوم إضاءة صخرة الروشة، ظهرت مؤسسة “جود”، ككيان تجاري جديد يُستخدم في بعض الأحيان لتنفيذ معاملات كانت تُجرى سابقًا عبر “القرض الحسن”، مع تحوّل في الشكل، كشراء وبيع الذهب بالتقسيط عوض رهن الذهب مقابل القروض، كمناورة قانونية في ظل القيود المفروضة على “القرض الحسن”.

يقول المحامي مجد حرب: “هي محاولة فاشلة لـ “اللوفكة” على القانون، وفي الوقت نفسه اعتراف صريح من قبل “القرض الحسن”، بأن وضعه لم يكن يومًا قانونيًا ويحتاج تصحيحًا، وهو ما كنا نطلبه منذ سنوات وتجلى بإخبارات رفعناها في القضاء ضد “القرض الحسن”. وكان  المحامي  حرب تقدم عام 2021، مع المحامي إيلي كيرلس بإخبار إلى النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان في حينه، القاضية غادة عون ضدّ “القرض الحسن”، فوضع الملف في الدرج، في عهد كان المساس فيه بالاقتصاد الموازي لـ “حزب الله” خطًا أحمر، على حساب السيادة اللبنانية المالية.

نسأل حرب الذي يرى بـ “جود”، تبييضًا لصفحة “حزب الله”، ما إذا كانت هذه المؤسسة التجارية قادرة على قوننة عمل “القرض الحسن”، فشدد على أنه لا يكفي أن تسجل مؤسسة “جود” في السجل التجاري لتعطي “القرض الحسن” غطاء العمل المصرفي الشرعي، فالأخير كان وما زال يزاول نشاطًا مصرفيًا، وهو غير مسجّل في المصرف المركزي ولا ترخيص لديه وغير خاضع لرقابة مصرف لبنان.

ويستبعد حرب “إعطاء مصرف لبنان تراخيص لجمعيات أو كيانات مرتبطة بـ “القرض الحسن” مثل “جود” لممارسة أعمال مصرفية، “فمصرف لبنان يلتزم بقوانين صادرة عن الخزينة الأميركية لتعامله بالدولار ويمنع التعامل مع أي جهة مدرجة على لائحة العقوبات الأميركية”. وهذا ما يُفسّر لجوء “جود” لفتح حسابات في بنك صادرات إيران، المعاقب دوليًا.

بالعودة لدور “القرض الحسن” المتصاعد منذ العام 2019، كأداة تمويل جدية لـ “حزب الله” نمت على ظهر الانهيار اللبناني، يفند حرب ضرب “القرض الحسن”  بشكل غير مباشر، عصفورين بحجر: “ودائع يمكن استعمالها لغايات معينة، عبر تسييل الذهب. وتأمين خدمات لبيئة كانت بحاجة لها في أسوأ فترة للاقتصاد الشرعي اللبناني، وفي عز انهيار المصارف اللبنانية، لتتحول الجمعية أداة لبييض الأموال، وهو ما اتضح مع انكشاف حسابات لأعضاء في الجمعية في جمّال ترست بنك منذ سنوات، ليثبت توظيف أموال طائلة غير معروفة المصدر”.

وعن مصير ذهب مودعي “القرض الحسن”، يرى حرب أن “القرض الحسن” اليوم ليس متينًا ليرد الذهب، ويسأل “إذا خُيّر “القرض الحسن” بين شراء كاتيوشا أو رد الذهب  لامرأة عجوز، فماذا يختار؟”، متوقعًا أن توظف الجمعية الضغط عليها لإقفالها اليوم، كحجة لتحميل الدولة اللبنانية المسؤولية، وتبرئة ذمتها الأخلاقية والمالية أمام مودعيها، تفلتًا من رد جميع ودائع الذهب.

من هنا، العام 2021 كان إخبارنا يتوخى إقفال الجمعية واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين، أما إخبارنا منذ شهرين للمدعي العام المالي، القاضي ماهر شعيتو، فطلبنا من خلاله وضع “القرض الحسن” تحت وصاية لجنة يؤلفها المصرف المركزي لتصفية هذه الحسابات، ويوضح حرب “أن هناك مودعين لا بد من إيجاد حل لهم”.

ويغمز حرب من قناة أمين عام “حزب الله” نعيم قاسم، وإيحائه بأن “القرض الحسن” بخير، فيما هناك انهيار حاصل لـ “القرض الحسن”، يتطلب ذكاء من الدولة اللبنانية بأن لا تتحمله هي، والمطلوب برأيه أن تضع الدولة يدها مبكرًا عليه لإجراء تصفية مشرّفة، تحفظ حق مودعيه. وإلا إذا كانت ستتأخر بالإنقاذ، فلتتركه يسقط وحده ويتحمل المسؤولية بوجه الناس.

سياسة فرض الأمر الواقع

ولجأت “جود” إلى فتح حسابات في بنك صادرات إيران في لبنان، المعاقب دوليًا. في السياق، توضح الخبيرة الاقتصادية د. سابين الكك، أنه لا يكفي تسجيل شركة “جود” في السجل التجاري إن لم تأخذ ترخيصًا من مصرف لبنان يتيح لها القيام بعمليات مالية ومصرفية.

إذ لا يجوز تعاطي الأعمال المصرفية إلا من قبل المصارف اللبنانية التي ينطبق عليها قانون النقد والتسليف، فيما نشاط “القرض الحسن” مصرفي ومالي على عكس ترخيصه كجمعية لا تبغى الربح، تقول الكك، موضحة أن المشكلة ليست بالإطار القانوني بل بجدية الدولة ومصرف لبنان والقضاء اللبناني بإيقاف نشاط “القرض الحسن”، إذ أنه “يخالف القوانين اللبنانية، قبل الحديث عن مخالفة القوانين الدولية”.

من هنا، ترى الكك أن “جود” عاجزة عن “قوننة” وضع “القرض الحسن”، فالمجتمع الدولي لن تمرّ عليه هذه “السالفة”، سيما وأن إقفال “القرض الحسن” ووقف أنشطته المالية، بأهمية نزع سلاح “حزب الله” بالنسبة للخارج، فـ “القرض الحسن” وجد أصلًا لدعم السلاح وسياسته، هو وكل حركات تبييض الأموال التي كانت تحصل “على مرأى من مصرف لبنان ونزول”، لصالح دولة عميقة مستفيدة وتغطي اقتصاد الكاش.

هذا “التمادي في مخالفة القوانين”، خلق برأيها “حالة واقعية”، وضعت الدولة في مواجهة شريحة كبيرة من الناس اليوم، وهم المقترضون من “القرض الحسن”، عوض تطبيق القانون بسحب الترخيص منذ بدء المخالفة، وهو ما تضعه الكك في خانة خلق حلول “تتناسب مع الواقع” ومسببيه.

وتتابع الكك: “على النيابة العامة المالية ووزارة الداخلية ومصرف لبنان التحرك، فالملف اقتصادي-اجتماعي ولديه امتدادات داخلية بمعزل عن الامتدادات الخارجية، قوامها جرم ممارسة نشاطات مصرفية خارج إطار الترخيص”.

صحيح أن “حزب الله” وواجهته المالية “القرض الحسن”، استفادا من انهيار القطاع المصرفي اللبناني، لكن تراخي الدولة في مواجهة واقع غير شرعي، سمح بتحوّله إلى واقع فعلي لا يمكن مواجهته، لأن هذه المواجهة تعني الوقوف بوجه الناس. فالناس أو المودعون في “القرض الحسن”، ستعلو صرختهم اليوم بوجه الدولة، بدءًا من سؤال بديهي :”لماذا لم تعلمنا الدولة بالوضع القانوني المخالف لـ “القرض الحسن؟”.

هكذا، خلق سكوت الدولة انعدام أمان واستقرار. والحل برأي الكك ينطلق من قناعة ونية وخطة لإعادة تطبيق القانون على كافة المستويات، مهما كان الثمن. لأننا إذا لم نبدأ من مكان ما، فسوف نظل نراكم أخطاء وواقعًا من خارج المؤسسات.

Rebranding والهوية ثابتة

بين “الاسم القانوني” و “الاسم المتداول”، يطرح الخبير المصرفي د. محمد فحيلي سؤالًا جوهريًا: هل تستطيع جمعية قائمة بموجب “علم وخبر” أن تتحوّل من “القرض الحسن” إلى “جود” من دون المرور بوزارة الداخلية؟

ويضيف: “في الظاهر، يبدو الأمر إجراءً تسويقيًا يهدف إلى تحديث الصورة أو تخفيف الحمولة السياسية للاسم القديم. لكن القانون لا يتعامل مع الأسماء كزينة لغوية، بل كجزء من هوية الشخص المعنوي، يحدّد المسؤولية القانونية ويحمي الغير من الالتباس، ويبيّن من يتحمّل الالتزامات أمام القضاء والمتعاقدين والإدارات الرسمية”.

ويوضح فحيلي أن الجمعيات في لبنان تخضع لمنطق “العلم والخبر”، وفق قانون الجمعيات العثماني لعام 1909، أي أن تأسيسها يقوم على الإبلاغ لا الترخيص المسبق. لكن في المقابل، يفرض هذا القانون التزامًا واضحًا: على الجمعية إبلاغ وزارة الداخلية فورًا بأي تعديل يطرأ على نظامها الأساسي، بما في ذلك الاسم، وأن مفعول هذا التعديل تجاه الغير لا يبدأ إلا من تاريخ الإبلاغ. وهنا يتحدث فحيلي عن 3 سيناريوات محتملة:

السيناريو الأول،  تتخذ الجمعية داخليًا قرار تغيير اسمها وفق الهيئة العامة وآلياتها، لكنها في هذه الحالة لا تستطيع التصرّف بالاسم الجديد أمام المصارف أو الإدارات أو القضاء وكأنه أصبح اسمها القانوني، ما لم تُبلّغ وزارة الداخلية رسميًا. وهنا يكمن الفرق بين “اسم على اليافطة” و”اسم قابل للاحتجاج به قانونيًا”.

السيناريو الثاني،  تكون “جود” مجرد اسم خدمة بمثابة “واجهة” تُستخدم في التعامل مع الجمهور، فيما يبقى الكيان القانوني هو نفسه باسم “القرض الحسن” في المستندات والعقود والأختام. في هذه الحالة، لا نكون أمام تغيير قانوني، بل أمام عملية Rebranding لا أكثر.

السيناريو الثالث، إذا كانت “جود” كيانا تجاريًا مستقلًا يُراد له أن يكون قناة التعامل بدل الجمعية، فنحن أمام شخص معنوي آخر يخضع لقواعد السجل التجاري، من دون أن يُسقط ذلك أي مسؤولية قانونية قائمة عن الجمعية الأصلية.

ويستنتج فحيلي، أن  الاسم لا يغيّر الواقع، ولا يحوّل المخالفة إلى وضع قانوني.

اللائحة السوداء

في الخلاصة، إن “جود” لن تُخرج “القرض الحسن” من دائرة الشبهة، بل تُثبتها. فالمجتمع الدولي لا يتعامل مع الأسماء بل مع الوقائع: مصدر الأموال، مسارها، الجهة المستفيدة، وغياب الرقابة.

فـ “جود” ليست قوننة ولا معالجة، بل Rebranding لكيان مخالف، من هنا، فإن كل محاولة لتحويل المخالفة إلى “أمر واقع” ستُقرأ دوليا كدليل إضافي على عجز الدولة أو تواطئها، ما يقرّب لبنان خطوة أخرى من اللائحة السوداء لمجموعة العمل المالي FATF عوض إخراجه من اللائحة الرمادية، وحينها سيدفع المودع الثمن، والدولة نفسها، وهو ثمن باهظ على مستوى السيادة المالية والثقة الدولية بقدرة لبنان على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة.

“جود”: “Rebranding” لا يقونن “القرض الحسن” ولا يضمن ردّ الذهب!

جود
الكاتب: فتات عيّاد | المصدر: نداء الوطن
14 كانون الثاني 2026

يكبر الإاعتراض في لبنان، عابرًاا للطوائف، على سلاح “حزب الله” وخياراته السياسية. لكن المفارقة أن انهيار القطاع المصرفي واقتصاد الكاش غير الشرعي حوّلا “القرض الحسن”، ذراع الحزب المالية، إلى ملاذٍ اضطراري لشرائح واسعة من اللبنانيين من خارج الطائفة الشيعية التي لطالما استخدمها “الحزب” كحاضنة لسلاحه سواء بالترغيب أو بالترهيب. اللافت أن سنةً، دروزًا، ومسيحيين من غير المؤيدين لـ “الحزب”، وجدوا أنفسهم – بوعي أو من دونه – يعززون شبكة مالية خارجة عن الدولة.

كما كان “الحزب” مكشوفًا على مستوى قياداته في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، كان “القرض الحسن”، مكشوفًا لخرق سيبراني لمجموعة قراصنة Spider Z عام 2020. رغم تسريب بيانات العملاء، لم يتراجع دوره، بل تعزز بفعل عوامل ثلاثة: انهيار القطاع المصرفي، توسّع اقتصاد الكاش، وغياب الدولة عن أخذ إجراء بحق جمعية تجاوزت رخصتها في الداخلية، فكانت مصرفًا بديلًا غير شرعي، وغير خاضع لرقابة مصرف لبنان، وخاضع منذ العام 2007 لعقوبات أميركية.

وحدها الضربات الإسرائيلية العسكرية في الحرب الأخيرة لعدد من فروعه، زعزعت ثقة آلاف العملاء بمستقبل “القرض الحسن”، ليأتي تعميم مصرف لبنان رقم 170 بمنع تعامل المصارف والمؤسسات المالية معه، ليزيد من ضبابية مستقبل هذه الجمعية، التي تخطت 30 فرعًا على الأراضي اللبنانية، ربطًا بضغط دولي على لبنان لإقفالها، كأحد شروط إزالة لبنان عن اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي ( (FATF، ليتصدر السؤال: هل يرتبط مصير “القرض الحسن”، الذراع المالية لـ “حزب الله”، بمصير سلاحه؟

يدرك “حزب الله” جدية النية الدولية لإقفال “القرض الحسن”، لكنه توصّل لمخرج على طريقة الدويلة، عبر تسجيل “جود ش.م.م” أو JOOD S.A.R.L” كمؤسسة تجارية في السجل التجاري، وإجراء معاملات عبرها لعملاء “القرض الحسن”، وفق ما يعرف بشراء وبيع الذهب بالتقسيط. فكيف استفاد “القرض الحسن” من الانهيار اللبناني ليوسع اقتصاد “حزب الله” الكاش؟ وهل تنجح “جود” بقوننته؟ وما مصير ذهب مودعيه؟

نص الترخيص في الداخلية!

في 23 كانون الأول عام 1987، تأسست جمعية “مؤسسة القرض الحسن”، وحملت “علم وخبر” رقم 217/أ.د، في عهد وزير الداخلية عبدلله الراسي. واتخذت من حارة حريك، سنتر حطيط قضاء بعبدا، مركزًا لها. أما مؤسّسوها فهم: إبراهيم عبدلله فقيه، حسين علي محمد الشامي، علي حسن زريق، ومحمد أحمد البرجاوي.

وهي “جمعية خيرية لا تتوخى الربح”. هذا ما ينص عليه حرفيًا ترخيصها في الداخلية. فغاية جمعية “القرض الحسن” هي “القيام بكافة الأعمال الخيرية والإنسانية والإجتماعية”. و “إنشاء المستوصفات والمستشفيات والمدارس…”.

من هنا، يتبيّن أن “القرض الحسن” لم يكتفِ بمخالفة قانون النقد والتسليف عبر ممارسة وظائف مصرفية محصورة بجهات مرخصة، من دون رخصة لذلك ودون الخضوع لرقابة مصرف لبنان، بل خالف أيضا حدود الترخيص الممنوح له كجمعية، متحوّلا عمليًا إلى مصرف غير مرخص، في مخالفة تفتح الباب قانونيًا أمام سحب ترخيصه من وزارة الداخلية، وهو ما ترجم في ارتفاع الأصوات لسحب الرخصة من “القرض الحسن”، يوم طرح ملف سحب الرخصة من جمعية “رسالات” التابعة لـ “حزب الله” في الحكومة، على خلفية إضاءة صخرة الروشة.

بين “تبييض الأموال” و “تبييض الصفحة”!

العام 2007، فرضت الولايات المتحدة الأميركية (وزارة الخزانة – مكتب مراقبة الأصول الأجنبية OFAC)، عقوبات على “مؤسسة القرض الحسن”، وذلك لأسباب تتعلق بصلات المؤسسة بتمويل “حزب الله” وتسهيل وصوله إلى النظام المالي الدولي، ليأتي تعميم مصرف لبنان رقم 170 في 14 تموز 2025، ويحظر المصارف والمؤسسات المالية المرخصة من أي تعامل مباشر أو غير مباشر مع “القرض الحسن” التابعة لـ “حزب الله”، انطلاقًا من أن الدولة اللبنانية ملزمة بالإيفاء بخطة العمل المطلوبة من لبنان لإزالته عن اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي FATF، لناحية وضع القطاع المالي غير المرخص ومكافحة تبييض الأموال.

وأتى تعميم مصرف لبنان، بعد أيام على فرض وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على سبعة مسؤولين كبار مرتبطين بمؤسسة “القرض الحسن”، قالت الخزانة الأميركيةإنهم “قد قاموا بتسهيل تهرُّب “حزب الله” من العقوبات، ما مكّن “مؤسسة القرض الحسن” من إجراء معاملات بملايين الدولارات من خلال حسابات موازية”.

وبما أن أهمية “القرض الحسن”، المؤسسة المالية لـ “حزب الله”، لا تقارن بجمعية “رسالات” التي أدت دورها يوم إضاءة صخرة الروشة، ظهرت مؤسسة “جود”، ككيان تجاري جديد يُستخدم في بعض الأحيان لتنفيذ معاملات كانت تُجرى سابقًا عبر “القرض الحسن”، مع تحوّل في الشكل، كشراء وبيع الذهب بالتقسيط عوض رهن الذهب مقابل القروض، كمناورة قانونية في ظل القيود المفروضة على “القرض الحسن”.

يقول المحامي مجد حرب: “هي محاولة فاشلة لـ “اللوفكة” على القانون، وفي الوقت نفسه اعتراف صريح من قبل “القرض الحسن”، بأن وضعه لم يكن يومًا قانونيًا ويحتاج تصحيحًا، وهو ما كنا نطلبه منذ سنوات وتجلى بإخبارات رفعناها في القضاء ضد “القرض الحسن”. وكان  المحامي  حرب تقدم عام 2021، مع المحامي إيلي كيرلس بإخبار إلى النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان في حينه، القاضية غادة عون ضدّ “القرض الحسن”، فوضع الملف في الدرج، في عهد كان المساس فيه بالاقتصاد الموازي لـ “حزب الله” خطًا أحمر، على حساب السيادة اللبنانية المالية.

نسأل حرب الذي يرى بـ “جود”، تبييضًا لصفحة “حزب الله”، ما إذا كانت هذه المؤسسة التجارية قادرة على قوننة عمل “القرض الحسن”، فشدد على أنه لا يكفي أن تسجل مؤسسة “جود” في السجل التجاري لتعطي “القرض الحسن” غطاء العمل المصرفي الشرعي، فالأخير كان وما زال يزاول نشاطًا مصرفيًا، وهو غير مسجّل في المصرف المركزي ولا ترخيص لديه وغير خاضع لرقابة مصرف لبنان.

ويستبعد حرب “إعطاء مصرف لبنان تراخيص لجمعيات أو كيانات مرتبطة بـ “القرض الحسن” مثل “جود” لممارسة أعمال مصرفية، “فمصرف لبنان يلتزم بقوانين صادرة عن الخزينة الأميركية لتعامله بالدولار ويمنع التعامل مع أي جهة مدرجة على لائحة العقوبات الأميركية”. وهذا ما يُفسّر لجوء “جود” لفتح حسابات في بنك صادرات إيران، المعاقب دوليًا.

بالعودة لدور “القرض الحسن” المتصاعد منذ العام 2019، كأداة تمويل جدية لـ “حزب الله” نمت على ظهر الانهيار اللبناني، يفند حرب ضرب “القرض الحسن”  بشكل غير مباشر، عصفورين بحجر: “ودائع يمكن استعمالها لغايات معينة، عبر تسييل الذهب. وتأمين خدمات لبيئة كانت بحاجة لها في أسوأ فترة للاقتصاد الشرعي اللبناني، وفي عز انهيار المصارف اللبنانية، لتتحول الجمعية أداة لبييض الأموال، وهو ما اتضح مع انكشاف حسابات لأعضاء في الجمعية في جمّال ترست بنك منذ سنوات، ليثبت توظيف أموال طائلة غير معروفة المصدر”.

وعن مصير ذهب مودعي “القرض الحسن”، يرى حرب أن “القرض الحسن” اليوم ليس متينًا ليرد الذهب، ويسأل “إذا خُيّر “القرض الحسن” بين شراء كاتيوشا أو رد الذهب  لامرأة عجوز، فماذا يختار؟”، متوقعًا أن توظف الجمعية الضغط عليها لإقفالها اليوم، كحجة لتحميل الدولة اللبنانية المسؤولية، وتبرئة ذمتها الأخلاقية والمالية أمام مودعيها، تفلتًا من رد جميع ودائع الذهب.

من هنا، العام 2021 كان إخبارنا يتوخى إقفال الجمعية واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين، أما إخبارنا منذ شهرين للمدعي العام المالي، القاضي ماهر شعيتو، فطلبنا من خلاله وضع “القرض الحسن” تحت وصاية لجنة يؤلفها المصرف المركزي لتصفية هذه الحسابات، ويوضح حرب “أن هناك مودعين لا بد من إيجاد حل لهم”.

ويغمز حرب من قناة أمين عام “حزب الله” نعيم قاسم، وإيحائه بأن “القرض الحسن” بخير، فيما هناك انهيار حاصل لـ “القرض الحسن”، يتطلب ذكاء من الدولة اللبنانية بأن لا تتحمله هي، والمطلوب برأيه أن تضع الدولة يدها مبكرًا عليه لإجراء تصفية مشرّفة، تحفظ حق مودعيه. وإلا إذا كانت ستتأخر بالإنقاذ، فلتتركه يسقط وحده ويتحمل المسؤولية بوجه الناس.

سياسة فرض الأمر الواقع

ولجأت “جود” إلى فتح حسابات في بنك صادرات إيران في لبنان، المعاقب دوليًا. في السياق، توضح الخبيرة الاقتصادية د. سابين الكك، أنه لا يكفي تسجيل شركة “جود” في السجل التجاري إن لم تأخذ ترخيصًا من مصرف لبنان يتيح لها القيام بعمليات مالية ومصرفية.

إذ لا يجوز تعاطي الأعمال المصرفية إلا من قبل المصارف اللبنانية التي ينطبق عليها قانون النقد والتسليف، فيما نشاط “القرض الحسن” مصرفي ومالي على عكس ترخيصه كجمعية لا تبغى الربح، تقول الكك، موضحة أن المشكلة ليست بالإطار القانوني بل بجدية الدولة ومصرف لبنان والقضاء اللبناني بإيقاف نشاط “القرض الحسن”، إذ أنه “يخالف القوانين اللبنانية، قبل الحديث عن مخالفة القوانين الدولية”.

من هنا، ترى الكك أن “جود” عاجزة عن “قوننة” وضع “القرض الحسن”، فالمجتمع الدولي لن تمرّ عليه هذه “السالفة”، سيما وأن إقفال “القرض الحسن” ووقف أنشطته المالية، بأهمية نزع سلاح “حزب الله” بالنسبة للخارج، فـ “القرض الحسن” وجد أصلًا لدعم السلاح وسياسته، هو وكل حركات تبييض الأموال التي كانت تحصل “على مرأى من مصرف لبنان ونزول”، لصالح دولة عميقة مستفيدة وتغطي اقتصاد الكاش.

هذا “التمادي في مخالفة القوانين”، خلق برأيها “حالة واقعية”، وضعت الدولة في مواجهة شريحة كبيرة من الناس اليوم، وهم المقترضون من “القرض الحسن”، عوض تطبيق القانون بسحب الترخيص منذ بدء المخالفة، وهو ما تضعه الكك في خانة خلق حلول “تتناسب مع الواقع” ومسببيه.

وتتابع الكك: “على النيابة العامة المالية ووزارة الداخلية ومصرف لبنان التحرك، فالملف اقتصادي-اجتماعي ولديه امتدادات داخلية بمعزل عن الامتدادات الخارجية، قوامها جرم ممارسة نشاطات مصرفية خارج إطار الترخيص”.

صحيح أن “حزب الله” وواجهته المالية “القرض الحسن”، استفادا من انهيار القطاع المصرفي اللبناني، لكن تراخي الدولة في مواجهة واقع غير شرعي، سمح بتحوّله إلى واقع فعلي لا يمكن مواجهته، لأن هذه المواجهة تعني الوقوف بوجه الناس. فالناس أو المودعون في “القرض الحسن”، ستعلو صرختهم اليوم بوجه الدولة، بدءًا من سؤال بديهي :”لماذا لم تعلمنا الدولة بالوضع القانوني المخالف لـ “القرض الحسن؟”.

هكذا، خلق سكوت الدولة انعدام أمان واستقرار. والحل برأي الكك ينطلق من قناعة ونية وخطة لإعادة تطبيق القانون على كافة المستويات، مهما كان الثمن. لأننا إذا لم نبدأ من مكان ما، فسوف نظل نراكم أخطاء وواقعًا من خارج المؤسسات.

Rebranding والهوية ثابتة

بين “الاسم القانوني” و “الاسم المتداول”، يطرح الخبير المصرفي د. محمد فحيلي سؤالًا جوهريًا: هل تستطيع جمعية قائمة بموجب “علم وخبر” أن تتحوّل من “القرض الحسن” إلى “جود” من دون المرور بوزارة الداخلية؟

ويضيف: “في الظاهر، يبدو الأمر إجراءً تسويقيًا يهدف إلى تحديث الصورة أو تخفيف الحمولة السياسية للاسم القديم. لكن القانون لا يتعامل مع الأسماء كزينة لغوية، بل كجزء من هوية الشخص المعنوي، يحدّد المسؤولية القانونية ويحمي الغير من الالتباس، ويبيّن من يتحمّل الالتزامات أمام القضاء والمتعاقدين والإدارات الرسمية”.

ويوضح فحيلي أن الجمعيات في لبنان تخضع لمنطق “العلم والخبر”، وفق قانون الجمعيات العثماني لعام 1909، أي أن تأسيسها يقوم على الإبلاغ لا الترخيص المسبق. لكن في المقابل، يفرض هذا القانون التزامًا واضحًا: على الجمعية إبلاغ وزارة الداخلية فورًا بأي تعديل يطرأ على نظامها الأساسي، بما في ذلك الاسم، وأن مفعول هذا التعديل تجاه الغير لا يبدأ إلا من تاريخ الإبلاغ. وهنا يتحدث فحيلي عن 3 سيناريوات محتملة:

السيناريو الأول،  تتخذ الجمعية داخليًا قرار تغيير اسمها وفق الهيئة العامة وآلياتها، لكنها في هذه الحالة لا تستطيع التصرّف بالاسم الجديد أمام المصارف أو الإدارات أو القضاء وكأنه أصبح اسمها القانوني، ما لم تُبلّغ وزارة الداخلية رسميًا. وهنا يكمن الفرق بين “اسم على اليافطة” و”اسم قابل للاحتجاج به قانونيًا”.

السيناريو الثاني،  تكون “جود” مجرد اسم خدمة بمثابة “واجهة” تُستخدم في التعامل مع الجمهور، فيما يبقى الكيان القانوني هو نفسه باسم “القرض الحسن” في المستندات والعقود والأختام. في هذه الحالة، لا نكون أمام تغيير قانوني، بل أمام عملية Rebranding لا أكثر.

السيناريو الثالث، إذا كانت “جود” كيانا تجاريًا مستقلًا يُراد له أن يكون قناة التعامل بدل الجمعية، فنحن أمام شخص معنوي آخر يخضع لقواعد السجل التجاري، من دون أن يُسقط ذلك أي مسؤولية قانونية قائمة عن الجمعية الأصلية.

ويستنتج فحيلي، أن  الاسم لا يغيّر الواقع، ولا يحوّل المخالفة إلى وضع قانوني.

اللائحة السوداء

في الخلاصة، إن “جود” لن تُخرج “القرض الحسن” من دائرة الشبهة، بل تُثبتها. فالمجتمع الدولي لا يتعامل مع الأسماء بل مع الوقائع: مصدر الأموال، مسارها، الجهة المستفيدة، وغياب الرقابة.

فـ “جود” ليست قوننة ولا معالجة، بل Rebranding لكيان مخالف، من هنا، فإن كل محاولة لتحويل المخالفة إلى “أمر واقع” ستُقرأ دوليا كدليل إضافي على عجز الدولة أو تواطئها، ما يقرّب لبنان خطوة أخرى من اللائحة السوداء لمجموعة العمل المالي FATF عوض إخراجه من اللائحة الرمادية، وحينها سيدفع المودع الثمن، والدولة نفسها، وهو ثمن باهظ على مستوى السيادة المالية والثقة الدولية بقدرة لبنان على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار