الخليوي على طاولة الوزراء: إدارة لقاء “بدل” أو اقتطاع من إيرادات الخزينة؟

يعود ملف إدارة قطاع الخليوي وتشغيله إلى واجهة النقاش الحكومي، مع إدراج بند جديد في جدول أعمال مجلس الوزراء اليوم يقضي بإعداد دفتر شروط وعقد إدارة تمهيدا لإطلاق مناقصة عالمية. خطوة تُطرح تحت عنوان التنظيم والتطوير، لكنها تثير مجددا أسئلة قديمة عن نموذج الإدارة المعتمد، وجدواه المالية، وحدود حماية المال العام في قطاع يعدّ من الأكثر ربحية وحساسية. فهل نحن أمام إصلاح فعلي، أو إعادة تدوير نموذج استنزافي قديم بصيغة جديدة؟
منذ عام 2002، وبعد إنشاء شركتين مغفلتين هما MIC1 وMIC2 (وفق قانون التجارة) لنقل جميع العقود العائدة إلى القطاع، حصرا، لا الأصول (ASSETS)، اعتمدت الدولة اللبنانية نموذج عقود الإدارة والتشغيل مع شركات أجنبية، فتعاقبت شركات mtc (زين لاحقا) وFalDete ثم Orascom على إدارة القطاع حتى عام 2020. صحيح أن هذه الصيغة أبقت ملكية الشبكتين للدولة، مقابل الإفادة “الصورية” من خبرات تقنية وإدارية، إلا أن التطبيق العملي كشف اختلالا مزمنا في توزيع العائدات والأخطار، غالبا لمصلحة المشغل على حساب الخزينة.
وعام 2020، انتقلت الإدارة والتشغيل إلى مجالس إدارة تشكلت من الموظفين وتعمل مباشرة لحساب الدولة. ورغم صعوبة المرحلة في ظل الانهيار المالي والنقدي، أتاح هذا النموذج تحكّما مباشرا في القرارات التشغيلية والاستثمارية، وخفف النزف المرتبط بأتعاب الإدارة والحوافز والتسويات المختلفة والهدر المثبت في تقارير ديوان المحاسبة.
اليوم، تعود الحكومة لتطرح مناقصة عالمية جديدة بصيغة تثير إشكاليات قانونية واقتصادية جوهرية. فالنص يحمّل المشغل النفقات التشغيلية والرأسمالية، واعتماد “التنزيل المئوي عن البدل الذي تضعه الإدارة والموازي لسقف الإيرادات المالية للخزينة” معيارا لإرساء التلزيم، مع تأكيد ملكية الدولة للأصول عند انتهاء العقد. ولكن هذه الصيغة لا تنسجم مع مفهوم عقد الإدارة والتشغيل، ولا مع نموذج الشراكة PPP مع القطاع الخاص.
ووفق مصادر متابعة، فإن “البدل، بالمعنى التعاقدي الصحيح، هو أجر إدارة أو مقابل خدمة محددة، يفترض أن يكون مستقلا عن الإيرادات أو مرتبطا بمؤشرات أداء واضحة. أما حين يعرّف البدل على أنه مواز لسقف إيرادات الخزينة، ويعتمد التنزيل عنه كأداة تنافس، فنحن عمليا أمام إعادة توصيف لمشاركة الخزينة في إيراداتها بطريقة مواربة”.
وتوضح المصادر أن “تحميل المشغل النفقات التشغيلية والرأسمالية، توازيا مع ربط البدل بسقف الإيرادات، يعني إدراج هذه النفقات مع كلفة التمويل والأخطار وهامش الربح ضمن العرض المالي. وبذلك، لا يعود البدل أجر إدارة، بل نتيجة نهائية لتقاسم الإيرادات مع الدولة بعد اقتطاع غير مباشر لكل الأكلاف”.
خبير الاتصالات والمدير العام السابق لشركة “تاتش” وسيم منصور يرى أن “هذا المنطق يعزز اعتماد التنزيل المئوي، إذ يصبح التنافس على نسبة الاقتطاع من الإيرادات، لا على كلفة الخدمة أو كفاءة الإدارة. أما النص على ملكية الدولة للأصول عند انتهاء العقد، فيضيف التباسا إضافيا، إذ يوحي بأن العلاقة خلال مدة العقد ليست إدارية صرفة، بل هي استغلال اقتصادي للمرفق مقابل اقتسام العائدات، مع إبقاء الملكية النهائية للدولة كضمان شكلي. في حين يفترض عقد الإدارة الحقيقي ملكية دائمة ومتواصلة للدولة طوال مدة العقد، بما يشمل جميع الأصول القائمة والمستحدثة فور إنجازها”. ويسأل: “في نهاية العقد المزمع توقيعه، هل قيمة الأصول التي سيتم تجهيزها خلال فترة العقد ستكون صفرا بسبب الـ “Depreciation”؟.
وهذا ما يستوجب الإجابة قبل موافقة مجلس الوزراء على المناقصة المطروحة”.
ويؤكد أن “عقد الإدارة الحقيقي هو أجر مقابل خدمة ومؤشرات أداء، أما حين يصبح “البدل” مرادفا لسقف إيرادات الدولة والتنافس على “التنزيل” عنه، فنحن لا نشتري إدارة بل نفاوض على نسبة اقتطاع من المال العام. عالميا، تقاسم الإيرادات يكون منطقيا حين يأتي المشغل بإيرادات إضافية فوق خط أساس واضح وقابل للتدقيق، أما تقاسم الإيرادات القائمة في قطاع احتكاري رابح من دون خط أساس وآلية قياس، فهو نموذج هجين شديد الحساسية لأنه يمس المال العام مباشرة”.
إذا، الصيغة المطروحة وفق ما يقول منصور “تعبّر عن توجه نحو مشاركة مقنعة في إيرادات قطاع الخليوي، جرى تمويهها بتسمية “بدل”، علما أنه بالمقارنة التاريخية، ثمة عودة إلى منطق الـBOT من دون “Build”: لا إنشاء ولا استثمار بنيوي، بل تقاسم إيرادات الخزينة لقطاع احتكاري رابح بحجة التشغيل والإدارة”.
من جهته، يطلب وزير الاتصالات شارل الحاج في كتابه إلى مجلس الوزراء تكليف الهيئة المنظمة للاتصالات إعداد دفاتر الشروط للمناقصة العالمية لاختيار شركات الإدارة والتشغيل والاستثمار، مستندا إلى المادة 19 من قانون الاتصالات. إلا أن مصادر متابعة أكدت أن “المادة 19 المذكورة تدخل فقط في نطاق آليات منح مجلس الوزراء تراخيص جديدة لخدمات الاتصالات الأساسية أو الخليوية أو الدولية، ولا تخول الهيئة المنظمة للاتصالات إلا إعداد دفتر شروط لإجراء “مزايدة عالمية” عامة لمنح هذه التراخيص، لا لعقد إدارة”.
إلى ذلك، تسأل المصادر عن الضمانات التي ستعطى للموظفين بعدم الاستغناء عنهم، بحجة تخفيف تكاليف المصاريف التشغيلية.
الخليوي على طاولة الوزراء: إدارة لقاء “بدل” أو اقتطاع من إيرادات الخزينة؟

يعود ملف إدارة قطاع الخليوي وتشغيله إلى واجهة النقاش الحكومي، مع إدراج بند جديد في جدول أعمال مجلس الوزراء اليوم يقضي بإعداد دفتر شروط وعقد إدارة تمهيدا لإطلاق مناقصة عالمية. خطوة تُطرح تحت عنوان التنظيم والتطوير، لكنها تثير مجددا أسئلة قديمة عن نموذج الإدارة المعتمد، وجدواه المالية، وحدود حماية المال العام في قطاع يعدّ من الأكثر ربحية وحساسية. فهل نحن أمام إصلاح فعلي، أو إعادة تدوير نموذج استنزافي قديم بصيغة جديدة؟
منذ عام 2002، وبعد إنشاء شركتين مغفلتين هما MIC1 وMIC2 (وفق قانون التجارة) لنقل جميع العقود العائدة إلى القطاع، حصرا، لا الأصول (ASSETS)، اعتمدت الدولة اللبنانية نموذج عقود الإدارة والتشغيل مع شركات أجنبية، فتعاقبت شركات mtc (زين لاحقا) وFalDete ثم Orascom على إدارة القطاع حتى عام 2020. صحيح أن هذه الصيغة أبقت ملكية الشبكتين للدولة، مقابل الإفادة “الصورية” من خبرات تقنية وإدارية، إلا أن التطبيق العملي كشف اختلالا مزمنا في توزيع العائدات والأخطار، غالبا لمصلحة المشغل على حساب الخزينة.
وعام 2020، انتقلت الإدارة والتشغيل إلى مجالس إدارة تشكلت من الموظفين وتعمل مباشرة لحساب الدولة. ورغم صعوبة المرحلة في ظل الانهيار المالي والنقدي، أتاح هذا النموذج تحكّما مباشرا في القرارات التشغيلية والاستثمارية، وخفف النزف المرتبط بأتعاب الإدارة والحوافز والتسويات المختلفة والهدر المثبت في تقارير ديوان المحاسبة.
اليوم، تعود الحكومة لتطرح مناقصة عالمية جديدة بصيغة تثير إشكاليات قانونية واقتصادية جوهرية. فالنص يحمّل المشغل النفقات التشغيلية والرأسمالية، واعتماد “التنزيل المئوي عن البدل الذي تضعه الإدارة والموازي لسقف الإيرادات المالية للخزينة” معيارا لإرساء التلزيم، مع تأكيد ملكية الدولة للأصول عند انتهاء العقد. ولكن هذه الصيغة لا تنسجم مع مفهوم عقد الإدارة والتشغيل، ولا مع نموذج الشراكة PPP مع القطاع الخاص.
ووفق مصادر متابعة، فإن “البدل، بالمعنى التعاقدي الصحيح، هو أجر إدارة أو مقابل خدمة محددة، يفترض أن يكون مستقلا عن الإيرادات أو مرتبطا بمؤشرات أداء واضحة. أما حين يعرّف البدل على أنه مواز لسقف إيرادات الخزينة، ويعتمد التنزيل عنه كأداة تنافس، فنحن عمليا أمام إعادة توصيف لمشاركة الخزينة في إيراداتها بطريقة مواربة”.
وتوضح المصادر أن “تحميل المشغل النفقات التشغيلية والرأسمالية، توازيا مع ربط البدل بسقف الإيرادات، يعني إدراج هذه النفقات مع كلفة التمويل والأخطار وهامش الربح ضمن العرض المالي. وبذلك، لا يعود البدل أجر إدارة، بل نتيجة نهائية لتقاسم الإيرادات مع الدولة بعد اقتطاع غير مباشر لكل الأكلاف”.
خبير الاتصالات والمدير العام السابق لشركة “تاتش” وسيم منصور يرى أن “هذا المنطق يعزز اعتماد التنزيل المئوي، إذ يصبح التنافس على نسبة الاقتطاع من الإيرادات، لا على كلفة الخدمة أو كفاءة الإدارة. أما النص على ملكية الدولة للأصول عند انتهاء العقد، فيضيف التباسا إضافيا، إذ يوحي بأن العلاقة خلال مدة العقد ليست إدارية صرفة، بل هي استغلال اقتصادي للمرفق مقابل اقتسام العائدات، مع إبقاء الملكية النهائية للدولة كضمان شكلي. في حين يفترض عقد الإدارة الحقيقي ملكية دائمة ومتواصلة للدولة طوال مدة العقد، بما يشمل جميع الأصول القائمة والمستحدثة فور إنجازها”. ويسأل: “في نهاية العقد المزمع توقيعه، هل قيمة الأصول التي سيتم تجهيزها خلال فترة العقد ستكون صفرا بسبب الـ “Depreciation”؟.
وهذا ما يستوجب الإجابة قبل موافقة مجلس الوزراء على المناقصة المطروحة”.
ويؤكد أن “عقد الإدارة الحقيقي هو أجر مقابل خدمة ومؤشرات أداء، أما حين يصبح “البدل” مرادفا لسقف إيرادات الدولة والتنافس على “التنزيل” عنه، فنحن لا نشتري إدارة بل نفاوض على نسبة اقتطاع من المال العام. عالميا، تقاسم الإيرادات يكون منطقيا حين يأتي المشغل بإيرادات إضافية فوق خط أساس واضح وقابل للتدقيق، أما تقاسم الإيرادات القائمة في قطاع احتكاري رابح من دون خط أساس وآلية قياس، فهو نموذج هجين شديد الحساسية لأنه يمس المال العام مباشرة”.
إذا، الصيغة المطروحة وفق ما يقول منصور “تعبّر عن توجه نحو مشاركة مقنعة في إيرادات قطاع الخليوي، جرى تمويهها بتسمية “بدل”، علما أنه بالمقارنة التاريخية، ثمة عودة إلى منطق الـBOT من دون “Build”: لا إنشاء ولا استثمار بنيوي، بل تقاسم إيرادات الخزينة لقطاع احتكاري رابح بحجة التشغيل والإدارة”.
من جهته، يطلب وزير الاتصالات شارل الحاج في كتابه إلى مجلس الوزراء تكليف الهيئة المنظمة للاتصالات إعداد دفاتر الشروط للمناقصة العالمية لاختيار شركات الإدارة والتشغيل والاستثمار، مستندا إلى المادة 19 من قانون الاتصالات. إلا أن مصادر متابعة أكدت أن “المادة 19 المذكورة تدخل فقط في نطاق آليات منح مجلس الوزراء تراخيص جديدة لخدمات الاتصالات الأساسية أو الخليوية أو الدولية، ولا تخول الهيئة المنظمة للاتصالات إلا إعداد دفتر شروط لإجراء “مزايدة عالمية” عامة لمنح هذه التراخيص، لا لعقد إدارة”.
إلى ذلك، تسأل المصادر عن الضمانات التي ستعطى للموظفين بعدم الاستغناء عنهم، بحجة تخفيف تكاليف المصاريف التشغيلية.











