انقطاع تواصل وعودة صامتة… ما وضع الطلاب اللبنانيين في إيران؟

يعكس توجه الطلاب اللبنانيين من الطائفة الشيعية إلى إيران مساراً يتجاوز البعد الأكاديمي ليعبر عن علاقة سياسية ودينية وأمنية ترسخت منذ الثورة الإيرانية. وعلى رغم محدودية حجم الجالية اللبنانية يشكل الطلاب القسم الأكبر منها، غير أن الحرب الإيرانية – الإسرائيلية عام 2025 ثم الاحتجاجات الواسعة مطلع عام 2026 وانقطاع الاتصالات، دفعت عدداً منهم إلى مغادرة إيران، وسط مخاوف من توسع الاضطرابات واحتمالات سقوط النظام وتداعياته على لبنان و”حزب الله” والبيئة الشيعية.
لم يكن توجه الطلاب اللبنانيين، ولا سيما من الطائفة الشيعية، إلى إيران خياراً أكاديمياً صرفاً ولا مساراً تعليمياً معزولاً عن محيطه، بل شكل انعكاساً مباشراً لعلاقة وطيدة ومعقدة ذات أبعاد دينية وأمنية وسياسية متداخلة، تأسست على مدى عقود بين طهران وجزء من الطائفة الشيعية في لبنان.
فهذه العلاقة لم تبن فقط على الروابط العقائدية أو الحوزوية، بل ترسخت أيضاً عبر شبكات تنظيمية وحزبية وأمنية جعلت من التعليم أحد أدواتها المستدامة.
في ما قبل أن تتحول إيران إلى مركز استقطاب رئيس، كانت النجف وكربلاء في العراق المرجع التقليدي لطلاب العلوم الدينية الشيعة من لبنان. غير أن التحولات الكبرى التي أعقبت الثورة الإيرانية عام 1979، وصعود مفهوم “ولاية الفقيه” ثم الحرب العراقية – الإيرانية، ولاحقاً سقوط نظام الرئيس العراقي صدام حسين، كلها محطات وعوامل أعادت رسم خرائط النفوذ الديني والسياسي معاً، ودفعت بطهران إلى واجهة المشهد بوصفها مرجعية تعليمية وأيديولوجية وأمنية في آنٍ.
ضمن هذا السياق تشكل الوجود اللبناني في إيران، وهو وجود محدود عدداً لكنه بالغ الدلالة والأهمية. فبحسب تقديرات مؤسسة “الدولية للمعلومات” وتقارير إعلامية لبنانية متقاطعة، يقدر عدد اللبنانيين المقيمين في إيران بنحو 6 آلاف شخص، يشكل الطلاب الجامعيون وطلاب العلوم الدينية القسم الأكبر منهم، إلى جانب زوار دينيين ورجال أعمال وعائلات مقيمة.
غير أن الإشكالية الأساس لا تكمن في حجم الجالية اللبنانية هناك، بل في غياب رقم رسمي دقيق وموحد لعدد الطلاب اللبنانيين المسجلين في الجامعات الإيرانية. فالإحصاءات الصادرة عن وزارة العلوم الإيرانية عام 2020 أشارت إلى وجود 543 طالباً لبنانياً فقط في مؤسسات التعليم العالي، بينما تحدثت تقارير صحافية خلال ذروة المواجهة الإيرانية – الإسرائيلية خلال يونيو (حزيران) 2025 عن رقم يصل إلى 7 آلاف طالب لبناني.
هذا التناقض يعكس اختلاط صفة “الطالب الجامعي” بالطالب الديني، وبالمنتسب إلى برامج غير مصنفة رسمياً وبالزائر طويل الأمد، مما يفتح الباب واسعاً أمام الاستنسابية والغموض في تصنيفهم.
خريطة الانتشار
يتوزع اللبنانيون في إيران جغرافياً وفق خريطة تعليمية – دينية واضحة. فالعاصمة طهران تحتضن العدد الأكبر، بحكم وجود الجامعات المدنية الكبرى، إضافة إلى المراكز الإدارية والحزبية. تليها مدينة “قم”، بوصفها القلب الديني والحوزوي، حيث تستقطب طلاب العلوم الشرعية ولا سيما المنتسبين إلى “حزب الله”، عبر مؤسسات مثل جامعة “المصطفى العالمية” التي تعتمد مناهج باللغة العربية وتخضع لبرنامج أيديولوجي متكامل يقوم على نظرية ولاية الفقيه.
ثم تأتي مدينة “مشهد”، التي تجمع بين البعدين الديني والأكاديمي وتضم جامعة “فردوسي”، حيث يقدر وجود نحو 50 طالباً لبنانياً فيها موزعين بين اختصاصات علمية وهندسية.
كذلك يوجد طلاب لبنانيون في مدن أصفهان وشيراز وأراك وقزوين، إذ يدرسون الطب والهندسة وعلوم الحاسوب والعلوم التطبيقية. اللافت أن بعض هذه الجامعات تقع قرب منشآت صناعية أو نووية، مما جعل مواقع الدراسة نفسها مصدر قلق إضافي خلال فترات التصعيد العسكري.
من حيث الاختصاصات، لا يقتصر حضور الطلاب اللبنانيين في إيران على المجال الديني، على رغم أنه شكل المدخل التاريخي الأساس. فقد استفاد كثر من المنح الإيرانية لدراسة الطب البشري والهندسة بفروعها المختلفة والعلوم التطبيقية واللغة الفارسية وآدابها، إضافة إلى برامج الدراسات العليا، وفق تقارير ومتابعين. وضمن السياق يضاف إلى ما سبق إعلان المستشارية الثقافية الإيرانية في بيروت عام 2020 فتح باب التقديم لمنح تشمل جميع الاختصاصات، مع إعطاء أولوية واضحة لتعلم اللغة الفارسية ولمراحل الماجستير والدكتوراه.
الانتقال من لبنان إلى إيران يتم عادة عبر مسار منظم عندما تكون الأوضاع طبيعية. يحصل الطالب على تأشيرة دراسية من السفارة الإيرانية في بيروت بعد تأمين قبول جامعي أو منحة. وفي الظروف العادية، يسافر الطلاب جواً من مطار رفيق الحريري الدولي إلى مطار الإمام الخميني في طهران مباشرة أو عبر ترانزيت في تركيا أو قطر، في رحلة لا تتجاوز ثلاث ساعات. غير أن هذا المسار “الروتيني” انهار بالكامل مع اندلاع الأزمات.
لبنانيون محاصرون في إيران
التحول الجذري بدأ مع حرب الـ12 يوماً التي شنتها إسرائيل وأميركا على إيران خلال يونيو 2025. وخلالها أغلق المجال الجوي الإيراني وتوقفت الرحلات الإيرانية إلى بيروت، لذا وجد الطلاب اللبنانيون أنفسهم فجأة محاصرين داخل بلد يتعرض للقصف والتوتر الأمني. تقارير إعلامية لبنانية وثقت خلال الحرب إصابة سكن جامعي قرب طهران، مما أسفر عن جرحى بين الطلاب اللبنانيين، ودفع كثراً منهم إلى مغادرة البلاد.
حينها اضطر الطلاب إلى سلوك الطرق البرية نحو العراق في رحلات شاقة ومكلفة، ويقول مصدر مطلع على الملف مقرب من عائلات الطلاب، إن لبنانيين هناك وجدوا أنفسهم مضطرين لإجاد الحلول بأنفسهم إذ دفع بعضهم 140 دولاراً للتنقل عبر الباص، وآخرون 400 دولار بالسيارة، فيما تحدثت تقارير عن طلاب من مشهد انتقلوا إلى قم ثم عبروا إلى العراق مقابل نحو 800 دولار بسيارة أجرة، قبل أن يصلوا إلى مطار البصرة في العراق ومنها إلى بيروت. وآخرون قطعوا مسافات سيراً على الأقدام بسبب الازدحام وانعدام وسائل النقل.
خلال تلك الأزمة، عاد نحو 1120 لبنانياً إلى بيروت عبر رحلات خاصة للخطوط الجوية العراقية، فيما بقي قرابة 500 طالب لبناني عالقين داخل إيران بعدما اكتفت السفارة اللبنانية بإصدار تعاميم عامة من دون خطة لوجيستية واضحة.
في المقابل، لعبت الشبكات الحزبية دوراً أساسياً، إذ تولت التعبئة التربوية التابعة لـ”حزب الله” تأمين سكن وخدمات أساس لطلاب عالقين في العراق، بينما تابع مكتب حركة “أمل” في طهران أوضاع طلابه بصورة مباشرة.
هلع متجدد بين اللبنانيين
ما بين نهاية عام 2025 وبداية عام 2026 دخلت إيران في موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية الواسعة، احتجاجاً على تدهور الأوضاع الاقتصادية وغلاء المعيشة.
هذه الاحتجاجات، التي شملت معظم المحافظات الإيرانية رافقتها إجراءات أمنية صارمة، أبرزها قطع الإنترنت وحجب الاتصالات والتطبيقات. هنا بلغ القلق ذروته لدى عائلات الطلاب اللبنانيين، إذ انقطع التواصل مع أبنائهم لأكثر من أربعة أيام في بعض الحالات، مما دفعهم إلى إصدار بيانات استغاثة ومناشدات علنية للحكومة اللبنانية.
وفي محاولة لاحتواء الهلع، أصدرت السفارة الإيرانية في بيروت خلال الـ11 من يناير (كانون الثاني) الجاري بياناً تؤكد فيه أن جميع الطلبة اللبنانيين في إيران بخير ويتمتعون بالسلامة، داعية الأهالي إلى عدم الانجرار وراء الإشاعات.
غير أن البيان، بحد ذاته، عكس حجم القلق السياسي والأمني المحيط بالملف.
سقوط النظام الإيراني
في خلفية هذه الأحداث، برزت أحاديث إعلامية وتحليلية عن إمكانية سقوط النظام الإيراني أو انزلاق البلاد نحو حرب أهلية أو تدخل أميركي – إسرائيلي مباشر.
هذه السيناريوهات، حتى وإن بقيت في إطار التقدير السياسي، كان لها أثر نفسي مباشر على الطلاب اللبنانيين، الذين خشوا من ضياع أعوام دراستهم أو فقدان الاعتراف بشهاداتهم أو التعرض للعنف في حال تفككت السيطرة الأمنية.
وترددت أيضاً معلومات عن أن “حزب الله” وحركة “أمل” أوصيا عدداً من طلابهما بالعودة إلى لبنان كإجراء احترازي، لكن من دون تأكيد رسمي موثوق وحتى من دون نفي، مما يرجح أن معظم حالات العودة كانت نتيجة قرارات فردية فرضتها الأخطار الميدانية.
وحسب المعلومات فإن الطلاب الذين يراجعون مرجعياتهم الحزبية يتلقون نصائح بالمغادرة لكن من دون إثارة الوضع إعلامياً لعدم إثارة بلبلة إضافية في إيران، لا سيما أن السلطات هناك تسعى لضبط التحركات الشعبية.
أحمد سويدان يكشف وضع اللبنانيين
نسأل السفير اللبناني في إيران أحمد سويدان عن الوضع الحالي للطلاب اللبنانيين، فيؤكد أن السفارة لم تسجل أي حادث أمني بحق أي لبناني، مشيراً إلى أنه يتابع أوضاع اللبنانيين بشكل يومي، على رغم الانقطاع شبه الكامل للاتصالات من داخل إيران، وذلك عبر قنوات متعددة وغير مباشرة.
وكشف سويدان أن عدداً من الطلاب اللبنانيين اختار مغادرة إيران خلال الفترة الأخيرة، وسلكوا طريق العودة عبر العراق، بخاصة بعد قطع شبكات الاتصال وما رافق ذلك من قلق لدى الأهالي. ويقر بعدم وجود إحصاءات رسمية دقيقة حتى الآن، فيما يقتصر الوجود اللبناني على طلاب جامعيين، ولا سيما في طهران، إضافة إلى طلاب علوم دينية في مدينة قم، ومشدداً على أنه لا توجد جالية لبنانية بالمعنى المتعارف عليه كما هو الحال في دول أخرى. ويختم بالتأكيد أن جميع اللبنانيين بخير ولم يتعرض أي منهم لأي حادث، لافتاً إلى أن قرار مغادرة إيران جاء في معظمه بمبادرة من الطلاب أنفسهم بعد انقطاع الاتصالات، وليس نتيجة تهديدات مباشرة.
توسع الاحتجاجات
وفق تقارير إعلامية لبنانية ومنشورات طلابية تُدُووِلت على مواقع التواصل، نشر عدد من الطلاب اللبنانيين في إيران مقاطع مصورة ورسائل عاجلة عن أوضاعهم، وبحسب م. خ (طلب عدم ذكر اسمه الكامل)، وهو طالب لبناني يدرس في جامعة “فردوسي” داخل مشهد، فإن عدداً من زملائه شعروا بالخوف من استمرار التوترات وانقطاع الاتصالات في إيران، ويفكر بعض في خيار العودة إلى لبنان عبر العراق خشية من اتساع دائرة العنف الداخلي والارتباطات السياسية للنظام، مما يجعل استمرار الدراسة في إيران مخاطرة يتعين تجنبها.
وقال الطالب إن “قطع الاتصالات وتردد أنباء عن توسع الاحتجاجات المرتبطة بالاقتصاد والسياسة دفعنا إلى التفكير بأن الأوضاع قد لا تبقى مستقرة، وأنه من الأفضل أن نكون في لبنان إلى حين تهدئة الوضع أو وجود خطة واضحة لحماية الطلاب”، مشيراً إلى أن قرار العودة اتُّخذ نتيجة مخاوف من توتر الوضاع وتزايد دعوات السفارات العالمية رعاياها إلى المغادرة الفورية.
تداعيات على لبنان
وفي قراءة أوسع لتداعيات ما يجري، يرى الصحافي والمحلل السياسي اللبناني قاسم قصير أن القلق داخل الأوساط الشيعية، ولا سيما بين الطلاب اللبنانيين في إيران، لا يقتصر على البعد الأمني الآني، بل يتصل بسؤال أكبر حول مستقبل إيران نفسها. ويشير قصير إلى أن أي اهتزاز داخلي كبير في إيران، سواء على صورة فوضى طويلة أو انتقال سياسي غير مضبوط، ستكون له انعكاسات مباشرة على لبنان و”حزب الله” والبيئة الشيعية، ليس فقط على مستوى التمويل والدعم، بل على مستوى المعنويات والخيارات الاستراتيجية.
ووفق هذا التقدير، فإن جزءاً من عودة الطلاب اللبنانيين خلال الأشهر الأخيرة لا يمكن فصله عن هذا القلق العميق، إذ ينظر لإيران حتى من داخل بيئتها الحليفة على أنها ساحة غير مستقرة في المدى المنظور، مما دفع كثراً إلى تفضيل الانسحاب الموقت وانتظار اتضاح الصورة، بدل المجازفة بالبقاء في قلب أزمة مفتوحة قد تتدحرج نحو سيناريوهات أكثر خطورة.
انقطاع تواصل وعودة صامتة… ما وضع الطلاب اللبنانيين في إيران؟

يعكس توجه الطلاب اللبنانيين من الطائفة الشيعية إلى إيران مساراً يتجاوز البعد الأكاديمي ليعبر عن علاقة سياسية ودينية وأمنية ترسخت منذ الثورة الإيرانية. وعلى رغم محدودية حجم الجالية اللبنانية يشكل الطلاب القسم الأكبر منها، غير أن الحرب الإيرانية – الإسرائيلية عام 2025 ثم الاحتجاجات الواسعة مطلع عام 2026 وانقطاع الاتصالات، دفعت عدداً منهم إلى مغادرة إيران، وسط مخاوف من توسع الاضطرابات واحتمالات سقوط النظام وتداعياته على لبنان و”حزب الله” والبيئة الشيعية.
لم يكن توجه الطلاب اللبنانيين، ولا سيما من الطائفة الشيعية، إلى إيران خياراً أكاديمياً صرفاً ولا مساراً تعليمياً معزولاً عن محيطه، بل شكل انعكاساً مباشراً لعلاقة وطيدة ومعقدة ذات أبعاد دينية وأمنية وسياسية متداخلة، تأسست على مدى عقود بين طهران وجزء من الطائفة الشيعية في لبنان.
فهذه العلاقة لم تبن فقط على الروابط العقائدية أو الحوزوية، بل ترسخت أيضاً عبر شبكات تنظيمية وحزبية وأمنية جعلت من التعليم أحد أدواتها المستدامة.
في ما قبل أن تتحول إيران إلى مركز استقطاب رئيس، كانت النجف وكربلاء في العراق المرجع التقليدي لطلاب العلوم الدينية الشيعة من لبنان. غير أن التحولات الكبرى التي أعقبت الثورة الإيرانية عام 1979، وصعود مفهوم “ولاية الفقيه” ثم الحرب العراقية – الإيرانية، ولاحقاً سقوط نظام الرئيس العراقي صدام حسين، كلها محطات وعوامل أعادت رسم خرائط النفوذ الديني والسياسي معاً، ودفعت بطهران إلى واجهة المشهد بوصفها مرجعية تعليمية وأيديولوجية وأمنية في آنٍ.
ضمن هذا السياق تشكل الوجود اللبناني في إيران، وهو وجود محدود عدداً لكنه بالغ الدلالة والأهمية. فبحسب تقديرات مؤسسة “الدولية للمعلومات” وتقارير إعلامية لبنانية متقاطعة، يقدر عدد اللبنانيين المقيمين في إيران بنحو 6 آلاف شخص، يشكل الطلاب الجامعيون وطلاب العلوم الدينية القسم الأكبر منهم، إلى جانب زوار دينيين ورجال أعمال وعائلات مقيمة.
غير أن الإشكالية الأساس لا تكمن في حجم الجالية اللبنانية هناك، بل في غياب رقم رسمي دقيق وموحد لعدد الطلاب اللبنانيين المسجلين في الجامعات الإيرانية. فالإحصاءات الصادرة عن وزارة العلوم الإيرانية عام 2020 أشارت إلى وجود 543 طالباً لبنانياً فقط في مؤسسات التعليم العالي، بينما تحدثت تقارير صحافية خلال ذروة المواجهة الإيرانية – الإسرائيلية خلال يونيو (حزيران) 2025 عن رقم يصل إلى 7 آلاف طالب لبناني.
هذا التناقض يعكس اختلاط صفة “الطالب الجامعي” بالطالب الديني، وبالمنتسب إلى برامج غير مصنفة رسمياً وبالزائر طويل الأمد، مما يفتح الباب واسعاً أمام الاستنسابية والغموض في تصنيفهم.
خريطة الانتشار
يتوزع اللبنانيون في إيران جغرافياً وفق خريطة تعليمية – دينية واضحة. فالعاصمة طهران تحتضن العدد الأكبر، بحكم وجود الجامعات المدنية الكبرى، إضافة إلى المراكز الإدارية والحزبية. تليها مدينة “قم”، بوصفها القلب الديني والحوزوي، حيث تستقطب طلاب العلوم الشرعية ولا سيما المنتسبين إلى “حزب الله”، عبر مؤسسات مثل جامعة “المصطفى العالمية” التي تعتمد مناهج باللغة العربية وتخضع لبرنامج أيديولوجي متكامل يقوم على نظرية ولاية الفقيه.
ثم تأتي مدينة “مشهد”، التي تجمع بين البعدين الديني والأكاديمي وتضم جامعة “فردوسي”، حيث يقدر وجود نحو 50 طالباً لبنانياً فيها موزعين بين اختصاصات علمية وهندسية.
كذلك يوجد طلاب لبنانيون في مدن أصفهان وشيراز وأراك وقزوين، إذ يدرسون الطب والهندسة وعلوم الحاسوب والعلوم التطبيقية. اللافت أن بعض هذه الجامعات تقع قرب منشآت صناعية أو نووية، مما جعل مواقع الدراسة نفسها مصدر قلق إضافي خلال فترات التصعيد العسكري.
من حيث الاختصاصات، لا يقتصر حضور الطلاب اللبنانيين في إيران على المجال الديني، على رغم أنه شكل المدخل التاريخي الأساس. فقد استفاد كثر من المنح الإيرانية لدراسة الطب البشري والهندسة بفروعها المختلفة والعلوم التطبيقية واللغة الفارسية وآدابها، إضافة إلى برامج الدراسات العليا، وفق تقارير ومتابعين. وضمن السياق يضاف إلى ما سبق إعلان المستشارية الثقافية الإيرانية في بيروت عام 2020 فتح باب التقديم لمنح تشمل جميع الاختصاصات، مع إعطاء أولوية واضحة لتعلم اللغة الفارسية ولمراحل الماجستير والدكتوراه.
الانتقال من لبنان إلى إيران يتم عادة عبر مسار منظم عندما تكون الأوضاع طبيعية. يحصل الطالب على تأشيرة دراسية من السفارة الإيرانية في بيروت بعد تأمين قبول جامعي أو منحة. وفي الظروف العادية، يسافر الطلاب جواً من مطار رفيق الحريري الدولي إلى مطار الإمام الخميني في طهران مباشرة أو عبر ترانزيت في تركيا أو قطر، في رحلة لا تتجاوز ثلاث ساعات. غير أن هذا المسار “الروتيني” انهار بالكامل مع اندلاع الأزمات.
لبنانيون محاصرون في إيران
التحول الجذري بدأ مع حرب الـ12 يوماً التي شنتها إسرائيل وأميركا على إيران خلال يونيو 2025. وخلالها أغلق المجال الجوي الإيراني وتوقفت الرحلات الإيرانية إلى بيروت، لذا وجد الطلاب اللبنانيون أنفسهم فجأة محاصرين داخل بلد يتعرض للقصف والتوتر الأمني. تقارير إعلامية لبنانية وثقت خلال الحرب إصابة سكن جامعي قرب طهران، مما أسفر عن جرحى بين الطلاب اللبنانيين، ودفع كثراً منهم إلى مغادرة البلاد.
حينها اضطر الطلاب إلى سلوك الطرق البرية نحو العراق في رحلات شاقة ومكلفة، ويقول مصدر مطلع على الملف مقرب من عائلات الطلاب، إن لبنانيين هناك وجدوا أنفسهم مضطرين لإجاد الحلول بأنفسهم إذ دفع بعضهم 140 دولاراً للتنقل عبر الباص، وآخرون 400 دولار بالسيارة، فيما تحدثت تقارير عن طلاب من مشهد انتقلوا إلى قم ثم عبروا إلى العراق مقابل نحو 800 دولار بسيارة أجرة، قبل أن يصلوا إلى مطار البصرة في العراق ومنها إلى بيروت. وآخرون قطعوا مسافات سيراً على الأقدام بسبب الازدحام وانعدام وسائل النقل.
خلال تلك الأزمة، عاد نحو 1120 لبنانياً إلى بيروت عبر رحلات خاصة للخطوط الجوية العراقية، فيما بقي قرابة 500 طالب لبناني عالقين داخل إيران بعدما اكتفت السفارة اللبنانية بإصدار تعاميم عامة من دون خطة لوجيستية واضحة.
في المقابل، لعبت الشبكات الحزبية دوراً أساسياً، إذ تولت التعبئة التربوية التابعة لـ”حزب الله” تأمين سكن وخدمات أساس لطلاب عالقين في العراق، بينما تابع مكتب حركة “أمل” في طهران أوضاع طلابه بصورة مباشرة.
هلع متجدد بين اللبنانيين
ما بين نهاية عام 2025 وبداية عام 2026 دخلت إيران في موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية الواسعة، احتجاجاً على تدهور الأوضاع الاقتصادية وغلاء المعيشة.
هذه الاحتجاجات، التي شملت معظم المحافظات الإيرانية رافقتها إجراءات أمنية صارمة، أبرزها قطع الإنترنت وحجب الاتصالات والتطبيقات. هنا بلغ القلق ذروته لدى عائلات الطلاب اللبنانيين، إذ انقطع التواصل مع أبنائهم لأكثر من أربعة أيام في بعض الحالات، مما دفعهم إلى إصدار بيانات استغاثة ومناشدات علنية للحكومة اللبنانية.
وفي محاولة لاحتواء الهلع، أصدرت السفارة الإيرانية في بيروت خلال الـ11 من يناير (كانون الثاني) الجاري بياناً تؤكد فيه أن جميع الطلبة اللبنانيين في إيران بخير ويتمتعون بالسلامة، داعية الأهالي إلى عدم الانجرار وراء الإشاعات.
غير أن البيان، بحد ذاته، عكس حجم القلق السياسي والأمني المحيط بالملف.
سقوط النظام الإيراني
في خلفية هذه الأحداث، برزت أحاديث إعلامية وتحليلية عن إمكانية سقوط النظام الإيراني أو انزلاق البلاد نحو حرب أهلية أو تدخل أميركي – إسرائيلي مباشر.
هذه السيناريوهات، حتى وإن بقيت في إطار التقدير السياسي، كان لها أثر نفسي مباشر على الطلاب اللبنانيين، الذين خشوا من ضياع أعوام دراستهم أو فقدان الاعتراف بشهاداتهم أو التعرض للعنف في حال تفككت السيطرة الأمنية.
وترددت أيضاً معلومات عن أن “حزب الله” وحركة “أمل” أوصيا عدداً من طلابهما بالعودة إلى لبنان كإجراء احترازي، لكن من دون تأكيد رسمي موثوق وحتى من دون نفي، مما يرجح أن معظم حالات العودة كانت نتيجة قرارات فردية فرضتها الأخطار الميدانية.
وحسب المعلومات فإن الطلاب الذين يراجعون مرجعياتهم الحزبية يتلقون نصائح بالمغادرة لكن من دون إثارة الوضع إعلامياً لعدم إثارة بلبلة إضافية في إيران، لا سيما أن السلطات هناك تسعى لضبط التحركات الشعبية.
أحمد سويدان يكشف وضع اللبنانيين
نسأل السفير اللبناني في إيران أحمد سويدان عن الوضع الحالي للطلاب اللبنانيين، فيؤكد أن السفارة لم تسجل أي حادث أمني بحق أي لبناني، مشيراً إلى أنه يتابع أوضاع اللبنانيين بشكل يومي، على رغم الانقطاع شبه الكامل للاتصالات من داخل إيران، وذلك عبر قنوات متعددة وغير مباشرة.
وكشف سويدان أن عدداً من الطلاب اللبنانيين اختار مغادرة إيران خلال الفترة الأخيرة، وسلكوا طريق العودة عبر العراق، بخاصة بعد قطع شبكات الاتصال وما رافق ذلك من قلق لدى الأهالي. ويقر بعدم وجود إحصاءات رسمية دقيقة حتى الآن، فيما يقتصر الوجود اللبناني على طلاب جامعيين، ولا سيما في طهران، إضافة إلى طلاب علوم دينية في مدينة قم، ومشدداً على أنه لا توجد جالية لبنانية بالمعنى المتعارف عليه كما هو الحال في دول أخرى. ويختم بالتأكيد أن جميع اللبنانيين بخير ولم يتعرض أي منهم لأي حادث، لافتاً إلى أن قرار مغادرة إيران جاء في معظمه بمبادرة من الطلاب أنفسهم بعد انقطاع الاتصالات، وليس نتيجة تهديدات مباشرة.
توسع الاحتجاجات
وفق تقارير إعلامية لبنانية ومنشورات طلابية تُدُووِلت على مواقع التواصل، نشر عدد من الطلاب اللبنانيين في إيران مقاطع مصورة ورسائل عاجلة عن أوضاعهم، وبحسب م. خ (طلب عدم ذكر اسمه الكامل)، وهو طالب لبناني يدرس في جامعة “فردوسي” داخل مشهد، فإن عدداً من زملائه شعروا بالخوف من استمرار التوترات وانقطاع الاتصالات في إيران، ويفكر بعض في خيار العودة إلى لبنان عبر العراق خشية من اتساع دائرة العنف الداخلي والارتباطات السياسية للنظام، مما يجعل استمرار الدراسة في إيران مخاطرة يتعين تجنبها.
وقال الطالب إن “قطع الاتصالات وتردد أنباء عن توسع الاحتجاجات المرتبطة بالاقتصاد والسياسة دفعنا إلى التفكير بأن الأوضاع قد لا تبقى مستقرة، وأنه من الأفضل أن نكون في لبنان إلى حين تهدئة الوضع أو وجود خطة واضحة لحماية الطلاب”، مشيراً إلى أن قرار العودة اتُّخذ نتيجة مخاوف من توتر الوضاع وتزايد دعوات السفارات العالمية رعاياها إلى المغادرة الفورية.
تداعيات على لبنان
وفي قراءة أوسع لتداعيات ما يجري، يرى الصحافي والمحلل السياسي اللبناني قاسم قصير أن القلق داخل الأوساط الشيعية، ولا سيما بين الطلاب اللبنانيين في إيران، لا يقتصر على البعد الأمني الآني، بل يتصل بسؤال أكبر حول مستقبل إيران نفسها. ويشير قصير إلى أن أي اهتزاز داخلي كبير في إيران، سواء على صورة فوضى طويلة أو انتقال سياسي غير مضبوط، ستكون له انعكاسات مباشرة على لبنان و”حزب الله” والبيئة الشيعية، ليس فقط على مستوى التمويل والدعم، بل على مستوى المعنويات والخيارات الاستراتيجية.
ووفق هذا التقدير، فإن جزءاً من عودة الطلاب اللبنانيين خلال الأشهر الأخيرة لا يمكن فصله عن هذا القلق العميق، إذ ينظر لإيران حتى من داخل بيئتها الحليفة على أنها ساحة غير مستقرة في المدى المنظور، مما دفع كثراً إلى تفضيل الانسحاب الموقت وانتظار اتضاح الصورة، بدل المجازفة بالبقاء في قلب أزمة مفتوحة قد تتدحرج نحو سيناريوهات أكثر خطورة.













