واشنطن تقترح تفاوضاً مدنياً مباشراً بين لبنان وإسرائيل

كعادتها في الآونة الأخيرة، واكبت إسرائيل عدم انعقاد اجتماع «الميكانيزم»، الذي كان محتملاً حصوله اليوم، بأن أطلق المتحدث العسكري بإسم جيشها تهديدات بالإخلاء طاولت مباني في بلدتي سحمر ومشغرة. ويُفسَّر اختيار البلدتين الواقعتين في البقاع الغربي على أنه محاولة لتوسيع جغرافيا الإعتداءات، بعد أن رفعت إسرائيل أخيراً منسوب غاراتها الجوية وحجمها، في ظل حالة الحرب التي تسيطر على الإقليم.
في الداخل، كان المعنيون على بيّنة من احتمال عدم انعقاد اجتماع «الميكانيزم» الخميس. وقد عزّزت هذا الاحتمال مجموعة عوامل، أولها ما نُقل في بيروت عن وجود رئيس اللجنة الجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد في ولاية فلوريدا للمشاركة في فعالية عسكرية مخصّصة للضباط الأميركيين؛ وثانيها تزامن التاريخ السابق المحدد للإجتماع مع نهار السبت، الذي يُعد عطلة رسمية في إسرائيل، ما استوجب تقديمه لا تأجيله؛ ثالثاً النزاع المستمر حول طبيعة التمثيل الفرنسي، حيث تقترح باريس تمثيلها بشخصية مدنية أيضاً بالإضافة إلى تلك العسكرية. أما العامل الرابع، والأكثر مركزية، فتشير الأوساط إلى أنه يتصل بدفع أميركي باتجاه إدخال تعديلات جوهرية على شكل مشاركة لبنان ضمن مسار التفاوض المدني.
حتى اللحظة، لم يطرأ أي تطور عملي على هذا المسار، فيما لا يزال النقاش الداخلي في لبنان بطيئاً وحذراً للغاية. ومع ذلك، لا تستبعد مصادر متابعة احتمال انعقاد اجتماع «الميكانيزم» خلال الأيام المقبلة أو في وقت لاحق من الأسبوع الجاري، لاسيما في حال عودة كليرفيلد. غير أن أي موعد نهائي لم يُحسم بعد.
أما في ما يتصل بطبيعة مشاركة لبنان، فتُظهر الاتصالات أن واشنطن لم تعد راغبة في حصر المشاركة المدنية الرسمية اللبنانية بشخصية واحدة، كما أنها لا تجد مصلحة في استئناف أعمال التفاوض المدني–السياسي مع إسرائيل عبر آلية «الميكانيزم» بحضور عسكريين. وكما سبق أن نشرت «المدن»، تسعى الولايات المتحدة إلى إطلاق ورعاية مسار تفاوضي أكثر صراحة، يستند إلى جدول أعمال واضح ومباشر، وهو ما يفتقده المسار القائم حالياً.
هذا العنوان كان موضع متابعة خلال الأيام والأسابيع الماضية، وتصدّر النقاش الذي خاضه السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، الذي لم يُخفِ رغبة الولايات المتحدة في تفعيل آلية التفاوض المباشر وتعديلها، بما يتلاءم مع طبيعة الملفات المطروحة، وتلك التي يُنتظر طرحها لاحقاً. ويتردد على نطاق ضيّق أن عيسى إستغل اجتماع “الخماسية” مع رئيس الجمهورية جوزاف عون في قصر بعبدا، لكي يبدي وجهة نظره بالنسبة الى تطعيم مسار التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل عبر الانتقال إلى تمثيل سياسي ذي صفة رسمية.
وبات واضحاً أن واشنطن تسعى إلى تحويل المسار التفاوضي إلى مسار سياسي بالكامل، يمثّله وزير يحظى بتكليف رسمي من الحكومة اللبنانية، في مقابل وزير إسرائيلي يمثل حكومة تل أبيب، على أن يترأس كل منهما وفداً رسمياً. وبهذا المعنى، لا يُطرح على المستوى اللبناني إخراج السفير السابق سيمون كرم من الوفد، بل يجري الحديث عن تنقيح التشكيلة وتطعيمها بشخصيات إضافية، وقد باتت بعض الأسماء قيد التداول لدى المعنيين.
ما تريده الولايات المتحدة ليس بالضرورة موضع توافق داخلي كامل، وهي نقطة يجري التعامل معها بهدوء وبعيداً عن الإعلام، ولا سيما على مستوى الثنائي الشيعي. وليس خافياً أن معظم الأطراف تبحث عن «تخريجة» سياسية يمكن تسويقها داخلياً، وفقاً للمعهود. في المقابل، تؤكد أوساط متابعة أن اقتناعاً آخذاً في التبلور لدى غالبية الجهات بأن التفاوض بات، في ظل اختلال التوازن القائم، السبيل لمعالجة ملفات مثل وقف الاعتداءات، والانسحاب الإسرائيلي، وتحرير الأسرى، من دون الوصول إلى التطبيع أو الاعتراف المتبادل. غير أن هذه المقاربة تبقى غير مضمونة النتائج، قياساً بالتجربة اللبنانية في إدارة الملفات الحسّاسة، والتي غالباً ما تُدار على قاعدة «بكرا بيتعودوا».
وحده حزب الله، من بين الأطراف الأساسية، يميل إلى صيغة التفاوض غير المباشر. وهو يقرّ بها لا عن قناعة سياسية كاملة، بل ربطاً بالإختلال الحاصل وباندفاعة لبنان نحو التفاوض، سعياً منه إلى التخفيف من حدّتها أو تقليص آثارها. ولا يخفي مسؤولون في الحزب أنه، في حال كان الخيار هو التفاوض، فيجب أن يجري وفق قاعدة الترسيم البحري الذي أُنجز عام 2022، أي عبر وسيط أميركي يتولى مفاوضات جوالة – مكوكية بين بيروت وتل أبيب، رغم أن الوقائع تشير إلى أن هذه الآلية تجاوزتها التطورات الحالية.
ويستند الحزب في رؤيته الراهنة إلى الكتاب الذي كان قد وجّهه سابقاً إلى الرؤساء الثلاثة، وما تضمّنه من بنود مستمدة من اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024 وروحيته، محاذراً الانزلاق إلى التفاوض المباشر. وهو موقف أبلغه صراحة إلى المعنيين، بل ذهب أبعد من ذلك بالتأكيد أنه في حال فُرض التفاوض المباشر الصريح، فسيكون على نقيضه تماماً، ولن يكون مسايراً حين يطرح البند على النقاش داخل مجلس الوزراء.
في هذا الإطار، لا يعد الحزب بعيداً بالمطلق عن فكرة التسوية التي قد تفرضها حالة المراوحة، لكن ضمن قاعدة واضحة لا تقوم على التخلي عن عناصر القوة، بل على استثمارها. وليس بالضرورة أن يتم ذلك من خلال وصاية مباشرة من الحزب، بل يمكن أن تتولى الدولة هذا الدور، مدعومة بعناصر قوة تعزّز موقعها التفاوضي، حتى وإن اعترض الحزب على بعض الأساليب المعتمدة. ويُستدل على ذلك من خلال الانفتاح غير المسبوق للحزب على مناقشة أفكار تتصل بمستقبل سلاحه، والتي كان يُعدّ تناولها سابقاً من المحرمات، لكنها باتت اليوم موضع بحث في صالونات سياسية داخلية، وعند عواصم عربية، تُصاغ فيها الأفكار وتُفتح المنابر أمام مسؤولي الحزب للتعبير عن مقاربتهم للمرحلة الراهنة.
وهو حوار لا يخشاه الحزب، بل يتوقع أن يتقدم، وإن كان يخوضه بحذر بالغ، ويعزّزه عبر قناته المفتوحة والصريحة مع رئيس الجمهورية جوزاف عون، والتي لم تتأثر بتداعيات خطابات ومواقف الرئيس الأخيرة، بل بقيت نشطة، رغم سيل الانتقادات والتعليقات، سواء عبر الإعلام الرسمي التابع للحزب أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
واشنطن تقترح تفاوضاً مدنياً مباشراً بين لبنان وإسرائيل

كعادتها في الآونة الأخيرة، واكبت إسرائيل عدم انعقاد اجتماع «الميكانيزم»، الذي كان محتملاً حصوله اليوم، بأن أطلق المتحدث العسكري بإسم جيشها تهديدات بالإخلاء طاولت مباني في بلدتي سحمر ومشغرة. ويُفسَّر اختيار البلدتين الواقعتين في البقاع الغربي على أنه محاولة لتوسيع جغرافيا الإعتداءات، بعد أن رفعت إسرائيل أخيراً منسوب غاراتها الجوية وحجمها، في ظل حالة الحرب التي تسيطر على الإقليم.
في الداخل، كان المعنيون على بيّنة من احتمال عدم انعقاد اجتماع «الميكانيزم» الخميس. وقد عزّزت هذا الاحتمال مجموعة عوامل، أولها ما نُقل في بيروت عن وجود رئيس اللجنة الجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد في ولاية فلوريدا للمشاركة في فعالية عسكرية مخصّصة للضباط الأميركيين؛ وثانيها تزامن التاريخ السابق المحدد للإجتماع مع نهار السبت، الذي يُعد عطلة رسمية في إسرائيل، ما استوجب تقديمه لا تأجيله؛ ثالثاً النزاع المستمر حول طبيعة التمثيل الفرنسي، حيث تقترح باريس تمثيلها بشخصية مدنية أيضاً بالإضافة إلى تلك العسكرية. أما العامل الرابع، والأكثر مركزية، فتشير الأوساط إلى أنه يتصل بدفع أميركي باتجاه إدخال تعديلات جوهرية على شكل مشاركة لبنان ضمن مسار التفاوض المدني.
حتى اللحظة، لم يطرأ أي تطور عملي على هذا المسار، فيما لا يزال النقاش الداخلي في لبنان بطيئاً وحذراً للغاية. ومع ذلك، لا تستبعد مصادر متابعة احتمال انعقاد اجتماع «الميكانيزم» خلال الأيام المقبلة أو في وقت لاحق من الأسبوع الجاري، لاسيما في حال عودة كليرفيلد. غير أن أي موعد نهائي لم يُحسم بعد.
أما في ما يتصل بطبيعة مشاركة لبنان، فتُظهر الاتصالات أن واشنطن لم تعد راغبة في حصر المشاركة المدنية الرسمية اللبنانية بشخصية واحدة، كما أنها لا تجد مصلحة في استئناف أعمال التفاوض المدني–السياسي مع إسرائيل عبر آلية «الميكانيزم» بحضور عسكريين. وكما سبق أن نشرت «المدن»، تسعى الولايات المتحدة إلى إطلاق ورعاية مسار تفاوضي أكثر صراحة، يستند إلى جدول أعمال واضح ومباشر، وهو ما يفتقده المسار القائم حالياً.
هذا العنوان كان موضع متابعة خلال الأيام والأسابيع الماضية، وتصدّر النقاش الذي خاضه السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، الذي لم يُخفِ رغبة الولايات المتحدة في تفعيل آلية التفاوض المباشر وتعديلها، بما يتلاءم مع طبيعة الملفات المطروحة، وتلك التي يُنتظر طرحها لاحقاً. ويتردد على نطاق ضيّق أن عيسى إستغل اجتماع “الخماسية” مع رئيس الجمهورية جوزاف عون في قصر بعبدا، لكي يبدي وجهة نظره بالنسبة الى تطعيم مسار التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل عبر الانتقال إلى تمثيل سياسي ذي صفة رسمية.
وبات واضحاً أن واشنطن تسعى إلى تحويل المسار التفاوضي إلى مسار سياسي بالكامل، يمثّله وزير يحظى بتكليف رسمي من الحكومة اللبنانية، في مقابل وزير إسرائيلي يمثل حكومة تل أبيب، على أن يترأس كل منهما وفداً رسمياً. وبهذا المعنى، لا يُطرح على المستوى اللبناني إخراج السفير السابق سيمون كرم من الوفد، بل يجري الحديث عن تنقيح التشكيلة وتطعيمها بشخصيات إضافية، وقد باتت بعض الأسماء قيد التداول لدى المعنيين.
ما تريده الولايات المتحدة ليس بالضرورة موضع توافق داخلي كامل، وهي نقطة يجري التعامل معها بهدوء وبعيداً عن الإعلام، ولا سيما على مستوى الثنائي الشيعي. وليس خافياً أن معظم الأطراف تبحث عن «تخريجة» سياسية يمكن تسويقها داخلياً، وفقاً للمعهود. في المقابل، تؤكد أوساط متابعة أن اقتناعاً آخذاً في التبلور لدى غالبية الجهات بأن التفاوض بات، في ظل اختلال التوازن القائم، السبيل لمعالجة ملفات مثل وقف الاعتداءات، والانسحاب الإسرائيلي، وتحرير الأسرى، من دون الوصول إلى التطبيع أو الاعتراف المتبادل. غير أن هذه المقاربة تبقى غير مضمونة النتائج، قياساً بالتجربة اللبنانية في إدارة الملفات الحسّاسة، والتي غالباً ما تُدار على قاعدة «بكرا بيتعودوا».
وحده حزب الله، من بين الأطراف الأساسية، يميل إلى صيغة التفاوض غير المباشر. وهو يقرّ بها لا عن قناعة سياسية كاملة، بل ربطاً بالإختلال الحاصل وباندفاعة لبنان نحو التفاوض، سعياً منه إلى التخفيف من حدّتها أو تقليص آثارها. ولا يخفي مسؤولون في الحزب أنه، في حال كان الخيار هو التفاوض، فيجب أن يجري وفق قاعدة الترسيم البحري الذي أُنجز عام 2022، أي عبر وسيط أميركي يتولى مفاوضات جوالة – مكوكية بين بيروت وتل أبيب، رغم أن الوقائع تشير إلى أن هذه الآلية تجاوزتها التطورات الحالية.
ويستند الحزب في رؤيته الراهنة إلى الكتاب الذي كان قد وجّهه سابقاً إلى الرؤساء الثلاثة، وما تضمّنه من بنود مستمدة من اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024 وروحيته، محاذراً الانزلاق إلى التفاوض المباشر. وهو موقف أبلغه صراحة إلى المعنيين، بل ذهب أبعد من ذلك بالتأكيد أنه في حال فُرض التفاوض المباشر الصريح، فسيكون على نقيضه تماماً، ولن يكون مسايراً حين يطرح البند على النقاش داخل مجلس الوزراء.
في هذا الإطار، لا يعد الحزب بعيداً بالمطلق عن فكرة التسوية التي قد تفرضها حالة المراوحة، لكن ضمن قاعدة واضحة لا تقوم على التخلي عن عناصر القوة، بل على استثمارها. وليس بالضرورة أن يتم ذلك من خلال وصاية مباشرة من الحزب، بل يمكن أن تتولى الدولة هذا الدور، مدعومة بعناصر قوة تعزّز موقعها التفاوضي، حتى وإن اعترض الحزب على بعض الأساليب المعتمدة. ويُستدل على ذلك من خلال الانفتاح غير المسبوق للحزب على مناقشة أفكار تتصل بمستقبل سلاحه، والتي كان يُعدّ تناولها سابقاً من المحرمات، لكنها باتت اليوم موضع بحث في صالونات سياسية داخلية، وعند عواصم عربية، تُصاغ فيها الأفكار وتُفتح المنابر أمام مسؤولي الحزب للتعبير عن مقاربتهم للمرحلة الراهنة.
وهو حوار لا يخشاه الحزب، بل يتوقع أن يتقدم، وإن كان يخوضه بحذر بالغ، ويعزّزه عبر قناته المفتوحة والصريحة مع رئيس الجمهورية جوزاف عون، والتي لم تتأثر بتداعيات خطابات ومواقف الرئيس الأخيرة، بل بقيت نشطة، رغم سيل الانتقادات والتعليقات، سواء عبر الإعلام الرسمي التابع للحزب أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي.














