متى تقول “بيئة الحزب” كفى؟

يقدَّم “حزب اللّه” منذ تأسيسه على أنه حركة مقاومة نشأت في سياق الاحتلال الإسرائيلي، لكن بنيته التنظيمية، وخطابه السياسي، وآليات إدارته للبيئة التي يهيمن عليها، تجعل منه أقرب إلى نموذج الأنظمة الاستبدادية المغلقة منه إلى حزب سياسي يعمل ضمن دولة تعددية. فهو لا يقبل الرأي الآخر، ولا يعترف بالاختلاف داخل بيئته، ويعتمد منطق التخوين والإقصاء، تمامًا كما يفعل النظام الإيراني الذي يستنسخ “الحزب” تجربته ومفاهيمه، لا سيما في ما يتعلّق بولاية الفقيه وإدارة المجتمع والدولة.
في المقابل، لطالما تغنى اللبنانيون ببلدهم كمساحة للحريات وملجأ للمضطهدين وموئل للتعددية. لبنان، بطبيعته وتركيبته، ليس إيران. فهو بلد قائم على توازنات طائفية دقيقة، وعلى دستور يكرّس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، ويمنع قيام أكثرية طائفية قادرة على حكم البلاد منفردة. من هنا، لم يكن مشروع “حزب اللّه” مشروعًا قابلًا للهضم لدى شريحة واسعة من اللبنانيين، وخصوصًا أن سلاحه تحوّل من أداة مواجهة مع إسرائيل إلى وسيلة فرض هيمنة داخلية.
هذا الرفض لم يبقَ في إطار الخطاب السياسي، بل تُرجم مرارًا في الشارع. شهد لبنان مواجهات دامية مع سلاح “الحزب”، بدءًا من أحداث 7 أيار في بيروت، مروراًً بعرب خلدة والكحالة، وصولًا إلى عين الرمانة. في كل هذه المحطات، كان السلاح حاضرًا لحسم الخلافات، وكان ميزان القوة مختلًا لمصلحة طرف واحد. لكن وسط هذا المشهد، يبرز سؤال أساسي: أين هم شيعة لبنان؟ ولماذا لا نشهد انتفاضة شيعية داخلية على غرار ما يحدث في إيران؟
الجواب القاسي هو أن الاعتراض داخل البيئة الشيعية جرى قمعه بالعنف المباشر أو غير المباشر. ففي وضح النهار، قُتل الناشط المعارض هاشم السلمان أمام السفارة الإيرانية في بيروت، في رسالة دموية لكل من يفكّر برفع صوته. وبعد سنوات، اغتيل الباحث والناشط لقمان سليم، أحد أبرز الأصوات الشيعية المنتقدة لـ “حزب اللّه” وسلاحه وهيمنته. الرجلان لم يكونا خصمَين عابرين، بل شكّلا نموذجًا لمعارضة شيعية فكرية وسياسية صلبة، وكان مصيرهما رسالة واضحة: كلفة الاعتراض قد تكون الحياة نفسها.
أما من لم يُغتَل، فقد أُسكت بوسائل أخرى: التخويف، التخوين، قطع الأرزاق، تركيب الملفات، أو اتهامات العمالة. في بيئة كهذه، يصبح الاعتراض فعلًا انتحاريًا. ورغم ذلك، لا تزال هناك مجموعة من الشيعة المعارضين الصامدين في مواقفهم، لكنهم يفضلون العمل بهدوء، ويرفضون المواجهة من منطلق مذهبي أو طائفي، بحثًا عن مشروع وطني جامع يواجه “حزب اللّه” كقوة سياسية وعسكرية، لا كطائفة.
إضافة إلى القمع الأمني والسياسي، لعب المال دورًا أساسيًا في كبح أي انتفاضة داخلية. فالمساعدات والخدمات والأموال التي يقدّمها “الحزب” عبر شبكاته الاجتماعية والصحية والاقتصادية شكّلت أداة ضبط فعّالة. كثيرون لا يتماهون مع نهجه أو لغته أو ثقافة السلاح، لكنهم مرتبطون به بلقمة عيشهم، في ظل دولة غائبة واقتصاد منهار. وفي المقابل، يُخوَّن كل من يعارض، ويُدفع إلى الهامش أو يُستهدف في مصدر رزقه.
الهيمنة لم تقتصر على السياسة والاقتصاد، بل امتدت بعمق إلى التعليم والثقافة. فمنذ أوائل التسعينات، عمل “حزب اللّه” على إحكام قبضته على المنظومة التربوية في المناطق التي يسيطر عليها. أُغلقت مدارس لا تتماشى مع نهج ولاية الفقيه، ومنذ عام 1993 أنشأ “الحزب” شبكة “مدارس المهدي” موزعة بين الضاحية الجنوبية لبيروت، والجنوب، والبقاع. هذه المدارس لا تؤدي دورًا تعليميًا فحسب، بل تشكّل أداة أساسية في بناء هوية أيديولوجية مغلقة.
في هذه المدارس، لا يقتصر الأمر على المناهج الرسمية، بل يتعدّاها إلى الأنشطة والمخيّمات والثقافة اليومية التي تُزرع في عقول الطلاب منذ الروضات. تُدرَّس اللغة الفارسية، وتُرفع شعارات “حزب اللّه” والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتُعلّق صور “الولي الفقيه” وحسن نصراللّه، في عملية ممنهجة لتشكيل وعي سياسي ومذهبي محدد. ولم يخفِ قادة “الحزب” هذا التوجّه، كما ظهر في خطاب أمين عام “حزب اللّه” نعيم قاسم حين تحدّث صراحة عن “هذا هو جيل “حزب اللّه”.
ولتعزيز السيطرة على الفضاء الطلابي، أنشأ “الحزب” “التعبئة التربوية” كذراع طلابية له، تنتشر في الجامعات والثانويات، ولا سيما في فروع الجامعة اللبنانية في الجنوب ومجمّع الحدث. هناك، تُنظم معارض واحتفالات ومسيرات ووقفات تضامنية، تعبّر بوضوح عن مواقف “الحزب” وأهدافه، التي تُعلَن صراحة: دعم “المقاومة”، تعميم ثقافتها، وتجذيرها ورفدها بالكفاءات.
ولا يمكن إغفال دور “كشافة المهدي” التي تأسست عام 1985، في تكريس هذا النهج منذ الطفولة. فالكشافة، التي يُفترض أن تكون مساحة تربوية عامة، تحوّلت إلى منصة لغرس أفكار ولاية الفقيه، وتمجيد القتال والمقاومة، وتقديس النموذج الإيراني. في ظل “غسيل الدماغ” هذا المستمر منذ أكثر من ثلاثة عقود، يصبح من الصعب تخيّل انتفاضة داخلية من جيل تربّى بالكامل على هذا الفكر.
ومع ذلك، لا يمكن الادعاء أن شيعة لبنان كتلة صمّاء. هناك معارضة حقيقية، لكنها مُحاصَرة. كثيرون يختارون الصمت أو الهجرة بدل المواجهة. إلى متى سيبقى شيعة لبنان ينتظرون؟ خمسون سنة إضافية من الهيمنة؟ جيل آخر يُربّى على الخوف بدل الحرية، وعلى الطاعة بدل السؤال، وعلى السلاح بدل الدولة؟ ماذا بقي ليخسروه بعد: بيوتهم دُمّرت، قراهم استُهدفت، أرزاقهم ضاعت، وأبناؤهم يُهجَّرون الواحد تلو الآخر. لم يعيشوا بحبوحة إيران، ولا انهيارها الكامل، بل علقوا في منطقة رمادية يدفعون فيها أثمان حروب لا يقرّرونها، وعزلة لا يختارونها، ودمارًا يُفرض عليهم باسم “الحماية”.
أليس الأجدر أن يكون الاعتراض اليوم، لا بعد نصف قرن؟ هل المطلوب أن يصبح الواقع الإيراني قدَرًا كاملًا في لبنان، اقتصاديًا واجتماعيًا وإنسانيًا، حتى يتحرّك الناس؟ التجربة أمامهم حيّة: شعبٌ انتفض بعدما ضاق الخناق، بعدما صار القمع هو القاعدة، والفقر هو المصير. الفارق الوحيد أن شيعة لبنان ما زال لديهم هامش، ولو ضيّق، وما زال لبنان، رغم كل شيء، يملك فرصة إنقاذ.
الانتفاضة لا تعني حربًا أهلية، ولا صدامًا مذهبيًا، ولا إلغاءً لأحد. الانتفاضة تعني كسر الخوف، واستعادة الصوت، والقول بوضوح: نحن لسنا رهائن، ولسنا وقود مشاريع عابرة للحدود. تعني أن يكون الشيعة شركاء كاملين في دولة، لا جنوداً دائمين في معركة مفتوحة. فكل يوم صمت هو تثبيت للهيمنة، وكل جيل يمرّ هو انتصار إضافي لمن صادر القرار.
الشيعة في لبنان مكوّن أساسي وأصيل، لهم جذورهم العميقة في تاريخ هذا البلد، ونضالهم في الدفاع عن أرضهم لا يمكن إنكاره. لكن التحوّل الكبير بدأ بعد عام 1982، مع انتصار الثورة الإيرانية وتأسيس “حزب اللّه” على قاعدة أيديولوجية تتجاوز لبنان وحدوده. اليوم، ومع ما تشهده إيران نفسها من انتفاضات، السؤال لم يعد: هل يمكن الانتفاض؟ بل: ماذا ينتظرون؟ لأن التاريخ لا يرحم الذين رأوا الخطر مبكرًا واختاروا الانتظار.
الجواب لا يكمن في غياب الرفض، بل في منظومة القمع والهيمنة والمال والتعليم المؤدلج التي شُلَّت معها القدرة على الفعل. ومع ذلك، تبقى الحقيقة الأهم: لا أحد يريد إلغاء الشيعة في لبنان، خلافًا لما يُزرع في أذهانهم. الخطر الحقيقي ليس في الشراكة الوطنية، بل في نهج “حزب اللّه” الذي صادر قرارهم، وربط مصيرهم بمشروع لا يشبه لبنان. والانتفاضة، إن حصلت يومًا، لن تكون ضد طائفة، بل من أجل استعادة وطن.
أنتم في لبنان حيث لا دولة تقطع الإنترنت وتطلق النار على المتظاهرين إذا انتفضتم، الدولة لن تقتلكم، ولن تسحقكم بالدبابات. نحن في عهد لم يعد فيه “حزب اللّه” قادرًاعلى النزول إلى الشوارع كما في السابق، ولا على ضرب الناس وقمعهم علنًا كما فعل في مراحل سابقة. ميزان الخوف تغيّر، والشارع لم يعد أعزل كما كان. فالخوف اليوم لم يعد قدَرًا، والصمت لم يعد حماية.
فيا “بيئة الحزب”… ماذا تنتظرون؟
متى تقول “بيئة الحزب” كفى؟

يقدَّم “حزب اللّه” منذ تأسيسه على أنه حركة مقاومة نشأت في سياق الاحتلال الإسرائيلي، لكن بنيته التنظيمية، وخطابه السياسي، وآليات إدارته للبيئة التي يهيمن عليها، تجعل منه أقرب إلى نموذج الأنظمة الاستبدادية المغلقة منه إلى حزب سياسي يعمل ضمن دولة تعددية. فهو لا يقبل الرأي الآخر، ولا يعترف بالاختلاف داخل بيئته، ويعتمد منطق التخوين والإقصاء، تمامًا كما يفعل النظام الإيراني الذي يستنسخ “الحزب” تجربته ومفاهيمه، لا سيما في ما يتعلّق بولاية الفقيه وإدارة المجتمع والدولة.
في المقابل، لطالما تغنى اللبنانيون ببلدهم كمساحة للحريات وملجأ للمضطهدين وموئل للتعددية. لبنان، بطبيعته وتركيبته، ليس إيران. فهو بلد قائم على توازنات طائفية دقيقة، وعلى دستور يكرّس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، ويمنع قيام أكثرية طائفية قادرة على حكم البلاد منفردة. من هنا، لم يكن مشروع “حزب اللّه” مشروعًا قابلًا للهضم لدى شريحة واسعة من اللبنانيين، وخصوصًا أن سلاحه تحوّل من أداة مواجهة مع إسرائيل إلى وسيلة فرض هيمنة داخلية.
هذا الرفض لم يبقَ في إطار الخطاب السياسي، بل تُرجم مرارًا في الشارع. شهد لبنان مواجهات دامية مع سلاح “الحزب”، بدءًا من أحداث 7 أيار في بيروت، مروراًً بعرب خلدة والكحالة، وصولًا إلى عين الرمانة. في كل هذه المحطات، كان السلاح حاضرًا لحسم الخلافات، وكان ميزان القوة مختلًا لمصلحة طرف واحد. لكن وسط هذا المشهد، يبرز سؤال أساسي: أين هم شيعة لبنان؟ ولماذا لا نشهد انتفاضة شيعية داخلية على غرار ما يحدث في إيران؟
الجواب القاسي هو أن الاعتراض داخل البيئة الشيعية جرى قمعه بالعنف المباشر أو غير المباشر. ففي وضح النهار، قُتل الناشط المعارض هاشم السلمان أمام السفارة الإيرانية في بيروت، في رسالة دموية لكل من يفكّر برفع صوته. وبعد سنوات، اغتيل الباحث والناشط لقمان سليم، أحد أبرز الأصوات الشيعية المنتقدة لـ “حزب اللّه” وسلاحه وهيمنته. الرجلان لم يكونا خصمَين عابرين، بل شكّلا نموذجًا لمعارضة شيعية فكرية وسياسية صلبة، وكان مصيرهما رسالة واضحة: كلفة الاعتراض قد تكون الحياة نفسها.
أما من لم يُغتَل، فقد أُسكت بوسائل أخرى: التخويف، التخوين، قطع الأرزاق، تركيب الملفات، أو اتهامات العمالة. في بيئة كهذه، يصبح الاعتراض فعلًا انتحاريًا. ورغم ذلك، لا تزال هناك مجموعة من الشيعة المعارضين الصامدين في مواقفهم، لكنهم يفضلون العمل بهدوء، ويرفضون المواجهة من منطلق مذهبي أو طائفي، بحثًا عن مشروع وطني جامع يواجه “حزب اللّه” كقوة سياسية وعسكرية، لا كطائفة.
إضافة إلى القمع الأمني والسياسي، لعب المال دورًا أساسيًا في كبح أي انتفاضة داخلية. فالمساعدات والخدمات والأموال التي يقدّمها “الحزب” عبر شبكاته الاجتماعية والصحية والاقتصادية شكّلت أداة ضبط فعّالة. كثيرون لا يتماهون مع نهجه أو لغته أو ثقافة السلاح، لكنهم مرتبطون به بلقمة عيشهم، في ظل دولة غائبة واقتصاد منهار. وفي المقابل، يُخوَّن كل من يعارض، ويُدفع إلى الهامش أو يُستهدف في مصدر رزقه.
الهيمنة لم تقتصر على السياسة والاقتصاد، بل امتدت بعمق إلى التعليم والثقافة. فمنذ أوائل التسعينات، عمل “حزب اللّه” على إحكام قبضته على المنظومة التربوية في المناطق التي يسيطر عليها. أُغلقت مدارس لا تتماشى مع نهج ولاية الفقيه، ومنذ عام 1993 أنشأ “الحزب” شبكة “مدارس المهدي” موزعة بين الضاحية الجنوبية لبيروت، والجنوب، والبقاع. هذه المدارس لا تؤدي دورًا تعليميًا فحسب، بل تشكّل أداة أساسية في بناء هوية أيديولوجية مغلقة.
في هذه المدارس، لا يقتصر الأمر على المناهج الرسمية، بل يتعدّاها إلى الأنشطة والمخيّمات والثقافة اليومية التي تُزرع في عقول الطلاب منذ الروضات. تُدرَّس اللغة الفارسية، وتُرفع شعارات “حزب اللّه” والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتُعلّق صور “الولي الفقيه” وحسن نصراللّه، في عملية ممنهجة لتشكيل وعي سياسي ومذهبي محدد. ولم يخفِ قادة “الحزب” هذا التوجّه، كما ظهر في خطاب أمين عام “حزب اللّه” نعيم قاسم حين تحدّث صراحة عن “هذا هو جيل “حزب اللّه”.
ولتعزيز السيطرة على الفضاء الطلابي، أنشأ “الحزب” “التعبئة التربوية” كذراع طلابية له، تنتشر في الجامعات والثانويات، ولا سيما في فروع الجامعة اللبنانية في الجنوب ومجمّع الحدث. هناك، تُنظم معارض واحتفالات ومسيرات ووقفات تضامنية، تعبّر بوضوح عن مواقف “الحزب” وأهدافه، التي تُعلَن صراحة: دعم “المقاومة”، تعميم ثقافتها، وتجذيرها ورفدها بالكفاءات.
ولا يمكن إغفال دور “كشافة المهدي” التي تأسست عام 1985، في تكريس هذا النهج منذ الطفولة. فالكشافة، التي يُفترض أن تكون مساحة تربوية عامة، تحوّلت إلى منصة لغرس أفكار ولاية الفقيه، وتمجيد القتال والمقاومة، وتقديس النموذج الإيراني. في ظل “غسيل الدماغ” هذا المستمر منذ أكثر من ثلاثة عقود، يصبح من الصعب تخيّل انتفاضة داخلية من جيل تربّى بالكامل على هذا الفكر.
ومع ذلك، لا يمكن الادعاء أن شيعة لبنان كتلة صمّاء. هناك معارضة حقيقية، لكنها مُحاصَرة. كثيرون يختارون الصمت أو الهجرة بدل المواجهة. إلى متى سيبقى شيعة لبنان ينتظرون؟ خمسون سنة إضافية من الهيمنة؟ جيل آخر يُربّى على الخوف بدل الحرية، وعلى الطاعة بدل السؤال، وعلى السلاح بدل الدولة؟ ماذا بقي ليخسروه بعد: بيوتهم دُمّرت، قراهم استُهدفت، أرزاقهم ضاعت، وأبناؤهم يُهجَّرون الواحد تلو الآخر. لم يعيشوا بحبوحة إيران، ولا انهيارها الكامل، بل علقوا في منطقة رمادية يدفعون فيها أثمان حروب لا يقرّرونها، وعزلة لا يختارونها، ودمارًا يُفرض عليهم باسم “الحماية”.
أليس الأجدر أن يكون الاعتراض اليوم، لا بعد نصف قرن؟ هل المطلوب أن يصبح الواقع الإيراني قدَرًا كاملًا في لبنان، اقتصاديًا واجتماعيًا وإنسانيًا، حتى يتحرّك الناس؟ التجربة أمامهم حيّة: شعبٌ انتفض بعدما ضاق الخناق، بعدما صار القمع هو القاعدة، والفقر هو المصير. الفارق الوحيد أن شيعة لبنان ما زال لديهم هامش، ولو ضيّق، وما زال لبنان، رغم كل شيء، يملك فرصة إنقاذ.
الانتفاضة لا تعني حربًا أهلية، ولا صدامًا مذهبيًا، ولا إلغاءً لأحد. الانتفاضة تعني كسر الخوف، واستعادة الصوت، والقول بوضوح: نحن لسنا رهائن، ولسنا وقود مشاريع عابرة للحدود. تعني أن يكون الشيعة شركاء كاملين في دولة، لا جنوداً دائمين في معركة مفتوحة. فكل يوم صمت هو تثبيت للهيمنة، وكل جيل يمرّ هو انتصار إضافي لمن صادر القرار.
الشيعة في لبنان مكوّن أساسي وأصيل، لهم جذورهم العميقة في تاريخ هذا البلد، ونضالهم في الدفاع عن أرضهم لا يمكن إنكاره. لكن التحوّل الكبير بدأ بعد عام 1982، مع انتصار الثورة الإيرانية وتأسيس “حزب اللّه” على قاعدة أيديولوجية تتجاوز لبنان وحدوده. اليوم، ومع ما تشهده إيران نفسها من انتفاضات، السؤال لم يعد: هل يمكن الانتفاض؟ بل: ماذا ينتظرون؟ لأن التاريخ لا يرحم الذين رأوا الخطر مبكرًا واختاروا الانتظار.
الجواب لا يكمن في غياب الرفض، بل في منظومة القمع والهيمنة والمال والتعليم المؤدلج التي شُلَّت معها القدرة على الفعل. ومع ذلك، تبقى الحقيقة الأهم: لا أحد يريد إلغاء الشيعة في لبنان، خلافًا لما يُزرع في أذهانهم. الخطر الحقيقي ليس في الشراكة الوطنية، بل في نهج “حزب اللّه” الذي صادر قرارهم، وربط مصيرهم بمشروع لا يشبه لبنان. والانتفاضة، إن حصلت يومًا، لن تكون ضد طائفة، بل من أجل استعادة وطن.
أنتم في لبنان حيث لا دولة تقطع الإنترنت وتطلق النار على المتظاهرين إذا انتفضتم، الدولة لن تقتلكم، ولن تسحقكم بالدبابات. نحن في عهد لم يعد فيه “حزب اللّه” قادرًاعلى النزول إلى الشوارع كما في السابق، ولا على ضرب الناس وقمعهم علنًا كما فعل في مراحل سابقة. ميزان الخوف تغيّر، والشارع لم يعد أعزل كما كان. فالخوف اليوم لم يعد قدَرًا، والصمت لم يعد حماية.
فيا “بيئة الحزب”… ماذا تنتظرون؟











