إيران… فجوة أيديولوجية بين “الحرس” والجيش تختبر وحدة النخبة

يشير التاريخ إلى أن الأنظمة لا تنهار نتيجة إخفاقات منفردة، بل نتيجة تضافر عوامل ضغط قاتلة. وللمرة الأولى منذ عام 1979، تستوفي إيران معظم شروط نجاح الثورات. قبل 47 عامًا، شهدت إيران ثورة أطاحت نظامًا ملكيًا متحالفًا مع الولايات المتحدة، وأقامت نظامًا دينيًا مناهضًا لها. واليوم، قد تكون الجمهورية الإسلامية الإيرانية على شفير ثورة مضادة.
فوفقًا لتقارير استخباراتية أميركية، كشفت الاحتجاجات التي تجتاح إيران منذ أواخر كانون الأوّل 2025، “انقسامات محتملة” داخل الجهاز الأمني للجمهورية الإسلامية، حيث أصدرت منظمة استخبارات “الحرس الثوري” تحذيرًا غير مسبوق في شأن “فرار” (acts of abandonment) بين قوات الأمن، وهو ما يكشف عن “قلق النظام العميق في شأن الولاء” مع دخول التظاهرات أسبوعها الثالث.
فقد أصدرت منظمة استخبارات “الحرس الثوري” بيانًا في 10 كانون الثاني يفيد بأنها “تتعامل مع أحداث فرار محتملة”، ما يشير إلى أن بعض قوات الأمن الإيرانية ربما تكون قد انشقت بالفعل أو أن النظام قلق للغاية حيال هذا الاحتمال. ويمثل هذا التحذير، الذي حُذفت أجزاء منه لاحقًا من البيانات الرسمية، اعترافًا علنيًا نادرًا بمخاوف ظلت كامنة لفترة طويلة في بنية إيران العسكرية المزدوجة.
يكمن جوهر مخاوف النظام في اختلاف جوهري بين القوتين العسكريتين الإيرانيتين. فـ “الحرس الثوري”، بموجب تفويضه الدستوري، هو المسؤول عن ضمان وحدة الجمهورية الإسلامية، ومن ثم منع التدخل الأجنبي في إيران، وإحباط الانقلابات العسكرية التقليدية، وقمع “الحركات المنحرفة” التي تضر بالإرث الأيديولوجي للثورة الإسلامية. في المقابل، يضطلع الأرتش، أي الجيش النظامي الإيراني، بمهمة أكثر تقليدية وأقل توجهًا أيديولوجيًا، تركز على الدفاع الوطني.
وقد تفاقمت هذه الفجوة الأيديولوجية مع اتساع رقعة الاحتجاجات لتشمل 180 مدينة وبلدة في كافة المحافظات الـ 31. فالأرتش عمومًا أقل توجهًا أيديولوجيًا وأكثر تمثيلًا للشعب الإيراني من “الحرس”، ما يزيد من خطر انشقاق عناصره. ويشير خبراء أميركيون إلى أن هذا يخلق معضلة خطرة للنظام، إذ إن نشر الأرتش يُنذر بإدخال قوات أقل التزامًا بالحفاظ على الجمهورية الإسلامية، بينما الاعتماد كليًا على “الحرس” قد يؤدي إلى إرهاق أجهزة الأمن الأيديولوجية في إيران.
ولفت الخبراء إلى ما أعلنته قوات الأرتش الأسبوع الماضي أنها “تحت قيادة القائد الأعلى (خامنئي)، وبالتعاون مع القوات المسلحة الأخرى، بالإضافة إلى مراقبة تحركات العدو في المنطقة، ستتولى حماية المصالح الوطنية والبنية التحتية الاستراتيجية للبلاد والممتلكات العامة بكل حزم”. وأشار هؤلاء الخبراء إلى أنه رغم ذلك لم تُبدِ هذه القوات استعدادها لاستخدام أسلحتها الثقيلة لإخلاء الشوارع من المتظاهرين، وذلك تماشيًا مع مهمتها الوطنية لا الأيديولوجية.
واعتبر دبلوماسي أميركي أن نشر قوات الأرتش غير المُدرّبة على السيطرة على الاضطرابات المدنية يشير إلى أن قوات الأمن الإيرانية قد تواجه قيودًا في قدراتها، نظرًا لأن النظام لن ينشرها على الأرجح إلّا عند الضرورة القصوى. وقد خلصت مراكز أبحاث، مثل “معهد دراسات الحرب”، إلى أن محاولات النظام نشر قوات الأرتش لمواجهة الاحتجاجات تعكس يأسه في مواجهة الانتفاضة الحازمة.
وأشار مصدر عسكري أميركي إلى أن النظام حاول تعويض النقص المحتمل في قوات الأمن عبر إجراءات استثنائية، أبرزها المجيء بعناصر من فصائل مسلحة شيعية عراقية، من بينها “كتائب حزب الله”، و “حركة النجباء”، و “كتائب سيد الشهداء”، و “منظمة بدر”، إلى إيران، حيث نُقلوا عبر المعابر الحدودية وتجمعوا في قاعدة بالأهواز قبل إرسالهم إلى مناطق مختلفة للمساعدة في قمع الاحتجاجات. وبحسب إذاعة إيران الدولية، “قد يكون السبب وراء هذه الخطوة من جانب الجمهورية الإسلامية، هو خشيتها من عدم امتثال الشرطة الإيرانية للأوامر بمهاجمة المدنيين العزل، أو ببساطة لأن قواتها غير كافية لوقف الاحتجاجات في أكثر من 100 مدينة”.
رغم استمرار المخاوف في شأن “موضوع الولاء”، تؤكد مصادر استخباراتية أميركية عدم ورود أي تقارير عن انشقاقات علنية مؤكدة أو اشتباكات مباشرة بين قوات الأمن. كما أشارت المصادر إلى أن القيادة السياسية الإيرانية قد حافظت على وحدتها، دون أي انشقاقات مؤكدة في صفوف القوات المسلحة. إلّا أن هذه المصادر تلفت إلى مؤشرات تصفها بالـ “مقلقة” تعكس التردّدات التي بدأت تظهر. فقد أفادت منظمة حقوقية كردية في 8 كانون الثاني بأن النظام اعتقل “عشرات” من عناصر قوات الأمن في مدينة كرمنشاه لرفضهم إطلاق النار على المتظاهرين.
كما نقلت وسائل إعلام عن مسؤولين عسكريين في مدن ذات غالبية كردية في شمال غرب إيران، أن قوات الأمن تختلف حول ما إذا كانت حملة القمع “الواسعة” التي يشنها النظام ضد الاحتجاجات ستؤدي إلى احتواء الاحتجاجات أم إلى تأجيج المزيد من الاضطرابات. وقال أحد الضباط إن جميع زملائه في المركز يعتقدون أن النظام ينهار، مضيفًا أنه يعمل في عمله من أجل تقاضي راتبه، و “ليس لقتل الناس”. وكان مسؤولون في الجمهورية الإسلامية، طلبوا عدم كشف هويتهم، قد قالوا لوسائل إعلام أجنبية إن المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي “على اتصال أوثق” بالحرس الثوري منه بالجيش أو الشرطة، لأنه يعتقد أن خطر انشقاقات “الحرس” شبه معدومة، بينما “انشقت عناصر أخرى سابقًا”.
وتتبنى الولايات المتحدة، في عهد الرئيس دونالد ترامب، نهجًا متعدد الأوجه يجمع بين التهديدات العسكرية والضغوط الاقتصادية والدعم اللفظي للمتظاهرين. وكان ترامب قد قال للصحافيين يوم الأحد الماضي على متن طائرته الرئاسية: “نحن ندرس الأمر بجدية بالغة. الجيش يدرسه، ونحن ندرس خيارات قوية للغاية. سنتخذ القرار المناسب”. غير أن دبلوماسي أميركي سابق كشف أن النقاش في البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي حول إيران عالق بين خيارين: إما التزام الصمت وتقويض صدقية الولايات المتحدة، وإما المبالغة في رد الفعل والمخاطرة بتصعيد خارج عن السيطرة. وأوضح الدبلوماسي أن ثمة خيارًا ثالثًا محتملًا يجمع بين الخيارين السابقين كضربات رمزية محدودة وعلنية ضد آلة قمع النظام وبنيته الأيديولوجية (رموز النظام، ومراكز “الحرس الثوري”/الباسيج، ومصادر دخله الرئيسية)، “تهدف إلى إظهار العزم، لا إشعال فتيل الحرب”.
وكان خبراء عسكريون قد أشاروا إلى أن للرمزية أهمية بالغة في إيران. فالقوة، إذا استُخدمت بشكل واضح وانتقائي، تُشير إلى دعم الولايات المتحدة العسكري للشعب الإيراني. ويُتبع ذلك بتحذيرات واضحة لمزيد من العمل العسكري، وحرب اقتصادية وإعلامية ودبلوماسية متواصلة، وعمليات سرية.
من هنا أكد مصدر في البنتاغون أن “الخيار ليس بين عدم فعل شيء أو الحرب، بل الجدية في تغيير المعادلة”. ومع ذلك، يواجه النهج الأميركي تحديات كبيرة. وقد أشار مسؤول سابق في الأمن القومي إلى أن “المعضلة صعبة: فضربة قوية قد تقوّض جهود النظام القمعية، لكنها في الوقت نفسه قد تؤدّي إلى مزيد من التماسك داخل النظام وتصعيد أوسع نطاقًا، وذلك بسبب غياب القيادة في صفوف المعارضة… من هنا الضربة تحقق نجاحًا عمليًا، لكنها تفشل استراتيجيًا”.
في المقابل، قال دبلوماسي أميركي إن فشل قوات الأمن في قمع الاضطرابات يشير إلى أن المعارضة الشعبية تتمتع بحافز قوي، وإلى أن أفراد الأمن قد يترددون في تنفيذ أوامر استخدام القوة المفرطة. غير أنه لفت إلى أن المسؤولين الإيرانيين، بمن فيهم خامنئي، يسعون إلى تعزيز عزيمة أنصارهم من البيئة الحاضنة وأفراد “الحرس” من خلال وصف المتظاهرين بـ “الإرهابيين”.
وتعكس المقاربات المتباينة لـ “الحرس” وقوات الأرتش، توترات أعمق داخل النخبة الإيرانية. فـ “الحرس” الذي مُني بخسائر فادحة خلال “حرب الـ 12 يومًا” مع إسرائيل في حزيران الماضي، يُفضل القمع الأقصى للحفاظ على الأسس الأيديولوجية للجمهورية الإسلامية. في المقابل، تبدو قوات جيش الأرتش أكثر اهتمامًا بالاستقرار الوطني، وقد تكون أقل استعدادًا للانخراط في أعمال عنف جماعي ضدّ المواطنين الإيرانيين.
في هذا الإطار، أشار مصدر استخباراتي أميركي إلى أن القيادة الإيرانية “تقترب من مفترق طرق حاسم: إمّا أن تسعى إلى تسوية على غرار النموذج الفنزويلي مع الرئيس ترامب، والتي قد تستلزم تغييرًا في القيادة مع الحفاظ على المؤسسات الأساسية للنظام، وإما أن تستمرّ في مسار التدهور الاقتصادي، والاحتجاجات الجماهيرية المتكررة، والتآكل التدريجي للتماسك داخل الأجهزة الأمنية، وهي عملية قد تُفضي في نهاية المطاف إلى انهيار النظام”.
إيران… فجوة أيديولوجية بين “الحرس” والجيش تختبر وحدة النخبة

يشير التاريخ إلى أن الأنظمة لا تنهار نتيجة إخفاقات منفردة، بل نتيجة تضافر عوامل ضغط قاتلة. وللمرة الأولى منذ عام 1979، تستوفي إيران معظم شروط نجاح الثورات. قبل 47 عامًا، شهدت إيران ثورة أطاحت نظامًا ملكيًا متحالفًا مع الولايات المتحدة، وأقامت نظامًا دينيًا مناهضًا لها. واليوم، قد تكون الجمهورية الإسلامية الإيرانية على شفير ثورة مضادة.
فوفقًا لتقارير استخباراتية أميركية، كشفت الاحتجاجات التي تجتاح إيران منذ أواخر كانون الأوّل 2025، “انقسامات محتملة” داخل الجهاز الأمني للجمهورية الإسلامية، حيث أصدرت منظمة استخبارات “الحرس الثوري” تحذيرًا غير مسبوق في شأن “فرار” (acts of abandonment) بين قوات الأمن، وهو ما يكشف عن “قلق النظام العميق في شأن الولاء” مع دخول التظاهرات أسبوعها الثالث.
فقد أصدرت منظمة استخبارات “الحرس الثوري” بيانًا في 10 كانون الثاني يفيد بأنها “تتعامل مع أحداث فرار محتملة”، ما يشير إلى أن بعض قوات الأمن الإيرانية ربما تكون قد انشقت بالفعل أو أن النظام قلق للغاية حيال هذا الاحتمال. ويمثل هذا التحذير، الذي حُذفت أجزاء منه لاحقًا من البيانات الرسمية، اعترافًا علنيًا نادرًا بمخاوف ظلت كامنة لفترة طويلة في بنية إيران العسكرية المزدوجة.
يكمن جوهر مخاوف النظام في اختلاف جوهري بين القوتين العسكريتين الإيرانيتين. فـ “الحرس الثوري”، بموجب تفويضه الدستوري، هو المسؤول عن ضمان وحدة الجمهورية الإسلامية، ومن ثم منع التدخل الأجنبي في إيران، وإحباط الانقلابات العسكرية التقليدية، وقمع “الحركات المنحرفة” التي تضر بالإرث الأيديولوجي للثورة الإسلامية. في المقابل، يضطلع الأرتش، أي الجيش النظامي الإيراني، بمهمة أكثر تقليدية وأقل توجهًا أيديولوجيًا، تركز على الدفاع الوطني.
وقد تفاقمت هذه الفجوة الأيديولوجية مع اتساع رقعة الاحتجاجات لتشمل 180 مدينة وبلدة في كافة المحافظات الـ 31. فالأرتش عمومًا أقل توجهًا أيديولوجيًا وأكثر تمثيلًا للشعب الإيراني من “الحرس”، ما يزيد من خطر انشقاق عناصره. ويشير خبراء أميركيون إلى أن هذا يخلق معضلة خطرة للنظام، إذ إن نشر الأرتش يُنذر بإدخال قوات أقل التزامًا بالحفاظ على الجمهورية الإسلامية، بينما الاعتماد كليًا على “الحرس” قد يؤدي إلى إرهاق أجهزة الأمن الأيديولوجية في إيران.
ولفت الخبراء إلى ما أعلنته قوات الأرتش الأسبوع الماضي أنها “تحت قيادة القائد الأعلى (خامنئي)، وبالتعاون مع القوات المسلحة الأخرى، بالإضافة إلى مراقبة تحركات العدو في المنطقة، ستتولى حماية المصالح الوطنية والبنية التحتية الاستراتيجية للبلاد والممتلكات العامة بكل حزم”. وأشار هؤلاء الخبراء إلى أنه رغم ذلك لم تُبدِ هذه القوات استعدادها لاستخدام أسلحتها الثقيلة لإخلاء الشوارع من المتظاهرين، وذلك تماشيًا مع مهمتها الوطنية لا الأيديولوجية.
واعتبر دبلوماسي أميركي أن نشر قوات الأرتش غير المُدرّبة على السيطرة على الاضطرابات المدنية يشير إلى أن قوات الأمن الإيرانية قد تواجه قيودًا في قدراتها، نظرًا لأن النظام لن ينشرها على الأرجح إلّا عند الضرورة القصوى. وقد خلصت مراكز أبحاث، مثل “معهد دراسات الحرب”، إلى أن محاولات النظام نشر قوات الأرتش لمواجهة الاحتجاجات تعكس يأسه في مواجهة الانتفاضة الحازمة.
وأشار مصدر عسكري أميركي إلى أن النظام حاول تعويض النقص المحتمل في قوات الأمن عبر إجراءات استثنائية، أبرزها المجيء بعناصر من فصائل مسلحة شيعية عراقية، من بينها “كتائب حزب الله”، و “حركة النجباء”، و “كتائب سيد الشهداء”، و “منظمة بدر”، إلى إيران، حيث نُقلوا عبر المعابر الحدودية وتجمعوا في قاعدة بالأهواز قبل إرسالهم إلى مناطق مختلفة للمساعدة في قمع الاحتجاجات. وبحسب إذاعة إيران الدولية، “قد يكون السبب وراء هذه الخطوة من جانب الجمهورية الإسلامية، هو خشيتها من عدم امتثال الشرطة الإيرانية للأوامر بمهاجمة المدنيين العزل، أو ببساطة لأن قواتها غير كافية لوقف الاحتجاجات في أكثر من 100 مدينة”.
رغم استمرار المخاوف في شأن “موضوع الولاء”، تؤكد مصادر استخباراتية أميركية عدم ورود أي تقارير عن انشقاقات علنية مؤكدة أو اشتباكات مباشرة بين قوات الأمن. كما أشارت المصادر إلى أن القيادة السياسية الإيرانية قد حافظت على وحدتها، دون أي انشقاقات مؤكدة في صفوف القوات المسلحة. إلّا أن هذه المصادر تلفت إلى مؤشرات تصفها بالـ “مقلقة” تعكس التردّدات التي بدأت تظهر. فقد أفادت منظمة حقوقية كردية في 8 كانون الثاني بأن النظام اعتقل “عشرات” من عناصر قوات الأمن في مدينة كرمنشاه لرفضهم إطلاق النار على المتظاهرين.
كما نقلت وسائل إعلام عن مسؤولين عسكريين في مدن ذات غالبية كردية في شمال غرب إيران، أن قوات الأمن تختلف حول ما إذا كانت حملة القمع “الواسعة” التي يشنها النظام ضد الاحتجاجات ستؤدي إلى احتواء الاحتجاجات أم إلى تأجيج المزيد من الاضطرابات. وقال أحد الضباط إن جميع زملائه في المركز يعتقدون أن النظام ينهار، مضيفًا أنه يعمل في عمله من أجل تقاضي راتبه، و “ليس لقتل الناس”. وكان مسؤولون في الجمهورية الإسلامية، طلبوا عدم كشف هويتهم، قد قالوا لوسائل إعلام أجنبية إن المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي “على اتصال أوثق” بالحرس الثوري منه بالجيش أو الشرطة، لأنه يعتقد أن خطر انشقاقات “الحرس” شبه معدومة، بينما “انشقت عناصر أخرى سابقًا”.
وتتبنى الولايات المتحدة، في عهد الرئيس دونالد ترامب، نهجًا متعدد الأوجه يجمع بين التهديدات العسكرية والضغوط الاقتصادية والدعم اللفظي للمتظاهرين. وكان ترامب قد قال للصحافيين يوم الأحد الماضي على متن طائرته الرئاسية: “نحن ندرس الأمر بجدية بالغة. الجيش يدرسه، ونحن ندرس خيارات قوية للغاية. سنتخذ القرار المناسب”. غير أن دبلوماسي أميركي سابق كشف أن النقاش في البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي حول إيران عالق بين خيارين: إما التزام الصمت وتقويض صدقية الولايات المتحدة، وإما المبالغة في رد الفعل والمخاطرة بتصعيد خارج عن السيطرة. وأوضح الدبلوماسي أن ثمة خيارًا ثالثًا محتملًا يجمع بين الخيارين السابقين كضربات رمزية محدودة وعلنية ضد آلة قمع النظام وبنيته الأيديولوجية (رموز النظام، ومراكز “الحرس الثوري”/الباسيج، ومصادر دخله الرئيسية)، “تهدف إلى إظهار العزم، لا إشعال فتيل الحرب”.
وكان خبراء عسكريون قد أشاروا إلى أن للرمزية أهمية بالغة في إيران. فالقوة، إذا استُخدمت بشكل واضح وانتقائي، تُشير إلى دعم الولايات المتحدة العسكري للشعب الإيراني. ويُتبع ذلك بتحذيرات واضحة لمزيد من العمل العسكري، وحرب اقتصادية وإعلامية ودبلوماسية متواصلة، وعمليات سرية.
من هنا أكد مصدر في البنتاغون أن “الخيار ليس بين عدم فعل شيء أو الحرب، بل الجدية في تغيير المعادلة”. ومع ذلك، يواجه النهج الأميركي تحديات كبيرة. وقد أشار مسؤول سابق في الأمن القومي إلى أن “المعضلة صعبة: فضربة قوية قد تقوّض جهود النظام القمعية، لكنها في الوقت نفسه قد تؤدّي إلى مزيد من التماسك داخل النظام وتصعيد أوسع نطاقًا، وذلك بسبب غياب القيادة في صفوف المعارضة… من هنا الضربة تحقق نجاحًا عمليًا، لكنها تفشل استراتيجيًا”.
في المقابل، قال دبلوماسي أميركي إن فشل قوات الأمن في قمع الاضطرابات يشير إلى أن المعارضة الشعبية تتمتع بحافز قوي، وإلى أن أفراد الأمن قد يترددون في تنفيذ أوامر استخدام القوة المفرطة. غير أنه لفت إلى أن المسؤولين الإيرانيين، بمن فيهم خامنئي، يسعون إلى تعزيز عزيمة أنصارهم من البيئة الحاضنة وأفراد “الحرس” من خلال وصف المتظاهرين بـ “الإرهابيين”.
وتعكس المقاربات المتباينة لـ “الحرس” وقوات الأرتش، توترات أعمق داخل النخبة الإيرانية. فـ “الحرس” الذي مُني بخسائر فادحة خلال “حرب الـ 12 يومًا” مع إسرائيل في حزيران الماضي، يُفضل القمع الأقصى للحفاظ على الأسس الأيديولوجية للجمهورية الإسلامية. في المقابل، تبدو قوات جيش الأرتش أكثر اهتمامًا بالاستقرار الوطني، وقد تكون أقل استعدادًا للانخراط في أعمال عنف جماعي ضدّ المواطنين الإيرانيين.
في هذا الإطار، أشار مصدر استخباراتي أميركي إلى أن القيادة الإيرانية “تقترب من مفترق طرق حاسم: إمّا أن تسعى إلى تسوية على غرار النموذج الفنزويلي مع الرئيس ترامب، والتي قد تستلزم تغييرًا في القيادة مع الحفاظ على المؤسسات الأساسية للنظام، وإما أن تستمرّ في مسار التدهور الاقتصادي، والاحتجاجات الجماهيرية المتكررة، والتآكل التدريجي للتماسك داخل الأجهزة الأمنية، وهي عملية قد تُفضي في نهاية المطاف إلى انهيار النظام”.








