نوح زعيتر: عشرون عامًا من الإفلات من العقاب… إلى متى؟!

كتب Mario Chartouni وNatasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth”:
تواصل فضائح قضيّة نوح زعيتر إثارة الجدل والتكهّنات. وعلى الرغم من أنّ بعض المعلومات لا يمكن التحقّق منها، يسعى موقع “Ici Beyrouth” إلى التّمييز بين ما هو مؤكّد، وما يُشاع، وما تثبته الوقائع فعليًّا، لفصل أسطورة هذا الرّجل عن شبكة السلطة الّتي حمتْه طوال هذه السنوات.
فلنعدْ إلى الوقائع، تحديدًا إلى يوم الخميس في العشرين من تشرين الثّاني 2025، عند الفجر، عندما كانت الطّريق المتعرّجة الّتي تربط بين الكنيْسة وبعلبك تحت ضباب كثيف. عند الخامسة صباحًا، نفذّت وحدة خاصّة من الجيش اللّبنانيّ كمينًا محكمًا. لم تُسمع أي طلقات ناريّة، ولا أي صرخة. في غضون ثوانٍ، وبعد ثلاثة أشهر من البحث المكثّف، قُبض على نوح زعيتر، الرّجل الّذي اعتبره الكثيرون صعب المنال، وجرى تكبيله بالأصفاد بعد نزوله من مركبته. وصف الجيش العمليّة بأنّها سريعة، ونظيفة، وسلسة. سقوط “عرّاب” بعد أكثر من عقدَيْن من الإفلات من العقاب.
تثير هذه العملية تساؤلات متعدّدة. كيف استطاع رجل محكوم بالإعدام، ومطلوب من الإنتربول، وملاحق في عشرات القضايا أن يتحرّك بحريّة لفترة طويلة؟ لماذا الآن؟ وماذا يعني اعتقاله بالنسبة إلى شبكات الجريمة في البقاع، الّتي لطالما حظيت بحماية بيئة سياسيّة، جغرافيّة، وأمنيّة معقّدة؟
كشف مصدر قضائيّ لموقع “Ici Beyrouth” أنّ جميع الأحكام الصّادرة غيابيًّا ضدّ زعيتر أصبحت قيد التّنفيذ، فيما تجمع مديريّة المخابرات في الجيش إفاداته تدريجيًّا، وتحوّل محاضر التّحقيق إلى الجهات القضائيّة المختصّة. وأكدّ المصدر أنّه يجري تحضير طلب رسميّ من أجل الحصول على القائمة الكاملة الّتي تضمّ جميع الملاحقات القضائيّة ضدّه.
وعن ظروف اعتقاله، أعلن المصدر أنّ العمليّة استهدفته شخصيًّا، وجرى الإعداد لها منذ أشهر، مؤكّدًا بذلك أنّ القبض عليه لم يحدث صدفةً أثناء تنقّله. أمّا الشائعات حول اعتقال ضابط لبنانيّ متواطئ، فقد جرى نفيها لغياب أي دليل ملموس. وبالنسبة إلى الوثيقة المتداولة على مواقع التّواصل على أنّها سجلّ زعيتر العدليّ، فاعتُبرت مزوّرة، لعدم توافقها مع الوثائق الرسميّة المعتمدة. وأكّد المصدر أنّ السجلّ الحقيقيّ يحتوي على ما لا يقلّ عن خمسين إدراجًا.
من بين الاتّهامات التي ترد في مصادر قضائيّة متعدّدة، يُذكر اشتراكه المزعوم في الاعتداء الّذي استهدف الجنرال جان عقل في آذار 2004، قائد قوى الأمن الداخليّ في جنوب لبنان آنذاك، وهو ما لم يُؤكد رسميًّا أبدًا، كما لم يُنفَ بشكل كامل.
طفل بقاعيّ تحوّل إلى رمز للجريمة المنظّمة
وُلد نوح زعيتر عام 1977 في تعلبايا، قضاء زحلة. نشأ في بيئة اعتمدت على تجارة المخدّرات والأسلحة لعقود من الزّمن، في ظلّ حضور ضعيف للدولة. في مرحلة المراهقة، غادر إلى سويسرا حيث أمضى بضع سنوات، قبل أن يعود إلى لبنان منتصف التّسعينيّات. التحق لفترة قصيرة بالجامعة الأميركيّة في بيروت، محاولًا أن يسلك مسارًا أكاديميًّا لم يدم طويلًا، قبل أن يعود إلى البقاع ويستقّر في الكنيْسة، الّتي ستصبح لاحقًا مهد إمبراطوريّته.
هنا بدأت مسيرة صعوده. زراعة القنّب، وتصنيع الحشيشة، والسّيطرة على الطّرقات الريفيّة، وإدارة اقتصاد موازٍ سريع النمو. فرض زعيتر نفسه شيئًا فشيئًا كلاعب محوريّ في عالم الجريمة في البقاع. وساهمت الأزمة الاقتصاديّة والحرب السوريّة في ازدياد نفوذه.
مع مرور السّنين، أنشأ زعيتر المُلاحق منذ زمن شبكة متماسكة. وتجوّل رجاله، المعروفون باسم “ألوية القلعة”، بأسلحة ثقيلة بين القرى والطّرق الفرعيّة. تراكمت الاتّهامات ضدّه، ومنها الاتجار بالأسلحة، وتصنيع المخدّرات، والخطف مقابل فدية، والسّرقات المسلّحة، والهجمات المباشرة على مواقع الجيش. لم تكن إمبراطوريّته كارتيلًّا دوليًّا متطوّرًا، بل شبكة إقليميّة محكمة التّنظيم، تتوزّع في دوائر متّحدة المركز.
تحتلّ قلب الشّبكة، الدّائرة العائليّة الضيّقة: إخوة، وأبناء عموم، وحلفاء مباشرون. تليها دائرة ثانية تتكوّن من رجال موثوقين من المنطقة عينها، يتولّون التنسيق، والمرافقة، وتنفيذ العمليّات. أمّا الدائرة الثّالثة، وهي الأكثر ضبابيّة، فتشمل أشخاصًا فاعلين محليّين، وناقلين، ووسطاء، وأحيانًا رجال أعمال مزارعين أو شخصيّات انتهازيّة.
وبحسب مصدر مطّلع، إنّ النّظام يعمل على ثلاث قواعد رئيسية: أولّها الحركة، حيث تشكّل الطّرق الثانويّة، والمسالك الجبليّة، والقرب من الحدود السوريّة، عناصر حيويّة لحسن سير عمل الشّبكة. يليها الولاء العشائريّ الضّروريّ لحماية التنقّل ومنع الاختراق، ثمّ أخيرًا القدرة على التّشبيك المرن مع شبكات أخرى، من مهرّبين، ومجموعات مسلّحة محليّة، وتجّار غير شرعيّين.
شهدت منطقة البقاع بين 2010 و2020 تحوّلًا كبيرًا، حيث تراجعت زراعة الحشيشة الّتي لطالما اشتهر بها البقاع، لمصلحة مادّة أخرى تدرّ أرباحاً أكبر: الكبتاغون. لا يتطلّب إنتاج هذا المخدّر الاصطناعيّ سوى معدّات بسيطة، ومواد كيميائيّة متاحة، فضلًا عن شبكة توزيع فعّالة. وهكذا، أصبح لبنان، ولا سيّما البقاع المحاذي لسوريا، مركزًا لإنتاج هذه المادّة ونقلها.
دور نوح زعيتر الحقيقيّ في شبكة الكبتاغون
تُظهر نتائج تقرير صادر عن مركز البحوث الاسرائيليّ “ألما” أهميّة زعيتر المصنَّف كواحد من المهرّبين اللّبنانيّين الأربعة الأكثر نفوذًا في شبكة الكبتاغون ككلّ.
ويصف التّقرير الّذي نُشر عام 2021 زعيتر بأنّه فاعل أساس يمتلك “معدّات واسعة لإنتاج كميّات كبيرة من أقراص عالية الجودة”، موضوعة في خدمة الشّبكات السوريّة واللّبنانيّة المتورّطة في هذا التّهريب العابر للحدود.
يضع التّقرير الزّعيم البقاعيّ في قلب بُنية إجراميّة منظّمة، تعتمد على نحو 130 ممرًّا غير شرعيّ تربط لبنان بسوريا. تغذّي هذه الطرق معامل في القلمون، وسرغايا، ورنكوس، وعسل الورد، وحتّى دمشق، قبل أن تتوجّه الشحنات إلى درعا والأردن، ومن هناك تنتقل إلى أسواق الخليج، وإسرائيل، وحتّى أوروبا.
يظهر زعيتر في هذا النّظام الّذي يضمّ مهرّبين محليّين، وميليشيات سوريّة مرتبطة بالفرقة الرّابعة التّابعة لماهر الأسد، وشبكات قريبة من حزب الله، كحلقة أساسيّة في جزء الشّبكة اللّبنانيّ. وعلى عكس الصّورة الشعبية المبنيّة حوله، يعتمد دوره في الكبتاغون على لوجستيّة صناعيّة مدعومة بقدرات إنتاجيّة، ومسارات توزيع عبر الحدود.
وتؤكّد المصادرات الضّخمة المؤلّفة من ملايين الأقراص الّتي نفّذتها السّلطات الأردنيّة في 2020 و2021، حجم الشّبكة الّتي وصفها تقرير “ألما”، حيث شكّل زعيتر أحد أبرز مورّديها.
نوح زعيتر … رجل صعب المنال!
منذ عام 1990، حاول الجيش اللّبناني مرارًا وتكرارًا القبض عليه، لكنّ جميع العمليّات باءت بالفشل. ففي كلّ مرة، كان يختفي قبل وصول القوّات بساعات قليلة. كيف استطاع الإفلات إذًا؟
الأسباب متعدّدة، وأبسطها طبيعة الجبال الوعرة في البقاع الّتي تشكّل ملاذات طبيعيّة للاختفاء. أمّا العامل الثّاني، فهو حماية العائلات المحليّة لأراضيها، ما يجعل أي عملية أمنيّة عرضة للتحوّل إلى صدامات طائفية، تتغيّر فيها أولويّات الدّولة وفق الأزمات السياسيّة. هذا فضلًا عن تداخل شبكات إجراميّة من مهرّبين، وتجّار مخدّرات، ومجموعات مسلّحة، في المنطقة عينها. تدرك الدّولة وجود هذه الشّبكات، وتتدخّل أحيانًا، إنّما بشكل محدود. لذا، تطلّب القبض على زعيتر مواجهة نظام اجتماعيّ واقتصاديّ كامل، وليس مجرّد شخص واحد.
كما استفاد زعيتر، وعلى مدى سنوات، من غطاء سياسيّ وأمنيّ بفضل علاقاته بعناصر من حزب الله والنّظام السوريّ السّابق بقيادة آل الأسد. وقد أكّدت واشنطن هذه الرّوابط، متّهمةً زعيتر بدعم شبكات مرتبطة بالتيّار الشيعيّ الموالي لإيران وسوريا، عبر عائدات تجارة الكبتاغون.
وفي إطار تحقيق أمنيّ تناول علاقته بنوح زعيتر، أقرّ وسيم الأسد، المقرّب من النّظام السوريّ السّابق، بأنّه يعرف زعيم المخدّرات منذ سنوات، موضحًا أنّهما تواصلا عبر فيسبوك. وأكّد أنّ قربهما لم يكن سرًّا، مضيفًا أنّ “ثلاثة أرباع الشّعب السوريّ التقطوا صورًا معه”، ومعترفًا في الوقت عينه بأنّه كان يعلم أنّ زعيتر “متورّط في تجارة المخدرات”.
20 تشرين الثّاني 2025: السّقوط
تختلف العمليّة الّتي أدّت إلى توقيفه اختلافًا جذريًّا عن سابقاتها. كمين دقيق، لا مجال فيه للهرب، ولا للمقاومة، ولا للاشتباك… حالة نادرة في هذا الملفّ. وقع الاعتقال بعد أيام قليلة من عمليّة عسكريّة كبرى في الشّراونة أودت بحياة جنديّين، يظنّ البعض أنّ الجيش أراد إرسال رسالة واضحة من خلالها: ما من منطقة يعجز عن الوصول إليها، وما من “زعيم” صعب المنال.
لكنّ هذا الاعتقال لا يجيب عن كلّ الأسئلة. هل جرى تسليم زعيتر؟ هل انسحبت الجهات الّتي كانت تحميه؟ هل ارتكب خطأً استراتيجيًّا؟ هل طرأ تغيير في موازين القوى المحليّة أو الإقليميّة؟ هل كان الهدف توجيه رسالة إلى دول الخليج المنزعجة منذ سنوات من تفشّي تهريب الكبتاغون اللّبنانيّ والسوريّ، وإظهار أنّ الدّولةتتحرّك؟ أم أنّ الأمر مرتبط بتراجع حزب الله، الّذي شهد انحدارًا حادًّا على جميع المستويات منذ مشاركته في الحرب ضد إسرائيل، عقب هجوم حماس في 7 تشرين الأوّل 2023؟
الجدير بالذّكر أنّ الميليشيا الموالية لإيران تمرّ بمرحلة ضعف غير مسبوقة على الصّعيد العسكريّ، والسياسيّ، والدبلوماسيّ، نتيجة الصّراع مع إسرائيل. وقد أدى ذلك إلى إعادة تشكيل موازين القوى في بعض المناطق التقليديّة تحت نفوذها: البقاع، والحدود، وبعض المناطق الريفيّة. في هذا السّياق، أصبح دور شبكات الجريمة، وتجّار المخدّرات، والميليشيات المحليّة، المسموح به سابقًا، أو على الأقلّ المقبول، قيد المراجعة.
ومع ذلك، فقد شكّل اعتقال نوح زعيتر نقطة تحوّل، فهو لا يكفي لتفكيك شبكة الجريمة المنظّمة الواسعة في البقاع. ولم يتوقّف نشاط تجارة الكبتاغون، وما زالت مافيات القنّب مزدهرةً، وتواصل عشائر مختلفة، أحيانًا أكثر تنظيمًا من شبكة زعيتر، السّيطرة على أجزاء واسعة من الأراضي. أمّا الدّولة المنهكة، فتجد صعوبةً في فرض سيادتها في مناطق حيث الميليشيات، وتجّار المخدّرات، والشّبكات العابرة للحدود، تتمتّع بسلطة متجذّرة.
ويثبت الاعتقال الكبير هذا، الأوّل منذ فترة طويلة، أنّ الإفلات من العقاب ليس قدرًا محتومًا.
ويبقى من الضّروريّ متابعة ما سيحدث عن كثب. هل ستكون المحاكمة حقيقيّة أم صوريّة؟ هل ستجري في ظلّ شفافيّة قضائيّة أم عبر تسويات؟ وما هي الاكتشافات المحتملة عن الجهات الحامية؟ والأهم، ما تأثير ذلك في خريطة الجريمة في البقاع؟ ففي كلّ مرّة يسقط فيها “عرّاب”، يتقدّم آخر لملء الشّغور.
نوح زعيتر: عشرون عامًا من الإفلات من العقاب… إلى متى؟!

كتب Mario Chartouni وNatasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth”:
تواصل فضائح قضيّة نوح زعيتر إثارة الجدل والتكهّنات. وعلى الرغم من أنّ بعض المعلومات لا يمكن التحقّق منها، يسعى موقع “Ici Beyrouth” إلى التّمييز بين ما هو مؤكّد، وما يُشاع، وما تثبته الوقائع فعليًّا، لفصل أسطورة هذا الرّجل عن شبكة السلطة الّتي حمتْه طوال هذه السنوات.
فلنعدْ إلى الوقائع، تحديدًا إلى يوم الخميس في العشرين من تشرين الثّاني 2025، عند الفجر، عندما كانت الطّريق المتعرّجة الّتي تربط بين الكنيْسة وبعلبك تحت ضباب كثيف. عند الخامسة صباحًا، نفذّت وحدة خاصّة من الجيش اللّبنانيّ كمينًا محكمًا. لم تُسمع أي طلقات ناريّة، ولا أي صرخة. في غضون ثوانٍ، وبعد ثلاثة أشهر من البحث المكثّف، قُبض على نوح زعيتر، الرّجل الّذي اعتبره الكثيرون صعب المنال، وجرى تكبيله بالأصفاد بعد نزوله من مركبته. وصف الجيش العمليّة بأنّها سريعة، ونظيفة، وسلسة. سقوط “عرّاب” بعد أكثر من عقدَيْن من الإفلات من العقاب.
تثير هذه العملية تساؤلات متعدّدة. كيف استطاع رجل محكوم بالإعدام، ومطلوب من الإنتربول، وملاحق في عشرات القضايا أن يتحرّك بحريّة لفترة طويلة؟ لماذا الآن؟ وماذا يعني اعتقاله بالنسبة إلى شبكات الجريمة في البقاع، الّتي لطالما حظيت بحماية بيئة سياسيّة، جغرافيّة، وأمنيّة معقّدة؟
كشف مصدر قضائيّ لموقع “Ici Beyrouth” أنّ جميع الأحكام الصّادرة غيابيًّا ضدّ زعيتر أصبحت قيد التّنفيذ، فيما تجمع مديريّة المخابرات في الجيش إفاداته تدريجيًّا، وتحوّل محاضر التّحقيق إلى الجهات القضائيّة المختصّة. وأكدّ المصدر أنّه يجري تحضير طلب رسميّ من أجل الحصول على القائمة الكاملة الّتي تضمّ جميع الملاحقات القضائيّة ضدّه.
وعن ظروف اعتقاله، أعلن المصدر أنّ العمليّة استهدفته شخصيًّا، وجرى الإعداد لها منذ أشهر، مؤكّدًا بذلك أنّ القبض عليه لم يحدث صدفةً أثناء تنقّله. أمّا الشائعات حول اعتقال ضابط لبنانيّ متواطئ، فقد جرى نفيها لغياب أي دليل ملموس. وبالنسبة إلى الوثيقة المتداولة على مواقع التّواصل على أنّها سجلّ زعيتر العدليّ، فاعتُبرت مزوّرة، لعدم توافقها مع الوثائق الرسميّة المعتمدة. وأكّد المصدر أنّ السجلّ الحقيقيّ يحتوي على ما لا يقلّ عن خمسين إدراجًا.
من بين الاتّهامات التي ترد في مصادر قضائيّة متعدّدة، يُذكر اشتراكه المزعوم في الاعتداء الّذي استهدف الجنرال جان عقل في آذار 2004، قائد قوى الأمن الداخليّ في جنوب لبنان آنذاك، وهو ما لم يُؤكد رسميًّا أبدًا، كما لم يُنفَ بشكل كامل.
طفل بقاعيّ تحوّل إلى رمز للجريمة المنظّمة
وُلد نوح زعيتر عام 1977 في تعلبايا، قضاء زحلة. نشأ في بيئة اعتمدت على تجارة المخدّرات والأسلحة لعقود من الزّمن، في ظلّ حضور ضعيف للدولة. في مرحلة المراهقة، غادر إلى سويسرا حيث أمضى بضع سنوات، قبل أن يعود إلى لبنان منتصف التّسعينيّات. التحق لفترة قصيرة بالجامعة الأميركيّة في بيروت، محاولًا أن يسلك مسارًا أكاديميًّا لم يدم طويلًا، قبل أن يعود إلى البقاع ويستقّر في الكنيْسة، الّتي ستصبح لاحقًا مهد إمبراطوريّته.
هنا بدأت مسيرة صعوده. زراعة القنّب، وتصنيع الحشيشة، والسّيطرة على الطّرقات الريفيّة، وإدارة اقتصاد موازٍ سريع النمو. فرض زعيتر نفسه شيئًا فشيئًا كلاعب محوريّ في عالم الجريمة في البقاع. وساهمت الأزمة الاقتصاديّة والحرب السوريّة في ازدياد نفوذه.
مع مرور السّنين، أنشأ زعيتر المُلاحق منذ زمن شبكة متماسكة. وتجوّل رجاله، المعروفون باسم “ألوية القلعة”، بأسلحة ثقيلة بين القرى والطّرق الفرعيّة. تراكمت الاتّهامات ضدّه، ومنها الاتجار بالأسلحة، وتصنيع المخدّرات، والخطف مقابل فدية، والسّرقات المسلّحة، والهجمات المباشرة على مواقع الجيش. لم تكن إمبراطوريّته كارتيلًّا دوليًّا متطوّرًا، بل شبكة إقليميّة محكمة التّنظيم، تتوزّع في دوائر متّحدة المركز.
تحتلّ قلب الشّبكة، الدّائرة العائليّة الضيّقة: إخوة، وأبناء عموم، وحلفاء مباشرون. تليها دائرة ثانية تتكوّن من رجال موثوقين من المنطقة عينها، يتولّون التنسيق، والمرافقة، وتنفيذ العمليّات. أمّا الدائرة الثّالثة، وهي الأكثر ضبابيّة، فتشمل أشخاصًا فاعلين محليّين، وناقلين، ووسطاء، وأحيانًا رجال أعمال مزارعين أو شخصيّات انتهازيّة.
وبحسب مصدر مطّلع، إنّ النّظام يعمل على ثلاث قواعد رئيسية: أولّها الحركة، حيث تشكّل الطّرق الثانويّة، والمسالك الجبليّة، والقرب من الحدود السوريّة، عناصر حيويّة لحسن سير عمل الشّبكة. يليها الولاء العشائريّ الضّروريّ لحماية التنقّل ومنع الاختراق، ثمّ أخيرًا القدرة على التّشبيك المرن مع شبكات أخرى، من مهرّبين، ومجموعات مسلّحة محليّة، وتجّار غير شرعيّين.
شهدت منطقة البقاع بين 2010 و2020 تحوّلًا كبيرًا، حيث تراجعت زراعة الحشيشة الّتي لطالما اشتهر بها البقاع، لمصلحة مادّة أخرى تدرّ أرباحاً أكبر: الكبتاغون. لا يتطلّب إنتاج هذا المخدّر الاصطناعيّ سوى معدّات بسيطة، ومواد كيميائيّة متاحة، فضلًا عن شبكة توزيع فعّالة. وهكذا، أصبح لبنان، ولا سيّما البقاع المحاذي لسوريا، مركزًا لإنتاج هذه المادّة ونقلها.
دور نوح زعيتر الحقيقيّ في شبكة الكبتاغون
تُظهر نتائج تقرير صادر عن مركز البحوث الاسرائيليّ “ألما” أهميّة زعيتر المصنَّف كواحد من المهرّبين اللّبنانيّين الأربعة الأكثر نفوذًا في شبكة الكبتاغون ككلّ.
ويصف التّقرير الّذي نُشر عام 2021 زعيتر بأنّه فاعل أساس يمتلك “معدّات واسعة لإنتاج كميّات كبيرة من أقراص عالية الجودة”، موضوعة في خدمة الشّبكات السوريّة واللّبنانيّة المتورّطة في هذا التّهريب العابر للحدود.
يضع التّقرير الزّعيم البقاعيّ في قلب بُنية إجراميّة منظّمة، تعتمد على نحو 130 ممرًّا غير شرعيّ تربط لبنان بسوريا. تغذّي هذه الطرق معامل في القلمون، وسرغايا، ورنكوس، وعسل الورد، وحتّى دمشق، قبل أن تتوجّه الشحنات إلى درعا والأردن، ومن هناك تنتقل إلى أسواق الخليج، وإسرائيل، وحتّى أوروبا.
يظهر زعيتر في هذا النّظام الّذي يضمّ مهرّبين محليّين، وميليشيات سوريّة مرتبطة بالفرقة الرّابعة التّابعة لماهر الأسد، وشبكات قريبة من حزب الله، كحلقة أساسيّة في جزء الشّبكة اللّبنانيّ. وعلى عكس الصّورة الشعبية المبنيّة حوله، يعتمد دوره في الكبتاغون على لوجستيّة صناعيّة مدعومة بقدرات إنتاجيّة، ومسارات توزيع عبر الحدود.
وتؤكّد المصادرات الضّخمة المؤلّفة من ملايين الأقراص الّتي نفّذتها السّلطات الأردنيّة في 2020 و2021، حجم الشّبكة الّتي وصفها تقرير “ألما”، حيث شكّل زعيتر أحد أبرز مورّديها.
نوح زعيتر … رجل صعب المنال!
منذ عام 1990، حاول الجيش اللّبناني مرارًا وتكرارًا القبض عليه، لكنّ جميع العمليّات باءت بالفشل. ففي كلّ مرة، كان يختفي قبل وصول القوّات بساعات قليلة. كيف استطاع الإفلات إذًا؟
الأسباب متعدّدة، وأبسطها طبيعة الجبال الوعرة في البقاع الّتي تشكّل ملاذات طبيعيّة للاختفاء. أمّا العامل الثّاني، فهو حماية العائلات المحليّة لأراضيها، ما يجعل أي عملية أمنيّة عرضة للتحوّل إلى صدامات طائفية، تتغيّر فيها أولويّات الدّولة وفق الأزمات السياسيّة. هذا فضلًا عن تداخل شبكات إجراميّة من مهرّبين، وتجّار مخدّرات، ومجموعات مسلّحة، في المنطقة عينها. تدرك الدّولة وجود هذه الشّبكات، وتتدخّل أحيانًا، إنّما بشكل محدود. لذا، تطلّب القبض على زعيتر مواجهة نظام اجتماعيّ واقتصاديّ كامل، وليس مجرّد شخص واحد.
كما استفاد زعيتر، وعلى مدى سنوات، من غطاء سياسيّ وأمنيّ بفضل علاقاته بعناصر من حزب الله والنّظام السوريّ السّابق بقيادة آل الأسد. وقد أكّدت واشنطن هذه الرّوابط، متّهمةً زعيتر بدعم شبكات مرتبطة بالتيّار الشيعيّ الموالي لإيران وسوريا، عبر عائدات تجارة الكبتاغون.
وفي إطار تحقيق أمنيّ تناول علاقته بنوح زعيتر، أقرّ وسيم الأسد، المقرّب من النّظام السوريّ السّابق، بأنّه يعرف زعيم المخدّرات منذ سنوات، موضحًا أنّهما تواصلا عبر فيسبوك. وأكّد أنّ قربهما لم يكن سرًّا، مضيفًا أنّ “ثلاثة أرباع الشّعب السوريّ التقطوا صورًا معه”، ومعترفًا في الوقت عينه بأنّه كان يعلم أنّ زعيتر “متورّط في تجارة المخدرات”.
20 تشرين الثّاني 2025: السّقوط
تختلف العمليّة الّتي أدّت إلى توقيفه اختلافًا جذريًّا عن سابقاتها. كمين دقيق، لا مجال فيه للهرب، ولا للمقاومة، ولا للاشتباك… حالة نادرة في هذا الملفّ. وقع الاعتقال بعد أيام قليلة من عمليّة عسكريّة كبرى في الشّراونة أودت بحياة جنديّين، يظنّ البعض أنّ الجيش أراد إرسال رسالة واضحة من خلالها: ما من منطقة يعجز عن الوصول إليها، وما من “زعيم” صعب المنال.
لكنّ هذا الاعتقال لا يجيب عن كلّ الأسئلة. هل جرى تسليم زعيتر؟ هل انسحبت الجهات الّتي كانت تحميه؟ هل ارتكب خطأً استراتيجيًّا؟ هل طرأ تغيير في موازين القوى المحليّة أو الإقليميّة؟ هل كان الهدف توجيه رسالة إلى دول الخليج المنزعجة منذ سنوات من تفشّي تهريب الكبتاغون اللّبنانيّ والسوريّ، وإظهار أنّ الدّولةتتحرّك؟ أم أنّ الأمر مرتبط بتراجع حزب الله، الّذي شهد انحدارًا حادًّا على جميع المستويات منذ مشاركته في الحرب ضد إسرائيل، عقب هجوم حماس في 7 تشرين الأوّل 2023؟
الجدير بالذّكر أنّ الميليشيا الموالية لإيران تمرّ بمرحلة ضعف غير مسبوقة على الصّعيد العسكريّ، والسياسيّ، والدبلوماسيّ، نتيجة الصّراع مع إسرائيل. وقد أدى ذلك إلى إعادة تشكيل موازين القوى في بعض المناطق التقليديّة تحت نفوذها: البقاع، والحدود، وبعض المناطق الريفيّة. في هذا السّياق، أصبح دور شبكات الجريمة، وتجّار المخدّرات، والميليشيات المحليّة، المسموح به سابقًا، أو على الأقلّ المقبول، قيد المراجعة.
ومع ذلك، فقد شكّل اعتقال نوح زعيتر نقطة تحوّل، فهو لا يكفي لتفكيك شبكة الجريمة المنظّمة الواسعة في البقاع. ولم يتوقّف نشاط تجارة الكبتاغون، وما زالت مافيات القنّب مزدهرةً، وتواصل عشائر مختلفة، أحيانًا أكثر تنظيمًا من شبكة زعيتر، السّيطرة على أجزاء واسعة من الأراضي. أمّا الدّولة المنهكة، فتجد صعوبةً في فرض سيادتها في مناطق حيث الميليشيات، وتجّار المخدّرات، والشّبكات العابرة للحدود، تتمتّع بسلطة متجذّرة.
ويثبت الاعتقال الكبير هذا، الأوّل منذ فترة طويلة، أنّ الإفلات من العقاب ليس قدرًا محتومًا.
ويبقى من الضّروريّ متابعة ما سيحدث عن كثب. هل ستكون المحاكمة حقيقيّة أم صوريّة؟ هل ستجري في ظلّ شفافيّة قضائيّة أم عبر تسويات؟ وما هي الاكتشافات المحتملة عن الجهات الحامية؟ والأهم، ما تأثير ذلك في خريطة الجريمة في البقاع؟ ففي كلّ مرّة يسقط فيها “عرّاب”، يتقدّم آخر لملء الشّغور.













