والي نصر: هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران

يرى الباحث الإيراني – الأميركي والي نصر أنّ الثورة الإيرانية دخلت مرحلتها النهائية، مرجّحاً تصاعد الغضب الشعبي في المرحلة المقبلة، لكنه يستبعد في المقابل انهيار النظام الإيراني في المدى القريب. ويؤكد أنّ هدف القيادة الإيرانية ليس خوض مواجهة مباشرة مع أي تدخل خارجي، بل رفع الكلفة المتوقعة لهذا التدخل إلى أقصى حد ممكن.
يشير الأكاديمي المتخصص في دراسات الشرق الأوسط وتاريخ الإسلام إلى أنّ الأجهزة الأمنية الإيرانية أبدت في البداية تردداً في اللجوء إلى القمع الشديد للاحتجاجات، على عكس ما جرى في أزمات سابقة. ويعزو هذا التردد إلى السياق الجيوسياسي الأوسع، ولا سيما حرب إيران وإسرائيل التي استمرت 12 يوماً في حزيران الماضي، والتي شكّلت صدمة كبيرة للقيادة الإيرانية وأضعفت بشكل ملحوظ قدرة طهران على الردع الإقليمي، خصوصاً بعد الضربات القوية التي وجّهتها إسرائيل لحزب الله، وانهيار نظام بشار الأسد في سوريا.
يعتقد نصر أنّ طهران، وبعد التضرر الشديد لاستراتيجيتها الدفاعية الأمامية التقليدية، باتت ترى أن التهديدات العسكرية الخارجية أكثر إلحاحاً وخطورة من الاضطرابات الداخلية. ويذكّر بأن غالبية الإيرانيين التفّوا حول الدولة خلال حرب حزيران، ما دفع النظام إلى تخفيف القيود الاجتماعية، بما في ذلك تطبيق قواعد الحجاب. وقد أوجد هذا الواقع نوعاً من التفاهم الضمني بين الدولة والمجتمع في مرحلة ما بعد الحرب، ما أرسى توازناً سياسياً هشّاً.
غير أنّ الاحتجاجات الحالية تضع النظام الإيراني في مأزق معقّد، إذ إنّ القمع الشديد قد يؤدي إلى تقويض هذا التفاهم الداخلي وعزل الشعب في لحظة ضعف خارجي، فيما قد يسمح التساهل مع الاحتجاجات بانتشارها واستغلالها من قبل قوى خارجية، وربما يفتح الباب أمام تدخل عسكري.
في رأي مؤلف كتاب “الاستراتيجية الكبرى لإيران: تاريخ سياسي”، وأستاذ الشؤون الدولية ودراسات الشرق الأوسط في كلية الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جونز هوبكنز في واشنطن، تدرك القيادة الإيرانية أنّ الاحتجاجات الجماهيرية باتت جزءاً لا يتجزأ من خطط أعدائها الحربية ومبرّراً محتملاً للتدخل الخارجي. وخلال الحرب، دعا مسؤولون إسرائيليون الإيرانيين علناً إلى الثورة، معتبرين أنّ الضربات العسكرية واغتيال كبار القادة قد تشعل انتفاضة داخلية.
تعزّزت هذه المخاوف عندما لمح الرئيس الأميركي دونالد ترامب علناً إلى استعداد واشنطن للتدخل عسكرياً “لإنقاذ” المتظاهرين الإيرانيين في حال تعرّضهم لقمع عنيف. وبحسب نصر، لا تكمن خطورة الاحتجاجات بالنسبة لطهران في قدرتها الذاتية على إسقاط النظام، بل في إمكانية استخدامها ذريعة لتدخل أميركي، على غرار ما حصل في ليبيا وسوريا خلال الربيع العربي، حيث استُخدمت شعارات الحماية الإنسانية لتبرير تدخلات أدت إلى حروب أهلية وانهيار الدول.
يشير نصر إلى أنّ الحرس الثوري الإسلامي، الذي يضم عدداً كبيراً من قدامى المحاربين في الصراع السوري، يدرك تماماً مدى سرعة تحوّل الاحتجاجات المدعومة خارجياً إلى أعمال عنف كارثية. كما يلفت إلى أنّ سابقة فنزويلا تشكّل مصدر قلق بالغ للقيادة الإيرانية، إذ شكّل اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو صدمة حقيقية، باعتباره نموذجاً جديداً لإكراه الأنظمة.
بدلاً من غزو واسع أو مشروع لإعادة بناء الدولة، أبقت واشنطن على بنية السلطة القائمة في فنزويلا، مستخدمةً الضغط الموجّه والعقوبات والترهيب لفرض الامتثال. ويخشى المسؤولون الإيرانيون من إمكان تطبيق نهج مشابه على إيران، قد يشمل ضربات دقيقة ضد كبار القادة، والاستيلاء على ناقلات النفط، وخنق الاقتصاد، وصولاً إلى إجبار النظام على الرضوخ للمطالب الأميركية، بما في ذلك التخلي عن برامجه النووية والصاروخية والتنازل عن السيطرة على موارده الطبيعية.
في هذا الإطار، يشير نصر إلى أنّ إيران تسعى إلى إعادة ترسيخ الردع من خلال تبنّي سياسة “إجراءات استباقية” في حال توافرت مؤشرات واضحة على هجوم وشيك. لكنه يوضح أنّ هدف القيادة الإيرانية ليس المواجهة المباشرة، بل رفع كلفة التدخل، إذ تدرك مخاطر ضرب أهداف أميركية، وما قد يترتب على ذلك من حرب مدمّرة قد تؤدي إلى سقوط النظام، في حين ترى في المقابل أنّ إظهار الضعف أو السلبية قد يشجّع على العدوان.
يخلص نصر إلى أنّ طهران لا تزال عالقة في مأزق استراتيجي معقّد، يتمثل في تصاعد التهديدات الخارجية من جهة، وتنامي الغضب الداخلي من جهة أخرى، من دون وجود مخرج سهل. فحتى لو نجحت إيران في تجنّب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وحتى لو هدأت الاحتجاجات الحالية، فإن الأزمة الاقتصادية البنيوية ستبقى قائمة.
يرجّح نصر أن يتصاعد الغضب الشعبي مع مرور الوقت وتدهور الأوضاع المعيشية، لكنه لا يتوقع انهياراً وشيكاً للنظام الإيراني، معتبراً أنّ الثورة الإيرانية دخلت مرحلتها الأخيرة، نتيجة عجزها المتزايد عن التوفيق بين المطالب الشعبية والواقع الاقتصادي والتهديدات الجيوسياسية المتفاقمة.
والي نصر: هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران

يرى الباحث الإيراني – الأميركي والي نصر أنّ الثورة الإيرانية دخلت مرحلتها النهائية، مرجّحاً تصاعد الغضب الشعبي في المرحلة المقبلة، لكنه يستبعد في المقابل انهيار النظام الإيراني في المدى القريب. ويؤكد أنّ هدف القيادة الإيرانية ليس خوض مواجهة مباشرة مع أي تدخل خارجي، بل رفع الكلفة المتوقعة لهذا التدخل إلى أقصى حد ممكن.
يشير الأكاديمي المتخصص في دراسات الشرق الأوسط وتاريخ الإسلام إلى أنّ الأجهزة الأمنية الإيرانية أبدت في البداية تردداً في اللجوء إلى القمع الشديد للاحتجاجات، على عكس ما جرى في أزمات سابقة. ويعزو هذا التردد إلى السياق الجيوسياسي الأوسع، ولا سيما حرب إيران وإسرائيل التي استمرت 12 يوماً في حزيران الماضي، والتي شكّلت صدمة كبيرة للقيادة الإيرانية وأضعفت بشكل ملحوظ قدرة طهران على الردع الإقليمي، خصوصاً بعد الضربات القوية التي وجّهتها إسرائيل لحزب الله، وانهيار نظام بشار الأسد في سوريا.
يعتقد نصر أنّ طهران، وبعد التضرر الشديد لاستراتيجيتها الدفاعية الأمامية التقليدية، باتت ترى أن التهديدات العسكرية الخارجية أكثر إلحاحاً وخطورة من الاضطرابات الداخلية. ويذكّر بأن غالبية الإيرانيين التفّوا حول الدولة خلال حرب حزيران، ما دفع النظام إلى تخفيف القيود الاجتماعية، بما في ذلك تطبيق قواعد الحجاب. وقد أوجد هذا الواقع نوعاً من التفاهم الضمني بين الدولة والمجتمع في مرحلة ما بعد الحرب، ما أرسى توازناً سياسياً هشّاً.
غير أنّ الاحتجاجات الحالية تضع النظام الإيراني في مأزق معقّد، إذ إنّ القمع الشديد قد يؤدي إلى تقويض هذا التفاهم الداخلي وعزل الشعب في لحظة ضعف خارجي، فيما قد يسمح التساهل مع الاحتجاجات بانتشارها واستغلالها من قبل قوى خارجية، وربما يفتح الباب أمام تدخل عسكري.
في رأي مؤلف كتاب “الاستراتيجية الكبرى لإيران: تاريخ سياسي”، وأستاذ الشؤون الدولية ودراسات الشرق الأوسط في كلية الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جونز هوبكنز في واشنطن، تدرك القيادة الإيرانية أنّ الاحتجاجات الجماهيرية باتت جزءاً لا يتجزأ من خطط أعدائها الحربية ومبرّراً محتملاً للتدخل الخارجي. وخلال الحرب، دعا مسؤولون إسرائيليون الإيرانيين علناً إلى الثورة، معتبرين أنّ الضربات العسكرية واغتيال كبار القادة قد تشعل انتفاضة داخلية.
تعزّزت هذه المخاوف عندما لمح الرئيس الأميركي دونالد ترامب علناً إلى استعداد واشنطن للتدخل عسكرياً “لإنقاذ” المتظاهرين الإيرانيين في حال تعرّضهم لقمع عنيف. وبحسب نصر، لا تكمن خطورة الاحتجاجات بالنسبة لطهران في قدرتها الذاتية على إسقاط النظام، بل في إمكانية استخدامها ذريعة لتدخل أميركي، على غرار ما حصل في ليبيا وسوريا خلال الربيع العربي، حيث استُخدمت شعارات الحماية الإنسانية لتبرير تدخلات أدت إلى حروب أهلية وانهيار الدول.
يشير نصر إلى أنّ الحرس الثوري الإسلامي، الذي يضم عدداً كبيراً من قدامى المحاربين في الصراع السوري، يدرك تماماً مدى سرعة تحوّل الاحتجاجات المدعومة خارجياً إلى أعمال عنف كارثية. كما يلفت إلى أنّ سابقة فنزويلا تشكّل مصدر قلق بالغ للقيادة الإيرانية، إذ شكّل اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو صدمة حقيقية، باعتباره نموذجاً جديداً لإكراه الأنظمة.
بدلاً من غزو واسع أو مشروع لإعادة بناء الدولة، أبقت واشنطن على بنية السلطة القائمة في فنزويلا، مستخدمةً الضغط الموجّه والعقوبات والترهيب لفرض الامتثال. ويخشى المسؤولون الإيرانيون من إمكان تطبيق نهج مشابه على إيران، قد يشمل ضربات دقيقة ضد كبار القادة، والاستيلاء على ناقلات النفط، وخنق الاقتصاد، وصولاً إلى إجبار النظام على الرضوخ للمطالب الأميركية، بما في ذلك التخلي عن برامجه النووية والصاروخية والتنازل عن السيطرة على موارده الطبيعية.
في هذا الإطار، يشير نصر إلى أنّ إيران تسعى إلى إعادة ترسيخ الردع من خلال تبنّي سياسة “إجراءات استباقية” في حال توافرت مؤشرات واضحة على هجوم وشيك. لكنه يوضح أنّ هدف القيادة الإيرانية ليس المواجهة المباشرة، بل رفع كلفة التدخل، إذ تدرك مخاطر ضرب أهداف أميركية، وما قد يترتب على ذلك من حرب مدمّرة قد تؤدي إلى سقوط النظام، في حين ترى في المقابل أنّ إظهار الضعف أو السلبية قد يشجّع على العدوان.
يخلص نصر إلى أنّ طهران لا تزال عالقة في مأزق استراتيجي معقّد، يتمثل في تصاعد التهديدات الخارجية من جهة، وتنامي الغضب الداخلي من جهة أخرى، من دون وجود مخرج سهل. فحتى لو نجحت إيران في تجنّب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وحتى لو هدأت الاحتجاجات الحالية، فإن الأزمة الاقتصادية البنيوية ستبقى قائمة.
يرجّح نصر أن يتصاعد الغضب الشعبي مع مرور الوقت وتدهور الأوضاع المعيشية، لكنه لا يتوقع انهياراً وشيكاً للنظام الإيراني، معتبراً أنّ الثورة الإيرانية دخلت مرحلتها الأخيرة، نتيجة عجزها المتزايد عن التوفيق بين المطالب الشعبية والواقع الاقتصادي والتهديدات الجيوسياسية المتفاقمة.














