الحزب يزوّر شهادة الميلاد!

الكاتب: احمد عياش | المصدر: هنا لبنان
19 كانون الثاني 2026

يصبح تزوير شهادة ميلاد هذا التنظيم مبرّرًا كي يقال إنّه موجود في زمن سابق على كل التاريخ الحقيقي للبنان منذ العام 1982، علمًا أنّ عام ولادة اتفاق الطائف 1989 سبقته مذابح الصراع بين “أمل” و”الحزب” ولا سيما في إقليم التفاح الجنوبي، حتّى توقّف كُليًّا في 9 تشرين الثاني 1990 إثر توقيع اتفاق بين الجانبين رعته سوريا وإيران بصفتهما الدولتين الراعيتين والداعمتين لطرفي النزاع.

 

سارعت العلاقات الإعلامية في “حزب الله” ليل السبت الماضي إلى إصدار بيان حول ما جرى “تداوله في وسائل الإعلام من جملة ناقصة من خطاب الأمين العام الشيخ نعيم قاسم، ما أدّى إلى تغيير المعنى الأصلي للكلام، وهي: ‘مفكّرينّا حبتيّن. لا يمكن أن ينتهي حصر السلاح من الآن حتى ينتهي لبنان’”. وقال البيان إنّ الجملة الكاملة هي الآتية: “مفكرينا حبتيّن أو مفكريننا إنو جايين من اللفتة؟ شو قصتكن يا عمي؟ بتعرفوا إنو حصر السلاح لا يمكن أن ينتهي بالنسبة لإسرائيل من الآن لينتهي لبنان ويبطّل موجود ويصير كلّه تحت المظلة الإسرائيلية، لأنو هيدا من الأشياء المفتوحة. لأنها ستبقى تقول لك: بعد في سلاح في هذا المكان، بعد في سلاح بهذه البقعة، بعد في بهذا المحل”.

يُستفاد من توضيح الحزب بأنّه أكّد ما قاله قاسم في كلمته الأخيرة المثيرة للجدل وفيها، إنّ سلاح “حزب الله” باقٍ على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في تشرين الثاني 2024، كما أنّه باقٍ على الرغم من القرار 1701 عام 2006. علمًا أنّ سلاح “حزب الله” استمرّ بيد هذا التنظيم على الرغم من اتفاق الطائف عام 1989 الذي أنهى الميليشيات المسلحة باستثناء الحزب الذي نال رعاية خاصة من نظام حافظ الأسد في ذلك الحين.

أسهب قاسم في كلمته الأخيرة في عرض المبرّرات التي تُخالف كل القرارات الدولية والدستور اللبناني المنبثق من الطائف كي يقول إنّ نزع سلاح “حزب الله” هو “مطلب إسرائيلي – أميركي لتطويق المقاومة”، على حدّ تعبير الأمين العام للحزب. وذهب في هذا الاتجاه دفاعًا عن سلاح هذا التنظيم النائب البارز في كتلة الحزب النيابية حسن فضل الله فأخذنا إلى ما قبل اتفاق الطائف الذي أرسى واقعًا سياسيًا ووطنيًا للبنان بما يمثل تأسيسًا ثانيًا لكيان لبنان بعد الاستقلال عام 1943. وهو قال في كلمة له أمس: “نحن لا نسقط أمام لحظة صعبة، ونحن لا ننكر الواقع، ولا ننفي وجود تحدّيات كبيرة ولا ننفي أنّ هذه الصعوبات ضاغطة على بيئتنا وعلى شعبنا وعلى بلدنا، ولكن اللحظة لا تُسقطنا، البعض يعتبر أنّ هناك فرصة أمامه لتغيير وجه لبنان، وليقدِّم لبنان لقمةً سائغةً لهذا العدو، وهناك من يعتقد أنّ الحرب الإسرائيلية أوصلت الأمور إلى مرحلةٍ يمكن أن يستسلم لبنان أو يُسيطر عليه، وهذه بعض الأوهام الداخلية، بالنسبة لنا هذه مرحلة وتنتهي، موازين القوى تتغير، المعادلة لا تبقى كما هي، هكذا كنَّا في العام 1982 وهكذا مررنا في تاريخنا بصعوبات كثيرة، ولكن الزمن لا يبقى على ما هو عليه، والمعادلات لا تبقى على ما هي عليه”.

بدايةً، لا بدّ من التوضيح أنّ النائب فضل الله هو من مواليد عام 1967، أي أنّه كان في سن الـ15 عندما حصل الاجتياح الإسرائيلي الذي حصل لطرد منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، ونجح في ذلك في العام نفسه بعد حصار استمر شهورًا لبيروت. أمّا قول فضل الله “هكذا كنَّا في العام 1982″، فيتطلّب تدقيقًا مثلما هي الحال في التدقيق في كل ما يصدر عن “حزب الله” هذه الأيام. وعلى الرّغم من العمل الحثيث للحزب على ربط ولادته بعام الاجتياح الإسرائيلي، من المفيد الذهاب إلى هذا النصّ الذي نشره موقع “بي بي سي” البريطاني والذي جاء تحت عنوان “كيف نشأ حزب الله اللبناني وما كان دور حسن نصر الله فيه”، وتمّ تحديثه آخر مرة في 23 شباط 2025. وجاء في النص: “يصعب تحديد نقطة بداية ‘حزب الله’ بالتحديد، لكن ظهوره يرجع لمرحلة اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982، ومشاركة قادة شيعة في المنطقة بالعمليات العسكرية ضدّه. واختلف هؤلاء مع حركة ‘أمل’ التي كانت تهيمن على التمثيل الشيعي في تلك المرحلة. وانشقّت مجموعة عن حركة ‘أمل’ وأنشأت منظمة جديدة تحمل اسم ‘أمل الإسلامية’، وحصلت على دعم عسكري وتنظيمي كبير من عناصر الحرس الثوري الإيراني في سهل البقاع. ولاحقًا تبنّت المنظمة اسم ‘حزب الله’. وشنّت الجماعة الوليدة هجمات على الجيش الإسرائيلي وحلفائه، مثل ‘جيش لبنان الجنوبي’ (لحد). ويُعتقد أنّها كانت وراء تفجيرات السفارة الأميركية ومقرّ قوات البحرية الأميركية عام 1983، التي راح ضحيتها 258 أميركيًا، و58 فرنسيًا من العاملين في المنشأتين، وأدّت إلى انسحاب قوات حفظ السلام الغربية من المنطقة. وفي عام 1985، أعلن ‘حزب الله’ عن تأسيسه رسميًا، بـ’رسالة مفتوحة إلى المستضعفين’ حدّد فيها أهدافه بالقضاء على إسرائيل، وأن يتاح للشعب تقرير مصيره واختيار نظام الحكم الذي يريده بكامل حريته، مع إعلان الحزب التزامه بحكم الإسلام وولاية الفقيه”.

طبعًا، هناك مساحة لمناقشة نصذ الموقع البريطاني. لكن الثّابت هو أنّ عام 1985، هو التاريخ الرسمي لولادة منظمة اسمها “حزب الله”. قد يحاول البعض التخفيف من وطأة “ثلاثة أعوام” هي الفارق ما بين ما قاله النائب حسن فضل الله أمس حول وجود الحزب وبين تاريخ الإعلان الرسمي لولادة الحزب. لكنّ الموضوع اليوم هو أعمق نتيجة دفع “حزب الله” بضغط من إيران إلى عدم الاعتراف بحقّ الدولة الحصري في السلاح كي يمضي الحزب، كما ورد في بيان تأسيسه، إلى “القضاء على إسرائيل”، وهو هدف ما زال في أساس أهداف “حزب الله”.

أُتيحت هذه الزاوية من البحث بفضل تصريح أحد أبرز نواب “حزب الله”. وكما يُقال “الغاية تبرر الوسيلة”، يصبح تزوير شهادة ميلاد هذا التنظيم مبررًا كي يقال إنّه موجود في زمن سابق على كل التاريخ الحقيقي للبنان منذ العام 1982، علمًا أنّ عام ولادة اتفاق الطائف 1989 سبقته مذابح الصراع بين “أمل” و”حزب الله” ولا سيما في إقليم التفاح الجنوبي. ويُشار إلى تلك الأحداث الدموية بأنّها “حَرْبُ الإخْوَةِ أَوْ حَرْبُ الشَّقِيقَيْنِ”، خلال المراحل الأخيرة من الحرب الأهلية اللبنانية. وبدأ الصراع باشتباكات بين الطرفين في آذار من العام 1988، ثم استحال إلى مواجهات عسكرية عنيفة في 5 نيسان من العام نفسه، ليمتد على طول ثلاث مراحل مُتقطّعة، خلال السنوات الثلاثة التي تلت تفجّر الصراع، حتى توقّف كُليًّا في 9 تشرين الثاني 1990 إثر توقيع اتفاق سلام بين الجانبين رعته سوريا وإيران بصفتهما الدولتين الراعيتين والداعمتين لطرفي النزاع”.

إذًا، ليس الأمر يتعلق بتزوير شهادة ميلاد “حزب الله” فحسب، وإنّما يتّصل بوطن تجري مُجدّدًا محاولة القضاء عليه من أجل بلوغ هدف “القضاء على إسرائيل”!

الحزب يزوّر شهادة الميلاد!

الكاتب: احمد عياش | المصدر: هنا لبنان
19 كانون الثاني 2026

يصبح تزوير شهادة ميلاد هذا التنظيم مبرّرًا كي يقال إنّه موجود في زمن سابق على كل التاريخ الحقيقي للبنان منذ العام 1982، علمًا أنّ عام ولادة اتفاق الطائف 1989 سبقته مذابح الصراع بين “أمل” و”الحزب” ولا سيما في إقليم التفاح الجنوبي، حتّى توقّف كُليًّا في 9 تشرين الثاني 1990 إثر توقيع اتفاق بين الجانبين رعته سوريا وإيران بصفتهما الدولتين الراعيتين والداعمتين لطرفي النزاع.

 

سارعت العلاقات الإعلامية في “حزب الله” ليل السبت الماضي إلى إصدار بيان حول ما جرى “تداوله في وسائل الإعلام من جملة ناقصة من خطاب الأمين العام الشيخ نعيم قاسم، ما أدّى إلى تغيير المعنى الأصلي للكلام، وهي: ‘مفكّرينّا حبتيّن. لا يمكن أن ينتهي حصر السلاح من الآن حتى ينتهي لبنان’”. وقال البيان إنّ الجملة الكاملة هي الآتية: “مفكرينا حبتيّن أو مفكريننا إنو جايين من اللفتة؟ شو قصتكن يا عمي؟ بتعرفوا إنو حصر السلاح لا يمكن أن ينتهي بالنسبة لإسرائيل من الآن لينتهي لبنان ويبطّل موجود ويصير كلّه تحت المظلة الإسرائيلية، لأنو هيدا من الأشياء المفتوحة. لأنها ستبقى تقول لك: بعد في سلاح في هذا المكان، بعد في سلاح بهذه البقعة، بعد في بهذا المحل”.

يُستفاد من توضيح الحزب بأنّه أكّد ما قاله قاسم في كلمته الأخيرة المثيرة للجدل وفيها، إنّ سلاح “حزب الله” باقٍ على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في تشرين الثاني 2024، كما أنّه باقٍ على الرغم من القرار 1701 عام 2006. علمًا أنّ سلاح “حزب الله” استمرّ بيد هذا التنظيم على الرغم من اتفاق الطائف عام 1989 الذي أنهى الميليشيات المسلحة باستثناء الحزب الذي نال رعاية خاصة من نظام حافظ الأسد في ذلك الحين.

أسهب قاسم في كلمته الأخيرة في عرض المبرّرات التي تُخالف كل القرارات الدولية والدستور اللبناني المنبثق من الطائف كي يقول إنّ نزع سلاح “حزب الله” هو “مطلب إسرائيلي – أميركي لتطويق المقاومة”، على حدّ تعبير الأمين العام للحزب. وذهب في هذا الاتجاه دفاعًا عن سلاح هذا التنظيم النائب البارز في كتلة الحزب النيابية حسن فضل الله فأخذنا إلى ما قبل اتفاق الطائف الذي أرسى واقعًا سياسيًا ووطنيًا للبنان بما يمثل تأسيسًا ثانيًا لكيان لبنان بعد الاستقلال عام 1943. وهو قال في كلمة له أمس: “نحن لا نسقط أمام لحظة صعبة، ونحن لا ننكر الواقع، ولا ننفي وجود تحدّيات كبيرة ولا ننفي أنّ هذه الصعوبات ضاغطة على بيئتنا وعلى شعبنا وعلى بلدنا، ولكن اللحظة لا تُسقطنا، البعض يعتبر أنّ هناك فرصة أمامه لتغيير وجه لبنان، وليقدِّم لبنان لقمةً سائغةً لهذا العدو، وهناك من يعتقد أنّ الحرب الإسرائيلية أوصلت الأمور إلى مرحلةٍ يمكن أن يستسلم لبنان أو يُسيطر عليه، وهذه بعض الأوهام الداخلية، بالنسبة لنا هذه مرحلة وتنتهي، موازين القوى تتغير، المعادلة لا تبقى كما هي، هكذا كنَّا في العام 1982 وهكذا مررنا في تاريخنا بصعوبات كثيرة، ولكن الزمن لا يبقى على ما هو عليه، والمعادلات لا تبقى على ما هي عليه”.

بدايةً، لا بدّ من التوضيح أنّ النائب فضل الله هو من مواليد عام 1967، أي أنّه كان في سن الـ15 عندما حصل الاجتياح الإسرائيلي الذي حصل لطرد منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، ونجح في ذلك في العام نفسه بعد حصار استمر شهورًا لبيروت. أمّا قول فضل الله “هكذا كنَّا في العام 1982″، فيتطلّب تدقيقًا مثلما هي الحال في التدقيق في كل ما يصدر عن “حزب الله” هذه الأيام. وعلى الرّغم من العمل الحثيث للحزب على ربط ولادته بعام الاجتياح الإسرائيلي، من المفيد الذهاب إلى هذا النصّ الذي نشره موقع “بي بي سي” البريطاني والذي جاء تحت عنوان “كيف نشأ حزب الله اللبناني وما كان دور حسن نصر الله فيه”، وتمّ تحديثه آخر مرة في 23 شباط 2025. وجاء في النص: “يصعب تحديد نقطة بداية ‘حزب الله’ بالتحديد، لكن ظهوره يرجع لمرحلة اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982، ومشاركة قادة شيعة في المنطقة بالعمليات العسكرية ضدّه. واختلف هؤلاء مع حركة ‘أمل’ التي كانت تهيمن على التمثيل الشيعي في تلك المرحلة. وانشقّت مجموعة عن حركة ‘أمل’ وأنشأت منظمة جديدة تحمل اسم ‘أمل الإسلامية’، وحصلت على دعم عسكري وتنظيمي كبير من عناصر الحرس الثوري الإيراني في سهل البقاع. ولاحقًا تبنّت المنظمة اسم ‘حزب الله’. وشنّت الجماعة الوليدة هجمات على الجيش الإسرائيلي وحلفائه، مثل ‘جيش لبنان الجنوبي’ (لحد). ويُعتقد أنّها كانت وراء تفجيرات السفارة الأميركية ومقرّ قوات البحرية الأميركية عام 1983، التي راح ضحيتها 258 أميركيًا، و58 فرنسيًا من العاملين في المنشأتين، وأدّت إلى انسحاب قوات حفظ السلام الغربية من المنطقة. وفي عام 1985، أعلن ‘حزب الله’ عن تأسيسه رسميًا، بـ’رسالة مفتوحة إلى المستضعفين’ حدّد فيها أهدافه بالقضاء على إسرائيل، وأن يتاح للشعب تقرير مصيره واختيار نظام الحكم الذي يريده بكامل حريته، مع إعلان الحزب التزامه بحكم الإسلام وولاية الفقيه”.

طبعًا، هناك مساحة لمناقشة نصذ الموقع البريطاني. لكن الثّابت هو أنّ عام 1985، هو التاريخ الرسمي لولادة منظمة اسمها “حزب الله”. قد يحاول البعض التخفيف من وطأة “ثلاثة أعوام” هي الفارق ما بين ما قاله النائب حسن فضل الله أمس حول وجود الحزب وبين تاريخ الإعلان الرسمي لولادة الحزب. لكنّ الموضوع اليوم هو أعمق نتيجة دفع “حزب الله” بضغط من إيران إلى عدم الاعتراف بحقّ الدولة الحصري في السلاح كي يمضي الحزب، كما ورد في بيان تأسيسه، إلى “القضاء على إسرائيل”، وهو هدف ما زال في أساس أهداف “حزب الله”.

أُتيحت هذه الزاوية من البحث بفضل تصريح أحد أبرز نواب “حزب الله”. وكما يُقال “الغاية تبرر الوسيلة”، يصبح تزوير شهادة ميلاد هذا التنظيم مبررًا كي يقال إنّه موجود في زمن سابق على كل التاريخ الحقيقي للبنان منذ العام 1982، علمًا أنّ عام ولادة اتفاق الطائف 1989 سبقته مذابح الصراع بين “أمل” و”حزب الله” ولا سيما في إقليم التفاح الجنوبي. ويُشار إلى تلك الأحداث الدموية بأنّها “حَرْبُ الإخْوَةِ أَوْ حَرْبُ الشَّقِيقَيْنِ”، خلال المراحل الأخيرة من الحرب الأهلية اللبنانية. وبدأ الصراع باشتباكات بين الطرفين في آذار من العام 1988، ثم استحال إلى مواجهات عسكرية عنيفة في 5 نيسان من العام نفسه، ليمتد على طول ثلاث مراحل مُتقطّعة، خلال السنوات الثلاثة التي تلت تفجّر الصراع، حتى توقّف كُليًّا في 9 تشرين الثاني 1990 إثر توقيع اتفاق سلام بين الجانبين رعته سوريا وإيران بصفتهما الدولتين الراعيتين والداعمتين لطرفي النزاع”.

إذًا، ليس الأمر يتعلق بتزوير شهادة ميلاد “حزب الله” فحسب، وإنّما يتّصل بوطن تجري مُجدّدًا محاولة القضاء عليه من أجل بلوغ هدف “القضاء على إسرائيل”!

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار