بين برّي وقاسم… القاسم المشترك

الكاتب: د. جوسلين البستاني | المصدر: نداء الوطن
19 كانون الثاني 2026

في الأيام الأخيرة، عادت الدعوات إلى “الوحدة الوطنية” لتتصدّر خطاب “الثنائي” الشيعي في لبنان. فقد حذر نبيه بري، منذ فترة، من أن أيّ ضربة إسرائيلية ستؤثر على جميع اللبنانيين، داعيًا ضمنيًا إلى الوحدة في مواجهة الخطر المشترك. وبعد ذلك بوقت قصير، كرّر نعيم قاسم النداء نفسه في خطاب عام. ولم تكمن أهميّته في ما تكرّر من رفض لنزع السلاح، أو في لهجة المواجهة، أو حتى في فظاظة اللغة، بل في الإشارة السياسية المركزية في الخطاب، وهي الدعوة إلى “الوحدة”.

فرفض نزع السلاح مبدأ ثابت عقائديًا، وليس جديدًا. وبالمثل، فإن الأسلوب البلاغي الذي يستخدمه مسؤولو “حزب الله” يتّبع منذ زمن نمطًا مألوفًا يهدف إلى حشد القاعدة وإظهار التحدّي. هذه العناصر ثابتة، وهي تُفسّر الاستمرارية لا التوقيت. أمّا السؤال التحليلي ذو الصلة فهو: لماذا يجري التركيز على “الوحدة” الآن تحديدًا، وما هي الوظيفة السياسية التي يخدمها هذا النداء؟

لِفهم ذلك، يجب التعامل مع “الوحدة الوطنية” لا كقيمة أخلاقيّة بل كأداة سياسية تُستخدم في لحظات مُحدّدة لإدارة المخاطر، وتوزيع المسؤوليات، وضبط الخلافات.

بالفعل، لا تظهر الدعوات إلى “الوحدة” بعد وقوع الكوارث، بل قبلها؛ إنها استباقيّة بطبيعتها. فمن خلال الإصرار على أن “أي ضربة ستؤثر على الجميع”، يجري تعمّد طمس الفارق بين من يتخذون القرارات ومن يتحمّلون العواقب. ويُعاد تأطير موقف استراتيجي انتقائي، يتخذه فاعل بعينه، بوصفه حالة وطنية جماعية. وبهذا المعنى، تعمل “الوحدة” كآلية لتقاسم المخاطر: إذ يُعاد توزيع التعرّض للمخاطر مُسبقًا على المجتمع بأسره، بغض النظر عن الموافقة أو المشاركة.

يعكس هذا المنطق، على نحو وثيق، معادلة “الجيش والشعب والمقاومة” التي لطالما أصرّ عليها “حزب اللّه”. فهذه الصيغة تدمج القوات المسلّحة اللبنانية والمجتمع و “المقاومة” في كيان استراتيجيّ واحد، غير أن أثرها العمليّ لا يتمثل في تعاون مؤسّسيّ فعليّ، بل في تجميع المسؤولية. فعندما يحدث تصعيد، يُصبح من المُتعذر عزل المسؤولية، لأن الوكالة السياسية والعسكرية تكون قد ذابت مُسبقًا في الكتلة الجماعية.

وكذلك الأمر بالنسبة إلى سرديات “الوحدة” التي تؤدّي وظيفة مماثلة على الصعيد الخطابيّ. فـ “المعادلة الذهبية” تُحدّد البنية، بينما تأتي “الوحدة” لتنشيطها في أوقات الأزمات. ومعًا، تضمن هذه العناصر أنه عندما تتحقق الكلفة، تكون قد أعيدت مسبقًا صياغتها وتأطيرها على أنها مشتركة، حتمية، و “وطنية”.

هذا التداخل ليس عرضيًّا، بل يعكس منطقًا حاكمًا مُتجذرًا في مفهوم “ماوي” (Mao Zedong)، يُعرف بـ “حرب الشعب”، جرى تكييفه مع الظروف المحلّية. ففي هذا النموذج، لا يقتصر دور السكان على دعم الصراع، بل يصبحون جزءًا لا يتجزأ منه على المستوى البنيوي. يتحوّل الفضاء المدني إلى عمق استراتيجي، ويُطمس عمدًا الخط الفاصل بين المقاتلين وغير المقاتلين، لا بالضرورة عسكريًا، بل سياسيًا وأخلاقيًا. ولا يُطلب من “الشعب” أن يوافق في كلّ مرحلة؛ بل يُفترض أن موافقته شرط دائم ومسبق.

“الوحدة”، في هذا الإطار، ليست تعدّدية، بل انضباطًا. وهذا ما يساعد على تفسير لماذا تكون الدعوات إلى الوحدة، في الغالب، أقلّ من كونها لفتات جامعة، وأكثر من كونها أدوات لرسم الحدود. فهي تُعرّف المعارضة ضمنيًا على أنها خطِرة، أو غير مسؤولة، أو غير شرعية. وعندما يلوح التوتر في الأفق، يصبح النقاش نفسه موضع ريبة، ويُعاد تأطير الخلاف السياسي لا بوصفه حقًا، بل كتهديد للبقاء الجماعي.

ويؤكّد التزامن شبه التام بين تصريحات برّي وقاسم هذه النقطة. فدوراهما مُتميّزان لكنهما مُتكاملان: يتحدّث بري بصفته حارس الشرعية المؤسّسية، مخاطبًا الدولة وهياكلها الرسمية؛ فيما يتحدّث قاسم بصفته الصوت الأيديولوجي لمشروع عسكريّ، مخاطبًا المجتمع ومعتقداته. ومع ذلك، يلتقي الخطابان عند المطلب نفسه: التماسك الآن، والأسئلة لاحقًا.

هذا التقارب يُشير إلى تنسيق لا إلى صدفة، كما يُشير إلى ضعف لا إلى ثقة. فلو كان الردع قويًا والتصعيد تحت السيطرة الكاملة، لما كانت هناك حاجة مُلحّة إلى الدعوة إلى “الوحدة”. تظهر مثل هذه الخطابات عندما يتوقع القادة ليس فقط عنفًا خارجيًا، بل أيضًا انقسامًا داخليًا، وعندما يدركون هشاشة الإجماع.

في هذه المرحلة، يُصبح التمييز بين المبادئ والسياسة الظرفية أمرًا بالغ الأهمية. فالمبادئ توفر الاستمرارية، والقدرة على التنبّؤ، والحماية من تقلّبات الرأي العام. أمّا السياسة الظرفية، بما تنطوي عليه من نقاش وانقسام ومساءلة برلمانية، فهي بطبيعتها متقلّبة وقد تكون مُزعزِعة، ولا سيّما تحت الضغط. ومن خلال إعطاء الأولوية لـ “المبادئ”، تقوم خطابات “الوحدة” عمليًا بتعليق السياسة في اللحظة التي تكون فيها المخاطر في ذروتها.

فعندما تُفعَّل “الوحدة” بوصفها إجراءً مفروضًا لا بوصفها موافقة متفاوضًا عليها، يتحوّل المجتمع من فاعل ذي سيادة إلى مُعطى استراتيجي ثابت. عندها يجري الخلط بين الصمود والشرعية، ويُساء تفسير الصمت على أنه موافقة.

هذا لا يعني أن “الوحدة” تفتقر إلى الجاذبية أو إلى القوّة العاطفية. ففي لحظات الخوف الوجودي، تجد اللغة الجماعية صدًى واسعًا. لكن ينبغي عدم الخلط بين الصدى والموافقة الطوعية. ففي تاريخ لبنان الحديث، كثيرًا ما لم تعمل “الوحدة” على منع الحرب، بقدر ما عملت على إدارة عواقبها الداخلية سلفًا. أصبح هذا النمط مألوفًا: يُستدعى خطاب “الوحدة”، تُجمَّع المخاطر، تُؤجَّل المساءلة، وتُعلَّق السياسة. وما يظلّ دون حلّ هو مسألة الاستدامة. فالأنظمة العقائديّة تعمل بكفاءة في لحظات المواجهة، لكنها في المقابل تراكم الخلافات الصامتة وتُفرغ المؤسّسات التي يُفترض أن تمثل التعدّدية من مضمونها. وفي النهاية، لا بدّ للعقيدة إمّا أن تعيد إدماج السياسة في داخلها، أو أن تقمعها بصورة دائمة.

وعليه، فإن خطاب “الوحدة” ليس بديلًا عن العقيدة، بل أداة تكتيكية تُستخدم عندما لا تعود العقيدة وحدها كافية لضمان الامتثال، ولا سيّما عندما تصبح الكلفة ملموسة بالنسبة لمن لا يشاركون في صنع القرار أو في تحمّل تبعاته.

في ضوء ذلك، ينبغي النظر إلى الدعوات الراهنة إلى “الوحدة” على أنها ليست نقيض الانقسام، بل تعليقًا للاختيار. فهي ليست طريقًا إلى التوافق، بل آلية لضمان الامتثال حين تصبح كلفة الاستراتيجية واضحة وملموسة. وفي السياق اللبناني، جرى اللجوء تاريخيًا إلى شعار “الوحدة الوطنية” لا لاحتواء الخلاف، بل لإسكات المساءلة السياسية.

وهذا بالضبط ما يستحق الانتباه.

بين برّي وقاسم… القاسم المشترك

الكاتب: د. جوسلين البستاني | المصدر: نداء الوطن
19 كانون الثاني 2026

في الأيام الأخيرة، عادت الدعوات إلى “الوحدة الوطنية” لتتصدّر خطاب “الثنائي” الشيعي في لبنان. فقد حذر نبيه بري، منذ فترة، من أن أيّ ضربة إسرائيلية ستؤثر على جميع اللبنانيين، داعيًا ضمنيًا إلى الوحدة في مواجهة الخطر المشترك. وبعد ذلك بوقت قصير، كرّر نعيم قاسم النداء نفسه في خطاب عام. ولم تكمن أهميّته في ما تكرّر من رفض لنزع السلاح، أو في لهجة المواجهة، أو حتى في فظاظة اللغة، بل في الإشارة السياسية المركزية في الخطاب، وهي الدعوة إلى “الوحدة”.

فرفض نزع السلاح مبدأ ثابت عقائديًا، وليس جديدًا. وبالمثل، فإن الأسلوب البلاغي الذي يستخدمه مسؤولو “حزب الله” يتّبع منذ زمن نمطًا مألوفًا يهدف إلى حشد القاعدة وإظهار التحدّي. هذه العناصر ثابتة، وهي تُفسّر الاستمرارية لا التوقيت. أمّا السؤال التحليلي ذو الصلة فهو: لماذا يجري التركيز على “الوحدة” الآن تحديدًا، وما هي الوظيفة السياسية التي يخدمها هذا النداء؟

لِفهم ذلك، يجب التعامل مع “الوحدة الوطنية” لا كقيمة أخلاقيّة بل كأداة سياسية تُستخدم في لحظات مُحدّدة لإدارة المخاطر، وتوزيع المسؤوليات، وضبط الخلافات.

بالفعل، لا تظهر الدعوات إلى “الوحدة” بعد وقوع الكوارث، بل قبلها؛ إنها استباقيّة بطبيعتها. فمن خلال الإصرار على أن “أي ضربة ستؤثر على الجميع”، يجري تعمّد طمس الفارق بين من يتخذون القرارات ومن يتحمّلون العواقب. ويُعاد تأطير موقف استراتيجي انتقائي، يتخذه فاعل بعينه، بوصفه حالة وطنية جماعية. وبهذا المعنى، تعمل “الوحدة” كآلية لتقاسم المخاطر: إذ يُعاد توزيع التعرّض للمخاطر مُسبقًا على المجتمع بأسره، بغض النظر عن الموافقة أو المشاركة.

يعكس هذا المنطق، على نحو وثيق، معادلة “الجيش والشعب والمقاومة” التي لطالما أصرّ عليها “حزب اللّه”. فهذه الصيغة تدمج القوات المسلّحة اللبنانية والمجتمع و “المقاومة” في كيان استراتيجيّ واحد، غير أن أثرها العمليّ لا يتمثل في تعاون مؤسّسيّ فعليّ، بل في تجميع المسؤولية. فعندما يحدث تصعيد، يُصبح من المُتعذر عزل المسؤولية، لأن الوكالة السياسية والعسكرية تكون قد ذابت مُسبقًا في الكتلة الجماعية.

وكذلك الأمر بالنسبة إلى سرديات “الوحدة” التي تؤدّي وظيفة مماثلة على الصعيد الخطابيّ. فـ “المعادلة الذهبية” تُحدّد البنية، بينما تأتي “الوحدة” لتنشيطها في أوقات الأزمات. ومعًا، تضمن هذه العناصر أنه عندما تتحقق الكلفة، تكون قد أعيدت مسبقًا صياغتها وتأطيرها على أنها مشتركة، حتمية، و “وطنية”.

هذا التداخل ليس عرضيًّا، بل يعكس منطقًا حاكمًا مُتجذرًا في مفهوم “ماوي” (Mao Zedong)، يُعرف بـ “حرب الشعب”، جرى تكييفه مع الظروف المحلّية. ففي هذا النموذج، لا يقتصر دور السكان على دعم الصراع، بل يصبحون جزءًا لا يتجزأ منه على المستوى البنيوي. يتحوّل الفضاء المدني إلى عمق استراتيجي، ويُطمس عمدًا الخط الفاصل بين المقاتلين وغير المقاتلين، لا بالضرورة عسكريًا، بل سياسيًا وأخلاقيًا. ولا يُطلب من “الشعب” أن يوافق في كلّ مرحلة؛ بل يُفترض أن موافقته شرط دائم ومسبق.

“الوحدة”، في هذا الإطار، ليست تعدّدية، بل انضباطًا. وهذا ما يساعد على تفسير لماذا تكون الدعوات إلى الوحدة، في الغالب، أقلّ من كونها لفتات جامعة، وأكثر من كونها أدوات لرسم الحدود. فهي تُعرّف المعارضة ضمنيًا على أنها خطِرة، أو غير مسؤولة، أو غير شرعية. وعندما يلوح التوتر في الأفق، يصبح النقاش نفسه موضع ريبة، ويُعاد تأطير الخلاف السياسي لا بوصفه حقًا، بل كتهديد للبقاء الجماعي.

ويؤكّد التزامن شبه التام بين تصريحات برّي وقاسم هذه النقطة. فدوراهما مُتميّزان لكنهما مُتكاملان: يتحدّث بري بصفته حارس الشرعية المؤسّسية، مخاطبًا الدولة وهياكلها الرسمية؛ فيما يتحدّث قاسم بصفته الصوت الأيديولوجي لمشروع عسكريّ، مخاطبًا المجتمع ومعتقداته. ومع ذلك، يلتقي الخطابان عند المطلب نفسه: التماسك الآن، والأسئلة لاحقًا.

هذا التقارب يُشير إلى تنسيق لا إلى صدفة، كما يُشير إلى ضعف لا إلى ثقة. فلو كان الردع قويًا والتصعيد تحت السيطرة الكاملة، لما كانت هناك حاجة مُلحّة إلى الدعوة إلى “الوحدة”. تظهر مثل هذه الخطابات عندما يتوقع القادة ليس فقط عنفًا خارجيًا، بل أيضًا انقسامًا داخليًا، وعندما يدركون هشاشة الإجماع.

في هذه المرحلة، يُصبح التمييز بين المبادئ والسياسة الظرفية أمرًا بالغ الأهمية. فالمبادئ توفر الاستمرارية، والقدرة على التنبّؤ، والحماية من تقلّبات الرأي العام. أمّا السياسة الظرفية، بما تنطوي عليه من نقاش وانقسام ومساءلة برلمانية، فهي بطبيعتها متقلّبة وقد تكون مُزعزِعة، ولا سيّما تحت الضغط. ومن خلال إعطاء الأولوية لـ “المبادئ”، تقوم خطابات “الوحدة” عمليًا بتعليق السياسة في اللحظة التي تكون فيها المخاطر في ذروتها.

فعندما تُفعَّل “الوحدة” بوصفها إجراءً مفروضًا لا بوصفها موافقة متفاوضًا عليها، يتحوّل المجتمع من فاعل ذي سيادة إلى مُعطى استراتيجي ثابت. عندها يجري الخلط بين الصمود والشرعية، ويُساء تفسير الصمت على أنه موافقة.

هذا لا يعني أن “الوحدة” تفتقر إلى الجاذبية أو إلى القوّة العاطفية. ففي لحظات الخوف الوجودي، تجد اللغة الجماعية صدًى واسعًا. لكن ينبغي عدم الخلط بين الصدى والموافقة الطوعية. ففي تاريخ لبنان الحديث، كثيرًا ما لم تعمل “الوحدة” على منع الحرب، بقدر ما عملت على إدارة عواقبها الداخلية سلفًا. أصبح هذا النمط مألوفًا: يُستدعى خطاب “الوحدة”، تُجمَّع المخاطر، تُؤجَّل المساءلة، وتُعلَّق السياسة. وما يظلّ دون حلّ هو مسألة الاستدامة. فالأنظمة العقائديّة تعمل بكفاءة في لحظات المواجهة، لكنها في المقابل تراكم الخلافات الصامتة وتُفرغ المؤسّسات التي يُفترض أن تمثل التعدّدية من مضمونها. وفي النهاية، لا بدّ للعقيدة إمّا أن تعيد إدماج السياسة في داخلها، أو أن تقمعها بصورة دائمة.

وعليه، فإن خطاب “الوحدة” ليس بديلًا عن العقيدة، بل أداة تكتيكية تُستخدم عندما لا تعود العقيدة وحدها كافية لضمان الامتثال، ولا سيّما عندما تصبح الكلفة ملموسة بالنسبة لمن لا يشاركون في صنع القرار أو في تحمّل تبعاته.

في ضوء ذلك، ينبغي النظر إلى الدعوات الراهنة إلى “الوحدة” على أنها ليست نقيض الانقسام، بل تعليقًا للاختيار. فهي ليست طريقًا إلى التوافق، بل آلية لضمان الامتثال حين تصبح كلفة الاستراتيجية واضحة وملموسة. وفي السياق اللبناني، جرى اللجوء تاريخيًا إلى شعار “الوحدة الوطنية” لا لاحتواء الخلاف، بل لإسكات المساءلة السياسية.

وهذا بالضبط ما يستحق الانتباه.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار