ترامب ونموذج “المندوب السامي”: للبنان مسارُ سوريا أو حماس

يشغل الرئيس الأميركي دونالد ترامب العالم بمجلس السلام، والذي كانت فكرته مخصصة لقطاع غزة وإنهاء الحرب فيه وإدارته ما بعدها. لكن ترامب استأنس الفكرة، ويريد لهذا المجلس أن يشتمل على منطقة الشرق الأوسط ككل وربما لاحقاً يسعى إلى تطويره. فترامب هو رئيس هذا المجلس، ما يعني أنه يريد التعاطي مع الشرق الأوسط كرئيس أعلى، وإلى جانبه رؤساء آخرون يُختارهم للعضوية لكن عليهم الالتزام بتوجيهاته. منذ وصوله يعتمد ترامب أسلوب تعيين المبعوثين أو الموفدين، وكل واحد من هؤلاء يمكنه أن يتحول إلى “مندوب سامٍ” في الدولة أو المنطقة التي يعمل ضمنها. طبق ترامب ذلك فعلياً في فنزويلا، ويسعى إلى تطبيقه في غرينلاند، وفي الأساس يتعاطى كذلك مع منطقة الشرق الأوسط التي عين نفسه رئيساً لمجلس السلام فيها.
فكرة “المندوب السامي”
عملياً، تدار المنطقة وفق رؤية “المندوب السامي الأميركي” تارة يكون توم باراك، وطوراً ستيف ويتكوف، وينضم إلهما مساعدون تارة تكون مورغان أورتاغوس أو السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى الذي لديه علاقة مباشرة مع ترامب. أما العراق فله مارك سافايا، ولغرينلاند مبعوثها الخاص أيضاً جيف لاندري. بالعودة إلى مجلس السلام، فإن دولاً ورؤساء وافقوا على الانضمام، أما بعضهم الآخر فيتريث، بينما إسرائيل لا تبدو راضية وخصوصاً في ظل معارضتها لعضوية تركيا وقطر وغيرهما، ربما يريد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن يكون هو المندوب السامي الأوحد الذي يمثل ترامب في المنطقة.
شكوى من الميكانيزم
لبنان يفترض أن يكون إحدى الدول المعنية بمجلس السلام، وربما يفكر ترامب لاحقاً بتوجيه دعوة لرئيس الجمهورية جوزاف عون للانضمام إلى هذا المجلس. لعل هذه الفكرة تدفع ترامب إلى تحقيق نبوءة المبعوث توم باراك عندما قال في أحد تصريحاته قبل أشهر بأنه توجه إلى عون بالنصح قائلاً: “ارفع السماعة وهاتف نتنياهو واتفقا على معالجة المشاكل”. تتطابق هذه الفكرة أيضاً، مع ما يضغط باتجاهه الأميركيون الذين يعتبرون أن لا بد من توسيع نطاق المفاوضات بين لبنان وإسرائيل ورفع المستوى، وتعزيز مبدأ التفاوض المباشر وعدم اقتصاره على لجنة الميكانيزم التي أصبح الجميع يشكو من عدم فعاليتها.
لبنان بحذو سوريا
بعض المعلومات تشير إلى أن أميركا لا تزال “تعيب” على لبنان عدم الإقدام على خطوات مشابهة للخطوات السورية، بمعنى أن دمشق اختارت الطريق الأقصر في التفاوض مع إسرائيل وعينت وزير خارجيتها مفاوضاً وتوسع نطاق المفاوضات ليشمل جوانب سياسية، ديبلوماسية، أمنية وعسكرية. ثمة في واشنطن من يعتبر أن على لبنان أن يحذو حذو سوريا والدخول في مفاوضات شاملة وواسعة مع إسرائيل تطال كل الملفات، وعندها يمكن مساعدته في تحقيق البعض من مطالبه أو شروطه، إلى جانب ممارسة الضغوط على إسرائيل لوقف الضربات والاعتداءات.
السلاح والاتفاق
يعتبر الأميركيون أن هذا الطريق هو الأفضل للبنان لتجنب المزيد من التصعيد الإسرائيلي، والذي على ما يبدو أنه يأخذ منحى تصاعدياً بشكل متدرج، علماً أن التسريبات الواردة من الولايات المتحدة تركز على أن الإدارة الأميركية تضغط على نتنياهو لعدم الإقدام على شن عملية عسكرية واسعة في لبنان، لكنها تطلق يده لتنفيذ عمليات قصف واستهداف في مختلف المناطق اللبنانية وعندما يريد ذلك. والهدف هنا واضح هو سحب سلاح حزب الله بالكامل، والاتجاه نحو اتفاق مع إسرائيل.
رؤية واشنطن
عملياً، الرؤية التي تسعى أميركا إلى تحقيقها في المنطقة، هي توسيع هامش اتفاقات السلام، بالإضافة إلى إنهاء الحالات العسكرية أو المقاومات المسلحة، أو الكيانات غير الخاضعة لسيطرة الدولة، وهذا ما جرى بالنسبة إلى قوات سوريا الديمقراطية، التي تعرضت لعملية قضم واضحة من قبل دمشق، حتى أن الاتفاق الذي عرض هو دمج هذه القوات بالجيش ولكن بشكل فردي وليس ككتل عسكرية أو فرق، إلى جانب فتح الطريق أمام الدولة السورية للدخول إلى شمال شرق سوريا بالكامل.
تركيا والسعودية
لا يمكن إغفال أن هذه العملية ضد قسد، جاءت بعد تجدد المفاوضات السورية الإسرائيلية في فرنسا، وبها عملت واشنطن على إرضاء حلفائها، خصوصاً تركيا التي حفظت أمنها القومي وحققت ما تريده بملف الأكراد، وكذلك السعودية التي كانت من أكثر المهتمين بتدعيم سلطة أحمد الشرع وسيطرته على كل الجغرافيا السورية. هذه التطورات لا بد أن يكون لها ما يليها على خط التفاوض السوري الإسرائيلي، وعلى خط زيادة التنسيق الأميركي التركي حول ملفات المنطقة وخصوصاً قطاع غزة وحركة حماس وسط رهان أميركي على دور تركيا في إقناع حركة حماس بالتخلي عن السلاح، وبمجرد إعلان بعض مسؤولي حماس عن ذلك، فتحت قنوات التفاوض بينهم وبين الأميركي وحصلت لقاءات مباشرة بينهم وبين ستيف ويتكوف.
نصائح للبنان
لبنان أيضاً، يتلقى نصائح بأن يحذو حذو حركة حماس، بينما يبقى السؤال حول الجهة التي ستقنع حزب الله بالتخلي عن السلاح، والدخول في مسار التفاوض. في هذا السياق، ثمة من يعتبر أن الحزب وعندما يقتنع بذلك، فلن يقدم هذه الورقة هدية لأحد، لا للدولة اللبنانية ولا لأي رئيس، بل ربما يضعها في سياق تفاوض أوسع من طهران إلى بيروت، وعندها يكون التفاوض معه كما ذهب الأميركيون إلى مفاوضة حماس. هذا ما تسعى إليه جهات دولية وإقليمية عديدة، وسط محاولات كثيرة تسعى إلى فتح خطوط التواصل غير المباشر وتقديم مقترحات وأفكار ورؤى وأوراق، لا بد أن تبدأ بالظهور لاحقاً.
ترامب ونموذج “المندوب السامي”: للبنان مسارُ سوريا أو حماس

يشغل الرئيس الأميركي دونالد ترامب العالم بمجلس السلام، والذي كانت فكرته مخصصة لقطاع غزة وإنهاء الحرب فيه وإدارته ما بعدها. لكن ترامب استأنس الفكرة، ويريد لهذا المجلس أن يشتمل على منطقة الشرق الأوسط ككل وربما لاحقاً يسعى إلى تطويره. فترامب هو رئيس هذا المجلس، ما يعني أنه يريد التعاطي مع الشرق الأوسط كرئيس أعلى، وإلى جانبه رؤساء آخرون يُختارهم للعضوية لكن عليهم الالتزام بتوجيهاته. منذ وصوله يعتمد ترامب أسلوب تعيين المبعوثين أو الموفدين، وكل واحد من هؤلاء يمكنه أن يتحول إلى “مندوب سامٍ” في الدولة أو المنطقة التي يعمل ضمنها. طبق ترامب ذلك فعلياً في فنزويلا، ويسعى إلى تطبيقه في غرينلاند، وفي الأساس يتعاطى كذلك مع منطقة الشرق الأوسط التي عين نفسه رئيساً لمجلس السلام فيها.
فكرة “المندوب السامي”
عملياً، تدار المنطقة وفق رؤية “المندوب السامي الأميركي” تارة يكون توم باراك، وطوراً ستيف ويتكوف، وينضم إلهما مساعدون تارة تكون مورغان أورتاغوس أو السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى الذي لديه علاقة مباشرة مع ترامب. أما العراق فله مارك سافايا، ولغرينلاند مبعوثها الخاص أيضاً جيف لاندري. بالعودة إلى مجلس السلام، فإن دولاً ورؤساء وافقوا على الانضمام، أما بعضهم الآخر فيتريث، بينما إسرائيل لا تبدو راضية وخصوصاً في ظل معارضتها لعضوية تركيا وقطر وغيرهما، ربما يريد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن يكون هو المندوب السامي الأوحد الذي يمثل ترامب في المنطقة.
شكوى من الميكانيزم
لبنان يفترض أن يكون إحدى الدول المعنية بمجلس السلام، وربما يفكر ترامب لاحقاً بتوجيه دعوة لرئيس الجمهورية جوزاف عون للانضمام إلى هذا المجلس. لعل هذه الفكرة تدفع ترامب إلى تحقيق نبوءة المبعوث توم باراك عندما قال في أحد تصريحاته قبل أشهر بأنه توجه إلى عون بالنصح قائلاً: “ارفع السماعة وهاتف نتنياهو واتفقا على معالجة المشاكل”. تتطابق هذه الفكرة أيضاً، مع ما يضغط باتجاهه الأميركيون الذين يعتبرون أن لا بد من توسيع نطاق المفاوضات بين لبنان وإسرائيل ورفع المستوى، وتعزيز مبدأ التفاوض المباشر وعدم اقتصاره على لجنة الميكانيزم التي أصبح الجميع يشكو من عدم فعاليتها.
لبنان بحذو سوريا
بعض المعلومات تشير إلى أن أميركا لا تزال “تعيب” على لبنان عدم الإقدام على خطوات مشابهة للخطوات السورية، بمعنى أن دمشق اختارت الطريق الأقصر في التفاوض مع إسرائيل وعينت وزير خارجيتها مفاوضاً وتوسع نطاق المفاوضات ليشمل جوانب سياسية، ديبلوماسية، أمنية وعسكرية. ثمة في واشنطن من يعتبر أن على لبنان أن يحذو حذو سوريا والدخول في مفاوضات شاملة وواسعة مع إسرائيل تطال كل الملفات، وعندها يمكن مساعدته في تحقيق البعض من مطالبه أو شروطه، إلى جانب ممارسة الضغوط على إسرائيل لوقف الضربات والاعتداءات.
السلاح والاتفاق
يعتبر الأميركيون أن هذا الطريق هو الأفضل للبنان لتجنب المزيد من التصعيد الإسرائيلي، والذي على ما يبدو أنه يأخذ منحى تصاعدياً بشكل متدرج، علماً أن التسريبات الواردة من الولايات المتحدة تركز على أن الإدارة الأميركية تضغط على نتنياهو لعدم الإقدام على شن عملية عسكرية واسعة في لبنان، لكنها تطلق يده لتنفيذ عمليات قصف واستهداف في مختلف المناطق اللبنانية وعندما يريد ذلك. والهدف هنا واضح هو سحب سلاح حزب الله بالكامل، والاتجاه نحو اتفاق مع إسرائيل.
رؤية واشنطن
عملياً، الرؤية التي تسعى أميركا إلى تحقيقها في المنطقة، هي توسيع هامش اتفاقات السلام، بالإضافة إلى إنهاء الحالات العسكرية أو المقاومات المسلحة، أو الكيانات غير الخاضعة لسيطرة الدولة، وهذا ما جرى بالنسبة إلى قوات سوريا الديمقراطية، التي تعرضت لعملية قضم واضحة من قبل دمشق، حتى أن الاتفاق الذي عرض هو دمج هذه القوات بالجيش ولكن بشكل فردي وليس ككتل عسكرية أو فرق، إلى جانب فتح الطريق أمام الدولة السورية للدخول إلى شمال شرق سوريا بالكامل.
تركيا والسعودية
لا يمكن إغفال أن هذه العملية ضد قسد، جاءت بعد تجدد المفاوضات السورية الإسرائيلية في فرنسا، وبها عملت واشنطن على إرضاء حلفائها، خصوصاً تركيا التي حفظت أمنها القومي وحققت ما تريده بملف الأكراد، وكذلك السعودية التي كانت من أكثر المهتمين بتدعيم سلطة أحمد الشرع وسيطرته على كل الجغرافيا السورية. هذه التطورات لا بد أن يكون لها ما يليها على خط التفاوض السوري الإسرائيلي، وعلى خط زيادة التنسيق الأميركي التركي حول ملفات المنطقة وخصوصاً قطاع غزة وحركة حماس وسط رهان أميركي على دور تركيا في إقناع حركة حماس بالتخلي عن السلاح، وبمجرد إعلان بعض مسؤولي حماس عن ذلك، فتحت قنوات التفاوض بينهم وبين الأميركي وحصلت لقاءات مباشرة بينهم وبين ستيف ويتكوف.
نصائح للبنان
لبنان أيضاً، يتلقى نصائح بأن يحذو حذو حركة حماس، بينما يبقى السؤال حول الجهة التي ستقنع حزب الله بالتخلي عن السلاح، والدخول في مسار التفاوض. في هذا السياق، ثمة من يعتبر أن الحزب وعندما يقتنع بذلك، فلن يقدم هذه الورقة هدية لأحد، لا للدولة اللبنانية ولا لأي رئيس، بل ربما يضعها في سياق تفاوض أوسع من طهران إلى بيروت، وعندها يكون التفاوض معه كما ذهب الأميركيون إلى مفاوضة حماس. هذا ما تسعى إليه جهات دولية وإقليمية عديدة، وسط محاولات كثيرة تسعى إلى فتح خطوط التواصل غير المباشر وتقديم مقترحات وأفكار ورؤى وأوراق، لا بد أن تبدأ بالظهور لاحقاً.











