النافذة الخليجية تُفتح على لبنان: الدولة أمام فرصة اختبار الجدية

يشهد الانفتاح العربي، ولا سيما الخليجي، على لبنان تطورًا إيجابيًا متدرجًا يحمل دلالات سياسية وأمنية عملانية وجدية جدًا، ويعكس تبدلًا مدروسًا في مقاربة العواصم العربية للملف اللبناني. فحركة الموفدين العرب في الآونة الأخيرة، وما حملته من رسائل واضحة، تشير إلى أن لبنان عاد ليكون موضع متابعة فعلية، من باب إنقاذه من أزماته المتناسلة والتي أرهقته، ومن زاوية اختبار قدرته على استعادة منطق الدولة ومؤسساتها الشرعية، وبسط سيادتها على كامل أراضيها.
في هذا السياق، اكتسبت زيارة الوفد السعودي المكلّف بالملف اللبناني الأمير يزيد بن فرحان إلى بيروت أهمية خاصة، أولًا ،لكونها الأولى له في العام الحالي، وثانيًا، لطبيعة مروحة اللقاءات الواسعة التي عقدها، والتي شملت مختلف المرجعيات السياسية والرسمية. هذه الزيارة، عكست توجهًا إيجابيًا واضحًا لدى المملكة العربية السعودية، نابعًا مما تلمسه من تعاظم نسبي لدور الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، وفي مقدمها الجيش اللبناني، في فرض الأمن وإنفاذ السيادة، ولو ضمن إمكانات محدودة وظروف داخلية وإقليمية شديدة التعقيد. فالمقاربة السعودية، ومعها الخليجية، باتت تقوم على مبدأ إعطاء الفرصة للدولة عندما تظهر مؤشرات جدية، بعيدًا من أي رهان على التسويات الرمادية التي أثبتت فشلها مرارًا وتكرارًا.
الرهان الأساسي اليوم، بحسب المعطيات المتوافرة، يتمحور حول الجيش اللبناني، بوصفه العمود الفقري لاستعادة هيبة الدولة وحصرية السلاح وقرار الحرب والسلم. هذا الرهان يقوم على تجارب مكلفة بشريًا وماديًا ومعمودية نار مستمرة يخوضها الجيش استنادًا إلى قرارات السلطة التنفيذية وتحت مظلة القائد الأعلى للقوات المسلحة، وعلى مقاربة واقعية تدرك أن تكليف الجيش بمهام تفوق قدراته الحالية من دون تأمين الدعم اللازم يشكل وصفة للفشل. من هنا، يظهر تفهّم عربي جلي، ولا سيما سعودي، لحاجة الجيش إلى دعم لوجستي ومالي صريح، وإلى غطاء سياسي داخلي جامع يضعه فوق الانقسامات، ويمنحه قوة نابعة من إرادة وطنية كاملة وجامعة لإنجاز المهمة التي طال انتظارها، أي بسط سلطة الدولة على جميع الأراضي اللبنانية من دون استثناء.
هذا التحول لا يقتصر على الجانب السياسي أو العسكري، بل ينسحب أيضًا على التعاون الأمني، حيث سجّل تنسيق لبنان مع الدول العربية، وفي مقدمها المملكة العربية السعودية، نتائج بالغة الأهمية في مكافحة شبكات تصنيع وتهريب المخدرات، ولا سيما الكبتاغون. وقد أفضى هذا التعاون إلى تفكيك شبكات كبرى، وتوقيف رؤوس أساسية في هذا المجال، وسوقهم إلى العدالة، ما أعاد بناء قدر كبير من الثقة التي كانت مفقودة، وأثبت أن الدولة اللبنانية قادرة، متى توافرت الإرادة، على أن تكون شريكًا موثوقًا في حماية الأمن القومي العربي المشترك.
اقتصاديًا، بدأت تلوح مؤشرات لا تقل أهمية، تمثلت في تطور سعودي لافت مع عودة الصادرات الزراعية اللبنانية، وفتح نقاش جدي حول إعادة تفعيل الصادرات النفطية والبتروكيميائية عبر الموانئ اللبنانية بمجرد استتباب الوضع في سوريا. ويترافق ذلك مع توقعات بعقد اجتماع بين وزيريّ داخلية البلدين، وأيضًا توقع زيارات رسمية لكبار المسؤولين اللبنانيين خلال شهر شباط المقبل وتوقيع اتفاقيات مهمة، يرجّح أن تفضي إلى رفع الحظر عن سفر الرعايا السعوديين، ومن ثم الخليجيين، إلى لبنان، بما يحمله ذلك من انعكاسات سياحية واقتصادية وسياسية إيجابية.
غير أن هذه المؤشرات، على أهميتها، تبقى رهنًا بحسن استثمار لبنان لهذه اللحظة. فالتطورات الإقليمية المتسارعة قد تعيد ترتيب الأولويات في أي وقت، ما يهدد بإسقاط لبنان مجددًا من سلم الاهتمام العربي والدولي. لأن أي تباطؤ في مواكبة الجهود المبذولة داخليًا وخارجيًا لتعزيز مرجعية الدولة، ولا سيما على صعيد الإصلاحات البنيوية وحصرية السلاح، سيُفسَّر على أنه عجز أو تراجع في الإرادة السياسية، وسيكون ضرره بالغًا على فرص النهوض والاستقرار.
لبنان اليوم أمام نافذة مفتوحة، لا تشبه فرص الماضي التي أُهدرت عمدًا، والانفتاح العربي، وخصوصًا الخليجي بقيادة المملكة العربية السعودية، ليس شيكًا على بياض، بل اختبار جدية. فإما أن يلتقط لبنان هذه الفرصة ليعيد تثبيت نفسه كدولة سيدة قادرة، أو يبددها، ليجد نفسه مجددًا خارج الحسابات، في زمن تطوراته متسارعة جدًا لا يرحم ولا يشفق على المترددين.
النافذة الخليجية تُفتح على لبنان: الدولة أمام فرصة اختبار الجدية

يشهد الانفتاح العربي، ولا سيما الخليجي، على لبنان تطورًا إيجابيًا متدرجًا يحمل دلالات سياسية وأمنية عملانية وجدية جدًا، ويعكس تبدلًا مدروسًا في مقاربة العواصم العربية للملف اللبناني. فحركة الموفدين العرب في الآونة الأخيرة، وما حملته من رسائل واضحة، تشير إلى أن لبنان عاد ليكون موضع متابعة فعلية، من باب إنقاذه من أزماته المتناسلة والتي أرهقته، ومن زاوية اختبار قدرته على استعادة منطق الدولة ومؤسساتها الشرعية، وبسط سيادتها على كامل أراضيها.
في هذا السياق، اكتسبت زيارة الوفد السعودي المكلّف بالملف اللبناني الأمير يزيد بن فرحان إلى بيروت أهمية خاصة، أولًا ،لكونها الأولى له في العام الحالي، وثانيًا، لطبيعة مروحة اللقاءات الواسعة التي عقدها، والتي شملت مختلف المرجعيات السياسية والرسمية. هذه الزيارة، عكست توجهًا إيجابيًا واضحًا لدى المملكة العربية السعودية، نابعًا مما تلمسه من تعاظم نسبي لدور الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، وفي مقدمها الجيش اللبناني، في فرض الأمن وإنفاذ السيادة، ولو ضمن إمكانات محدودة وظروف داخلية وإقليمية شديدة التعقيد. فالمقاربة السعودية، ومعها الخليجية، باتت تقوم على مبدأ إعطاء الفرصة للدولة عندما تظهر مؤشرات جدية، بعيدًا من أي رهان على التسويات الرمادية التي أثبتت فشلها مرارًا وتكرارًا.
الرهان الأساسي اليوم، بحسب المعطيات المتوافرة، يتمحور حول الجيش اللبناني، بوصفه العمود الفقري لاستعادة هيبة الدولة وحصرية السلاح وقرار الحرب والسلم. هذا الرهان يقوم على تجارب مكلفة بشريًا وماديًا ومعمودية نار مستمرة يخوضها الجيش استنادًا إلى قرارات السلطة التنفيذية وتحت مظلة القائد الأعلى للقوات المسلحة، وعلى مقاربة واقعية تدرك أن تكليف الجيش بمهام تفوق قدراته الحالية من دون تأمين الدعم اللازم يشكل وصفة للفشل. من هنا، يظهر تفهّم عربي جلي، ولا سيما سعودي، لحاجة الجيش إلى دعم لوجستي ومالي صريح، وإلى غطاء سياسي داخلي جامع يضعه فوق الانقسامات، ويمنحه قوة نابعة من إرادة وطنية كاملة وجامعة لإنجاز المهمة التي طال انتظارها، أي بسط سلطة الدولة على جميع الأراضي اللبنانية من دون استثناء.
هذا التحول لا يقتصر على الجانب السياسي أو العسكري، بل ينسحب أيضًا على التعاون الأمني، حيث سجّل تنسيق لبنان مع الدول العربية، وفي مقدمها المملكة العربية السعودية، نتائج بالغة الأهمية في مكافحة شبكات تصنيع وتهريب المخدرات، ولا سيما الكبتاغون. وقد أفضى هذا التعاون إلى تفكيك شبكات كبرى، وتوقيف رؤوس أساسية في هذا المجال، وسوقهم إلى العدالة، ما أعاد بناء قدر كبير من الثقة التي كانت مفقودة، وأثبت أن الدولة اللبنانية قادرة، متى توافرت الإرادة، على أن تكون شريكًا موثوقًا في حماية الأمن القومي العربي المشترك.
اقتصاديًا، بدأت تلوح مؤشرات لا تقل أهمية، تمثلت في تطور سعودي لافت مع عودة الصادرات الزراعية اللبنانية، وفتح نقاش جدي حول إعادة تفعيل الصادرات النفطية والبتروكيميائية عبر الموانئ اللبنانية بمجرد استتباب الوضع في سوريا. ويترافق ذلك مع توقعات بعقد اجتماع بين وزيريّ داخلية البلدين، وأيضًا توقع زيارات رسمية لكبار المسؤولين اللبنانيين خلال شهر شباط المقبل وتوقيع اتفاقيات مهمة، يرجّح أن تفضي إلى رفع الحظر عن سفر الرعايا السعوديين، ومن ثم الخليجيين، إلى لبنان، بما يحمله ذلك من انعكاسات سياحية واقتصادية وسياسية إيجابية.
غير أن هذه المؤشرات، على أهميتها، تبقى رهنًا بحسن استثمار لبنان لهذه اللحظة. فالتطورات الإقليمية المتسارعة قد تعيد ترتيب الأولويات في أي وقت، ما يهدد بإسقاط لبنان مجددًا من سلم الاهتمام العربي والدولي. لأن أي تباطؤ في مواكبة الجهود المبذولة داخليًا وخارجيًا لتعزيز مرجعية الدولة، ولا سيما على صعيد الإصلاحات البنيوية وحصرية السلاح، سيُفسَّر على أنه عجز أو تراجع في الإرادة السياسية، وسيكون ضرره بالغًا على فرص النهوض والاستقرار.
لبنان اليوم أمام نافذة مفتوحة، لا تشبه فرص الماضي التي أُهدرت عمدًا، والانفتاح العربي، وخصوصًا الخليجي بقيادة المملكة العربية السعودية، ليس شيكًا على بياض، بل اختبار جدية. فإما أن يلتقط لبنان هذه الفرصة ليعيد تثبيت نفسه كدولة سيدة قادرة، أو يبددها، ليجد نفسه مجددًا خارج الحسابات، في زمن تطوراته متسارعة جدًا لا يرحم ولا يشفق على المترددين.










