انقلاب في الناقورة: «الميكانيزم» إلى أين؟

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: الجمهورية
20 كانون الثاني 2026

مع بداية المرحلة الثانية من خطة «حصر السلاح»، بدأت تتكشف ملامح انقلاب ديبلوماسي في الناقورة تُحضِّر له إسرائيل، ويتمثل بتعطيل اجتماعات «الميكانيزم». فهذا التعطيل قد يتحوّل إعلاناً عن نهاية نموذج التفاوض الجاري حالياً، تحت مظلة الأمم المتحدة، ليبدأ عصر المفاوضات السياسية والاقتصادية والعسكرية المباشرة و»الخشنة»، بين مسؤولين كبار من إسرائيل ولبنان، وبرعاية حصرية من الولايات المتحدة.

السيناريو الذي بات متداولاً في عدد من الأوساط يقضي بسقوط نموذج «الميكانيزم» كما رُسِمَ منذ إعلان اتفاق 27 تشرين الثاني، بصيغته العسكرية، ثم المدنية – العسكرية، والاتجاه إلى نموذج آخر، لا علاقة لقوات «اليونيفيل» به، ولا حتى في ما يتعلّق بمكان انعقاد الاجتماعات، أي إنّ مرحلة الحضانة في الناقورة ربما تكون قد انتهت مع انتهاء المرحلة الأولى من خطة الجيش، التي كان لـ«اليونيفيل» دور فيها. وأمّا في شمال الليطاني، فلا وجود لهذه القوات ولا دور. وتالياً، لم يعُد هناك دور تنفيذي للأمم المتحدة في رعاية خطة نزع السلاح. كما أنّ قوات «اليونيفيل» نفسها باتت تستعد للمغادرة نهاية السنة الجارية.

 

المطروح في بعض الأوساط هو أن تُجرى مفاوضات سياسية حقيقية بين لبنان وإسرائيل، برعاية أو شراكة أميركية حصراً، خارج الناقورة أو حتى خارج لبنان. وهذا المسار قد يُفرَض عملياً تحت وطأة الضغط الميداني. وبه، ستتمكّن الولايات المتحدة وإسرائيل من إبعاد «الإزعاجات» التي تتعرّضان لها من جانب الفرنسيِّين والعرب.

 

وقد عمدت إسرائيل في الفترة الأخيرة إلى التمهيد لتطيير «الميكانيزم» أو تغيير قواعد عملها، بتوجيه انتقادات حادّة إليها، واتهامها بأنّها تحوّلت أداة «احتواء» يستفيد منها «حزب الله» والدولة اللبنانية، لكسب الوقت والمناورة، تهرُّباً من استحقاقات المرحلة الثانية من خطة نزع السلاح، بين خطَّي الليطاني والأولي. فتعطيل الاجتماعات يبعث برسالة مفادها أنّ زمن التنسيق العسكري الروتيني قد انتهى، وأنّ عنوان المرحلة الآتية سيكون: تنفيذ لبنان الخطوات المطلوبة في شكل إلزامي، عسكرياً وسياسياً.

 

وتتقاطع واشنطن مع إسرائيل، لجهة الشكوى من حركة «الميكانيزم»، إذ ترى فيها بطئاً شديداً وترهلاً لا يتناسب مع الإيقاع السريع الذي يتصف به سلوك إدارة دونالد ترامب في تعاطيها مع الملفات. وفي الواقع، تُفضّل هذه الإدارة منطق الصفقات المباشرة والقوية على المفاوضات التقنية الطويلة.

 

ويسود اعتقاد في بعض الأوساط السياسية بأنّ الثنائي الأميركي-الإسرائيلي، الذي كان يُفكِّر في اعتماد فكرة «الميكانيزم» كقناة تفاوض أمنية بين سوريا وإسرائيل، بات اليوم، وبعد التطوّرات المتسارعة في سوريا، ولاسيما تفاهم حكومة دمشق مع «قسد» برعاية أميركية مباشرة، يَميل إلى العكس، أي اعتماد النموذج السوري للمفاوضات في لبنان، أي المفاوضات السياسية المباشرة، بمستويات عالية. وما يُميِّز النموذج السوري عن «الميكانيزم» اللبنانية الحالية هو الآتي:

 

1- التركيز على مفاوضات مدنية ورفيعة المستوى ما يعني استبدال الضباط الحاليِّين المعتمَدين في الناقورة بمسؤولين سياسيِّين واقتصاديِّين.

2- إقصاء الوسطاء «الآخرين»، وحصر التفاوض بقناة ثلاثية أميركية – إسرائيلية – لبنانية. ومن شأن هذا التطوّر أن يجعل القرار اللبناني رهينة مباشرة للضغوط الأميركية – الإسرائيلية، «من دون الاستعانة بصديق» فرنسي أو عربي.

 

3- ربط ملف نزع السلاح في شمال الليطاني بالملفات الإقتصادية الكبرى، كاستخراج موارد الغاز وإعادة الإعمار وحلحلة أزمة الديون السيادية، فتكون الملفات كلّها موضع مقايضات على الطاولة.

 

4- الهدف الإسرائيلي من هذا الإنقلاب الديبلوماسي هو حشر الحكومة اللبنانية بالتزامات ذات طابع مدني، لا يمكنها التراجع عنها. وما تريده حكومة بنيامين نتنياهو مثلاً هو دفع الجانب اللبناني إلى التوقيع، من خلال ممثلين مدنيِّين، على اعتراف رسمي بخرائط المسح الجوي الإسرائيلية لمواقع «حزب الله» في شمال الليطاني، وتعهّدات اقتصادية بربط مساعدات البنك الدولي بتقدُّم الجيش في تفكيك البنية التحتية لـ«حزب الله». ولعلّ المهمّة المطلوبة في العمق هي استئصال التدخّل الإيراني في الملف، أي التأكّد من أنّ أي اتفاق أمني سيتمّ التوصّل إليه بين لبنان وإسرائيل يتضمّن فك الإرتباط بإيران نهائياً.

 

مأزق لبنان في هذه المسألة يكمن في أنّ لا خيار أمامه: فإمّا الإنتحار بالرفض وتحمّل العواقب، أي استمرار الغارات الإسرائيلية في شمال الليطاني بلا غطاء دولي يحمي الجيش أو المدنيِّين. وإمّا القبول به، ما يعني دخول لبنان في مسار «انتداب أمني مقنّع» تُديره واشنطن والإسرائيليّون.

 

وفي عبارة أكثر دقة، ستستغل إسرائيل الحصار الذي تفرضه واشنطن على لبنان، والذي يحول دون حصوله على المساعدات التي يحتاج إليها بإلحاح. وتحت وطأة النار المفتوحة، في جنوب الليطاني وشماله، على لبنان أن يتوقع مفاوضات قاسية، تُملى عليه خلالها شروط سياسية واقتصادية وأمنية قد يَصعُب عليه رفضها.

انقلاب في الناقورة: «الميكانيزم» إلى أين؟

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: الجمهورية
20 كانون الثاني 2026

مع بداية المرحلة الثانية من خطة «حصر السلاح»، بدأت تتكشف ملامح انقلاب ديبلوماسي في الناقورة تُحضِّر له إسرائيل، ويتمثل بتعطيل اجتماعات «الميكانيزم». فهذا التعطيل قد يتحوّل إعلاناً عن نهاية نموذج التفاوض الجاري حالياً، تحت مظلة الأمم المتحدة، ليبدأ عصر المفاوضات السياسية والاقتصادية والعسكرية المباشرة و»الخشنة»، بين مسؤولين كبار من إسرائيل ولبنان، وبرعاية حصرية من الولايات المتحدة.

السيناريو الذي بات متداولاً في عدد من الأوساط يقضي بسقوط نموذج «الميكانيزم» كما رُسِمَ منذ إعلان اتفاق 27 تشرين الثاني، بصيغته العسكرية، ثم المدنية – العسكرية، والاتجاه إلى نموذج آخر، لا علاقة لقوات «اليونيفيل» به، ولا حتى في ما يتعلّق بمكان انعقاد الاجتماعات، أي إنّ مرحلة الحضانة في الناقورة ربما تكون قد انتهت مع انتهاء المرحلة الأولى من خطة الجيش، التي كان لـ«اليونيفيل» دور فيها. وأمّا في شمال الليطاني، فلا وجود لهذه القوات ولا دور. وتالياً، لم يعُد هناك دور تنفيذي للأمم المتحدة في رعاية خطة نزع السلاح. كما أنّ قوات «اليونيفيل» نفسها باتت تستعد للمغادرة نهاية السنة الجارية.

 

المطروح في بعض الأوساط هو أن تُجرى مفاوضات سياسية حقيقية بين لبنان وإسرائيل، برعاية أو شراكة أميركية حصراً، خارج الناقورة أو حتى خارج لبنان. وهذا المسار قد يُفرَض عملياً تحت وطأة الضغط الميداني. وبه، ستتمكّن الولايات المتحدة وإسرائيل من إبعاد «الإزعاجات» التي تتعرّضان لها من جانب الفرنسيِّين والعرب.

 

وقد عمدت إسرائيل في الفترة الأخيرة إلى التمهيد لتطيير «الميكانيزم» أو تغيير قواعد عملها، بتوجيه انتقادات حادّة إليها، واتهامها بأنّها تحوّلت أداة «احتواء» يستفيد منها «حزب الله» والدولة اللبنانية، لكسب الوقت والمناورة، تهرُّباً من استحقاقات المرحلة الثانية من خطة نزع السلاح، بين خطَّي الليطاني والأولي. فتعطيل الاجتماعات يبعث برسالة مفادها أنّ زمن التنسيق العسكري الروتيني قد انتهى، وأنّ عنوان المرحلة الآتية سيكون: تنفيذ لبنان الخطوات المطلوبة في شكل إلزامي، عسكرياً وسياسياً.

 

وتتقاطع واشنطن مع إسرائيل، لجهة الشكوى من حركة «الميكانيزم»، إذ ترى فيها بطئاً شديداً وترهلاً لا يتناسب مع الإيقاع السريع الذي يتصف به سلوك إدارة دونالد ترامب في تعاطيها مع الملفات. وفي الواقع، تُفضّل هذه الإدارة منطق الصفقات المباشرة والقوية على المفاوضات التقنية الطويلة.

 

ويسود اعتقاد في بعض الأوساط السياسية بأنّ الثنائي الأميركي-الإسرائيلي، الذي كان يُفكِّر في اعتماد فكرة «الميكانيزم» كقناة تفاوض أمنية بين سوريا وإسرائيل، بات اليوم، وبعد التطوّرات المتسارعة في سوريا، ولاسيما تفاهم حكومة دمشق مع «قسد» برعاية أميركية مباشرة، يَميل إلى العكس، أي اعتماد النموذج السوري للمفاوضات في لبنان، أي المفاوضات السياسية المباشرة، بمستويات عالية. وما يُميِّز النموذج السوري عن «الميكانيزم» اللبنانية الحالية هو الآتي:

 

1- التركيز على مفاوضات مدنية ورفيعة المستوى ما يعني استبدال الضباط الحاليِّين المعتمَدين في الناقورة بمسؤولين سياسيِّين واقتصاديِّين.

2- إقصاء الوسطاء «الآخرين»، وحصر التفاوض بقناة ثلاثية أميركية – إسرائيلية – لبنانية. ومن شأن هذا التطوّر أن يجعل القرار اللبناني رهينة مباشرة للضغوط الأميركية – الإسرائيلية، «من دون الاستعانة بصديق» فرنسي أو عربي.

 

3- ربط ملف نزع السلاح في شمال الليطاني بالملفات الإقتصادية الكبرى، كاستخراج موارد الغاز وإعادة الإعمار وحلحلة أزمة الديون السيادية، فتكون الملفات كلّها موضع مقايضات على الطاولة.

 

4- الهدف الإسرائيلي من هذا الإنقلاب الديبلوماسي هو حشر الحكومة اللبنانية بالتزامات ذات طابع مدني، لا يمكنها التراجع عنها. وما تريده حكومة بنيامين نتنياهو مثلاً هو دفع الجانب اللبناني إلى التوقيع، من خلال ممثلين مدنيِّين، على اعتراف رسمي بخرائط المسح الجوي الإسرائيلية لمواقع «حزب الله» في شمال الليطاني، وتعهّدات اقتصادية بربط مساعدات البنك الدولي بتقدُّم الجيش في تفكيك البنية التحتية لـ«حزب الله». ولعلّ المهمّة المطلوبة في العمق هي استئصال التدخّل الإيراني في الملف، أي التأكّد من أنّ أي اتفاق أمني سيتمّ التوصّل إليه بين لبنان وإسرائيل يتضمّن فك الإرتباط بإيران نهائياً.

 

مأزق لبنان في هذه المسألة يكمن في أنّ لا خيار أمامه: فإمّا الإنتحار بالرفض وتحمّل العواقب، أي استمرار الغارات الإسرائيلية في شمال الليطاني بلا غطاء دولي يحمي الجيش أو المدنيِّين. وإمّا القبول به، ما يعني دخول لبنان في مسار «انتداب أمني مقنّع» تُديره واشنطن والإسرائيليّون.

 

وفي عبارة أكثر دقة، ستستغل إسرائيل الحصار الذي تفرضه واشنطن على لبنان، والذي يحول دون حصوله على المساعدات التي يحتاج إليها بإلحاح. وتحت وطأة النار المفتوحة، في جنوب الليطاني وشماله، على لبنان أن يتوقع مفاوضات قاسية، تُملى عليه خلالها شروط سياسية واقتصادية وأمنية قد يَصعُب عليه رفضها.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار