مؤتمر 5 آذار: حماسة أوروبية محدودة ومشاركة غير مضمونة

في حوار جانبيّ تزامن مع اجتماعات عُقدت في مقرّ المفوّضية الأوروبية في بروكسل، لبحث تطوّر الأزمة المستجدّة بين عدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية على خلفية ملف جزيرة غرينلاند، عبّر دبلوماسيّ من إحدى دول أوروبا الشرقية عن مقاربة تعكس مزاجًا أوروبيًا مغايرًا للمسار الذي تقوده باريس حيال لبنان.
قال الدبلوماسيّ إن القارة الأوروبية تواجه ما يكفي من التحدّيات الوجوديّة التي تجعل من البديهيّ تركيز جهودها الدبلوماسية والمالية والأمنيّة على مواجهة روسيا، سواء على الجبهة الأوكرانية الحالية أم على الجبهات المحتملة التالية في حال حقق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مكاسب استراتيجية. وأضاف أن أوروبا تجد نفسها في الوقت ذاته أمام تحدّ جديد يتمثل في التوتر مع الولايات المتحدة، في حال نجح الرئيس دونالد ترامب في فرض مقاربته الخاصة في ملفات حسّاسة، من بينها غرينلاند.
أولويّات أوروبية تُضعف المبادرة الفرنسيّة
في هذا السياق، أبدى الدبلوماسي تحفظًا واضحًا على اندفاعة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نحو تنظيم مؤتمرات دولية لحشد الدعم المالي والدبلوماسي للبنان، معتبرًا أن هذه الجهود لم تثمر حتى الآن إرادة لبنانية موحّدة قادرة على مواكبة التحوّلات الكبرى التي أحدثها زلزال السابع من تشرين الأول 2023. ولفت إلى أن السلطة اللبنانية لا تزال، برأيه، عاجزة عن حسم خياراتها الاستراتيجية ووضعها موضع التنفيذ بسرعة وحزم، ومن دون مراعاة للعوائق الداخلية التي تعرقل أداءها.
يكشف هذا الكلام غير الرسميّ عن فجوة متزايدة بين الأولويات الفرنسية وتلك التي تعتمدها دول أوروبية أخرى، أو على الأقلّ بعض منها في هذه المرحلة، حيال الملف اللبناني. فبينما تصرّ باريس على إبقاء لبنان ضمن دائرة الاهتمام الدوليّ، تبدو عواصم أوروبية منشغلة أولًا بأمنها المباشر، وبالاستنزاف المالي والدبلوماسي الذي تفرضه الحرب في أوكرانيا، إضافة إلى تداعيات التوترات العابرة للأطلسي.
في هذا الإطار، تشير المعطيات المتداولة في الأوساط الأوروبية إلى أن مساعي تأمين مشاركة وازنة من الدول القادرة والمؤثرة لتمويل الجيش اللبناني لم تكتمل بعد، قبيل مؤتمر باريس المقرّر عقده في الخامس من آذار المقبل. وتلفت هذه الأوساط إلى أن باريس سارعت إلى تحديد موعد المؤتمر ووضع ثقلها السياسي خلفه قبل نيل توافق واضح من شركائها في الاتحاد الأوروبي، وهو توافق كان من شأنه أن يمنح المبادرة الفرنسية غطاءً دبلوماسيًّا أوسع ويؤمّن مساهمات مالية أكبر حجمًا.
ويخلص مراقبون إلى أن ما يُخفيه هذا الموقف الأوروبي المتحفظ هو أن شروط انعقاد مؤتمر الدعم لم تنضج بالكامل بعد، وأن الحماسة الأوروبية له لا تزال محدودة. ويُضاف إلى ذلك، استمرار العراقيل التي تواجه السلطة اللبنانية في تنفيذ الالتزامات المطلوبة، سواء لجهة حصر السلاح بالكامل بيد الدولة، أو استكمال مسار الإصلاحات وتغيير الذهنية التي حكمت إدارة شؤون الدولة طوال السنوات الماضية، وهي عوامل تجعل من الرهان على نتائج سريعة للمؤتمر أمرًا محفوفًا بالشكوك.
بالتالي، لا يخفي الشركاء الدوليّون، وفي مقدّمهم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، دعمهم المعلن لاستقرار لبنان ومؤسّساته الشرعية، لكن هذا الدعم يبقى مشروطًا بإصلاحات بنيوية واضحة، وبخطوات ملموسة تعزز سيادة الدولة، وفي طليعتها معالجة مسألة السلاح الخارج عن إطار المؤسّسات الشرعية. ويُنظر إلى الجيش اللبناني باعتباره العمود الفقري للاستقرار، ما يفسّر تركيز المساعدات الغربية على دعمه وتحصينه، مع التشديد على أن يكون هو الجهة الوحيدة المخوّلة حمل السلاح.
العرب وهاجس الاستقرار الإقليميّ
أمّا عربيًا، فتتقاطع المواقف عند نقطة أساسيّة: ضرورة تحييد لبنان عن صراعات المحاور، ومنع استخدام أراضيه منصّة لتهديد أمن المنطقة. وتربط دول عربية مؤثرة أيّ انفتاح اقتصاديّ أو سياسيّ واسع على بيروت بمدى التزام الدولة اللبنانية بإعادة الاعتبار لمؤسّساتها، وبقدرتها على ضبط السلاح غير الشرعي. وفي هذا الإطار، يُقرأ الدعم العربي للجيش كرسالة واضحة بأن الرهان لا يزال قائمًا على المؤسّسة العسكرية كضامن للوحدة والاستقرار.
فرنسا: دور الوسيط والضامن
تؤدّي فرنسا دورًا محوريًّا في هذا المشهد، مستندة إلى علاقاتها التاريخيّة مع لبنان وإلى قنوات تواصل مفتوحة مع مختلف الأطراف الدولية والإقليمية. وتطرح باريس مقاربة تقوم على الخطوات المتدرّجة: دعم الجيش فورًا، تشجيع الحوار الداخلي، وربط المساعدات بإطار إصلاحيّ وسياديّ واضح من دون دفع البلاد نحو اهتزاز أمنيّ. ومن هنا، تكتسب الاستعدادات لمؤتمر 5 آذار أهمية خاصة، إذ تسعى فرنسا إلى حشد دعم ماليّ ولوجستيّ للجيش، بالتوازي مع تثبيت مظلّة سياسية دولية تحمي لبنان من الانزلاق إلى الفوضى.
بين الفرصة والمخاطرة
يبقى أن نجاح هذا المسار، مرهون بقدرة الحكومة اللبنانية على التقاط اللحظة الدولية والإقليمية المؤاتية، وتحويل الدعم الخارجي إلى رافعة داخلية حقيقية. فمؤتمر دعم الجيش قد يشكّل فرصة لإعادة تثبيت دور الدولة، لكنه في الوقت نفسه يضع السلطة السياسية أمام مسؤوليّة تاريخيّة: إمّا المضيّ قدمًا في مسار استعادة القرار السياديّ، أو الاكتفاء بإدارة الأزمة وانتظار تسويات خارجية جديدة.
في خضمّ هذه المعطيات، يقف لبنان عند مفترق طرق دقيق، حيث يتقاطع ملف السلاح غير الشرعي على أنواعه، مع مستقبل الدعم الدولي، ودور الجيش، وموقع البلاد في محيطها العربي والدولي. والمرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كانت الحكومة قادرة على تحويل التعهّدات إلى مسار فعليّ، أم أن الحسابات الداخلية ستبقي هذا الملف رهينة التجاذبات المفتوحة.
مؤتمر 5 آذار: حماسة أوروبية محدودة ومشاركة غير مضمونة

في حوار جانبيّ تزامن مع اجتماعات عُقدت في مقرّ المفوّضية الأوروبية في بروكسل، لبحث تطوّر الأزمة المستجدّة بين عدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية على خلفية ملف جزيرة غرينلاند، عبّر دبلوماسيّ من إحدى دول أوروبا الشرقية عن مقاربة تعكس مزاجًا أوروبيًا مغايرًا للمسار الذي تقوده باريس حيال لبنان.
قال الدبلوماسيّ إن القارة الأوروبية تواجه ما يكفي من التحدّيات الوجوديّة التي تجعل من البديهيّ تركيز جهودها الدبلوماسية والمالية والأمنيّة على مواجهة روسيا، سواء على الجبهة الأوكرانية الحالية أم على الجبهات المحتملة التالية في حال حقق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مكاسب استراتيجية. وأضاف أن أوروبا تجد نفسها في الوقت ذاته أمام تحدّ جديد يتمثل في التوتر مع الولايات المتحدة، في حال نجح الرئيس دونالد ترامب في فرض مقاربته الخاصة في ملفات حسّاسة، من بينها غرينلاند.
أولويّات أوروبية تُضعف المبادرة الفرنسيّة
في هذا السياق، أبدى الدبلوماسي تحفظًا واضحًا على اندفاعة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نحو تنظيم مؤتمرات دولية لحشد الدعم المالي والدبلوماسي للبنان، معتبرًا أن هذه الجهود لم تثمر حتى الآن إرادة لبنانية موحّدة قادرة على مواكبة التحوّلات الكبرى التي أحدثها زلزال السابع من تشرين الأول 2023. ولفت إلى أن السلطة اللبنانية لا تزال، برأيه، عاجزة عن حسم خياراتها الاستراتيجية ووضعها موضع التنفيذ بسرعة وحزم، ومن دون مراعاة للعوائق الداخلية التي تعرقل أداءها.
يكشف هذا الكلام غير الرسميّ عن فجوة متزايدة بين الأولويات الفرنسية وتلك التي تعتمدها دول أوروبية أخرى، أو على الأقلّ بعض منها في هذه المرحلة، حيال الملف اللبناني. فبينما تصرّ باريس على إبقاء لبنان ضمن دائرة الاهتمام الدوليّ، تبدو عواصم أوروبية منشغلة أولًا بأمنها المباشر، وبالاستنزاف المالي والدبلوماسي الذي تفرضه الحرب في أوكرانيا، إضافة إلى تداعيات التوترات العابرة للأطلسي.
في هذا الإطار، تشير المعطيات المتداولة في الأوساط الأوروبية إلى أن مساعي تأمين مشاركة وازنة من الدول القادرة والمؤثرة لتمويل الجيش اللبناني لم تكتمل بعد، قبيل مؤتمر باريس المقرّر عقده في الخامس من آذار المقبل. وتلفت هذه الأوساط إلى أن باريس سارعت إلى تحديد موعد المؤتمر ووضع ثقلها السياسي خلفه قبل نيل توافق واضح من شركائها في الاتحاد الأوروبي، وهو توافق كان من شأنه أن يمنح المبادرة الفرنسية غطاءً دبلوماسيًّا أوسع ويؤمّن مساهمات مالية أكبر حجمًا.
ويخلص مراقبون إلى أن ما يُخفيه هذا الموقف الأوروبي المتحفظ هو أن شروط انعقاد مؤتمر الدعم لم تنضج بالكامل بعد، وأن الحماسة الأوروبية له لا تزال محدودة. ويُضاف إلى ذلك، استمرار العراقيل التي تواجه السلطة اللبنانية في تنفيذ الالتزامات المطلوبة، سواء لجهة حصر السلاح بالكامل بيد الدولة، أو استكمال مسار الإصلاحات وتغيير الذهنية التي حكمت إدارة شؤون الدولة طوال السنوات الماضية، وهي عوامل تجعل من الرهان على نتائج سريعة للمؤتمر أمرًا محفوفًا بالشكوك.
بالتالي، لا يخفي الشركاء الدوليّون، وفي مقدّمهم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، دعمهم المعلن لاستقرار لبنان ومؤسّساته الشرعية، لكن هذا الدعم يبقى مشروطًا بإصلاحات بنيوية واضحة، وبخطوات ملموسة تعزز سيادة الدولة، وفي طليعتها معالجة مسألة السلاح الخارج عن إطار المؤسّسات الشرعية. ويُنظر إلى الجيش اللبناني باعتباره العمود الفقري للاستقرار، ما يفسّر تركيز المساعدات الغربية على دعمه وتحصينه، مع التشديد على أن يكون هو الجهة الوحيدة المخوّلة حمل السلاح.
العرب وهاجس الاستقرار الإقليميّ
أمّا عربيًا، فتتقاطع المواقف عند نقطة أساسيّة: ضرورة تحييد لبنان عن صراعات المحاور، ومنع استخدام أراضيه منصّة لتهديد أمن المنطقة. وتربط دول عربية مؤثرة أيّ انفتاح اقتصاديّ أو سياسيّ واسع على بيروت بمدى التزام الدولة اللبنانية بإعادة الاعتبار لمؤسّساتها، وبقدرتها على ضبط السلاح غير الشرعي. وفي هذا الإطار، يُقرأ الدعم العربي للجيش كرسالة واضحة بأن الرهان لا يزال قائمًا على المؤسّسة العسكرية كضامن للوحدة والاستقرار.
فرنسا: دور الوسيط والضامن
تؤدّي فرنسا دورًا محوريًّا في هذا المشهد، مستندة إلى علاقاتها التاريخيّة مع لبنان وإلى قنوات تواصل مفتوحة مع مختلف الأطراف الدولية والإقليمية. وتطرح باريس مقاربة تقوم على الخطوات المتدرّجة: دعم الجيش فورًا، تشجيع الحوار الداخلي، وربط المساعدات بإطار إصلاحيّ وسياديّ واضح من دون دفع البلاد نحو اهتزاز أمنيّ. ومن هنا، تكتسب الاستعدادات لمؤتمر 5 آذار أهمية خاصة، إذ تسعى فرنسا إلى حشد دعم ماليّ ولوجستيّ للجيش، بالتوازي مع تثبيت مظلّة سياسية دولية تحمي لبنان من الانزلاق إلى الفوضى.
بين الفرصة والمخاطرة
يبقى أن نجاح هذا المسار، مرهون بقدرة الحكومة اللبنانية على التقاط اللحظة الدولية والإقليمية المؤاتية، وتحويل الدعم الخارجي إلى رافعة داخلية حقيقية. فمؤتمر دعم الجيش قد يشكّل فرصة لإعادة تثبيت دور الدولة، لكنه في الوقت نفسه يضع السلطة السياسية أمام مسؤوليّة تاريخيّة: إمّا المضيّ قدمًا في مسار استعادة القرار السياديّ، أو الاكتفاء بإدارة الأزمة وانتظار تسويات خارجية جديدة.
في خضمّ هذه المعطيات، يقف لبنان عند مفترق طرق دقيق، حيث يتقاطع ملف السلاح غير الشرعي على أنواعه، مع مستقبل الدعم الدولي، ودور الجيش، وموقع البلاد في محيطها العربي والدولي. والمرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كانت الحكومة قادرة على تحويل التعهّدات إلى مسار فعليّ، أم أن الحسابات الداخلية ستبقي هذا الملف رهينة التجاذبات المفتوحة.










