“ميكانيزمات” عدة: دفع “الممانعة” إلى الفوضى

عندما اتصلت طهران بواشنطن، تحت وطأة الاحتجاجات الشعبية، لتطلب العودة إلى التفاوض، كانت تعرف أن عليها التعامل مع التخلّي عن البرنامج النووي كشرط أميركي حُدّد قبل حرب الـ 12 يوماً واستمرّ بعدها. لذلك بدا الاتصال كأنه يلوّح بأن طهران ربما أصبحت جاهزة لقبول الشرط والتفاوض على الإخراج المناسب له. سرعان ما تبيّن أن هذا الافتراض غير صحيح، فأوقف الرئيس الأميركي الاتصالات كي يفعّل الخيار العسكري، ثم قرر طيّه مرتضياً بـ “تسوية” عرض فيها النظام الإيراني أن يوقف قتل المتظاهرين من أبناء شعبه ويتعهّد بعدم تنفيذ إعدامات، وفي المقابل يُبقي دونالد ترامب طائراته في قواعدها. كان هذا الجانب المعلن مما حصل، أما غير المعلن فمتعدّد: الجاهزية العسكرية غير مكتملة (حتى عند إسرائيل)، والهدف/ اسقاط النظام غير ناضج، “البديل” غير واضح المعالم، والتداعيات الإقليمية (الأمنية والاقتصادية والسياسية) يصعب توقّعها ومنعها أو السيطرة عليها.
أمكن تفادي الحرب، موقّتاً، لكنها لن تتأخر. ترامب دائم التعجّل، خصوصاً عندما يقدّر أن الفارق الكبير في ميزان القوى كبير يجب أن ينعكس قبولاً سريعاً للشروط الأميركية. لكن إيران بلد كبير ومعسكر ويستطيع أن يمانع ويعاند ويتلقى الضربات ويردّ عليها ويعاني من العقوبات ويلتفّ عليها ويمدّ نفوذه في الإقليم ثم يفقده قطعةً بعد قطعة، وإذا لم يحقق النتائج التي يتوخاها فإنه يعرف كيف يصبر وينتظر. الملاحظ أن الحديث عن المسار الديبلوماسي توارى، لماذا؟ إمّا انتظاراً لمساعي الوسطاء الذين قد يكتشفون شروطاً أميركية جديدة أكثر تعجيزاً، أو على الأرجح لأن أميركا- ترامب وإسرائيل نتنياهو تُعدّان لمواجهة حاسمة. لكن، ما الهدف من الحرب المقبلة؟ هذه المرّة سيكون تغيير النظام، أمّا أن يفشل أو ينجح فهذه مسألة أخرى. وإذا تعذّر تحقيقه للأسباب التي انكشفت أخيراً فلن يكون مستغرباً أن يميل الأميركي- الإسرائيلي إلى سيناريو الفوضى، بما تعنيه من تأجيج للصراعات الداخلية.
هل من انعكاسات على لبنان؟ لدى إسرائيل كل الأضواء الخضر التي تسمح لها بالتحرك. قد يكون سيناريو الاجتياح البرّي وحده ممنوعاً، لكن أي ضربة لـ “حزب إيران/ حزب الله” هي في نظر واشنطن وإسرائيل ضربة لإيران.
فالأخيرة تواصل استخدام “الحزب” في مناورات خارجية، والآخرون يستخدمونه ضدّها. وما دام “الحزب” لم يقتنع بأن سلاحه لم يعد مجدياً لمقاومة العدو الإسرائيلي ولا لأي وظيفة أخرى لكنه مصرٌّ على الاحتفاظ به، وطالما أن طهران تؤكّد كذباً أنها لا تتدخّل في شؤون لبنان ولا في شؤون “حزبها” ولم تنصحه بالتعاون مع الدولة اللبنانية والبحث عن صيغة للانكفاء، فإنهما يمهّدان أيضاً للفوضى أو لـ “حرب أهلية” يهدّد بها “الحزب”، ويمكنه افتعالها.
ما تشهده مفاوضات “الميكانيزم” من تأجيل وخواء وخلاف أميركي- فرنسي صامت يرجّح انزلاقاً إلى مواجهة ما. تتعدّد “الميكانيزمات” وتبدو جميعاً مخادعة ومدارة اسرائيلياً بالاحتيال: واحد لمراقبة وقف اطلاق النار من جانب “الحزب” (وحده) وهو منجز لا تعترف به الرئاسة الأميركية للجنة، فوقف النار هنا يترجم بـ “نزع السلاح” في كل لبنان. وآخر لتزكية تطبيق الاتفاق الأميركي- الإسرائيلي على مواصلة الحرب على “الحزب” من دون الاعتراف بأن إسرائيل تنتهك وقف النار. والثالث هو المسار السياسي الذي يُراد أميركياً واسرائيلياً عزله عن المسار العسكري ودفعه في اتجاه “تعاون اقتصادي” قسري ووهمي.
“ميكانيزمات” عدة: دفع “الممانعة” إلى الفوضى

عندما اتصلت طهران بواشنطن، تحت وطأة الاحتجاجات الشعبية، لتطلب العودة إلى التفاوض، كانت تعرف أن عليها التعامل مع التخلّي عن البرنامج النووي كشرط أميركي حُدّد قبل حرب الـ 12 يوماً واستمرّ بعدها. لذلك بدا الاتصال كأنه يلوّح بأن طهران ربما أصبحت جاهزة لقبول الشرط والتفاوض على الإخراج المناسب له. سرعان ما تبيّن أن هذا الافتراض غير صحيح، فأوقف الرئيس الأميركي الاتصالات كي يفعّل الخيار العسكري، ثم قرر طيّه مرتضياً بـ “تسوية” عرض فيها النظام الإيراني أن يوقف قتل المتظاهرين من أبناء شعبه ويتعهّد بعدم تنفيذ إعدامات، وفي المقابل يُبقي دونالد ترامب طائراته في قواعدها. كان هذا الجانب المعلن مما حصل، أما غير المعلن فمتعدّد: الجاهزية العسكرية غير مكتملة (حتى عند إسرائيل)، والهدف/ اسقاط النظام غير ناضج، “البديل” غير واضح المعالم، والتداعيات الإقليمية (الأمنية والاقتصادية والسياسية) يصعب توقّعها ومنعها أو السيطرة عليها.
أمكن تفادي الحرب، موقّتاً، لكنها لن تتأخر. ترامب دائم التعجّل، خصوصاً عندما يقدّر أن الفارق الكبير في ميزان القوى كبير يجب أن ينعكس قبولاً سريعاً للشروط الأميركية. لكن إيران بلد كبير ومعسكر ويستطيع أن يمانع ويعاند ويتلقى الضربات ويردّ عليها ويعاني من العقوبات ويلتفّ عليها ويمدّ نفوذه في الإقليم ثم يفقده قطعةً بعد قطعة، وإذا لم يحقق النتائج التي يتوخاها فإنه يعرف كيف يصبر وينتظر. الملاحظ أن الحديث عن المسار الديبلوماسي توارى، لماذا؟ إمّا انتظاراً لمساعي الوسطاء الذين قد يكتشفون شروطاً أميركية جديدة أكثر تعجيزاً، أو على الأرجح لأن أميركا- ترامب وإسرائيل نتنياهو تُعدّان لمواجهة حاسمة. لكن، ما الهدف من الحرب المقبلة؟ هذه المرّة سيكون تغيير النظام، أمّا أن يفشل أو ينجح فهذه مسألة أخرى. وإذا تعذّر تحقيقه للأسباب التي انكشفت أخيراً فلن يكون مستغرباً أن يميل الأميركي- الإسرائيلي إلى سيناريو الفوضى، بما تعنيه من تأجيج للصراعات الداخلية.
هل من انعكاسات على لبنان؟ لدى إسرائيل كل الأضواء الخضر التي تسمح لها بالتحرك. قد يكون سيناريو الاجتياح البرّي وحده ممنوعاً، لكن أي ضربة لـ “حزب إيران/ حزب الله” هي في نظر واشنطن وإسرائيل ضربة لإيران.
فالأخيرة تواصل استخدام “الحزب” في مناورات خارجية، والآخرون يستخدمونه ضدّها. وما دام “الحزب” لم يقتنع بأن سلاحه لم يعد مجدياً لمقاومة العدو الإسرائيلي ولا لأي وظيفة أخرى لكنه مصرٌّ على الاحتفاظ به، وطالما أن طهران تؤكّد كذباً أنها لا تتدخّل في شؤون لبنان ولا في شؤون “حزبها” ولم تنصحه بالتعاون مع الدولة اللبنانية والبحث عن صيغة للانكفاء، فإنهما يمهّدان أيضاً للفوضى أو لـ “حرب أهلية” يهدّد بها “الحزب”، ويمكنه افتعالها.
ما تشهده مفاوضات “الميكانيزم” من تأجيل وخواء وخلاف أميركي- فرنسي صامت يرجّح انزلاقاً إلى مواجهة ما. تتعدّد “الميكانيزمات” وتبدو جميعاً مخادعة ومدارة اسرائيلياً بالاحتيال: واحد لمراقبة وقف اطلاق النار من جانب “الحزب” (وحده) وهو منجز لا تعترف به الرئاسة الأميركية للجنة، فوقف النار هنا يترجم بـ “نزع السلاح” في كل لبنان. وآخر لتزكية تطبيق الاتفاق الأميركي- الإسرائيلي على مواصلة الحرب على “الحزب” من دون الاعتراف بأن إسرائيل تنتهك وقف النار. والثالث هو المسار السياسي الذي يُراد أميركياً واسرائيلياً عزله عن المسار العسكري ودفعه في اتجاه “تعاون اقتصادي” قسري ووهمي.












