خطاب بلا أعذار…

م يكن خطاب رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون موجهًا إلى السلك الدبلوماسي بقدر ما كان موجهًا إلى صورة لبنان في الخارج وإلى سرديته في الداخل في آن واحد. فخلف العبارات الإنسانية والدبلوماسية، بدا واضحًا أن الهدف الأساسي هو تثبيت تموضع سياسي جديد للدولة اللبنانية، يقوم على فكرة بسيطة لكنها مفصلية وهي أن لبنان عاد ليُدار كدولة، لا كساحة مفتوحة على كل الاحتمالات.
الرسالة الأولى في الخطاب، تمثلت في تحويل المناسبة إلى منصة سياسية – تقييمية، عبر ربطها بمرور عام على الولاية الرئاسية. هذا الربط هو محاولة واعية لإدخال منطق المحاسبة الطوعية إلى العلاقة مع المجتمع الدولي، في زمن اعتاد فيه لبنان تصدير الأزمات لا الجردات.
الأهم في الخطاب، كان الانتقال من توصيف الانهيار إلى تفكيكه. فالاعتراف بعشرين عامًا من الفراغات الدستورية والمؤسساتية، والحروب والاضطرابات، لم يُستخدم كتبرير، بل كإطار لفهم حجم المهمة. هنا، حاول الخطاب إسقاط سردية “التركة الثقيلة” التي طالما استُخدمت للهروب من المسؤولية، واستبدالها بمنطق تحمّلها.
في هذا السياق، قُدِّم الأمن والسيادة كمدخل إلزامي لأي إنقاذ. التركيز على حصر السلاح وبسط سلطة الدولة، ولا سيما في جنوب الليطاني، بما هو تسجيل إنجاز، جاء أيضا كرسالة سياسية مزدوجة؛ إلى الداخل بأن زمن التسويات الموقتة انتهى، وإلى الخارج بأن لبنان لم يعد يكتفي بإطلاق التعهدات، بل بدأ تنفيذها ميدانيًا. الإصرار على منطق “الوقائع لا الشعارات”، عكس محاولة واضحة لمواجهة حملات التشكيك بسردية ملموسة وقابلة للرصد.
كما أن إدراج مؤتمر دعم الجيش وقوى الأمن الداخلي في هذا السياق، أخرج الحدث من إطاره المالي الضيق، ليقدمه كمؤشر سياسي على استعادة الثقة الدولية بالمؤسسات الشرعية، وعلى أن الدعم الخارجي بات مشروطًا بوجود دولة فاعلة لا بغيابها.
في الشق الداخلي، بدا أن إعادة تكوين الإدارة العامة والإصلاح القضائي والمالي يُقدَّم كمشروع تفكيك منهجي لمنظومة التعطيل والفساد، لا كحزمة إجراءات تقنية. التركيز على استقلالية القضاء، تحديدًا، يحمل دلالة إعلامية وسياسية، لأنه يلامس جوهر الأزمة اللبنانية المتمثلة في غياب المحاسبة كسبب للانهيار لا كنتيجة له.
اقتصاديًا، تجنب الخطاب لغة المعجزات، وربط أي تحسن بالأمن والاستقرار والإصلاح، في محاولة لتصحيح سردية سائدة اختزلت الإنقاذ بتدفقات مالية خارجية. الإشارة إلى الأرقام الدولية، وإلى الحركة الاجتماعية والسياحية، هدفت إلى تقديم صورة بلد بدأ يلتقط أنفاسه، لا بلد خرج من أزمته.
أما في ما يتعلق بالاستحقاقات الديمقراطية، فشكّل الإصرار على إجراء الانتخابات البلدية والنيابية في مواعيدها ، رسالة واضحة بأن إعادة الشرعية لا تقل أهمية عن إعادة الأمن أو الاقتصاد، وأن الدولة لا تستعاد من دون تجديد سلطاتها.
خارجيًا، حمل الخطاب محاولة واعية لإعادة إدخال لبنان في معادلة الشرعيتين العربية والدولية، بعد سنوات من الالتباس. وشكّلت التحركات الدبلوماسية، وزيارات القادة، واستحضار خطاب البابا، جزءًا من توظيف القوة الناعمة لإعادة تقديم لبنان كقضية سلام لا كساحة نزاعات.
لا يعِد خطاب رئيس الجمهورية أمام السلك الدبلوماسي بنهاية سريعة للأزمات، لكنه يحاول تثبيت اتجاه واضح يقوم على استعادة الدولة كمسار تراكمي، يبدأ بالأمن، ويمر بالمؤسسات، ويُتوّج بالشرعية. وهي مقاربة، إن استمرت، قد تكون المرة الأولى منذ سنوات التي يُقدَّم فيها لبنان إلى العالم كدولة تعمل، لا كملف مؤجل.
خطاب بلا أعذار…

م يكن خطاب رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون موجهًا إلى السلك الدبلوماسي بقدر ما كان موجهًا إلى صورة لبنان في الخارج وإلى سرديته في الداخل في آن واحد. فخلف العبارات الإنسانية والدبلوماسية، بدا واضحًا أن الهدف الأساسي هو تثبيت تموضع سياسي جديد للدولة اللبنانية، يقوم على فكرة بسيطة لكنها مفصلية وهي أن لبنان عاد ليُدار كدولة، لا كساحة مفتوحة على كل الاحتمالات.
الرسالة الأولى في الخطاب، تمثلت في تحويل المناسبة إلى منصة سياسية – تقييمية، عبر ربطها بمرور عام على الولاية الرئاسية. هذا الربط هو محاولة واعية لإدخال منطق المحاسبة الطوعية إلى العلاقة مع المجتمع الدولي، في زمن اعتاد فيه لبنان تصدير الأزمات لا الجردات.
الأهم في الخطاب، كان الانتقال من توصيف الانهيار إلى تفكيكه. فالاعتراف بعشرين عامًا من الفراغات الدستورية والمؤسساتية، والحروب والاضطرابات، لم يُستخدم كتبرير، بل كإطار لفهم حجم المهمة. هنا، حاول الخطاب إسقاط سردية “التركة الثقيلة” التي طالما استُخدمت للهروب من المسؤولية، واستبدالها بمنطق تحمّلها.
في هذا السياق، قُدِّم الأمن والسيادة كمدخل إلزامي لأي إنقاذ. التركيز على حصر السلاح وبسط سلطة الدولة، ولا سيما في جنوب الليطاني، بما هو تسجيل إنجاز، جاء أيضا كرسالة سياسية مزدوجة؛ إلى الداخل بأن زمن التسويات الموقتة انتهى، وإلى الخارج بأن لبنان لم يعد يكتفي بإطلاق التعهدات، بل بدأ تنفيذها ميدانيًا. الإصرار على منطق “الوقائع لا الشعارات”، عكس محاولة واضحة لمواجهة حملات التشكيك بسردية ملموسة وقابلة للرصد.
كما أن إدراج مؤتمر دعم الجيش وقوى الأمن الداخلي في هذا السياق، أخرج الحدث من إطاره المالي الضيق، ليقدمه كمؤشر سياسي على استعادة الثقة الدولية بالمؤسسات الشرعية، وعلى أن الدعم الخارجي بات مشروطًا بوجود دولة فاعلة لا بغيابها.
في الشق الداخلي، بدا أن إعادة تكوين الإدارة العامة والإصلاح القضائي والمالي يُقدَّم كمشروع تفكيك منهجي لمنظومة التعطيل والفساد، لا كحزمة إجراءات تقنية. التركيز على استقلالية القضاء، تحديدًا، يحمل دلالة إعلامية وسياسية، لأنه يلامس جوهر الأزمة اللبنانية المتمثلة في غياب المحاسبة كسبب للانهيار لا كنتيجة له.
اقتصاديًا، تجنب الخطاب لغة المعجزات، وربط أي تحسن بالأمن والاستقرار والإصلاح، في محاولة لتصحيح سردية سائدة اختزلت الإنقاذ بتدفقات مالية خارجية. الإشارة إلى الأرقام الدولية، وإلى الحركة الاجتماعية والسياحية، هدفت إلى تقديم صورة بلد بدأ يلتقط أنفاسه، لا بلد خرج من أزمته.
أما في ما يتعلق بالاستحقاقات الديمقراطية، فشكّل الإصرار على إجراء الانتخابات البلدية والنيابية في مواعيدها ، رسالة واضحة بأن إعادة الشرعية لا تقل أهمية عن إعادة الأمن أو الاقتصاد، وأن الدولة لا تستعاد من دون تجديد سلطاتها.
خارجيًا، حمل الخطاب محاولة واعية لإعادة إدخال لبنان في معادلة الشرعيتين العربية والدولية، بعد سنوات من الالتباس. وشكّلت التحركات الدبلوماسية، وزيارات القادة، واستحضار خطاب البابا، جزءًا من توظيف القوة الناعمة لإعادة تقديم لبنان كقضية سلام لا كساحة نزاعات.
لا يعِد خطاب رئيس الجمهورية أمام السلك الدبلوماسي بنهاية سريعة للأزمات، لكنه يحاول تثبيت اتجاه واضح يقوم على استعادة الدولة كمسار تراكمي، يبدأ بالأمن، ويمر بالمؤسسات، ويُتوّج بالشرعية. وهي مقاربة، إن استمرت، قد تكون المرة الأولى منذ سنوات التي يُقدَّم فيها لبنان إلى العالم كدولة تعمل، لا كملف مؤجل.













