“أبو عمر” و “الجثث” التي تنتظر الدور

الكاتب: سامر زريق | المصدر: نداء الوطن
23 كانون الثاني 2026

أثارت قضية “أبو عمر” ظلالًا من الشكوك حول مشروعية التمثيل السياسي والديني عند السنة، وأسهمت في إثارة تساؤلات كانت تعدّ “محرّمة” حيال قواعد هذا التمثيل وآلياته، وما أرسته من حالة يمكن توصيفها بـ “الصنمية” ولا سيّما في السنوات الأخيرة. في الواقع، ثمّة إشكاليات عميقة في بنية التمثيل السني، وسط غياب مؤشرات نقد ذاتي أو مقاربة ذات بعد جماعي للمستقبل، بما يظهره وكأنه مجتمع عاجز عن صناعة السياسة وإنتاج السياسيين.

هذه الحالة لم تنشأ حديثًا، بل هي نتاج تراكمات، تبدأ بهيمنة مدرسة عجوزة تشكّل مزيجًا ما بين أدبيات القومية العربية بأكثر نسخها رثاثة راديكالية، والخطاب الإسلاموي العتيق الناشئ بعد زوال الخلافة وما تمخض عنها من مظلوميات ونظريات مؤامرة لا تنتهي. بنظرة سريعة يمكن تبيّن أن هذه المدرسة ينتمي إليها كبار اللاعبين الرافضين الاعتزال المشرّف، بمعادلاتهم ومعاييرهم التي تجاوزها الزمن السياسي، وأدوارهم المركبة في نسج ثوب تمثيلي مرقع.

هذه المدرسة اعتادت تلقي إشارات استخبارات عبد الناصر وسفيره البارز عبد الحميد غالب، ثمّ توصيات عبد الحليم خدام وأجهزة الأسد “الغليظة”، ما أتاح لها توليف علاقة زبائنية وطيدة مع “حزب اللّه”. غير أن هذه السمات أوقعتها في حبائل “أبو عمر” لكونها تبحث عن هذا النموذج، فإن لم تجده صنعته.

وصولًا إلى نموذج رجال الأعمال المتداخل معها، والممتدّ بجذوره إلى النخبة الإقطاعية زمن العثمانيين. خلال عقدين تقريبًا، تعاقبت 10 حكومات: 8 برئاسة رجال أعمال، و 2 من خارج هذا النادي، ما أسهم في إرساء تقاليد تمثيلية ترتكز على الثروة، حيث يلاحظ أن طبقة رجال الأعمال تشكّل الأكثرية الكاثرة في البرلمانات والترشيحات التنافسية، وإقبال المتموّلين على الاستحقاقات المحلية والدينية لتمسي أقرب إلى الجهوية.

هذا التشابك بين مدرسة هرمة غير قادرة على التكيّف مع الحداثة السياسية، وبين نماذج تمويلية لا تمتلك مشروعًا سياسيًا جديًا، أنتج حالة هجينة تعمل على تتفيه أصول العمل السياسي المرتكز على استراتيجيات ومعادلات ومواقف، وإقصاء المثقفين نحو الهوامش، مقابل إفساح المجال أمام تعزيز التهافت وانحدار قيم التمثيل إلى مستويات كارثيّة مع كثرة المتهافتين من طبقة الأثرياء القادمين من عوالم مشبوهة.

هذه الحالة الهجينة خلقت نوعًا من الديكتاتورية التي تفرض نفسها على الساحة السنية، وتعمل على خنق أي نوايا لتحرّك جماعيّ يمكن أن يفضي إلى إطلاق ديناميات سياسية واجتماعية جديدة بأنساق تقطع مع الواقع الرديء. فالتحالف القائم بين اللاعبين الكلاسيكيين من نخب سياسية ودينية يفرض طوقًا غير منظور يصعب خرقه، يرتكز على مفهوم “الحاكمية” الفردية، ويعتنق مبدأ تبديل اللاعبين واستمرارية اللعبة بسيولتها وقواعدها الرثة.

إذ ذاك يغدو الحلّ المنشود في تنصيب “مرشد” جديد يقود السنة، فيما الدخول إلى عالم السياسة مرهون بجواز عبور من تأشير التحالف إيّاه. من رحم هذا الواقع خرج “أبو عمر” وينتشر أشباهه في ظلّ الحاجة الناشئة إلى وسطاء يشكّلون صلة الوصل بين اللاعبين التقليديين وطبقة الباحثين عن الجهوية.

إذا كان نموذج “أبو عمر” أفرز ما يمكن وصفه بـ “جثث” سياسية، فإنه أظهر أن قواعد التمثيل الحالي تحوّل النخب في ظلّ هذا النظام الأسير إلى “جثث” تنتظر الدور لتأدية أدوار مقيّدة. وانفجاره بهذا الشكل المدوّي يمكن أن يكون نقطة التحوّل التي تحتاجها الساحة السنية لكسر هذه “الصنمية” التي يراد إعادة إنتاجها، وتحفيز إعادة هندسة التوازنات الداخلية بشكل ينمّي قيم التنافس، ويشجّع التعدّدية عبر تحالفات ترتكز على مبادئ وأفكار سياسية صلبة، إزاء الدعاية التي تصوّر بأن التوحّد خلف شخصية ما، أيًا كان اسمها هو المعبر الخلاصي.

ولا بدّ من التذكير بأن السنة لم يكونوا جسدًا واحدًا منذ وفاة النبي. وفي الموروث الإسلامي، ثمّة حديث نبوي يقول “اختلاف أمتي رحمة”. فلماذا يقبل الاختلاف في المذاهب العقدية والتيارات الفكرية، ومواقيت الأذان والصلاة وسواها من اليوميات، ويمسي حُرمًا في السياسة؟

هناك طبقة قديمة فضحها “أبو عمر” بشيبها وشبابها وأوجب تقاعدها، وهناك أفكار جديدة ولغة سياسية حداثية عند شباب وتكتلات ناشئة من خارج أسوار هذه الدائرة الكلاسيكية صار لزامًا أن تأخذ دورها. الساحة السنيّة ليست خرابًا، بل هي عطشى للتغيير في آليات العمل السياسيّ ومعانيه، وتفكيك أصفاد كبّلتها وأرهقتها طويلًا.

“أبو عمر” و “الجثث” التي تنتظر الدور

الكاتب: سامر زريق | المصدر: نداء الوطن
23 كانون الثاني 2026

أثارت قضية “أبو عمر” ظلالًا من الشكوك حول مشروعية التمثيل السياسي والديني عند السنة، وأسهمت في إثارة تساؤلات كانت تعدّ “محرّمة” حيال قواعد هذا التمثيل وآلياته، وما أرسته من حالة يمكن توصيفها بـ “الصنمية” ولا سيّما في السنوات الأخيرة. في الواقع، ثمّة إشكاليات عميقة في بنية التمثيل السني، وسط غياب مؤشرات نقد ذاتي أو مقاربة ذات بعد جماعي للمستقبل، بما يظهره وكأنه مجتمع عاجز عن صناعة السياسة وإنتاج السياسيين.

هذه الحالة لم تنشأ حديثًا، بل هي نتاج تراكمات، تبدأ بهيمنة مدرسة عجوزة تشكّل مزيجًا ما بين أدبيات القومية العربية بأكثر نسخها رثاثة راديكالية، والخطاب الإسلاموي العتيق الناشئ بعد زوال الخلافة وما تمخض عنها من مظلوميات ونظريات مؤامرة لا تنتهي. بنظرة سريعة يمكن تبيّن أن هذه المدرسة ينتمي إليها كبار اللاعبين الرافضين الاعتزال المشرّف، بمعادلاتهم ومعاييرهم التي تجاوزها الزمن السياسي، وأدوارهم المركبة في نسج ثوب تمثيلي مرقع.

هذه المدرسة اعتادت تلقي إشارات استخبارات عبد الناصر وسفيره البارز عبد الحميد غالب، ثمّ توصيات عبد الحليم خدام وأجهزة الأسد “الغليظة”، ما أتاح لها توليف علاقة زبائنية وطيدة مع “حزب اللّه”. غير أن هذه السمات أوقعتها في حبائل “أبو عمر” لكونها تبحث عن هذا النموذج، فإن لم تجده صنعته.

وصولًا إلى نموذج رجال الأعمال المتداخل معها، والممتدّ بجذوره إلى النخبة الإقطاعية زمن العثمانيين. خلال عقدين تقريبًا، تعاقبت 10 حكومات: 8 برئاسة رجال أعمال، و 2 من خارج هذا النادي، ما أسهم في إرساء تقاليد تمثيلية ترتكز على الثروة، حيث يلاحظ أن طبقة رجال الأعمال تشكّل الأكثرية الكاثرة في البرلمانات والترشيحات التنافسية، وإقبال المتموّلين على الاستحقاقات المحلية والدينية لتمسي أقرب إلى الجهوية.

هذا التشابك بين مدرسة هرمة غير قادرة على التكيّف مع الحداثة السياسية، وبين نماذج تمويلية لا تمتلك مشروعًا سياسيًا جديًا، أنتج حالة هجينة تعمل على تتفيه أصول العمل السياسي المرتكز على استراتيجيات ومعادلات ومواقف، وإقصاء المثقفين نحو الهوامش، مقابل إفساح المجال أمام تعزيز التهافت وانحدار قيم التمثيل إلى مستويات كارثيّة مع كثرة المتهافتين من طبقة الأثرياء القادمين من عوالم مشبوهة.

هذه الحالة الهجينة خلقت نوعًا من الديكتاتورية التي تفرض نفسها على الساحة السنية، وتعمل على خنق أي نوايا لتحرّك جماعيّ يمكن أن يفضي إلى إطلاق ديناميات سياسية واجتماعية جديدة بأنساق تقطع مع الواقع الرديء. فالتحالف القائم بين اللاعبين الكلاسيكيين من نخب سياسية ودينية يفرض طوقًا غير منظور يصعب خرقه، يرتكز على مفهوم “الحاكمية” الفردية، ويعتنق مبدأ تبديل اللاعبين واستمرارية اللعبة بسيولتها وقواعدها الرثة.

إذ ذاك يغدو الحلّ المنشود في تنصيب “مرشد” جديد يقود السنة، فيما الدخول إلى عالم السياسة مرهون بجواز عبور من تأشير التحالف إيّاه. من رحم هذا الواقع خرج “أبو عمر” وينتشر أشباهه في ظلّ الحاجة الناشئة إلى وسطاء يشكّلون صلة الوصل بين اللاعبين التقليديين وطبقة الباحثين عن الجهوية.

إذا كان نموذج “أبو عمر” أفرز ما يمكن وصفه بـ “جثث” سياسية، فإنه أظهر أن قواعد التمثيل الحالي تحوّل النخب في ظلّ هذا النظام الأسير إلى “جثث” تنتظر الدور لتأدية أدوار مقيّدة. وانفجاره بهذا الشكل المدوّي يمكن أن يكون نقطة التحوّل التي تحتاجها الساحة السنية لكسر هذه “الصنمية” التي يراد إعادة إنتاجها، وتحفيز إعادة هندسة التوازنات الداخلية بشكل ينمّي قيم التنافس، ويشجّع التعدّدية عبر تحالفات ترتكز على مبادئ وأفكار سياسية صلبة، إزاء الدعاية التي تصوّر بأن التوحّد خلف شخصية ما، أيًا كان اسمها هو المعبر الخلاصي.

ولا بدّ من التذكير بأن السنة لم يكونوا جسدًا واحدًا منذ وفاة النبي. وفي الموروث الإسلامي، ثمّة حديث نبوي يقول “اختلاف أمتي رحمة”. فلماذا يقبل الاختلاف في المذاهب العقدية والتيارات الفكرية، ومواقيت الأذان والصلاة وسواها من اليوميات، ويمسي حُرمًا في السياسة؟

هناك طبقة قديمة فضحها “أبو عمر” بشيبها وشبابها وأوجب تقاعدها، وهناك أفكار جديدة ولغة سياسية حداثية عند شباب وتكتلات ناشئة من خارج أسوار هذه الدائرة الكلاسيكية صار لزامًا أن تأخذ دورها. الساحة السنيّة ليست خرابًا، بل هي عطشى للتغيير في آليات العمل السياسيّ ومعانيه، وتفكيك أصفاد كبّلتها وأرهقتها طويلًا.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار