بين الخلافات والانتخابات: طريق الحارة- ميرنا الشالوحي سالكة

الكاتب: ندى أندراوس | المصدر: المدن
23 كانون الثاني 2026

في ظل التحوّلات السياسية التي يشهدها لبنان، تعود العلاقة بين التيار الوطني الحر وحزب الله إلى الواجهة بوصفها واحدة من أكثر العلاقات التباساً في المشهد اللبناني الداخلي. فعلى الرغم من التاريخ الطويل للتفاهم بين الطرفين، إلا أنّ هذا الإرث لم ينجح في حجب واقع التباين السياسي المتزايد، الذي بات اليوم السمة الغالبة للعلاقة، ويمكن أن يحد من إمكانية إعادة توسيع التقارب بينهما بما يتجاوز الحسابات الظرفية.

نقاط تقاطع بلا عودة إلى التفاهم

مصادر مقربة من حزب الله أوضحت لـ”المدن” أن العلاقة التي تأسست منذ تفاهم مار مخايل شهدت فترات من الاستقرار كما فترات من التباين، ولكنها لم تصل إلى حد القطيعة حتى في معركة الإسناد التي ظهر التباين فيها بوضوح.

وأضافت المصادر أن معركة أولي البأس أعادت شيئاً من الحرارة للعلاقة بين الطرفين، التي فرضتها المواقف المشتركة من الاعتداءات الإسرائيلية، وإعادة تلاقي بيئتي الطرفين من خلال احتضان بيئة حزب الله من قبل بيئة التيار، والتي أعادت العلاقة بينهما إلى ما كان قد حصل في حرب تموز 2006. وذكرت أن العلاقة، رغم الاهتزازات التي حصلت خلال عهد الرئيس ميشال عون، فهي لم تصل في أي وقت إلى مرحلة القطيعة الكاملة.

السلاح، الدولة، والخيارات الدبلوماسية

في الحديث عن طبيعة العلاقة اليوم مع التيار الوطني الحر، ذكرت المصادر المقربة من حزب الله، أن هناك سلسلة من المواقف في الخطاب السياسي والاعلامي للحزب أحدثت كوة في جدار هذه العلاقة بين الحليفين السابقين: فمقاربة حزب الله ومواقفه منذ اتفاق وقف الاعمال العدائية، شكلت نقاط تقاطع مع الخطاب الوطني الجامع. وقد ظهر ذلك بدءاً من التزام الحزب بمندرجات اتفاق 27 تشرين الثاني 2024، وتعاونه في حصرية السلاح جنوب الليطاني، وتأكيده على أن حصرية السلاح شمال النهر هي شأن لبناني مرتبطة بالأطراف اللبنانية، وضرورة أن يحافظ لبنان على أوراق قوته. “وهذا ما عبر عنه أكثر من مرة رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل بالدعوة إلى عدم التفريط بأوراق القوة من دون مقابل”. هذه نقطة تقاطع ثانية بالنسبة إلى الحزب. أضف إلى ذلك تلاقي الطرفين في الموقف حول تبني الخيار السياسي والدبلوماسي، سواء في موضوع وقف الاعتداءات وانسحاب الاحتلال الاسرائيلي وعودة الأسرى.

أكثر من ذلك، أشارت المصادر المقربة من الحزب، إلى أن تأكيد حزب الله على أن لبنان وطن نهائي، كما كان يقول الأمين العام السيد حسن نصر الله، واليوم أعاد تأكيد الموقف نفسه الأمين العام الحالي الشيخ نعيم قاسم، يشكل عنصر تلاقي إضافي حول المواقف الوطنية الجامعة. المصادر رأت أن تأكيد حزب الله على أن دوره هو دفاعي، وعلى وقوفه إلى جانب الجيش اللبناني، هذا الامر يعزز نقاط التقارب ويريح العلاقة بين الطرفين.

فكل هذه المواقف واللغة السياسية الجديدة ساعدت في إعادة تعزيز نقاط التقارب مع التيار”. 

حوار انتخابي من بوابة المصالح

في ما خص الاستحقاق الانتخابي المرتقب، هل هناك فرصة لإحياء التحالف الشامل؟ أم سيقتصر الأمر على تفاهمات موضعية، وفقا لمصلحة كل طرف؟

في المعلومات الخاصة لـ”المدن”، سيكون الشأن الانتخابي محور لقاءات وحوارات بين الطرفين، سواء على المستوى القيادي، أو على مستوى الجهات التقنية من الجانبين، لاسيما بعدما تم تكليف النائب والوزير السابق محمد فنيش إدارة ملف الانتخابات النيابية من قبل حزب الله، بعدما كان الشيخ نعيم قاسم يتولى إدارة هذا الملف عندما كان نائباً للأمين العام

تكليف يرجح أن يمهد للقاء بين فنيش وباسيل في المرحلة المقبلة. 

أما ما يمكن أن تذهب إليه هذه اللقاءات من تفاهمات انتخابية بين الطرفين، هل يمكن الحديث عن تفاهم أو تحالف شامل؟ أم سيقتصر الأمر على توافق في دوائر محددة، وعدم التوافق في أخرى بناء لمصلحة كل من الطرفين؟

من الواضح أن ما يمكن أن يتوافق عليه الطرفان لن يختلف كثيراً عما شهدته تفاهمات انتخابات العام 2022. بمعنى أوضح، قد تكون هناك مصلحة للتيار الوطني الحر في التحالف مع حزب الله في دائرة كدائرة بيروت الثانية، زحلة، وبعلبك الهرمل، حيث الغلبة لأصوات الناخبين الشيعة، التي يمكن أن تعزز فرص فوز مرشحي التيار.

كما قد تكون مصلحة الحزب في التحالف مع التيار في دائرة كسروان جبيل، لتعزيز فرص المرشح الشيعي في جبيل، وتبادل الاصوات في بعبدا، وصولاً إلى إبرام تفاهم انتخابي متكامل في دائرة صيدا جزين على غرار ما حصل في الانتخابات البلدية.

أيضاً، تقتضي مصلحة الطرفين في أكثر من دائرة تبادل الأصوات، حتى لو لم يكن لأحد منهما مرشحون، كما هي الحال في دائرة المتن الشمالي والشمال الثالثة، حيث يمكن لحزب الله أن يجير أصوات ناخبيه للتيار الحر حتى لو لم يكن هناك من مقعد شيعي.

التيار: انفتاح بلا تحالفات ثابتة

فيما يُؤكد حزب الله على وجود نية للتعاون في بعض الدوائر الانتخابية، يشير التيار الحر إلى احتمال التقاطع مع الحزب في بعض الدوائر والافتراق في أخرى، مع التشديد على أن أي تفاهم لم يُحسم بعد، وأن الأمور لم تتقدم على الأرض حتى الآن. فموقف التيار السياسي بحسب ما كشفت مصادره لـ”المدن” قائم على الانفتاح على جميع الأطراف، بمن فيهم حزب الله، باعتباره جزءاً من الصيغة السياسية اللبنانية ومتمتّعاً بشرعيته. كما أن الانتخابات النيابية في ظل القانون الحالي تخضع لمصلحة كل فريق، وأن المصلحة الانتخابية هي التي تحدد خطوات كل طرف.

ويضيف التيار أن الحوار السياسي لا يغلق الأبواب. إذ أن هناك نقاط التقاء ونقاط خلاف، خصوصاً فيما يتعلق بموقف التيار من السلاح وحصريته. فهو مقتنع أن دور سلاح حزب الله قد انتهى وهو “ليس أبديًا وسرمدياً”. أضف الى ذلك، معارضة التيار لحرب الاسناد. 

خلافات جوهرية لم تُطوَ

في المقابل، لا يسقط التيار من حساباته، التباينات التي شهدتها العلاقة مع حزب الله منذ ما قبل تلك الحرب بكثير. منذ الخلاف حول أداء الحزب في عهد الرئيس ميشال عون، إلى فترة الفراغ الرئاسي وتغطية الحزب لأداء السلطة التنفيذية المستقيلة ولاسيما الرئيس نجيب ميقاتي، “الذي تجاوز كل الصلاحيات الدستورية في غياب رئيس للبلاد”. مذ ذاك الوقت قرر التيار ألا يكون مع أي طرف سياسي على حساب طرف آخر. هو يلتقي مع الجميع، حيث يرى مصلحة له في ذلك، وفي القضية التي تتوافق مع قناعاته.

لذا كان تحالف التيار الوطني الحر مع حزب الله في انتخابات 2022 واضحاً، اختصر توصيفه رئيس التيار جبران باسيل بأن “التحالف الانتخابي كالقطار، عندما يصل إلى المحطة المطلوبة، يذهب كل طرف إلى وجهته”. هذه القاعدة تنسحب على الانتخابات المقبلة. لكن المصلحة الانتخابية لا تعني التوافق على كل الملفات. والتيار أثبت ذلك من خلال ثلاثة مفاصل رئيسية:

أولاً، لم يتماش مع رغبة الحزب في انتخاب رئيس تيار المردة الوزير السابق سليمان فرنجية رئيسا للجمهورية، وإلا لكان فرنجية اليوم في بعبدا.

ثانياً، عارض حرب الإسناد منذ اليوم الأول ورفض استخدام لبنان ساحة في حروب الآخرين.

ثالثاً، تمسك بخيار وحدة السلاح، وتسليمه للدولة، وحصريته بيد الجيش اللبناني.

كل هذه المعطيات تؤكد أن التيار الوطني الحر يعتمد القاعدة السياسية التي تقوم على التوازن بين الانفتاح على الجميع وحماية المصلحة الوطنية ثم مصالحه الانتخابية. وبناء عليه تبقى الانتخابات المقبلة كما الانتخابات السابقة، كالقطار الذي يوصل من يريد إلى المحطة التي يريدها.

قطار الانتخابات

مهما شهد خط حارة حريك ميرنا الشالوحي من لقاءات في المرحلة المقبلة، يبدو أنّ العلاقة بين حزب الله والتيار الوطني الحر تتّجه نحو إعادة إنتاج نفسها بصيغة براغماتية صرفة، تحكمها ضرورات الاستحقاق النيابي أكثر مما تضبطها ثوابت سياسية جامعة. فالتعاون الانتخابي المحتمل لا يعكس تحوّلاً في جوهر العلاقة ولا يؤشّر إلى ترميم التفاهم السياسي الذي حكمها في مراحل سابقة، بقدر ما يعبّر عن إدارة محسوبة للاختلاف وتقاطُع ظرفي للمصالح. وعليه، فإن أي تقارب مقبل سيبقى محكوماً بسقوف انتخابية ضيّقة، ضمن مشهد لبناني اعتاد فصل التحالفات الانتخابية عن الاصطفافات السياسية، وتقديم الحسابات المحلية على الخيارات الاستراتيجية الكبرى.

بين الخلافات والانتخابات: طريق الحارة- ميرنا الشالوحي سالكة

الكاتب: ندى أندراوس | المصدر: المدن
23 كانون الثاني 2026

في ظل التحوّلات السياسية التي يشهدها لبنان، تعود العلاقة بين التيار الوطني الحر وحزب الله إلى الواجهة بوصفها واحدة من أكثر العلاقات التباساً في المشهد اللبناني الداخلي. فعلى الرغم من التاريخ الطويل للتفاهم بين الطرفين، إلا أنّ هذا الإرث لم ينجح في حجب واقع التباين السياسي المتزايد، الذي بات اليوم السمة الغالبة للعلاقة، ويمكن أن يحد من إمكانية إعادة توسيع التقارب بينهما بما يتجاوز الحسابات الظرفية.

نقاط تقاطع بلا عودة إلى التفاهم

مصادر مقربة من حزب الله أوضحت لـ”المدن” أن العلاقة التي تأسست منذ تفاهم مار مخايل شهدت فترات من الاستقرار كما فترات من التباين، ولكنها لم تصل إلى حد القطيعة حتى في معركة الإسناد التي ظهر التباين فيها بوضوح.

وأضافت المصادر أن معركة أولي البأس أعادت شيئاً من الحرارة للعلاقة بين الطرفين، التي فرضتها المواقف المشتركة من الاعتداءات الإسرائيلية، وإعادة تلاقي بيئتي الطرفين من خلال احتضان بيئة حزب الله من قبل بيئة التيار، والتي أعادت العلاقة بينهما إلى ما كان قد حصل في حرب تموز 2006. وذكرت أن العلاقة، رغم الاهتزازات التي حصلت خلال عهد الرئيس ميشال عون، فهي لم تصل في أي وقت إلى مرحلة القطيعة الكاملة.

السلاح، الدولة، والخيارات الدبلوماسية

في الحديث عن طبيعة العلاقة اليوم مع التيار الوطني الحر، ذكرت المصادر المقربة من حزب الله، أن هناك سلسلة من المواقف في الخطاب السياسي والاعلامي للحزب أحدثت كوة في جدار هذه العلاقة بين الحليفين السابقين: فمقاربة حزب الله ومواقفه منذ اتفاق وقف الاعمال العدائية، شكلت نقاط تقاطع مع الخطاب الوطني الجامع. وقد ظهر ذلك بدءاً من التزام الحزب بمندرجات اتفاق 27 تشرين الثاني 2024، وتعاونه في حصرية السلاح جنوب الليطاني، وتأكيده على أن حصرية السلاح شمال النهر هي شأن لبناني مرتبطة بالأطراف اللبنانية، وضرورة أن يحافظ لبنان على أوراق قوته. “وهذا ما عبر عنه أكثر من مرة رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل بالدعوة إلى عدم التفريط بأوراق القوة من دون مقابل”. هذه نقطة تقاطع ثانية بالنسبة إلى الحزب. أضف إلى ذلك تلاقي الطرفين في الموقف حول تبني الخيار السياسي والدبلوماسي، سواء في موضوع وقف الاعتداءات وانسحاب الاحتلال الاسرائيلي وعودة الأسرى.

أكثر من ذلك، أشارت المصادر المقربة من الحزب، إلى أن تأكيد حزب الله على أن لبنان وطن نهائي، كما كان يقول الأمين العام السيد حسن نصر الله، واليوم أعاد تأكيد الموقف نفسه الأمين العام الحالي الشيخ نعيم قاسم، يشكل عنصر تلاقي إضافي حول المواقف الوطنية الجامعة. المصادر رأت أن تأكيد حزب الله على أن دوره هو دفاعي، وعلى وقوفه إلى جانب الجيش اللبناني، هذا الامر يعزز نقاط التقارب ويريح العلاقة بين الطرفين.

فكل هذه المواقف واللغة السياسية الجديدة ساعدت في إعادة تعزيز نقاط التقارب مع التيار”. 

حوار انتخابي من بوابة المصالح

في ما خص الاستحقاق الانتخابي المرتقب، هل هناك فرصة لإحياء التحالف الشامل؟ أم سيقتصر الأمر على تفاهمات موضعية، وفقا لمصلحة كل طرف؟

في المعلومات الخاصة لـ”المدن”، سيكون الشأن الانتخابي محور لقاءات وحوارات بين الطرفين، سواء على المستوى القيادي، أو على مستوى الجهات التقنية من الجانبين، لاسيما بعدما تم تكليف النائب والوزير السابق محمد فنيش إدارة ملف الانتخابات النيابية من قبل حزب الله، بعدما كان الشيخ نعيم قاسم يتولى إدارة هذا الملف عندما كان نائباً للأمين العام

تكليف يرجح أن يمهد للقاء بين فنيش وباسيل في المرحلة المقبلة. 

أما ما يمكن أن تذهب إليه هذه اللقاءات من تفاهمات انتخابية بين الطرفين، هل يمكن الحديث عن تفاهم أو تحالف شامل؟ أم سيقتصر الأمر على توافق في دوائر محددة، وعدم التوافق في أخرى بناء لمصلحة كل من الطرفين؟

من الواضح أن ما يمكن أن يتوافق عليه الطرفان لن يختلف كثيراً عما شهدته تفاهمات انتخابات العام 2022. بمعنى أوضح، قد تكون هناك مصلحة للتيار الوطني الحر في التحالف مع حزب الله في دائرة كدائرة بيروت الثانية، زحلة، وبعلبك الهرمل، حيث الغلبة لأصوات الناخبين الشيعة، التي يمكن أن تعزز فرص فوز مرشحي التيار.

كما قد تكون مصلحة الحزب في التحالف مع التيار في دائرة كسروان جبيل، لتعزيز فرص المرشح الشيعي في جبيل، وتبادل الاصوات في بعبدا، وصولاً إلى إبرام تفاهم انتخابي متكامل في دائرة صيدا جزين على غرار ما حصل في الانتخابات البلدية.

أيضاً، تقتضي مصلحة الطرفين في أكثر من دائرة تبادل الأصوات، حتى لو لم يكن لأحد منهما مرشحون، كما هي الحال في دائرة المتن الشمالي والشمال الثالثة، حيث يمكن لحزب الله أن يجير أصوات ناخبيه للتيار الحر حتى لو لم يكن هناك من مقعد شيعي.

التيار: انفتاح بلا تحالفات ثابتة

فيما يُؤكد حزب الله على وجود نية للتعاون في بعض الدوائر الانتخابية، يشير التيار الحر إلى احتمال التقاطع مع الحزب في بعض الدوائر والافتراق في أخرى، مع التشديد على أن أي تفاهم لم يُحسم بعد، وأن الأمور لم تتقدم على الأرض حتى الآن. فموقف التيار السياسي بحسب ما كشفت مصادره لـ”المدن” قائم على الانفتاح على جميع الأطراف، بمن فيهم حزب الله، باعتباره جزءاً من الصيغة السياسية اللبنانية ومتمتّعاً بشرعيته. كما أن الانتخابات النيابية في ظل القانون الحالي تخضع لمصلحة كل فريق، وأن المصلحة الانتخابية هي التي تحدد خطوات كل طرف.

ويضيف التيار أن الحوار السياسي لا يغلق الأبواب. إذ أن هناك نقاط التقاء ونقاط خلاف، خصوصاً فيما يتعلق بموقف التيار من السلاح وحصريته. فهو مقتنع أن دور سلاح حزب الله قد انتهى وهو “ليس أبديًا وسرمدياً”. أضف الى ذلك، معارضة التيار لحرب الاسناد. 

خلافات جوهرية لم تُطوَ

في المقابل، لا يسقط التيار من حساباته، التباينات التي شهدتها العلاقة مع حزب الله منذ ما قبل تلك الحرب بكثير. منذ الخلاف حول أداء الحزب في عهد الرئيس ميشال عون، إلى فترة الفراغ الرئاسي وتغطية الحزب لأداء السلطة التنفيذية المستقيلة ولاسيما الرئيس نجيب ميقاتي، “الذي تجاوز كل الصلاحيات الدستورية في غياب رئيس للبلاد”. مذ ذاك الوقت قرر التيار ألا يكون مع أي طرف سياسي على حساب طرف آخر. هو يلتقي مع الجميع، حيث يرى مصلحة له في ذلك، وفي القضية التي تتوافق مع قناعاته.

لذا كان تحالف التيار الوطني الحر مع حزب الله في انتخابات 2022 واضحاً، اختصر توصيفه رئيس التيار جبران باسيل بأن “التحالف الانتخابي كالقطار، عندما يصل إلى المحطة المطلوبة، يذهب كل طرف إلى وجهته”. هذه القاعدة تنسحب على الانتخابات المقبلة. لكن المصلحة الانتخابية لا تعني التوافق على كل الملفات. والتيار أثبت ذلك من خلال ثلاثة مفاصل رئيسية:

أولاً، لم يتماش مع رغبة الحزب في انتخاب رئيس تيار المردة الوزير السابق سليمان فرنجية رئيسا للجمهورية، وإلا لكان فرنجية اليوم في بعبدا.

ثانياً، عارض حرب الإسناد منذ اليوم الأول ورفض استخدام لبنان ساحة في حروب الآخرين.

ثالثاً، تمسك بخيار وحدة السلاح، وتسليمه للدولة، وحصريته بيد الجيش اللبناني.

كل هذه المعطيات تؤكد أن التيار الوطني الحر يعتمد القاعدة السياسية التي تقوم على التوازن بين الانفتاح على الجميع وحماية المصلحة الوطنية ثم مصالحه الانتخابية. وبناء عليه تبقى الانتخابات المقبلة كما الانتخابات السابقة، كالقطار الذي يوصل من يريد إلى المحطة التي يريدها.

قطار الانتخابات

مهما شهد خط حارة حريك ميرنا الشالوحي من لقاءات في المرحلة المقبلة، يبدو أنّ العلاقة بين حزب الله والتيار الوطني الحر تتّجه نحو إعادة إنتاج نفسها بصيغة براغماتية صرفة، تحكمها ضرورات الاستحقاق النيابي أكثر مما تضبطها ثوابت سياسية جامعة. فالتعاون الانتخابي المحتمل لا يعكس تحوّلاً في جوهر العلاقة ولا يؤشّر إلى ترميم التفاهم السياسي الذي حكمها في مراحل سابقة، بقدر ما يعبّر عن إدارة محسوبة للاختلاف وتقاطُع ظرفي للمصالح. وعليه، فإن أي تقارب مقبل سيبقى محكوماً بسقوف انتخابية ضيّقة، ضمن مشهد لبناني اعتاد فصل التحالفات الانتخابية عن الاصطفافات السياسية، وتقديم الحسابات المحلية على الخيارات الاستراتيجية الكبرى.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار