كيف يُترجم كلام ترامب عن استعداده لـ “فعل شيء للبنان”

في اختتام أعمال مؤتمر دافوس أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تشكيل “مجلس السلام”، وقال في كلمته أن الولايات المتحدة الأميركية استطاعت أن تنهي ثماني حروب في العالم، ولكن ما لفت اللبنانيين هو ما قاله عن لبنان حين أكد أنه سيعمل شيئًا له، خصوصًا أن هذا الموقف المتقدّم لم يأتِ ردًّا على سؤال صحافي، بل جاء في سياق حديث متكامل عن أزمات المنطقة.
ووفق بعض الذين يقرأون جيدًا ما بين سطور تصريحات الرئيس الأميركي ومواقفه، فإن وعده بأنه سيعمل شيئًا للبنان لم يكن مجرد مجاملة ديبلوماسية، وبالأخصّ أن متتبعيه يعرفون جيدًا أنه لم يكن مضطّرًا ليعلن ما أعلنه بالنسبة إلى لبنان إن لم تكن لديه معطيات جديدة محدّدة الأهداف والمعالم من ضمن السياسة الواضحة التي تتبعها واشنطن منذ اليوم الأول لتسلم ترامب مقاليد الرئاسة الأميركية. وعلى هذا الأساس، يمكن قراءة مقولة ترامب في سياق ثلاثية مترابطة: الدور اللبناني الداخلي، الحسابات الإقليمية، والموقع الأميركي في الشرق الأوسط.
أوّلًا، إن هذا التصريح لا يعني، ولا ينبغي له أن يعني، تقديم مساعدات مالية أو عسكرية بلا ضوابط أو قيود. مقابل من ذلك، ثمة رسالة أميركية واضحة مفادها أن أي دعم يشترط تقدّمًا ملموسًا في معادلة السيادة اللبنانية. فالولايات المتحدة لا تريد إعادة لبنان إلى صندوق الدعم السياسي فحسب، بل تريد دولة قوية، وحكومة فعّالة، ومؤسسات مستقرة، وجيش قادر على ضمان الأمن الداخلي والخارجي.
على أغلب الظن أن الخطوة الأولى في هذا الاتجاه ستتجلّى في زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل لواشنطن، في ضوء ما سبق للإدارة الأميركية أن ألمحت إليه قبل فترة وجيزة إلى أن دعم الجيش يجب أن يكون تمكينًا للدولة لا تفريغًا لها. فالدعم المادي، في رأي العارفين، لا يكفي وحده، بل يتطلب الأمر دعمًا لكيفية تعزيز حصرية السلاح بيد الدولة، ووضع حدّ للفوضى الأمنية السائدة حاليًا، إذ عندما تتداخل المصالح الأميركية مع الرغبة اللبنانية في استعادة سيادتها، يصبح دعم الجيش رسالة بالغة الدلالة.
ثانيًا، إن فكرة زيارة الرئيس جوزاف عون للبيت الأبيض ليست حديثة العهد. بل كانت مطروحة في مراحل سابقة. لكن ما تغيّر اليوم هو المعطيات السياسية الداخلية لصالح منطق الدولة والمؤسسات، وبدء تنامي قراءة أميركية بأن لبنان قادر على التوازن بين إرادته السيادية ومحيطه الإقليمي. وفي هذه الحالة، لا تعود الزيارة للبيت الأبيض فقط تتويجًا بروتوكوليًا، بل ترجمة سياسية لمسار متدرّج، من تثبيت أولوية الدولة عبر الجيش، إلى تعزيز الدور السياسي اللبناني المستقل، وصولاً إلى خطوات عملية يُسهم فيها المجتمع الدولي في استقرار البلاد.
ويُعتقد أن زيارة من هذا النوع لا تأتي إلا بعد إجراءات مسبقة تؤكد جدّية الدولة اللبنانية في توحيد القرار داخل مؤسساتها، إبعاد السلاح غير الشرعي عن القرار السياسي، وتقديم رؤية واضحة للخروج من الانهيار الاقتصادي.
ثالثًا، إن ما يميّز الفترة الراهنة هو أن لبنان لا يعيش في فراغ سياسي فحسب، بل في مسرح إقليمي تتصارع فيه قوى النفوذ. في المقابل، يبدو أن الإدارة الأميركية اختارت دعم النسخة اللبنانية من الدولة، وليس النسخ الموازية لها، وذلك ليس بدافع محض مثالية، بل انطلاقًا من فهم واقعي لمصالحها في المنطقة. فالخيارات الأميركية لا تُبنى على مصالح ظرفية فحسب، بل على قدرة لبنان على أن يكون حلقة مستقرة في محيط مضطرب، لا ساحة تصارع وتنافس على حساب الدولة ومؤسساتها.
ومن ضمن هذا الإطار، يصبح تصريح ترامب أكثر من وعد لفظي. إنه، في اعتقاد كثيرين، تنبيه سياسي قوي بأن من يريد لبنان “دفعة واحدة” ولا يريد الدولة المؤسساتية، لن يجد الدعم الدولي المطلوب. أما أولئك الذين يراهنون على استمرار النفوذ غير الشرعي في القرار السياسي اللبناني، فسيجدون أنفسهم أمام واقعٍ جديد دعم دولي مشروط بالسيادة، ومساندة لمن يقف مع إرادة الدولة لا لمن يحاول نهبها أو استغلالها.
رابعًا، إن لبنان اليوم يواجه اليوم خياراً صريحاً: إما أن يستعيد سيادته عبر مؤسسات قوية، وجيش موحّد، وقرار سياسي مستقل، أو أن يستمر في دوامة النفوذ المزدوج والمحاور المتصارعة التي تفضي إلى فراغ شبه دائم في القرار الوطني. فالتصريح الأميركي، وإن بدا عامًا للوهلة الأولى، هو اختبار لقياس مدى استعداد اللبنانيين الحقيقي لإعادة بناء دولتهم، لا بالخطابات الانفعالية، بل بالقرارات الواقعية والملموسة.
ولذلك، فإن أي زيارة رئاسية مستقبلية للبيت الأبيض لن تكون حصيلة مجرد تصريحات أو رغبات شخصية، بل ستكون إعلانًا دوليًا بأن لبنان اختار سيادته، وأن المجتمع الدولي مستعد لدعمه في هذا الخيار. وهذا ما عناه على أغلب الظن الرئيس ترامب.
كيف يُترجم كلام ترامب عن استعداده لـ “فعل شيء للبنان”

في اختتام أعمال مؤتمر دافوس أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تشكيل “مجلس السلام”، وقال في كلمته أن الولايات المتحدة الأميركية استطاعت أن تنهي ثماني حروب في العالم، ولكن ما لفت اللبنانيين هو ما قاله عن لبنان حين أكد أنه سيعمل شيئًا له، خصوصًا أن هذا الموقف المتقدّم لم يأتِ ردًّا على سؤال صحافي، بل جاء في سياق حديث متكامل عن أزمات المنطقة.
ووفق بعض الذين يقرأون جيدًا ما بين سطور تصريحات الرئيس الأميركي ومواقفه، فإن وعده بأنه سيعمل شيئًا للبنان لم يكن مجرد مجاملة ديبلوماسية، وبالأخصّ أن متتبعيه يعرفون جيدًا أنه لم يكن مضطّرًا ليعلن ما أعلنه بالنسبة إلى لبنان إن لم تكن لديه معطيات جديدة محدّدة الأهداف والمعالم من ضمن السياسة الواضحة التي تتبعها واشنطن منذ اليوم الأول لتسلم ترامب مقاليد الرئاسة الأميركية. وعلى هذا الأساس، يمكن قراءة مقولة ترامب في سياق ثلاثية مترابطة: الدور اللبناني الداخلي، الحسابات الإقليمية، والموقع الأميركي في الشرق الأوسط.
أوّلًا، إن هذا التصريح لا يعني، ولا ينبغي له أن يعني، تقديم مساعدات مالية أو عسكرية بلا ضوابط أو قيود. مقابل من ذلك، ثمة رسالة أميركية واضحة مفادها أن أي دعم يشترط تقدّمًا ملموسًا في معادلة السيادة اللبنانية. فالولايات المتحدة لا تريد إعادة لبنان إلى صندوق الدعم السياسي فحسب، بل تريد دولة قوية، وحكومة فعّالة، ومؤسسات مستقرة، وجيش قادر على ضمان الأمن الداخلي والخارجي.
على أغلب الظن أن الخطوة الأولى في هذا الاتجاه ستتجلّى في زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل لواشنطن، في ضوء ما سبق للإدارة الأميركية أن ألمحت إليه قبل فترة وجيزة إلى أن دعم الجيش يجب أن يكون تمكينًا للدولة لا تفريغًا لها. فالدعم المادي، في رأي العارفين، لا يكفي وحده، بل يتطلب الأمر دعمًا لكيفية تعزيز حصرية السلاح بيد الدولة، ووضع حدّ للفوضى الأمنية السائدة حاليًا، إذ عندما تتداخل المصالح الأميركية مع الرغبة اللبنانية في استعادة سيادتها، يصبح دعم الجيش رسالة بالغة الدلالة.
ثانيًا، إن فكرة زيارة الرئيس جوزاف عون للبيت الأبيض ليست حديثة العهد. بل كانت مطروحة في مراحل سابقة. لكن ما تغيّر اليوم هو المعطيات السياسية الداخلية لصالح منطق الدولة والمؤسسات، وبدء تنامي قراءة أميركية بأن لبنان قادر على التوازن بين إرادته السيادية ومحيطه الإقليمي. وفي هذه الحالة، لا تعود الزيارة للبيت الأبيض فقط تتويجًا بروتوكوليًا، بل ترجمة سياسية لمسار متدرّج، من تثبيت أولوية الدولة عبر الجيش، إلى تعزيز الدور السياسي اللبناني المستقل، وصولاً إلى خطوات عملية يُسهم فيها المجتمع الدولي في استقرار البلاد.
ويُعتقد أن زيارة من هذا النوع لا تأتي إلا بعد إجراءات مسبقة تؤكد جدّية الدولة اللبنانية في توحيد القرار داخل مؤسساتها، إبعاد السلاح غير الشرعي عن القرار السياسي، وتقديم رؤية واضحة للخروج من الانهيار الاقتصادي.
ثالثًا، إن ما يميّز الفترة الراهنة هو أن لبنان لا يعيش في فراغ سياسي فحسب، بل في مسرح إقليمي تتصارع فيه قوى النفوذ. في المقابل، يبدو أن الإدارة الأميركية اختارت دعم النسخة اللبنانية من الدولة، وليس النسخ الموازية لها، وذلك ليس بدافع محض مثالية، بل انطلاقًا من فهم واقعي لمصالحها في المنطقة. فالخيارات الأميركية لا تُبنى على مصالح ظرفية فحسب، بل على قدرة لبنان على أن يكون حلقة مستقرة في محيط مضطرب، لا ساحة تصارع وتنافس على حساب الدولة ومؤسساتها.
ومن ضمن هذا الإطار، يصبح تصريح ترامب أكثر من وعد لفظي. إنه، في اعتقاد كثيرين، تنبيه سياسي قوي بأن من يريد لبنان “دفعة واحدة” ولا يريد الدولة المؤسساتية، لن يجد الدعم الدولي المطلوب. أما أولئك الذين يراهنون على استمرار النفوذ غير الشرعي في القرار السياسي اللبناني، فسيجدون أنفسهم أمام واقعٍ جديد دعم دولي مشروط بالسيادة، ومساندة لمن يقف مع إرادة الدولة لا لمن يحاول نهبها أو استغلالها.
رابعًا، إن لبنان اليوم يواجه اليوم خياراً صريحاً: إما أن يستعيد سيادته عبر مؤسسات قوية، وجيش موحّد، وقرار سياسي مستقل، أو أن يستمر في دوامة النفوذ المزدوج والمحاور المتصارعة التي تفضي إلى فراغ شبه دائم في القرار الوطني. فالتصريح الأميركي، وإن بدا عامًا للوهلة الأولى، هو اختبار لقياس مدى استعداد اللبنانيين الحقيقي لإعادة بناء دولتهم، لا بالخطابات الانفعالية، بل بالقرارات الواقعية والملموسة.
ولذلك، فإن أي زيارة رئاسية مستقبلية للبيت الأبيض لن تكون حصيلة مجرد تصريحات أو رغبات شخصية، بل ستكون إعلانًا دوليًا بأن لبنان اختار سيادته، وأن المجتمع الدولي مستعد لدعمه في هذا الخيار. وهذا ما عناه على أغلب الظن الرئيس ترامب.














