هل جند السوفيات رفعت الأسد عبر رومانيا؟

مع وفاة رفعت الأسد، يغلق فصل شديد القتامة من تاريخ سوريا الحديث، فصل ارتبط باسم رجل لم يكن مجرد شقيق لرئيس، بل كان في مرحلة مفصلية أحد أقوى مراكز القوة الفعلية في الدولة السورية.
ليست كثيرة الملفات الأميركية السرية التي تتطرق بصورة مباشرة ومستفيضة إلى رفعت الأسد وتاريخه ودوره في سوريا خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، لكن خمسة ملفات سرية تعود لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “السي آي إيه” وتنفرد “اندبندنت عربية” بنشرها، كانت كافية للإضاءة على مكانته في الحكم ودخوله لعبة الصراع على السلطة في مرحلة استثنائية من تاريخ سوريا والمنطقة.
رفعت الأسد، شقيق الرئيس السوري السابق حافظ الأسد وعم الرئيس السابق أيضاً بشار الأسد، شكل نموذجاً صارخاً لـ “رجل الظل” في الأنظمة الأمنية، إذ لم تقس سلطته بالمنصب الرسمي بقدر ما قيست بمدى سيطرته على السلاح والأجهزة والقوة الصلبة.
فمنذ أواخر السبعينيات وحتى منتصف الثمانينيات، برز رفعت كقائد لـ”سرايا الدفاع”، وهي قوة عسكرية نخبوية ضخمة كانت عملياً جيشاً داخل الجيش، تدين له بالولاء الشخصي وتتمركز في دمشق ومحيطها، مما جعله الرقم الأصعب في معادلة السلطة. وقد ارتبط اسمه بأشد مراحل القمع الداخلي، وعلى رأسها العمليات العسكرية الواسعة في مدينة حماة عام 1982، إذ حملته شهادات وبحوث عديدة مسؤولية مباشرة عن استخدام القوة المفرطة ضد المدينة وسكانها، مما أدى إلى مقتل آلاف السوريين داخل المدينة.
في ذروة نفوذه، تحول رفعت الأسد من ركيزة للنظام إلى أخطر تهديد داخلي له، بخاصة خلال مرض شقيقه حافظ الأسد منتصف ثمانينيات القرن الماضي، حين حاول فرض نفسه كوريث محتمل، ونشر قواته في العاصمة في مواجهة مراكز القوة الأخرى. لكن هذا الصراع انتهى بإقصائه ونفيه خارج البلاد في أبريل (نيسان) عام 1984، وتفكيك “سرايا الدفاع”، لينتقل من قلب السلطة إلى المنفى الطويل وقد عاش لعقود متنقلاً بين فرنسا وإسبانيا وبريطانيا، وبنى ثروة عقارية ضخمة لاحقته بسببها قضايا فساد وغسل أموال بخاصة في باريس.
يرى كثيرون داخل سوريا وخارجها، أن بوفاته، لا يطوى فقط سجل شخصي مثير للجدل، بل تستعاد صورة مرحلة كاملة من الحكم في سوريا، مرحلة كانت فيها الدولة تدار بتوازنات عائلية عسكرية دقيقة، وكان شقيق الرئيس قادراً، في لحظة ما، على أن يكون أقوى من الرئيس نفسه.
ليست كثيرة الملفات الأميركية السرية التي تتطرق بصورة مباشرة ومستفيض إلى رفعت الأسد وتاريخه ودوره في سوريا خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، لكن خمسة ملفات سرية تعود لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “السي آي إيه”، كانت كافية للإضاءة على مكانته في الحكم ودخوله لعبة الصراع على السلطة في مرحلة استثنائية من تاريخ سوريا والمنطقة.
وتنفرد “اندبندنت عربية” بنشر مضمون هذه الوثائق وصورها، التي يعود تاريخها لما بين عامي 1978 و1985، وبقي بعضها سرياً لسنوات طويلة قبل أن يتقرر نشره.
“سوريا من دون الأسد: سياسات الخلافة”
الوثيقة الأولى تعود لعام 1978 تحمل رقم التصنيف ” CIA-RDP80T00634A000400010052-5″ وعنوانها “سوريا من دون الأسد: سياسات الخلافة”، وقد أعدتها مركز التقييمات الأجنبية الوطنية في وكالة الاستخبارات المركزية.
في نص هذه الوثيقة اعتبر الأميركيون أن استقرار سوريا ما بعد حافظ الأسد كان يعتمد بصورة كبيرة على قدرة الدائرة العلوية الداخلية للأسد على الحفاظ على تماسكها وعلى استيعاب المنافسين أو إقصائهم عبر الترهيب أو المساومة. فيما شقيق الرئيس الأسد، رفعت، هو في موقع مناسب لاكتساب قدر أكبر من السلطة في حال إزاحة الأسد نتيجة اغتيال أو مرض، لكنه سيواجه معارضة كبيرة إذا حاول المطالبة بالرئاسة نفسها، إلا أنه قد يكتفي بدور من وراء الكواليس أو بحكم جماعي موقت.
وفي التفاصيل، يعتقد معظم السوريين أن شقيق الأسد الأصغر، رفعت، سيخلفه في السلطة في حال وفاة حافظ، إلا أن هناك معارضة كبيرة لتوليه رئاسة الجمهورية، ومع ذلك يعد رفعت مستشاراً أساسياً للرئيس وشخصية محورية في ضمان بقاء النظام.
في نص الوثيقة “يقود رفعت سرايا الدفاع التي يبلغ قوامها 20 ألف عنصر، وهي قوة نخبوية يهيمن عليها العلويون وتتمركز أساساً في دمشق. وبذلك، يكون رفعت في موقع يسمح له بالتأثير في الأحداث داخل العاصمة عند غياب شقيقه، كما يسيطر على شبكة استخبارات واسعة تخترق المجتمع السوري لضمان استمرار قبضة عائلة الأسد على السلطة”.
ويتوقف المعدون عند نجاح رفعت الأسد بالإطاحة بخصمه القديم كما وصفوه، وقالوا “في مارس (آذار) 1978، أسهم (رفعت) في ترتيب الإطاحة بخصمه القديم، قائد سلاح الجو ناجي جميل، واستبداله بشخص موال له هو صبحي حداد. كما ساعد (رفعت) في تعيين صديق له، محمد الحلبي، رئيساً للوزراء، مما أدى إلى إبعاد اللواء عبدالرحمن خليفاوي، الذي كان قد انتقد رفعت بتهم الفساد”.
ولكن في الوقت عينه كانت هناك معارضة شديدة لتولي رفعت رئاسة سوريا خلفاً لحافظ، إذ رأت واشنطن حينها أن “رفعت سيواجه معارضة شديدة إذا حاول تولي رئاسة الجمهورية بصورة مباشرة. بالنسبة إلى السنة في سوريا، يعد رمزاً للغطرسة العلوية وإساءة استخدام السلطة. فمن الممكن أن يجبر أو يستدرج من وسطاء القوة الآخرين في دمشق إلى قبول دور الرجل القوي من وراء الكواليس في سوريا ما بعد الأسد. وإذا حاول أن يصبح رئيساً، فقد تندلع حرب أهلية”.
قاعدة قوة رفعت كانت تعتمد بصورة كبيرة على كونه شقيق الرئيس، وهنا اعتبر الأميركيون أنه لا يمكن معرفة إلى أي مدى سيتمكن رفعت من الاحتفاظ بقوته بعد خروج حافظ من المشهد. وفي نص الوثيقة السرية “يدرك رفعت ذلك جيداً، ومن المرجح أن يبادر إلى التحرك مبكراً، في وقت لا تزال أصول قوته تمكنه من السيطرة على الوضع، وقبل أن يتمكن أعداؤه من الحشد ضده”.
عن مقاربة رفعت الأسد لبعض الملفات الخارجية، تكشف هذه المذكرة عن أنه كان من الداعمين لتدخل سوريا في لبنان (عام 1976)، كما كان مؤيداً لاتباع نهج أكثر تشدداً تجاه الميليشيات المارونية اللبنانية مقارنة بشقيقه، وفي السياق نفسه تشير إلى أن الاتحاد السوفياتي السابق كان على علاقة وثيقة بشقيق الرئيس على مدى سنوات ومن المرجح أن يرحبوا بوصوله إلى السلطة (حينها).
“السياسة في سوريا”
نبحث أكثر في ملفات “السي آي إيه” عما كتب عن رفعت الأسد، فنجد ملفاً سرياً حمل عنوان “السياسة في سوريا”، يعود لعام 1979 ويحمل رقم التصنيف CIA-RDP80T00942A001000030001-0، وقد أعده مكتب التقييم الخارجي في الوكالة.
يصف هذا الملف رفعت كمستشار رئيسي لشقيقه حافظ، وبأن “كثيراً من الضباط العلويين يعتبرون رفعت حارساً شخصياً للرئيس، لا وريثاً له، وقد يكونون مستعدين للتحرك ضده إذا حاول المطالبة برئاسة الجمهورية”.
ويقول المعدون “وحدات من سرايا الدفاع الخاضعة لقيادة رفعت الأسد في لبنان ارتكبت بعضاً من أكثر الانتهاكات فداحة لدور سوريا كحافظة للسلام في ذلك البلد، بما في ذلك مذبحة راح ضحيتها 30 مدنياً في يونيو (حزيران) 1978 في سهل البقاع، وربما اغتيال الزعيم الدرزي كمال جنبلاط. وداخلياً، فيما يبغض رفعت من كثيرين بسبب الأساليب القمعية الثقيلة التي اتبعها رجاله”.
في شهر أغسطس (آب) عام 1983، وفي خضم الأزمة الصحية التي أصابت حافظ الأسد، أعدت وكالة “السي آي إيه” مذكرة سرية حملت عنوان “سوريا: قبضة الأسد على السلطة”، ورقمها التصنيفي CIA-RDP84S00927R000100040005-5.
في مضمون هذه الوثيقة ما يشير إلى تنسيق مدروس داخل الحكم في سوريا للبقاء على تواصل مع قطبي العالم، أي موسكو وواشطن، في خضم أحداث الحرب الباردة بينهما، وهنا يبرز مرة جديدة دور محوري لرفعت الأسد.
ففي نص هذه الوثيقة “لا نعرف أي متنافسين على السلطة في سوريا مستعدين للتخلي عن العلاقات العسكرية السورية مع السوفيات، أو راغبين في المشاركة في عملية السلام (مع إسرائيل) من دون ضمانات أكبر بأن المصالح السورية ستلبى. ووفق تقديرنا، فإن الخلافات العرضية في وجهات النظر بين رفعت الأسد والرئيس حافظ الأسد، وكذلك ما ينسب إليه من توجه مؤيد للغرب (لدى رفعت)، هي في معظمها محسوبة. وتبدو الخلافات المنسوبة إلى رفعت مع الرئيس مصممة لتوسيع جاذبية النظام لدى جناحي الطيف السياسي، اليميني واليساري، ولإتاحة هامش مناورة لآل الأسد بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. أما الواقع، فمن وجهة نظرنا، فهو أن سيطرة الأسد الصارمة على عملية صنع القرار توفر كابحاً فعالاً أمام أي محاولة من أي من القوتين العظميين لاكتساب نفوذ عبر استغلال الخلافات السياسية داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس”.
نفي رفعت إلى خارج سوريا
وثيقة أخرى، هي في الأساس مقالة نشرت بتاريخ الـ27 من مايو (أيار) عام 1984 في صحيفة “بوسطن غلوب”، لكن أرشفتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية نظراً إلى أهمية مضمونها، تكشف عن نفي رفعت الأسد إلى خارج سوريا. ويقول الكاتب ويليام بيتشر “إن رفعت الأسد، شقيق الرئيس السوري المريض حافظ الأسد، على وشك أن يذهب إلى المنفى، ليكون أول ضحية في صراع خلافة كان يتخمر منذ ستة أشهر. وقد أرسل رفعت زوجاته وأطفاله إلى أوروبا حفاظاً على سلامتهم، برفقة أعداد كبيرة من الخدم والحراس الأمنيين، مما أعطى انطباعاً بأنهم يستعدون لمنفى طويل”.
ويضيف بيتشر “رفعت مكروه وغير موثوق به من زملائه الضباط بسبب غطرسته وفساده ووحشيته، فعلى سبيل المثال قامت سرايا الدفاع الخاصة به بالانتقام من نشاط متمرد لجماعة الإخوان المسلمين في حماة قبل عامين، من خلال تدمير جزء كبير من الحي القديم في المدينة بالدبابات والمدفعية، ويقدر أن ما بين 10 آلاف و20 ألف شخص قتلوا في تلك العملية”.
لكن محللين غربيين حذروا حينها، وفق المقالة، من أنه قد يعود من المنفى أقوى، من منطلق أنه خسر معركة الخلافة بجولتها الأولى لكنه لم يخسر المعركة.
بين رومانيا ورفعت الأسد
تقرير أخر أعدته منظمة إنسانية تدعى “هيومن إيفنتس” لصالح وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، رقم التصنيف الخاص به CIA-RDP90-00965R000403730021-5 ويعود لشهر مارس (آذار) عام 1985، أي في أواخر مراحل الحرب الباردة، وقد حمل عنوان “رومانيا تجني مكاسب من سرقات التكنولوجيا المتقدمة”.
يركز بصورة كبيرة وتفصيلية على أنشطة الاتحاد السوفياتي خارج حدوده في تلك المرحلة، وبما يشمل نشاط أجهزة الاستخبارات السرية في أوروبا الشرقية حينها، ويعرض كيف حولت الأنظمة الشيوعية، وبخاصة في رومانيا، أجهزة الاستخبارات إلى أدوات اقتصادية لتعويض فشلها البنيوي. ويوثق اعتماد هذه الأنظمة على التجسس التكنولوجي، وعمليات التأثير السياسي، وتهريب السلاح والمخدرات، وحتى الاتجار بالبشر، كمصادر أساسية للعملة الصعبة، كما يبين كيف جرى تجنيد شخصيات سياسية رفيعة في دول مختلفة لخدمة صفقات مالية وتجارية.
وهنا نجد أن لرفعت الأسد دوراً في هذا النشاط، إذ يذكر التقرير في نصه “ومن أبرز هذه الحالات حالة شقيق شاه إيران، فقد جرى تجنيده في الأصل من جهاز الاستخبارات الرومان، لتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، مما مكن رومانيا من الفوز بمناقصات لعقود بيع وتصنيع الجرارات والقاطرات وعربات السكك الحديدية ومعدات البحث الجيولوجي. ولم تكن إيران سوى واحدة من دول عديدة جندت فيها رومانيا مسؤولين رفيعي المستوى للمساعدة في معالجة مشكلات التدفق النقدي للدولة، ففي سوريا، جرى تجنيد رفعت الأسد، الشقيق القوي سابقاً للرئيس حافظ الأسد، لأغراض التأثير السياسي، وبدأ يعمل كقناة خلفية للاتصالات السياسية. لكن رفعت سرعان ما بدأ يتعاون مع رومانيا لترتيب صفقات تصدير مربحة إلى سوريا، أضافت مبالغ كبيرة من النقد إلى حساب الحكومة الرومانية، وإلى حساباته الشخصية في سويسرا”.
هل جند السوفيات رفعت الأسد عبر رومانيا؟

مع وفاة رفعت الأسد، يغلق فصل شديد القتامة من تاريخ سوريا الحديث، فصل ارتبط باسم رجل لم يكن مجرد شقيق لرئيس، بل كان في مرحلة مفصلية أحد أقوى مراكز القوة الفعلية في الدولة السورية.
ليست كثيرة الملفات الأميركية السرية التي تتطرق بصورة مباشرة ومستفيضة إلى رفعت الأسد وتاريخه ودوره في سوريا خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، لكن خمسة ملفات سرية تعود لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “السي آي إيه” وتنفرد “اندبندنت عربية” بنشرها، كانت كافية للإضاءة على مكانته في الحكم ودخوله لعبة الصراع على السلطة في مرحلة استثنائية من تاريخ سوريا والمنطقة.
رفعت الأسد، شقيق الرئيس السوري السابق حافظ الأسد وعم الرئيس السابق أيضاً بشار الأسد، شكل نموذجاً صارخاً لـ “رجل الظل” في الأنظمة الأمنية، إذ لم تقس سلطته بالمنصب الرسمي بقدر ما قيست بمدى سيطرته على السلاح والأجهزة والقوة الصلبة.
فمنذ أواخر السبعينيات وحتى منتصف الثمانينيات، برز رفعت كقائد لـ”سرايا الدفاع”، وهي قوة عسكرية نخبوية ضخمة كانت عملياً جيشاً داخل الجيش، تدين له بالولاء الشخصي وتتمركز في دمشق ومحيطها، مما جعله الرقم الأصعب في معادلة السلطة. وقد ارتبط اسمه بأشد مراحل القمع الداخلي، وعلى رأسها العمليات العسكرية الواسعة في مدينة حماة عام 1982، إذ حملته شهادات وبحوث عديدة مسؤولية مباشرة عن استخدام القوة المفرطة ضد المدينة وسكانها، مما أدى إلى مقتل آلاف السوريين داخل المدينة.
في ذروة نفوذه، تحول رفعت الأسد من ركيزة للنظام إلى أخطر تهديد داخلي له، بخاصة خلال مرض شقيقه حافظ الأسد منتصف ثمانينيات القرن الماضي، حين حاول فرض نفسه كوريث محتمل، ونشر قواته في العاصمة في مواجهة مراكز القوة الأخرى. لكن هذا الصراع انتهى بإقصائه ونفيه خارج البلاد في أبريل (نيسان) عام 1984، وتفكيك “سرايا الدفاع”، لينتقل من قلب السلطة إلى المنفى الطويل وقد عاش لعقود متنقلاً بين فرنسا وإسبانيا وبريطانيا، وبنى ثروة عقارية ضخمة لاحقته بسببها قضايا فساد وغسل أموال بخاصة في باريس.
يرى كثيرون داخل سوريا وخارجها، أن بوفاته، لا يطوى فقط سجل شخصي مثير للجدل، بل تستعاد صورة مرحلة كاملة من الحكم في سوريا، مرحلة كانت فيها الدولة تدار بتوازنات عائلية عسكرية دقيقة، وكان شقيق الرئيس قادراً، في لحظة ما، على أن يكون أقوى من الرئيس نفسه.
ليست كثيرة الملفات الأميركية السرية التي تتطرق بصورة مباشرة ومستفيض إلى رفعت الأسد وتاريخه ودوره في سوريا خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، لكن خمسة ملفات سرية تعود لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “السي آي إيه”، كانت كافية للإضاءة على مكانته في الحكم ودخوله لعبة الصراع على السلطة في مرحلة استثنائية من تاريخ سوريا والمنطقة.
وتنفرد “اندبندنت عربية” بنشر مضمون هذه الوثائق وصورها، التي يعود تاريخها لما بين عامي 1978 و1985، وبقي بعضها سرياً لسنوات طويلة قبل أن يتقرر نشره.
“سوريا من دون الأسد: سياسات الخلافة”
الوثيقة الأولى تعود لعام 1978 تحمل رقم التصنيف ” CIA-RDP80T00634A000400010052-5″ وعنوانها “سوريا من دون الأسد: سياسات الخلافة”، وقد أعدتها مركز التقييمات الأجنبية الوطنية في وكالة الاستخبارات المركزية.
في نص هذه الوثيقة اعتبر الأميركيون أن استقرار سوريا ما بعد حافظ الأسد كان يعتمد بصورة كبيرة على قدرة الدائرة العلوية الداخلية للأسد على الحفاظ على تماسكها وعلى استيعاب المنافسين أو إقصائهم عبر الترهيب أو المساومة. فيما شقيق الرئيس الأسد، رفعت، هو في موقع مناسب لاكتساب قدر أكبر من السلطة في حال إزاحة الأسد نتيجة اغتيال أو مرض، لكنه سيواجه معارضة كبيرة إذا حاول المطالبة بالرئاسة نفسها، إلا أنه قد يكتفي بدور من وراء الكواليس أو بحكم جماعي موقت.
وفي التفاصيل، يعتقد معظم السوريين أن شقيق الأسد الأصغر، رفعت، سيخلفه في السلطة في حال وفاة حافظ، إلا أن هناك معارضة كبيرة لتوليه رئاسة الجمهورية، ومع ذلك يعد رفعت مستشاراً أساسياً للرئيس وشخصية محورية في ضمان بقاء النظام.
في نص الوثيقة “يقود رفعت سرايا الدفاع التي يبلغ قوامها 20 ألف عنصر، وهي قوة نخبوية يهيمن عليها العلويون وتتمركز أساساً في دمشق. وبذلك، يكون رفعت في موقع يسمح له بالتأثير في الأحداث داخل العاصمة عند غياب شقيقه، كما يسيطر على شبكة استخبارات واسعة تخترق المجتمع السوري لضمان استمرار قبضة عائلة الأسد على السلطة”.
ويتوقف المعدون عند نجاح رفعت الأسد بالإطاحة بخصمه القديم كما وصفوه، وقالوا “في مارس (آذار) 1978، أسهم (رفعت) في ترتيب الإطاحة بخصمه القديم، قائد سلاح الجو ناجي جميل، واستبداله بشخص موال له هو صبحي حداد. كما ساعد (رفعت) في تعيين صديق له، محمد الحلبي، رئيساً للوزراء، مما أدى إلى إبعاد اللواء عبدالرحمن خليفاوي، الذي كان قد انتقد رفعت بتهم الفساد”.
ولكن في الوقت عينه كانت هناك معارضة شديدة لتولي رفعت رئاسة سوريا خلفاً لحافظ، إذ رأت واشنطن حينها أن “رفعت سيواجه معارضة شديدة إذا حاول تولي رئاسة الجمهورية بصورة مباشرة. بالنسبة إلى السنة في سوريا، يعد رمزاً للغطرسة العلوية وإساءة استخدام السلطة. فمن الممكن أن يجبر أو يستدرج من وسطاء القوة الآخرين في دمشق إلى قبول دور الرجل القوي من وراء الكواليس في سوريا ما بعد الأسد. وإذا حاول أن يصبح رئيساً، فقد تندلع حرب أهلية”.
قاعدة قوة رفعت كانت تعتمد بصورة كبيرة على كونه شقيق الرئيس، وهنا اعتبر الأميركيون أنه لا يمكن معرفة إلى أي مدى سيتمكن رفعت من الاحتفاظ بقوته بعد خروج حافظ من المشهد. وفي نص الوثيقة السرية “يدرك رفعت ذلك جيداً، ومن المرجح أن يبادر إلى التحرك مبكراً، في وقت لا تزال أصول قوته تمكنه من السيطرة على الوضع، وقبل أن يتمكن أعداؤه من الحشد ضده”.
عن مقاربة رفعت الأسد لبعض الملفات الخارجية، تكشف هذه المذكرة عن أنه كان من الداعمين لتدخل سوريا في لبنان (عام 1976)، كما كان مؤيداً لاتباع نهج أكثر تشدداً تجاه الميليشيات المارونية اللبنانية مقارنة بشقيقه، وفي السياق نفسه تشير إلى أن الاتحاد السوفياتي السابق كان على علاقة وثيقة بشقيق الرئيس على مدى سنوات ومن المرجح أن يرحبوا بوصوله إلى السلطة (حينها).
“السياسة في سوريا”
نبحث أكثر في ملفات “السي آي إيه” عما كتب عن رفعت الأسد، فنجد ملفاً سرياً حمل عنوان “السياسة في سوريا”، يعود لعام 1979 ويحمل رقم التصنيف CIA-RDP80T00942A001000030001-0، وقد أعده مكتب التقييم الخارجي في الوكالة.
يصف هذا الملف رفعت كمستشار رئيسي لشقيقه حافظ، وبأن “كثيراً من الضباط العلويين يعتبرون رفعت حارساً شخصياً للرئيس، لا وريثاً له، وقد يكونون مستعدين للتحرك ضده إذا حاول المطالبة برئاسة الجمهورية”.
ويقول المعدون “وحدات من سرايا الدفاع الخاضعة لقيادة رفعت الأسد في لبنان ارتكبت بعضاً من أكثر الانتهاكات فداحة لدور سوريا كحافظة للسلام في ذلك البلد، بما في ذلك مذبحة راح ضحيتها 30 مدنياً في يونيو (حزيران) 1978 في سهل البقاع، وربما اغتيال الزعيم الدرزي كمال جنبلاط. وداخلياً، فيما يبغض رفعت من كثيرين بسبب الأساليب القمعية الثقيلة التي اتبعها رجاله”.
في شهر أغسطس (آب) عام 1983، وفي خضم الأزمة الصحية التي أصابت حافظ الأسد، أعدت وكالة “السي آي إيه” مذكرة سرية حملت عنوان “سوريا: قبضة الأسد على السلطة”، ورقمها التصنيفي CIA-RDP84S00927R000100040005-5.
في مضمون هذه الوثيقة ما يشير إلى تنسيق مدروس داخل الحكم في سوريا للبقاء على تواصل مع قطبي العالم، أي موسكو وواشطن، في خضم أحداث الحرب الباردة بينهما، وهنا يبرز مرة جديدة دور محوري لرفعت الأسد.
ففي نص هذه الوثيقة “لا نعرف أي متنافسين على السلطة في سوريا مستعدين للتخلي عن العلاقات العسكرية السورية مع السوفيات، أو راغبين في المشاركة في عملية السلام (مع إسرائيل) من دون ضمانات أكبر بأن المصالح السورية ستلبى. ووفق تقديرنا، فإن الخلافات العرضية في وجهات النظر بين رفعت الأسد والرئيس حافظ الأسد، وكذلك ما ينسب إليه من توجه مؤيد للغرب (لدى رفعت)، هي في معظمها محسوبة. وتبدو الخلافات المنسوبة إلى رفعت مع الرئيس مصممة لتوسيع جاذبية النظام لدى جناحي الطيف السياسي، اليميني واليساري، ولإتاحة هامش مناورة لآل الأسد بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. أما الواقع، فمن وجهة نظرنا، فهو أن سيطرة الأسد الصارمة على عملية صنع القرار توفر كابحاً فعالاً أمام أي محاولة من أي من القوتين العظميين لاكتساب نفوذ عبر استغلال الخلافات السياسية داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس”.
نفي رفعت إلى خارج سوريا
وثيقة أخرى، هي في الأساس مقالة نشرت بتاريخ الـ27 من مايو (أيار) عام 1984 في صحيفة “بوسطن غلوب”، لكن أرشفتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية نظراً إلى أهمية مضمونها، تكشف عن نفي رفعت الأسد إلى خارج سوريا. ويقول الكاتب ويليام بيتشر “إن رفعت الأسد، شقيق الرئيس السوري المريض حافظ الأسد، على وشك أن يذهب إلى المنفى، ليكون أول ضحية في صراع خلافة كان يتخمر منذ ستة أشهر. وقد أرسل رفعت زوجاته وأطفاله إلى أوروبا حفاظاً على سلامتهم، برفقة أعداد كبيرة من الخدم والحراس الأمنيين، مما أعطى انطباعاً بأنهم يستعدون لمنفى طويل”.
ويضيف بيتشر “رفعت مكروه وغير موثوق به من زملائه الضباط بسبب غطرسته وفساده ووحشيته، فعلى سبيل المثال قامت سرايا الدفاع الخاصة به بالانتقام من نشاط متمرد لجماعة الإخوان المسلمين في حماة قبل عامين، من خلال تدمير جزء كبير من الحي القديم في المدينة بالدبابات والمدفعية، ويقدر أن ما بين 10 آلاف و20 ألف شخص قتلوا في تلك العملية”.
لكن محللين غربيين حذروا حينها، وفق المقالة، من أنه قد يعود من المنفى أقوى، من منطلق أنه خسر معركة الخلافة بجولتها الأولى لكنه لم يخسر المعركة.
بين رومانيا ورفعت الأسد
تقرير أخر أعدته منظمة إنسانية تدعى “هيومن إيفنتس” لصالح وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، رقم التصنيف الخاص به CIA-RDP90-00965R000403730021-5 ويعود لشهر مارس (آذار) عام 1985، أي في أواخر مراحل الحرب الباردة، وقد حمل عنوان “رومانيا تجني مكاسب من سرقات التكنولوجيا المتقدمة”.
يركز بصورة كبيرة وتفصيلية على أنشطة الاتحاد السوفياتي خارج حدوده في تلك المرحلة، وبما يشمل نشاط أجهزة الاستخبارات السرية في أوروبا الشرقية حينها، ويعرض كيف حولت الأنظمة الشيوعية، وبخاصة في رومانيا، أجهزة الاستخبارات إلى أدوات اقتصادية لتعويض فشلها البنيوي. ويوثق اعتماد هذه الأنظمة على التجسس التكنولوجي، وعمليات التأثير السياسي، وتهريب السلاح والمخدرات، وحتى الاتجار بالبشر، كمصادر أساسية للعملة الصعبة، كما يبين كيف جرى تجنيد شخصيات سياسية رفيعة في دول مختلفة لخدمة صفقات مالية وتجارية.
وهنا نجد أن لرفعت الأسد دوراً في هذا النشاط، إذ يذكر التقرير في نصه “ومن أبرز هذه الحالات حالة شقيق شاه إيران، فقد جرى تجنيده في الأصل من جهاز الاستخبارات الرومان، لتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، مما مكن رومانيا من الفوز بمناقصات لعقود بيع وتصنيع الجرارات والقاطرات وعربات السكك الحديدية ومعدات البحث الجيولوجي. ولم تكن إيران سوى واحدة من دول عديدة جندت فيها رومانيا مسؤولين رفيعي المستوى للمساعدة في معالجة مشكلات التدفق النقدي للدولة، ففي سوريا، جرى تجنيد رفعت الأسد، الشقيق القوي سابقاً للرئيس حافظ الأسد، لأغراض التأثير السياسي، وبدأ يعمل كقناة خلفية للاتصالات السياسية. لكن رفعت سرعان ما بدأ يتعاون مع رومانيا لترتيب صفقات تصدير مربحة إلى سوريا، أضافت مبالغ كبيرة من النقد إلى حساب الحكومة الرومانية، وإلى حساباته الشخصية في سويسرا”.











