الرّهان على الجيش: هل ينجح احتواء السّلاح؟

من المفترض أن يتوجّه قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى واشنطن مطلع شباط، بعد التدخل السعودي لدى الإدارة الأميركية سيلتقي هيكل كما تجري العادة، عدداً من المسؤولين في الجيش الأميركيّ والإدارة والكونغرس. باتت المواعيد شبه ثابتة، إلّا أنّ أيّ ضربة أميركيّة على إيران في الأيّام المقبلة، إن حصلت، قد تُبدّل عناوين المنطقة بشكل طارئ.
إلى ذلك الحين، يبقى رهان العواصم المعنيّة بلبنان منصبّاً على قيادة الجيش اللبنانيّ، التي أثبتت بالتجربة أنّها جديرة بالمسؤوليّة بعدما وُضعت كرة النار في آب الماضي في عهدتها. من اليوم حتّى موعد الزيارة، يتكفّل المعنيّون بالتحضيرات، من اليرزة إلى واشنطن، مروراً بالضاحية الجنوبيّة التي تنظر بدورها إلى الجيش على أنّه عنوان المرحلة المقبلة.
من يعرف كواليس “الإدارة العميقة” في واشنطن، يدرك أنّها لا تخاطب زوّارها بلغة الأمر المباشر. بعض الشخصيّات التي تُعيَّن في الإدارة بناءً على انتمائها إلى فريق الرئيس دونالد ترامب، قد تعتمد أسلوباً في الخطاب يختلف جذريّاً عن النهج المعتمد لدى الإدارة الثابتة هناك. على سبيل المثال لا الحصر، يبرز الاختلاف بين خطاب الموفدين الدوليّين المحسوبين على شخص ترامب، وبين السفراء المعتمدين في الإدارة الأميركيّة.
الخلاصة، وفق مصادر دبلوماسيّة على تماسّ مباشر مع الملفّ اللبنانيّ في واشنطن، أنّ كلّ ما يُتداول عن تهديد قد يتعرّض له قائد الجيش، أو عن ضغوط لفرض تنفيذ خطّته “بيد من حديد”، هو كلام بعيد تماماً عن خطاب الإدارة الأميركيّة، بل تؤكّد المصادر أنّ اهتمام الإدارة سينصبّ على الاستماع إلى هيكل ومقاربته للحلّ العسكريّ شمال الليطاني، إضافة إلى تقويمه العسكريّ للوضع جنوب الليطاني، ولا سيما أنّ موقف واشنطن وتل أبيب لا يزال يؤكّد استمرار احتفاظ “الحزب” جنوب الليطاني ببعض المنشآت الموجودة داخل الجبال، والتي يصعب على إسرائيل استهدافها.
سيجري أيضاً الاستماع إلى حاجات الجيش في المرحلة المقبلة لتمكينه من استكمال مهمّته. أمّا في ما يتعلّق بالعلاقة بين المؤسّسة العسكريّة و”الحزب”، فستجدّد الإدارة الأميركيّة تمسّكها بتنفيذ اتّفاق وقف الأعمال العدائيّة وببسط الدولة اللبنانيّة سلطتها على كامل أراضيها، لكنّها في المقابل تدرك أن لا مصلحة لأيّ طرف في إدخال الجيش في صراع أو اشتباك ميدانيّ مع “الحزب”.
تحقّق الجزء الأهمّ من عمل الجيش جنوب الليطاني عبر استيعاب المؤسّسة العسكريّة للبيئة المحليّة، لهواجسها وحاجاتها، حتّى الزراعية منها أحياناً، فتعزّزت الثقة المتبادلة بين الجيش والبيئة، وهي ثقة يُفترض الحفاظ عليها في مختلف مراحل انتشار الجيش.
في المقابل، قالت مصادر عسكريّة لـ”أساس” إنّ قائد الجيش سيعرض مقاربته للحلّ انطلاقاً ممّا تحقّق جنوب الليطاني، على أن ينسحب ذلك على المناطق الأخرى وصولاً إلى بيروت الكبرى. بالنسبة إلى هيكل، لا يمكن أن يتحقّق هذا المسار عبر مواجهة عسكريّة في الداخل.
عنوان الحلّ: احتواء السّلاح
كان أوّل من استخدم هذا المصطلح علناً المبعوث الأميركيّ توم بارّاك، وأحدث كلامه حينها ضجّة وتساؤلات عن إمكان إبقاء السلاح في مخازنه ومنشآته ومواقعه. لاحقاً، تحدّث قائد الجيش رودولف هيكل عن “احتواء السلاح” أيضاً، على اعتبار أنّه الحلّ الأنسب لتجنّب أيّ مواجهة أو احتكاك أو توتّر داخليّ، عبر الاتّفاق على بقاء السلاح، لكن على أن يكون بإمرة الجيش اللبنانيّ، وبالتالي الحكومة اللبنانيّة.
تبنّى رئيس الحكومة نوّاف سلام هذا الطرح بعدئذٍ، متحدّثاً عن أهميّة الوصول إلى حلّ عبر احتواء السلاح. يعود هذا المصطلح اليوم ليشكّل بجدّيّة عنواناً لمسوّدة اتّفاق يمكن أن يجنّب لبنان استمرار مساره الدمويّ. لكن ماذا يعني هذا المصطلح عمليّاً؟
يقول المبادرون إلى التمسّك به إنّه عنوان يمكن أن يلتقي عليه الجميع، من قوى دوليّة ومحليّة وصولاً إلى “الحزب”. يقوم هذا الطرح على إبقاء السلاح في مواقعه، وهنا يجري الحديث عن المنشآت الكبيرة، على أن يكون تحت سيطرة الجيش لا “الحزب”. وفي ذلك تقاطع مع موقف “الحزب” القائل إنّه لا يسلّم سلاحه لإسرائيل. يُفترض أن يتمّ احتواء السلاح تحت عنوان حصريّة قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانيّة، بحيث يدافع لبنان بكلّ قواه، بما فيها “الحزب”، عن أراضيه عند أيّ عدوان إسرائيليّ.
يمكن لهذا الطرح نظريّاً أن يشكّل مخرجاً للجميع، وسيعني عمليّاً أنّ بقاء السلاح “نائماً” سيفقده قيمته ومفاعيله مع مرور الوقت. غير أنّ هذه المقاربة تحمل في الوقت نفسه إشكاليّات عدّة، أبرزها: ماذا سيفعل الجيش بالسلاح الموجود لدى الفصائل المسلّحة في البيئة السنّيّة على قلّة عديدها وعتادها؟ ماذا عن السلاح في المخيّمات، علماً أنّ مقاربة السلاح الثقيل، في مرحلته المتقدمة مع “الحزب”، ستكون المحطّة الأخيرة في مسار حصر السلاح في لبنان؟
قبيل زيارة هيكل لواشنطن، يجري التحضير لأيّ طرح سيحمله معه إلى هناك. أمّا بعد الزيارة فسيكون لبنان على موعد مع جلسة حكوميّة مرتقبة ستضع على طاولتها ملفّ السلاح شمال الليطاني.
الرّهان على الجيش: هل ينجح احتواء السّلاح؟

من المفترض أن يتوجّه قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى واشنطن مطلع شباط، بعد التدخل السعودي لدى الإدارة الأميركية سيلتقي هيكل كما تجري العادة، عدداً من المسؤولين في الجيش الأميركيّ والإدارة والكونغرس. باتت المواعيد شبه ثابتة، إلّا أنّ أيّ ضربة أميركيّة على إيران في الأيّام المقبلة، إن حصلت، قد تُبدّل عناوين المنطقة بشكل طارئ.
إلى ذلك الحين، يبقى رهان العواصم المعنيّة بلبنان منصبّاً على قيادة الجيش اللبنانيّ، التي أثبتت بالتجربة أنّها جديرة بالمسؤوليّة بعدما وُضعت كرة النار في آب الماضي في عهدتها. من اليوم حتّى موعد الزيارة، يتكفّل المعنيّون بالتحضيرات، من اليرزة إلى واشنطن، مروراً بالضاحية الجنوبيّة التي تنظر بدورها إلى الجيش على أنّه عنوان المرحلة المقبلة.
من يعرف كواليس “الإدارة العميقة” في واشنطن، يدرك أنّها لا تخاطب زوّارها بلغة الأمر المباشر. بعض الشخصيّات التي تُعيَّن في الإدارة بناءً على انتمائها إلى فريق الرئيس دونالد ترامب، قد تعتمد أسلوباً في الخطاب يختلف جذريّاً عن النهج المعتمد لدى الإدارة الثابتة هناك. على سبيل المثال لا الحصر، يبرز الاختلاف بين خطاب الموفدين الدوليّين المحسوبين على شخص ترامب، وبين السفراء المعتمدين في الإدارة الأميركيّة.
الخلاصة، وفق مصادر دبلوماسيّة على تماسّ مباشر مع الملفّ اللبنانيّ في واشنطن، أنّ كلّ ما يُتداول عن تهديد قد يتعرّض له قائد الجيش، أو عن ضغوط لفرض تنفيذ خطّته “بيد من حديد”، هو كلام بعيد تماماً عن خطاب الإدارة الأميركيّة، بل تؤكّد المصادر أنّ اهتمام الإدارة سينصبّ على الاستماع إلى هيكل ومقاربته للحلّ العسكريّ شمال الليطاني، إضافة إلى تقويمه العسكريّ للوضع جنوب الليطاني، ولا سيما أنّ موقف واشنطن وتل أبيب لا يزال يؤكّد استمرار احتفاظ “الحزب” جنوب الليطاني ببعض المنشآت الموجودة داخل الجبال، والتي يصعب على إسرائيل استهدافها.
سيجري أيضاً الاستماع إلى حاجات الجيش في المرحلة المقبلة لتمكينه من استكمال مهمّته. أمّا في ما يتعلّق بالعلاقة بين المؤسّسة العسكريّة و”الحزب”، فستجدّد الإدارة الأميركيّة تمسّكها بتنفيذ اتّفاق وقف الأعمال العدائيّة وببسط الدولة اللبنانيّة سلطتها على كامل أراضيها، لكنّها في المقابل تدرك أن لا مصلحة لأيّ طرف في إدخال الجيش في صراع أو اشتباك ميدانيّ مع “الحزب”.
تحقّق الجزء الأهمّ من عمل الجيش جنوب الليطاني عبر استيعاب المؤسّسة العسكريّة للبيئة المحليّة، لهواجسها وحاجاتها، حتّى الزراعية منها أحياناً، فتعزّزت الثقة المتبادلة بين الجيش والبيئة، وهي ثقة يُفترض الحفاظ عليها في مختلف مراحل انتشار الجيش.
في المقابل، قالت مصادر عسكريّة لـ”أساس” إنّ قائد الجيش سيعرض مقاربته للحلّ انطلاقاً ممّا تحقّق جنوب الليطاني، على أن ينسحب ذلك على المناطق الأخرى وصولاً إلى بيروت الكبرى. بالنسبة إلى هيكل، لا يمكن أن يتحقّق هذا المسار عبر مواجهة عسكريّة في الداخل.
عنوان الحلّ: احتواء السّلاح
كان أوّل من استخدم هذا المصطلح علناً المبعوث الأميركيّ توم بارّاك، وأحدث كلامه حينها ضجّة وتساؤلات عن إمكان إبقاء السلاح في مخازنه ومنشآته ومواقعه. لاحقاً، تحدّث قائد الجيش رودولف هيكل عن “احتواء السلاح” أيضاً، على اعتبار أنّه الحلّ الأنسب لتجنّب أيّ مواجهة أو احتكاك أو توتّر داخليّ، عبر الاتّفاق على بقاء السلاح، لكن على أن يكون بإمرة الجيش اللبنانيّ، وبالتالي الحكومة اللبنانيّة.
تبنّى رئيس الحكومة نوّاف سلام هذا الطرح بعدئذٍ، متحدّثاً عن أهميّة الوصول إلى حلّ عبر احتواء السلاح. يعود هذا المصطلح اليوم ليشكّل بجدّيّة عنواناً لمسوّدة اتّفاق يمكن أن يجنّب لبنان استمرار مساره الدمويّ. لكن ماذا يعني هذا المصطلح عمليّاً؟
يقول المبادرون إلى التمسّك به إنّه عنوان يمكن أن يلتقي عليه الجميع، من قوى دوليّة ومحليّة وصولاً إلى “الحزب”. يقوم هذا الطرح على إبقاء السلاح في مواقعه، وهنا يجري الحديث عن المنشآت الكبيرة، على أن يكون تحت سيطرة الجيش لا “الحزب”. وفي ذلك تقاطع مع موقف “الحزب” القائل إنّه لا يسلّم سلاحه لإسرائيل. يُفترض أن يتمّ احتواء السلاح تحت عنوان حصريّة قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانيّة، بحيث يدافع لبنان بكلّ قواه، بما فيها “الحزب”، عن أراضيه عند أيّ عدوان إسرائيليّ.
يمكن لهذا الطرح نظريّاً أن يشكّل مخرجاً للجميع، وسيعني عمليّاً أنّ بقاء السلاح “نائماً” سيفقده قيمته ومفاعيله مع مرور الوقت. غير أنّ هذه المقاربة تحمل في الوقت نفسه إشكاليّات عدّة، أبرزها: ماذا سيفعل الجيش بالسلاح الموجود لدى الفصائل المسلّحة في البيئة السنّيّة على قلّة عديدها وعتادها؟ ماذا عن السلاح في المخيّمات، علماً أنّ مقاربة السلاح الثقيل، في مرحلته المتقدمة مع “الحزب”، ستكون المحطّة الأخيرة في مسار حصر السلاح في لبنان؟
قبيل زيارة هيكل لواشنطن، يجري التحضير لأيّ طرح سيحمله معه إلى هناك. أمّا بعد الزيارة فسيكون لبنان على موعد مع جلسة حكوميّة مرتقبة ستضع على طاولتها ملفّ السلاح شمال الليطاني.









