بيئة الحزب والشيعة الآخرون

الكاتب: امجد اسكندر | المصدر: نداء الوطن
26 كانون الثاني 2026

عندما تمارس «فائض القوة» وتخسر، فنصيبك الباقي هو «فائض العزلة».

هذا هو واقع «حزب الله» اليوم: عزلة داخلية وعربية ودولية، والتعريف الذي يطغى هو أن هذه الجماعة مارست وتمارس الإرهاب والتهريب وتبييض الأموال. لقد سقطت لافتة المقاومة الإسلامية والإيرانية التي استترت خلفها لسنوات، وما يشدّ الأبصار اليوم حقيقة مفادها أن هذا الفصيل في «الحرس الثوري» الإيراني مطارد ويعاني أزمة بقاء ومبرر وجود. انتعش الجنوب لعشرين سنة على أرضية منزلقة سياسيًا، وعند ساعة «الإسناد» انهار كل العمران وزهقت الأرواح. وعندما تسود الرهانات المخطئة، لا يتأخر دفع الأثمان، ويظهر أن القصور والفيلات والمرافق العامة والحياة الهانئة التي سادت في الجنوب كانت كمن يُلبس مريضًا بالسرطان أزهى الأثواب، لعل أناقة المظهر تمنع الموت المحتّم. لو التزم «حزب الله» اتفاق الطائف في التسعينات، لكان وضع الشيعة أفضل بألف مرة. لكن التكليف الإيراني وتآمر نظام الأسد استخدما فصيلًا مسلحًا ليتحوّل لبنان ساحة لا دولة، وليغرق في الاحتلال والهيمنة طوال عقود. متى كانت القوة الاقتصادية تقوم على رواتب وتقديمات صحية ومدرسية؟ كل ذلك كان لحسًا للمبرَد. القوة الاقتصادية تكون باعتماد أسس سليمة في التعليم والاستثمار المدروس.

الأموال القذرة والاستعطاء من خزينة في طهران تجوّع شعبها لمصلحة جماعة في بلد آخر، لا تبني اقتصادًا ولا تنمية مستدامة. وفق منطق الاستعطاء والابتزاز، تستغرب هذه الجماعة كيف لا تدفع الدولة تكاليف الخسائر الفادحة التي تسببت بها في الأرزاق والأرواح.

التشوّه الفكري يملي عليها أن تنظر إلى خزينة الدولة كفرع لخزينة «الحرس الثوري». من الطرق البدائية في التحصيل طريقة «السداد بالفاتورة»، لذا في المعتاد، المبتز إذا لم يحصل على قيمة الفاتورة يهدد بالفظائع وبالحرب الأهلية، على ما بدأ يتسرّب من أوساط الجماعة. لقد اعتادت «الصك على بياض» وللأرواح أسعار ما دام الانتحار عادة. المهم أن يبقى، ولو جزء من لبنان، رهينة وورقة تفاوض، ولو مهلهلة، في يد علي خامنئي.

يجب أن تعي هذه الجماعة أن تسليم سلاحها ينقذ بيئتها لا كما توحي بعكس ذلك. فالميزات التفاضلية للشيعة اليوم في الاقتصاد والتعليم والثقافة موجودة بالتأكيد خارج المنتفعين من «الحزب». ومعركة المستقبل معركة تسابق معرفي وانفتاح، وبيئة «الحزب» أسيرة حفنة الدولارات و»القرض الحسن» والمنطق السياسي البالي، وستبدو متأخرة عن اللحاق بمنطق العصر والحضارة، لأنها تفتقر إلى الموارد المعرفية والقابلية الثقافية في هذا السباق القائم على ثورة المعلوماتية التي لا تتقن منها تلك البيئة إلا حملات على وسائل التواصل وبعض القرصنات البدائية. شيعة «الحزب» سيبدون متأخرين عن الشيعة المتحررين من قيوده وهيمنته، وبالتالي عن بقية اللبنانيين الذين، وإن عانوا من عسف «الحزب»، إلا أنهم أقوى وأغنى وأكثر استعدادًا لخوض معارك الأفكار المعاصرة التي منها تنبع ثورات الذكاء الاصطناعي مثلًا وأسس الاستثمار الخلّاق والمتين. فكل فكر يتلقى التقنيات يبقى محكومًا بمنطق المستهلك لا المبتكر. من كل الصورة الزاهية لتقدم الغرب وشعوب آسيا كان دائمًا البحث عن النقاط السوداء، في حين أن صورة فكره الأسود يندر فيها لون زاهٍ. وطوال عقود اعتنى «الحزب» بأفكار الغيبيات الدينية وسحق الأعداء وتضخيم الذات المنغلقة على تحديات العصر، واندفع في انحدار متسارع نحو الجهل والتخلف عن الركب الحضاري. من أخطار ألّا يعير «الحزب» أهمية لمن يُقتل منه، وفق منطقه المشوَّه لواقعة كربلاء، أن من سيبقى من ناسه بعد خراب البصرة سيكون دورهم في دورة الاقتصاد ولسنوات، بمعنى من المعاني المجازية، كدور ماسحي الأحذية.

لقد استعملوا سابقًا هذا التعبير لشدّ عصبية البيئة، ولكنهم يسوقون ناسها إليه، ولا شيء يردعهم.

بيئة الحزب والشيعة الآخرون

الكاتب: امجد اسكندر | المصدر: نداء الوطن
26 كانون الثاني 2026

عندما تمارس «فائض القوة» وتخسر، فنصيبك الباقي هو «فائض العزلة».

هذا هو واقع «حزب الله» اليوم: عزلة داخلية وعربية ودولية، والتعريف الذي يطغى هو أن هذه الجماعة مارست وتمارس الإرهاب والتهريب وتبييض الأموال. لقد سقطت لافتة المقاومة الإسلامية والإيرانية التي استترت خلفها لسنوات، وما يشدّ الأبصار اليوم حقيقة مفادها أن هذا الفصيل في «الحرس الثوري» الإيراني مطارد ويعاني أزمة بقاء ومبرر وجود. انتعش الجنوب لعشرين سنة على أرضية منزلقة سياسيًا، وعند ساعة «الإسناد» انهار كل العمران وزهقت الأرواح. وعندما تسود الرهانات المخطئة، لا يتأخر دفع الأثمان، ويظهر أن القصور والفيلات والمرافق العامة والحياة الهانئة التي سادت في الجنوب كانت كمن يُلبس مريضًا بالسرطان أزهى الأثواب، لعل أناقة المظهر تمنع الموت المحتّم. لو التزم «حزب الله» اتفاق الطائف في التسعينات، لكان وضع الشيعة أفضل بألف مرة. لكن التكليف الإيراني وتآمر نظام الأسد استخدما فصيلًا مسلحًا ليتحوّل لبنان ساحة لا دولة، وليغرق في الاحتلال والهيمنة طوال عقود. متى كانت القوة الاقتصادية تقوم على رواتب وتقديمات صحية ومدرسية؟ كل ذلك كان لحسًا للمبرَد. القوة الاقتصادية تكون باعتماد أسس سليمة في التعليم والاستثمار المدروس.

الأموال القذرة والاستعطاء من خزينة في طهران تجوّع شعبها لمصلحة جماعة في بلد آخر، لا تبني اقتصادًا ولا تنمية مستدامة. وفق منطق الاستعطاء والابتزاز، تستغرب هذه الجماعة كيف لا تدفع الدولة تكاليف الخسائر الفادحة التي تسببت بها في الأرزاق والأرواح.

التشوّه الفكري يملي عليها أن تنظر إلى خزينة الدولة كفرع لخزينة «الحرس الثوري». من الطرق البدائية في التحصيل طريقة «السداد بالفاتورة»، لذا في المعتاد، المبتز إذا لم يحصل على قيمة الفاتورة يهدد بالفظائع وبالحرب الأهلية، على ما بدأ يتسرّب من أوساط الجماعة. لقد اعتادت «الصك على بياض» وللأرواح أسعار ما دام الانتحار عادة. المهم أن يبقى، ولو جزء من لبنان، رهينة وورقة تفاوض، ولو مهلهلة، في يد علي خامنئي.

يجب أن تعي هذه الجماعة أن تسليم سلاحها ينقذ بيئتها لا كما توحي بعكس ذلك. فالميزات التفاضلية للشيعة اليوم في الاقتصاد والتعليم والثقافة موجودة بالتأكيد خارج المنتفعين من «الحزب». ومعركة المستقبل معركة تسابق معرفي وانفتاح، وبيئة «الحزب» أسيرة حفنة الدولارات و»القرض الحسن» والمنطق السياسي البالي، وستبدو متأخرة عن اللحاق بمنطق العصر والحضارة، لأنها تفتقر إلى الموارد المعرفية والقابلية الثقافية في هذا السباق القائم على ثورة المعلوماتية التي لا تتقن منها تلك البيئة إلا حملات على وسائل التواصل وبعض القرصنات البدائية. شيعة «الحزب» سيبدون متأخرين عن الشيعة المتحررين من قيوده وهيمنته، وبالتالي عن بقية اللبنانيين الذين، وإن عانوا من عسف «الحزب»، إلا أنهم أقوى وأغنى وأكثر استعدادًا لخوض معارك الأفكار المعاصرة التي منها تنبع ثورات الذكاء الاصطناعي مثلًا وأسس الاستثمار الخلّاق والمتين. فكل فكر يتلقى التقنيات يبقى محكومًا بمنطق المستهلك لا المبتكر. من كل الصورة الزاهية لتقدم الغرب وشعوب آسيا كان دائمًا البحث عن النقاط السوداء، في حين أن صورة فكره الأسود يندر فيها لون زاهٍ. وطوال عقود اعتنى «الحزب» بأفكار الغيبيات الدينية وسحق الأعداء وتضخيم الذات المنغلقة على تحديات العصر، واندفع في انحدار متسارع نحو الجهل والتخلف عن الركب الحضاري. من أخطار ألّا يعير «الحزب» أهمية لمن يُقتل منه، وفق منطقه المشوَّه لواقعة كربلاء، أن من سيبقى من ناسه بعد خراب البصرة سيكون دورهم في دورة الاقتصاد ولسنوات، بمعنى من المعاني المجازية، كدور ماسحي الأحذية.

لقد استعملوا سابقًا هذا التعبير لشدّ عصبية البيئة، ولكنهم يسوقون ناسها إليه، ولا شيء يردعهم.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار