واشنطن تطالب لبنان بـ “أكثر” من نزع سلاح “الحزب “

يكاد لا يمرّ يوم واحد إلاّ وتكون الساحة اللبنانية، بشقيها الأمني – العسكري من جهة، والسياسي من جهة ثانية، عرضة لتطورات ومؤشرات قد يكون لها في المستقبل القريب انعكاسات خطيرة بالنسبة إلى مستقبل لبنان، خصوصًا أن إسرائيل تحاول “اللعب” في الوقت الدولي والإقليمي المستقطع، مستفيدة من دعم أميركي غير مشروط.
وعلى هذا لأساس يبرز التصعيد الإسرائيلي المتواصل، في محاولة من تل أبيب، وبالتنسيق مع واشنطن، للسير في مسار استعجالي لإعادة هندسة النزاع مع لبنان، بعدما أصبح الهدف المنظور بالنسبة إليهما ليس مجرد التفاوض حول سلاح “حزب الله”، بل من خلال السعي إلى فرض واقع جديد من شأنه تهميش دور المرجعيات الدولية كتقليص الدور الفرنسي في لجنة “الميكانيزم” على سبيل المثال لا الحصر، ومن شأنه أيضًا تحويل النزاع من إطار تقني متعدد الأطراف إلى إدارة أميركية –إسرائيلية مباشرة.
والأخطر في هذا المسار ما يتمّ تداوله في الكواليس عن طرح سياسي مباشر من خلال المطالبة بتكليف أحد الوزراء اللبنانيين، وعلى الأرجح وزير الخارجية، أو أي وزير سابق، بالتفاوض خارج الناقورة ضمن لجنة ثلاثية برعاية أميركية، كخطوة تهدف إلى إخراج لبنان تدريجيًا من مربع التفاوض الفني إلى مربع سياسي ضاغط، ما يجعل الاتفاقات المرحلية حلاً مؤقتًا يبدو بريئًا، لكنه يفتح الباب لتقويض السيادة لاحقًا.
في هذا السياق، فإن زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل لواشنطن لن تكون مجرد لقاء تقني، بل اختبار لقدرة الدولة اللبنانية على تقديم خارطة طريق مرحلية تحمي سيادتها، قبل أن يتحوّل الضغط الأميركي–الإسرائيلي إلى أمر واقع يصعب تجاوزه. فلبنان اليوم أمام مفترق حقيقي: إما التمسك بالخطوط الحمر للسيادة والدستور، وإمّا الانزلاق تدريجيًا إلى مسار تفاوضي يفرضه الخارج ويحدّد نتائج المرحلة المقبلة.
فعلى وقع هذا التصعيد، وبحسب ما يتم تداوله من معطيات ومعلومات، تظهر معالم مقاربة أميركية جديدة لإدارة النزاع بين لبنان وإسرائيل. هذه المقاربة لا تقتصر على مسألة سلاح “حزب الله” على كامل الأراضي اللبنانية، بل تمتد لتشمل إعادة هندسة الإطار الأمني والسياسي الذي حكم الجنوب منذ العام 2006 حتى اليوم، وربما منذ اتفاقية الهدنة عام 1949.
المطلوب أميركيًا لم يعد فقط نزع السلاح، بل تفريغ البنية القائمة لإدارة النزاع من مضمونه، بدءًا من دور لجنة “الميكانيزم”، مرورًا بدور قوات “اليونيفيل”، وصولًا إلى التعامل مع القرار 1701 وكأنه صفحة طواها الزمن. وما يطرح اليوم، عمليًا، هو تحويل النزاع من إطار دولي متعدد الأطراف إلى إدارة أميركية مباشرة، تقوم على التنسيق المباشر بين العسكريين اللبنانيين والإسرائيليين لمعالجة ما يُعتبر “مشاكل” فنية وسياسية، مع تهميش أي دور فاعل للقوات الدولية.
أما الطرح السياسي، فهو الأخطر على الإطلاق. فكلفة خطوة تكليف وزير لبناني بالمشاركة في لجنة تفاوض ثلاثية برعاية أميركية، خارج الناقورة، ليست مجرد تعديل شكلي، بل قفزة سياسية أميركية مدروسة تهدف إلى إخراج لبنان تدريجيًا من مربع التفاوض التقني إلى مربع التفاوض السياسي المباشر تحت ضغط الأمر الواقع. وتستحضر هذه المقاربة تجارب إقليمية سابقة كنموذج، ما يفتح الباب أمام مسار طويل يبدأ باتفاق أمني ذات إطار سياسي ويترك العناوين الكبرى للسلام والتطبيع في مراحل لاحقة.
في الوقت نفسه، هناك تباين تكتيكي بين واشنطن وتل أبيب حول مفهوم “حصرية السلاح”. فبينما يصر الإسرائيليون على نزع السلاح شمال الليطاني كما جنوبه، تحاول الإدارة الأميركية تسويق فكرة “احتواء السلاح” كمرحلة انتقالية تمهّد لاحقًا لعملية النزع الشامل. هذه الليونة الظاهرية لا تعكس اختلافًا في الهدف النهائي، بل في إدارة الوقت وكيفية تفادي انفجار شامل قد تكون واشنطن غير مستعدة لتحمّل كلفته في هذه المرحلة.
وفي هذا الإطار تكتسب زيارة قائد الجيش لواشنطن أهمية استثنائية. فهي ليست زيارة بروتوكولية، بل محطة مفصلية لاختبار قدرة الدولة اللبنانية، عبر مؤسستها العسكرية، على تقديم خارطة طريق مرحلية تتقاطع مع التصوّر الأميركي، من دون أن يؤدي ذلك إلى تفجير الساحة الداخلية. غير أن هذه المقاربة تبقى محفوفة بالمخاطر، خصوصًا في ظل قدرة إسرائيل على التأثير مجددًا في إدارة
الولايات المتحدة، ودفعها نحو الخيارات الأكثر تشددًا.
فلبنان، في هذه اللحظة الدقيقة، يواجه محاولة واضحة لفرض أمر واقع جديد، وهو إسقاط المرجعيات القانونية السابقة من دون إعلان ذلك صراحة، واستبدالها بمسار تفاوضي ضبابي يبدأ بالأمن وينتقل إلى مفاوضات سياسية. والسؤال الجوهري لم يعد فقط كيف يردّ لبنان، بل هل يمتلك هامش المناورة الكافي لمنع تحويل الضغط السياسي إلى تنازل استراتيجي طويل الأمد؟
فما يُطرح اليوم ليس مجرد تسوية، بل إعادة هندسة للصراع وفق ميزان قوى مختلّ، يُراد للبنان أن يقبل به تحت وطأة التصعيد والخوف من الأسوأ. وهنا، تكمن مسؤولية الدولة بكل مكوّناتها لناحية إما التمسّك الصارم بالمرجعيات الدولية وحماية خطوطها الحمر، وإمّا الانزلاق التدريجي إلى مسار تفاوضي يُدار من الخارج، وتُفرض نتائجه من فوق.
واشنطن تطالب لبنان بـ “أكثر” من نزع سلاح “الحزب “

يكاد لا يمرّ يوم واحد إلاّ وتكون الساحة اللبنانية، بشقيها الأمني – العسكري من جهة، والسياسي من جهة ثانية، عرضة لتطورات ومؤشرات قد يكون لها في المستقبل القريب انعكاسات خطيرة بالنسبة إلى مستقبل لبنان، خصوصًا أن إسرائيل تحاول “اللعب” في الوقت الدولي والإقليمي المستقطع، مستفيدة من دعم أميركي غير مشروط.
وعلى هذا لأساس يبرز التصعيد الإسرائيلي المتواصل، في محاولة من تل أبيب، وبالتنسيق مع واشنطن، للسير في مسار استعجالي لإعادة هندسة النزاع مع لبنان، بعدما أصبح الهدف المنظور بالنسبة إليهما ليس مجرد التفاوض حول سلاح “حزب الله”، بل من خلال السعي إلى فرض واقع جديد من شأنه تهميش دور المرجعيات الدولية كتقليص الدور الفرنسي في لجنة “الميكانيزم” على سبيل المثال لا الحصر، ومن شأنه أيضًا تحويل النزاع من إطار تقني متعدد الأطراف إلى إدارة أميركية –إسرائيلية مباشرة.
والأخطر في هذا المسار ما يتمّ تداوله في الكواليس عن طرح سياسي مباشر من خلال المطالبة بتكليف أحد الوزراء اللبنانيين، وعلى الأرجح وزير الخارجية، أو أي وزير سابق، بالتفاوض خارج الناقورة ضمن لجنة ثلاثية برعاية أميركية، كخطوة تهدف إلى إخراج لبنان تدريجيًا من مربع التفاوض الفني إلى مربع سياسي ضاغط، ما يجعل الاتفاقات المرحلية حلاً مؤقتًا يبدو بريئًا، لكنه يفتح الباب لتقويض السيادة لاحقًا.
في هذا السياق، فإن زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل لواشنطن لن تكون مجرد لقاء تقني، بل اختبار لقدرة الدولة اللبنانية على تقديم خارطة طريق مرحلية تحمي سيادتها، قبل أن يتحوّل الضغط الأميركي–الإسرائيلي إلى أمر واقع يصعب تجاوزه. فلبنان اليوم أمام مفترق حقيقي: إما التمسك بالخطوط الحمر للسيادة والدستور، وإمّا الانزلاق تدريجيًا إلى مسار تفاوضي يفرضه الخارج ويحدّد نتائج المرحلة المقبلة.
فعلى وقع هذا التصعيد، وبحسب ما يتم تداوله من معطيات ومعلومات، تظهر معالم مقاربة أميركية جديدة لإدارة النزاع بين لبنان وإسرائيل. هذه المقاربة لا تقتصر على مسألة سلاح “حزب الله” على كامل الأراضي اللبنانية، بل تمتد لتشمل إعادة هندسة الإطار الأمني والسياسي الذي حكم الجنوب منذ العام 2006 حتى اليوم، وربما منذ اتفاقية الهدنة عام 1949.
المطلوب أميركيًا لم يعد فقط نزع السلاح، بل تفريغ البنية القائمة لإدارة النزاع من مضمونه، بدءًا من دور لجنة “الميكانيزم”، مرورًا بدور قوات “اليونيفيل”، وصولًا إلى التعامل مع القرار 1701 وكأنه صفحة طواها الزمن. وما يطرح اليوم، عمليًا، هو تحويل النزاع من إطار دولي متعدد الأطراف إلى إدارة أميركية مباشرة، تقوم على التنسيق المباشر بين العسكريين اللبنانيين والإسرائيليين لمعالجة ما يُعتبر “مشاكل” فنية وسياسية، مع تهميش أي دور فاعل للقوات الدولية.
أما الطرح السياسي، فهو الأخطر على الإطلاق. فكلفة خطوة تكليف وزير لبناني بالمشاركة في لجنة تفاوض ثلاثية برعاية أميركية، خارج الناقورة، ليست مجرد تعديل شكلي، بل قفزة سياسية أميركية مدروسة تهدف إلى إخراج لبنان تدريجيًا من مربع التفاوض التقني إلى مربع التفاوض السياسي المباشر تحت ضغط الأمر الواقع. وتستحضر هذه المقاربة تجارب إقليمية سابقة كنموذج، ما يفتح الباب أمام مسار طويل يبدأ باتفاق أمني ذات إطار سياسي ويترك العناوين الكبرى للسلام والتطبيع في مراحل لاحقة.
في الوقت نفسه، هناك تباين تكتيكي بين واشنطن وتل أبيب حول مفهوم “حصرية السلاح”. فبينما يصر الإسرائيليون على نزع السلاح شمال الليطاني كما جنوبه، تحاول الإدارة الأميركية تسويق فكرة “احتواء السلاح” كمرحلة انتقالية تمهّد لاحقًا لعملية النزع الشامل. هذه الليونة الظاهرية لا تعكس اختلافًا في الهدف النهائي، بل في إدارة الوقت وكيفية تفادي انفجار شامل قد تكون واشنطن غير مستعدة لتحمّل كلفته في هذه المرحلة.
وفي هذا الإطار تكتسب زيارة قائد الجيش لواشنطن أهمية استثنائية. فهي ليست زيارة بروتوكولية، بل محطة مفصلية لاختبار قدرة الدولة اللبنانية، عبر مؤسستها العسكرية، على تقديم خارطة طريق مرحلية تتقاطع مع التصوّر الأميركي، من دون أن يؤدي ذلك إلى تفجير الساحة الداخلية. غير أن هذه المقاربة تبقى محفوفة بالمخاطر، خصوصًا في ظل قدرة إسرائيل على التأثير مجددًا في إدارة
الولايات المتحدة، ودفعها نحو الخيارات الأكثر تشددًا.
فلبنان، في هذه اللحظة الدقيقة، يواجه محاولة واضحة لفرض أمر واقع جديد، وهو إسقاط المرجعيات القانونية السابقة من دون إعلان ذلك صراحة، واستبدالها بمسار تفاوضي ضبابي يبدأ بالأمن وينتقل إلى مفاوضات سياسية. والسؤال الجوهري لم يعد فقط كيف يردّ لبنان، بل هل يمتلك هامش المناورة الكافي لمنع تحويل الضغط السياسي إلى تنازل استراتيجي طويل الأمد؟
فما يُطرح اليوم ليس مجرد تسوية، بل إعادة هندسة للصراع وفق ميزان قوى مختلّ، يُراد للبنان أن يقبل به تحت وطأة التصعيد والخوف من الأسوأ. وهنا، تكمن مسؤولية الدولة بكل مكوّناتها لناحية إما التمسّك الصارم بالمرجعيات الدولية وحماية خطوطها الحمر، وإمّا الانزلاق التدريجي إلى مسار تفاوضي يُدار من الخارج، وتُفرض نتائجه من فوق.












