الدولة مستأجر ضعيف لا يعرف ماذا يستأجر وبأي كلفة ووفقًا لأي معايير؟

خلال مناقشة أرقام الوزارات من ضمن موازنة العام 2026، كان لافتًا بالنسبة لبعض أعضاء لجنة المال والموازنة، تجاهل وزرائها صدور قانون جديد لاستئجار الأماكن غير السكنية وتحديدًا تلك المسماة قديمة. معظم الوزارات أبقت، قيم المبالغ المخصصة لتسديد إيجارات المباني غير المملوكة من الدولة، على ما كانت عليه في العام 2025. وهذا عمليًا يناقض القانون الذي بات نافذًا منذ صدوره في الجريدة الرسمية بشهر حزيران من العام الماضي، والذي يفترض ارتفاعًا تدريجيًا بقيم الإيجارات المسماة “قديمة”، بدءًا من السنة الأولى، وصولًا لتحرير عقودها تمامًا بعد السنة الثامنة.
عمليًا، وضعت حكومة الرئيس نواف سلام نفسها في هذا الموقف، إثر اندفاعتها الإصلاحية بمطلع العهد، من خلال تمريرها القانون الذي امتنع رئيس الحكومة السابق عن نشره بالجريدة الرسمية. ومع ذلك، كانت إجابة وزارة المالية لدى استفسارها عن التخلف بتطبيق القانون بدءًا من مباني الدولة المستأجرة، أن الأمر سيحتاج إلى دراسة لم تتوفر بعد. وهذا عمليًا يجعل نفقات الوزارات المخصصة للمساحات المستأجرة في العام 2026، وفقًا لتصريحات نيابية، مشرّعة على إنفاق من احتياطي الموازنة، بطريقة غير مدروسة واستنسابية، تحت طائلة استمرار إدارة المال العام من ضمن منظومة، تتصرّف فيها الدولة كمستأجر ضعيف، يتخلّى عن مفهوم الملكية العامة ويستبدله بعقود لا نهاية لها ومنهكة للميزانيات.
حلول مجتزأة
لا شك أن تأجيل مواجهة هذا الواقع يضع الدولة أمام مخاطر صدمة مالية، قد تنفجر دفعة واحدة على حساب الخزينة العامة. وهذا أمر تتنبه إليه وزارة المالية كما يتبين، وقد حاولت تداركه داخل “بيتها” ولكن بالقطعة. فعندما واجهت الوزارة إشكالية مطالبة مالك المبنى الرئيسي للشؤون العقارية في الخندق الغميق بزيادة بدلات الإيجار وفقًا للقانون، اقترحت الوزارة الإخلاء، شرط تخليه عن بدل الإيجارات المتراكمة على وزارة المال لأعوام خلت.
إلا أن تطبيق هذا الأمر على مختلف الوزارات، يحمل في طياته إلغاء ما لا يقل عن 416 عقدًا من تلك التي وُقعت قبل عام 1992، وتهجير المؤسسات والدوائر التي تشغلها. وأبرزها ربما مبنى ديوان المحاسبة المستأجر منذ ستة عقود تقريبًا بالإضافة إلى مباني الجامعة اللبنانية التي تعتبر عقودها “القديمة” أكبر أربعة من بعد ديوان المحاسبة.
رقيب يحتاج لمن يراقب محفظته التأجيرية
المفارقة التي تظهرها محفظة إيجارات المباني المستأجرة حكوميًا في المقابل، هي أن مبنى ديوان المحاسبة الذي يشكل المرجع في مراقبة الإنفاق وكشف الهدر، يخضع بدوره لمنطق الإيجار ذاته الذي يفترض به التدقيق فيه. إذ يشغل الديوان منذ العام 1963 مقرًا مستأجرًا، يملك وزير الإعلام الأسبق وليد الداعوق وأشقاؤه 60 % منه. وعقده هو الأعلى قيمة ضمن فئة العقود القديمة، ويبلغ مليار و26 مليون ليرة سنويًا. ورغم أن البدل يبدو منخفضًا مقارنةً بعقود الإيجار الجديدة بعد انهيار قيمة العملة اللبنانية، إلا أن استمرار اعتماد هيئة رقابية عليا على مبنى مستأجر منذ أكثر من ستة عقود، من دون أي مسار واضح نحو الاستملاك أو إعادة التقييم، يطرح تساؤلات حول نهج الدولة نفسها في إدارة أصولها العقارية.
محاولات تنظيم لا تكتمل
أقرت الدولة اللبنانية نفسها بالخلل البنيوي في ملف هذه الإيجارات، القديمة منها والجديدة. وخلال دراستها لموازنة العام 2018، وضعت برنامج إعمار متدرجًا للمباني الحكومية، يمتد على ثلاث سنوات، بكلفة تعادل 750 مليار ليرة أي نصف مليار دولار آنذاك. إلا أن هذه المحاولة بقيت صرخة في وادٍ، وضاعت مع انهيار قيمة العملة اللبنانية.
مع تفاقم الكلفة المالية للإيجارات الحكومية وتكشف حجم الاختلالات البنيوية في هذا الملف، صدرت عن رئاسة مجلس الوزراء سلسلة قرارات وتعاميم عكست، للمرة الأولى، اعترافًا رسميًا صريحًا بعمق الإشكاليات المرتبطة بإدارة العقارات المستأجرة لصالح الدولة، وبالحاجة إلى مقاربة أكثر تنظيمًا وانضباطًا.
وفي هذا الإطار، صدر قرار في العام 2023 عن رئيس حكومة تصريف الأعمال حينها نجيب ميقاتي، وقضى بتشكيل لجنة وزارية مهمتها درس البدلات، واقتراح حلول شاملة لمعالجة الزيادات التي يطالب بها المالكون، مع الأخذ في الاعتبار الوضع المالي الحرج لخزينة الدولة.
بناءً على أعمال اللجنة، أصدر مجلس الوزراء قراره رقم 2023/1 بتاريخ 7 أيلول 2023، مستندًا إلى التقرير المعدّ من قبلها، والذي تضمّن مجموعة توصيات هدفت إلى معالجة ملف بدلات الإيجار بطريقة أكثر انتظامًا وتوازنًا.
استُكمل هذا المسار بإصدار التعميم رقم 2023/22 بتاريخ 11 أيلول 2023 عن رئاسة مجلس الوزراء، الذي حدّد آليات زيادة بدلات إيجار عقارات الدولة، في محاولة لوضع إطار إجرائي موحّد يحدّ من الاستنسابية ويعزز الانضباط المالي. إلا أن هذا التعميم، رغم أهميته، اصطدم بواقع إداري متشظٍ، وبنقص كبير في قواعد البيانات، ما حدّ من قدرته على فرض معايير موحّدة فعليًا.
الخلل بالأرقام
تكشف دراسة أعدتها “مبادرة غربال” وعرضتها في مؤتمر صحافي مؤخرًا، بعض أوجه هذا الخلل بالأرقام. وبحسب هذه الدراسة يبلغ حجم محفظة الإيجارات الحكومية 1315عقد إيجار موزعة على 67 جهة، تفوق مجمل قيمة تأجيرها حاليًا الـ 50 مليون دولار، بعد أن كانت قد وصلت في العام 2018 أي قبل سنة من انهيار العملة إلى 145 مليون دولار.
إشكالية هذه الأرقام، وفقًا للقراءة المقدمة، لا تختصر في كونها تشكل مؤشرًا إلى اعتماد بنيوي على الإيجار بدل التملّك كسياسة دائمة فقط، بل بما تظهره من ازدواجية في المعايير وغياب للشفافية تترافق مع خضوع العقود لأطر قانونية مشتتة.
فالعقود الموقعة مع أفراد، جمعيات، أحزاب، وهيئات دينية، تتوزع بين جديدة وعددها 368، وقديمة وعددها 418، بالإضافة إلى عقود غير محددة وعددها 466. وعليه فإن التمييز بينها يكون تبعًا لتاريخ العقد لا لطبيعة المنفعة العامة. إذ أن جهتين عامتين قد تشغلان عقارات متقاربة من حيث الوظيفة أو الموقع، لكن بكلفة مالية لا تمت إلى بعضها بصلة. فتتحوّل هذه الفوارق إلى عبء مباشر على الموازنات العامة، بالإضافة إلى ما تخلقه من تعدّد صيغ العقود، وآليات التمديد، غياب معايير موحّدة لتحديد المساحات أو بدلات المتر المربع، وتفاوت في طرق احتساب القيم، خصوصًا في ظل الانهيار المالي وتراجع قدرة الدولة على التخطيط طويل الأمد.
من “الإسكوا” إلى مجلس الجنوب… الكلفة ضخمة
ليس سهلًا في بلد كلبنان الوصول إلى أرقام دقيقة حول أي قطاع. وربما هذا ما يخلق الفجوة الدائمة بين إيرادات الدولة ونفقاتها، ويحمّلها موازنة “مكسورة” في معظم الأحيان. وملف مباني الدولة المستأجرة لا يشذ عن هذه القاعدة. ومع ذلك تمكنت “مبادرة غربال” من جمع أكبر حجم لبيانات هذه المباني المستأجرة لتخرج بالاستنتاجات التالية:
882 هو عدد العقود التي رُصدت قيم بدلاتها السنوية وأظهرت تفاوتًا حادًا بين الصغيرة منها والفائقة الكلفة، لتبلغ قيمتها الإجمالية السنوية 46.5 مليون دولار.
فمن بين هذه العقود هناك عقد واحد يبتلع خُمس إجمالي قيمة الإيجارات المذكورة، وهو عقد مبنى “الإسكوا” الشهير، المستأجر من سوليدير، والذي تبلغ قيمته السنوية 9.17 ملايين دولار، علمًا أن الإشكالية البارزة في هذا البدل هي في كون مساحته غير محددة، وبالتالي من الصعب تقييم مدى تناسب البدل مع المساحة، أو إذا كانت هناك مغالاة بذلك.
إلى عقد الإسكوا ، يبرز أيضا عقد إيجار مقر مجلس الإنماء والإعمار في بيروت المستأجر أيضًا من سوليدير، بقيمة سنوية قدرها 897,529 دولارًا، وعقد وزارة الشؤون الاجتماعية – مصلحة المحاسبة بقيمة 834,306 دولارات، والأخير أيضًا لا بيانات واضحة حول مساحته أو حتى هوية الجهة المؤجرة.
هذه الأجور الضخمة تنسحب حتى على قيمة أجرة مقر التفتيش المركزي الممتد منذ 45 سنة، وتصل إلى 706,017 دولارًا سنويًا. وهو بدل يعد مرتفعًا قياسًا بطبيعة المرفق العام وبالدور الرقابي الذي يؤديه التفتيش المركزي.
إلا أن الأبرز بين هذه العقود هو ما يبرزه عقد مكتب مجلس الجنوب الرئيسي في الشياح المستأجر من جمعية “أمل للمحرومين” مقابل بدل إيجار سنوي يبلغ 637,868 دولارًا لمساحة 4,265 مترًا مربعًا، والذي يؤشر إلى تضارب كبير في المصالح، لكون الجهة المؤجرة مرتبطة بمرجعية سياسية نافذة تتولى في الوقت ذاته رئاسة السلطة التي تراقب عمل السلطة التنفيذية التي يتبع لها مجلس الجنوب.
20 % من العقود تبتلع 75 % من الإنفاق
تبرز هذه القيم وسط غياب أي معيار يمكن الركون إليه لمقارنة الكلفة أو تبرير فوارقها بين العقود. علمًا أن شركات عقارية كبرى ارتبطت مع الدولة بعقود ذات أسعار مرتفعة، مثل سوليدير التي تؤجر هيئة إدارة قطاع البترول بسعر 556 دولارًا للمتر المربع. ووقع مجلس الإنماء والإعمار عدة عقود مع سوليدير بأسعار تتراوح بين 284 و331 دولارا للمتر المربع، وجميعها تقع في وسط بيروت.
ومن بين الحالات البارزة الأخرى، تظهر شركة ستاركو (Construction & Real Estate Improvement Company S.A.L) مؤجرة مساحات بأسعار تتراوح بين 278 و293 دولارًا للمتر المربع. وخارج بيروت، يبرز عقد وزارة الزراعة في بعبدا بسعر 275 دولارًا للمتر المربع، وهو سعر مرتفع جدًا مقارنة بمتوسط الأسعار في القضاء. فيما يسجل أعلى سعر إيجار للمتر المربع، في حريصا، حيث استأجرت وزارتا الداخلية والبلديات – المديرية العامة للأمن العام قطعة صغيرة جدًا (أربعة أمتار مربعة) بـ 1,492 دولارًا للمتر المربع سنويًا.
اللافت في الأمر أيضًا أن أعلى 40 عقدًا من العقود التي درست، تبين أنها تشكل بقيمتها المجتمعة 50 % من إجمالي قيمة الإيجارات التي تدفع للمباني المستأجرة، أي ما يعادل 23.1 مليون دولار، مع تركز 75 % من إجمالي قيمة الإيجارات ضمن 20 % فقط من العقود، أي 176 عقدًا. أما العقود المتبقية وعددها 706 عقود، والتي تمثل 80 % من إجمالي العقود، فتشكل 25 % فقط من إجمالي قيمة الإيجار. وهذا ما يعكس تفاوتًا كبيرًا في قيمة الإيجارات، وبالتالي خللًا واضحًا في إدارة العقود العامة وغياب العدالة في توزيع الإنفاق العام.
عقود بلا مساحات، بدلات بلا معايير
في المقابل، تكشف قراءة نوعية للعقود نفسها، خللًا أعمق يتمثل في غياب البيانات الأساسية التي يفترض أن تشكّل أساس أي إنفاق عام رشيد، ومن ضمنها بيانات المساحات أو حتى حالة المباني. هذا في وقت تلزم المادة 61 من قانون المحاسبة العمومية الإدارة بأن تبرم عقود الإيجار بالشروط “الأكثر توفيرًا للمال العام” وأن تتأكد من أن بدل الإيجار يتناسب مع قيمة العقار واحتياجات المرفق العام.
فمن بين الـ 882 عقد إيجار المذكورة التي رصدتها “غربال”، هناك فقط 291 عقدًا (33 %) تحتوي على بيانات حول المساحة، بينما تغيب بيانات المساحة لـ 36 جهة عامة – بينها مؤسسات كبرى مثل الجامعة اللبنانية، وزارة الدفاع الوطني، وزارة التربية والتعليم العالي، ومؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان.
أما بيانات المساحات المتوفرة فتغطي ما مجموعه 286,514 مترًا مربعًا بقيمة إيجار سنوية إجمالية تبلغ 15,050,391 دولارًا.
ولا يتوقف هذا الضعف في التوثيق عند فجوات بيانات المساحات وأسعار الإيجار، بل ينسحب أيضًا على حالة المباني والعقارات نفسها، إذ تظهر الدراسة أن 667 عقارًا ضمن الإدارات العامة و274 عقارًا ضمن المؤسسات العامة غير محددة الحالة، ما يشير إلى ضعف بنيوي في توثيق المعلومات وإدارة الأصول العقارية، ويعيق بالتالي تقييم فعالية استثمار الدولة في هذه الممتلكات بشكل دقيق.
لينسحب هذا الغموض أيضًا على 545 عقدًا من بين 1315 لم تحدّد الجهة المؤجرة فيها، 370 عقدًا منها لمصلحة وزارة التربية، مما يشير إلى نقص كبير في المعلومات يمكن أن يؤثر على القدرة على فهم أنماط الملكية بدقة وتقييم العلاقة بين نوع المؤجّر ونمط الإيجار.
ماذا عن العقود القديمة؟
في المقابل بلغ مجموع قيمة عقود الإيجارات القديمة وفقًا للمعلومات التي قاطعتها “غربال” بين أكثر من جهة، 24,604,056,514 مليار ليرة لبنانية. حيث تبين لدى استعراض عقود الإيجار القديمة بين الجهات العامة أن 33 من أصل 67 مؤسسة، أي ما يقارب نصفها، تمتلك عقود إيجار قديمة.
وعند ترتيبها بحسب القيمة من الأعلى إلى الأدنى، يتبيّن أن أعلى عقد، أي عقد رئاسة مجلس الوزراء – ديوان المحاسبة، يشكّل 4.1 % من إجمالي قيمة الإيجارات السنوية للعقود القديمة. أما العقود الأربعة التالية من حيث القيمة، فتعود إلى الجامعة اللبنانية. هذا في وقت تتصدر الجامعة اللبنانية القائمة بـ 40 عقدًا قديمًا يبلغ مجمل قيمتها 8,817,823,075 ليرة لبنانية، أي ما يمثل 36 % من إجمالي قيمة الإيجار السنوي و9.6 % من عدد العقود القديمة، موزعة على مناطق متعددة ومستأجرة بين عامي 1960و 1987.
تأتي وزارة التربية والتعليم في المرتبة التالية بقيمة 7,133,864,366 ليرة لبنانية مقابل 53 عقدًا، تليها رئاسة مجلس الوزراء، فوزارة الداخلية والبلديات ووزارة المالية.
تمثل هذه المؤسسات الخمس نحو 80 % من إجمالي قيمة عقود الإيجار القديمة وحوالى نصف العدد الإجمالي للعقود عمومًا، مما يبرز التأثير المحتمل لتحرير عقودها على ميزانيتها.
الإنفاق العقاري في وزارة التربية نموذج عن الاختلال
يتجلى الاختلال الذي يظهره ملف الإيجارات الحكومية في إدارة المال العام، بصورة أوضح، عند مقاربته من زاوية القطاع التربوي، حيث تتقاطع الأزمة المالية الخانقة للتعليم الرسمي مع عبء عقاري متراكم لم يُعالج بسياسات تملّك أو ترشيد مستدامة.
فالوزارة تستحوذ حاليًا على نحو ثلث مجمل العقود، أي القديمة والجديدة بـ 446 عقدًا، فيما يبرز على مستوى المؤسسات العامة استحواذ الجامعة اللبنانية على 94 عقدًا. واذا أضيفت إليها عقود المركز التربوي للبحوث والإنماء 15 عقدًا، والمعهد الوطني العالي للموسيقى 9 عقود، يتبين أن القطاع التربوي هو المهيمن الأكبر على محفظة الإيجارات العامة في لبنان.
عقود تدار بالتمديد لا بالتخطيط
عند مقاربة سعر المتر للمؤجر الجديد وجعله ينطبق على المؤجر القديم، وهي الآلية التي يفترض أن تسري وفقًا لقانون الإيجارات الجديد، ويبدأ تطبيقها بدءا من السنة الرابعة من تطبيق القانون، تظهر فجوة كبيرة بين بدلات الإيجار القديمة الحالية وبين بدلات الإيجار المحتملة، لو تم اعتماد الأسعار المتماشية مع واقع السوق اليوم. علمًا أن نحو نصف العقود القديمة لا تزال تفتقر إلى معلومات عن المساحة، ومع تطبيق القانون قد يجدها المالكون فرصة لتحديد هذه المساحات بما يتلاءم مع البدل الذي يتوقعونه، وهنا قد تبرز الأزمة الكبيرة.
يعرّي ملف الإيجارات الحكومية إذًا، نموذجًا كاملًا لإدارة المال العام، قائمًا على الإهمال والتأجيل وغياب الرؤية. فعندما لا تعرف الدولة، كمستأجرٍ ضعيف، ماذا تستأجر، وبأي كلفة، ولا ممّن، تتحوّل الإيجارات من أداة موقتة لتأمين المرافق العامة إلى سياسة دائمة لإدارة الفوضى، تُدار بالتمديد بدل التخطيط، وبالتسويات بدل المعايير فتستنزف الموازنات وتُراكم الهدر. ليبقى السؤال متى الحل، وكيف؟
الدولة مستأجر ضعيف لا يعرف ماذا يستأجر وبأي كلفة ووفقًا لأي معايير؟

خلال مناقشة أرقام الوزارات من ضمن موازنة العام 2026، كان لافتًا بالنسبة لبعض أعضاء لجنة المال والموازنة، تجاهل وزرائها صدور قانون جديد لاستئجار الأماكن غير السكنية وتحديدًا تلك المسماة قديمة. معظم الوزارات أبقت، قيم المبالغ المخصصة لتسديد إيجارات المباني غير المملوكة من الدولة، على ما كانت عليه في العام 2025. وهذا عمليًا يناقض القانون الذي بات نافذًا منذ صدوره في الجريدة الرسمية بشهر حزيران من العام الماضي، والذي يفترض ارتفاعًا تدريجيًا بقيم الإيجارات المسماة “قديمة”، بدءًا من السنة الأولى، وصولًا لتحرير عقودها تمامًا بعد السنة الثامنة.
عمليًا، وضعت حكومة الرئيس نواف سلام نفسها في هذا الموقف، إثر اندفاعتها الإصلاحية بمطلع العهد، من خلال تمريرها القانون الذي امتنع رئيس الحكومة السابق عن نشره بالجريدة الرسمية. ومع ذلك، كانت إجابة وزارة المالية لدى استفسارها عن التخلف بتطبيق القانون بدءًا من مباني الدولة المستأجرة، أن الأمر سيحتاج إلى دراسة لم تتوفر بعد. وهذا عمليًا يجعل نفقات الوزارات المخصصة للمساحات المستأجرة في العام 2026، وفقًا لتصريحات نيابية، مشرّعة على إنفاق من احتياطي الموازنة، بطريقة غير مدروسة واستنسابية، تحت طائلة استمرار إدارة المال العام من ضمن منظومة، تتصرّف فيها الدولة كمستأجر ضعيف، يتخلّى عن مفهوم الملكية العامة ويستبدله بعقود لا نهاية لها ومنهكة للميزانيات.
حلول مجتزأة
لا شك أن تأجيل مواجهة هذا الواقع يضع الدولة أمام مخاطر صدمة مالية، قد تنفجر دفعة واحدة على حساب الخزينة العامة. وهذا أمر تتنبه إليه وزارة المالية كما يتبين، وقد حاولت تداركه داخل “بيتها” ولكن بالقطعة. فعندما واجهت الوزارة إشكالية مطالبة مالك المبنى الرئيسي للشؤون العقارية في الخندق الغميق بزيادة بدلات الإيجار وفقًا للقانون، اقترحت الوزارة الإخلاء، شرط تخليه عن بدل الإيجارات المتراكمة على وزارة المال لأعوام خلت.
إلا أن تطبيق هذا الأمر على مختلف الوزارات، يحمل في طياته إلغاء ما لا يقل عن 416 عقدًا من تلك التي وُقعت قبل عام 1992، وتهجير المؤسسات والدوائر التي تشغلها. وأبرزها ربما مبنى ديوان المحاسبة المستأجر منذ ستة عقود تقريبًا بالإضافة إلى مباني الجامعة اللبنانية التي تعتبر عقودها “القديمة” أكبر أربعة من بعد ديوان المحاسبة.
رقيب يحتاج لمن يراقب محفظته التأجيرية
المفارقة التي تظهرها محفظة إيجارات المباني المستأجرة حكوميًا في المقابل، هي أن مبنى ديوان المحاسبة الذي يشكل المرجع في مراقبة الإنفاق وكشف الهدر، يخضع بدوره لمنطق الإيجار ذاته الذي يفترض به التدقيق فيه. إذ يشغل الديوان منذ العام 1963 مقرًا مستأجرًا، يملك وزير الإعلام الأسبق وليد الداعوق وأشقاؤه 60 % منه. وعقده هو الأعلى قيمة ضمن فئة العقود القديمة، ويبلغ مليار و26 مليون ليرة سنويًا. ورغم أن البدل يبدو منخفضًا مقارنةً بعقود الإيجار الجديدة بعد انهيار قيمة العملة اللبنانية، إلا أن استمرار اعتماد هيئة رقابية عليا على مبنى مستأجر منذ أكثر من ستة عقود، من دون أي مسار واضح نحو الاستملاك أو إعادة التقييم، يطرح تساؤلات حول نهج الدولة نفسها في إدارة أصولها العقارية.
محاولات تنظيم لا تكتمل
أقرت الدولة اللبنانية نفسها بالخلل البنيوي في ملف هذه الإيجارات، القديمة منها والجديدة. وخلال دراستها لموازنة العام 2018، وضعت برنامج إعمار متدرجًا للمباني الحكومية، يمتد على ثلاث سنوات، بكلفة تعادل 750 مليار ليرة أي نصف مليار دولار آنذاك. إلا أن هذه المحاولة بقيت صرخة في وادٍ، وضاعت مع انهيار قيمة العملة اللبنانية.
مع تفاقم الكلفة المالية للإيجارات الحكومية وتكشف حجم الاختلالات البنيوية في هذا الملف، صدرت عن رئاسة مجلس الوزراء سلسلة قرارات وتعاميم عكست، للمرة الأولى، اعترافًا رسميًا صريحًا بعمق الإشكاليات المرتبطة بإدارة العقارات المستأجرة لصالح الدولة، وبالحاجة إلى مقاربة أكثر تنظيمًا وانضباطًا.
وفي هذا الإطار، صدر قرار في العام 2023 عن رئيس حكومة تصريف الأعمال حينها نجيب ميقاتي، وقضى بتشكيل لجنة وزارية مهمتها درس البدلات، واقتراح حلول شاملة لمعالجة الزيادات التي يطالب بها المالكون، مع الأخذ في الاعتبار الوضع المالي الحرج لخزينة الدولة.
بناءً على أعمال اللجنة، أصدر مجلس الوزراء قراره رقم 2023/1 بتاريخ 7 أيلول 2023، مستندًا إلى التقرير المعدّ من قبلها، والذي تضمّن مجموعة توصيات هدفت إلى معالجة ملف بدلات الإيجار بطريقة أكثر انتظامًا وتوازنًا.
استُكمل هذا المسار بإصدار التعميم رقم 2023/22 بتاريخ 11 أيلول 2023 عن رئاسة مجلس الوزراء، الذي حدّد آليات زيادة بدلات إيجار عقارات الدولة، في محاولة لوضع إطار إجرائي موحّد يحدّ من الاستنسابية ويعزز الانضباط المالي. إلا أن هذا التعميم، رغم أهميته، اصطدم بواقع إداري متشظٍ، وبنقص كبير في قواعد البيانات، ما حدّ من قدرته على فرض معايير موحّدة فعليًا.
الخلل بالأرقام
تكشف دراسة أعدتها “مبادرة غربال” وعرضتها في مؤتمر صحافي مؤخرًا، بعض أوجه هذا الخلل بالأرقام. وبحسب هذه الدراسة يبلغ حجم محفظة الإيجارات الحكومية 1315عقد إيجار موزعة على 67 جهة، تفوق مجمل قيمة تأجيرها حاليًا الـ 50 مليون دولار، بعد أن كانت قد وصلت في العام 2018 أي قبل سنة من انهيار العملة إلى 145 مليون دولار.
إشكالية هذه الأرقام، وفقًا للقراءة المقدمة، لا تختصر في كونها تشكل مؤشرًا إلى اعتماد بنيوي على الإيجار بدل التملّك كسياسة دائمة فقط، بل بما تظهره من ازدواجية في المعايير وغياب للشفافية تترافق مع خضوع العقود لأطر قانونية مشتتة.
فالعقود الموقعة مع أفراد، جمعيات، أحزاب، وهيئات دينية، تتوزع بين جديدة وعددها 368، وقديمة وعددها 418، بالإضافة إلى عقود غير محددة وعددها 466. وعليه فإن التمييز بينها يكون تبعًا لتاريخ العقد لا لطبيعة المنفعة العامة. إذ أن جهتين عامتين قد تشغلان عقارات متقاربة من حيث الوظيفة أو الموقع، لكن بكلفة مالية لا تمت إلى بعضها بصلة. فتتحوّل هذه الفوارق إلى عبء مباشر على الموازنات العامة، بالإضافة إلى ما تخلقه من تعدّد صيغ العقود، وآليات التمديد، غياب معايير موحّدة لتحديد المساحات أو بدلات المتر المربع، وتفاوت في طرق احتساب القيم، خصوصًا في ظل الانهيار المالي وتراجع قدرة الدولة على التخطيط طويل الأمد.
من “الإسكوا” إلى مجلس الجنوب… الكلفة ضخمة
ليس سهلًا في بلد كلبنان الوصول إلى أرقام دقيقة حول أي قطاع. وربما هذا ما يخلق الفجوة الدائمة بين إيرادات الدولة ونفقاتها، ويحمّلها موازنة “مكسورة” في معظم الأحيان. وملف مباني الدولة المستأجرة لا يشذ عن هذه القاعدة. ومع ذلك تمكنت “مبادرة غربال” من جمع أكبر حجم لبيانات هذه المباني المستأجرة لتخرج بالاستنتاجات التالية:
882 هو عدد العقود التي رُصدت قيم بدلاتها السنوية وأظهرت تفاوتًا حادًا بين الصغيرة منها والفائقة الكلفة، لتبلغ قيمتها الإجمالية السنوية 46.5 مليون دولار.
فمن بين هذه العقود هناك عقد واحد يبتلع خُمس إجمالي قيمة الإيجارات المذكورة، وهو عقد مبنى “الإسكوا” الشهير، المستأجر من سوليدير، والذي تبلغ قيمته السنوية 9.17 ملايين دولار، علمًا أن الإشكالية البارزة في هذا البدل هي في كون مساحته غير محددة، وبالتالي من الصعب تقييم مدى تناسب البدل مع المساحة، أو إذا كانت هناك مغالاة بذلك.
إلى عقد الإسكوا ، يبرز أيضا عقد إيجار مقر مجلس الإنماء والإعمار في بيروت المستأجر أيضًا من سوليدير، بقيمة سنوية قدرها 897,529 دولارًا، وعقد وزارة الشؤون الاجتماعية – مصلحة المحاسبة بقيمة 834,306 دولارات، والأخير أيضًا لا بيانات واضحة حول مساحته أو حتى هوية الجهة المؤجرة.
هذه الأجور الضخمة تنسحب حتى على قيمة أجرة مقر التفتيش المركزي الممتد منذ 45 سنة، وتصل إلى 706,017 دولارًا سنويًا. وهو بدل يعد مرتفعًا قياسًا بطبيعة المرفق العام وبالدور الرقابي الذي يؤديه التفتيش المركزي.
إلا أن الأبرز بين هذه العقود هو ما يبرزه عقد مكتب مجلس الجنوب الرئيسي في الشياح المستأجر من جمعية “أمل للمحرومين” مقابل بدل إيجار سنوي يبلغ 637,868 دولارًا لمساحة 4,265 مترًا مربعًا، والذي يؤشر إلى تضارب كبير في المصالح، لكون الجهة المؤجرة مرتبطة بمرجعية سياسية نافذة تتولى في الوقت ذاته رئاسة السلطة التي تراقب عمل السلطة التنفيذية التي يتبع لها مجلس الجنوب.
20 % من العقود تبتلع 75 % من الإنفاق
تبرز هذه القيم وسط غياب أي معيار يمكن الركون إليه لمقارنة الكلفة أو تبرير فوارقها بين العقود. علمًا أن شركات عقارية كبرى ارتبطت مع الدولة بعقود ذات أسعار مرتفعة، مثل سوليدير التي تؤجر هيئة إدارة قطاع البترول بسعر 556 دولارًا للمتر المربع. ووقع مجلس الإنماء والإعمار عدة عقود مع سوليدير بأسعار تتراوح بين 284 و331 دولارا للمتر المربع، وجميعها تقع في وسط بيروت.
ومن بين الحالات البارزة الأخرى، تظهر شركة ستاركو (Construction & Real Estate Improvement Company S.A.L) مؤجرة مساحات بأسعار تتراوح بين 278 و293 دولارًا للمتر المربع. وخارج بيروت، يبرز عقد وزارة الزراعة في بعبدا بسعر 275 دولارًا للمتر المربع، وهو سعر مرتفع جدًا مقارنة بمتوسط الأسعار في القضاء. فيما يسجل أعلى سعر إيجار للمتر المربع، في حريصا، حيث استأجرت وزارتا الداخلية والبلديات – المديرية العامة للأمن العام قطعة صغيرة جدًا (أربعة أمتار مربعة) بـ 1,492 دولارًا للمتر المربع سنويًا.
اللافت في الأمر أيضًا أن أعلى 40 عقدًا من العقود التي درست، تبين أنها تشكل بقيمتها المجتمعة 50 % من إجمالي قيمة الإيجارات التي تدفع للمباني المستأجرة، أي ما يعادل 23.1 مليون دولار، مع تركز 75 % من إجمالي قيمة الإيجارات ضمن 20 % فقط من العقود، أي 176 عقدًا. أما العقود المتبقية وعددها 706 عقود، والتي تمثل 80 % من إجمالي العقود، فتشكل 25 % فقط من إجمالي قيمة الإيجار. وهذا ما يعكس تفاوتًا كبيرًا في قيمة الإيجارات، وبالتالي خللًا واضحًا في إدارة العقود العامة وغياب العدالة في توزيع الإنفاق العام.
عقود بلا مساحات، بدلات بلا معايير
في المقابل، تكشف قراءة نوعية للعقود نفسها، خللًا أعمق يتمثل في غياب البيانات الأساسية التي يفترض أن تشكّل أساس أي إنفاق عام رشيد، ومن ضمنها بيانات المساحات أو حتى حالة المباني. هذا في وقت تلزم المادة 61 من قانون المحاسبة العمومية الإدارة بأن تبرم عقود الإيجار بالشروط “الأكثر توفيرًا للمال العام” وأن تتأكد من أن بدل الإيجار يتناسب مع قيمة العقار واحتياجات المرفق العام.
فمن بين الـ 882 عقد إيجار المذكورة التي رصدتها “غربال”، هناك فقط 291 عقدًا (33 %) تحتوي على بيانات حول المساحة، بينما تغيب بيانات المساحة لـ 36 جهة عامة – بينها مؤسسات كبرى مثل الجامعة اللبنانية، وزارة الدفاع الوطني، وزارة التربية والتعليم العالي، ومؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان.
أما بيانات المساحات المتوفرة فتغطي ما مجموعه 286,514 مترًا مربعًا بقيمة إيجار سنوية إجمالية تبلغ 15,050,391 دولارًا.
ولا يتوقف هذا الضعف في التوثيق عند فجوات بيانات المساحات وأسعار الإيجار، بل ينسحب أيضًا على حالة المباني والعقارات نفسها، إذ تظهر الدراسة أن 667 عقارًا ضمن الإدارات العامة و274 عقارًا ضمن المؤسسات العامة غير محددة الحالة، ما يشير إلى ضعف بنيوي في توثيق المعلومات وإدارة الأصول العقارية، ويعيق بالتالي تقييم فعالية استثمار الدولة في هذه الممتلكات بشكل دقيق.
لينسحب هذا الغموض أيضًا على 545 عقدًا من بين 1315 لم تحدّد الجهة المؤجرة فيها، 370 عقدًا منها لمصلحة وزارة التربية، مما يشير إلى نقص كبير في المعلومات يمكن أن يؤثر على القدرة على فهم أنماط الملكية بدقة وتقييم العلاقة بين نوع المؤجّر ونمط الإيجار.
ماذا عن العقود القديمة؟
في المقابل بلغ مجموع قيمة عقود الإيجارات القديمة وفقًا للمعلومات التي قاطعتها “غربال” بين أكثر من جهة، 24,604,056,514 مليار ليرة لبنانية. حيث تبين لدى استعراض عقود الإيجار القديمة بين الجهات العامة أن 33 من أصل 67 مؤسسة، أي ما يقارب نصفها، تمتلك عقود إيجار قديمة.
وعند ترتيبها بحسب القيمة من الأعلى إلى الأدنى، يتبيّن أن أعلى عقد، أي عقد رئاسة مجلس الوزراء – ديوان المحاسبة، يشكّل 4.1 % من إجمالي قيمة الإيجارات السنوية للعقود القديمة. أما العقود الأربعة التالية من حيث القيمة، فتعود إلى الجامعة اللبنانية. هذا في وقت تتصدر الجامعة اللبنانية القائمة بـ 40 عقدًا قديمًا يبلغ مجمل قيمتها 8,817,823,075 ليرة لبنانية، أي ما يمثل 36 % من إجمالي قيمة الإيجار السنوي و9.6 % من عدد العقود القديمة، موزعة على مناطق متعددة ومستأجرة بين عامي 1960و 1987.
تأتي وزارة التربية والتعليم في المرتبة التالية بقيمة 7,133,864,366 ليرة لبنانية مقابل 53 عقدًا، تليها رئاسة مجلس الوزراء، فوزارة الداخلية والبلديات ووزارة المالية.
تمثل هذه المؤسسات الخمس نحو 80 % من إجمالي قيمة عقود الإيجار القديمة وحوالى نصف العدد الإجمالي للعقود عمومًا، مما يبرز التأثير المحتمل لتحرير عقودها على ميزانيتها.
الإنفاق العقاري في وزارة التربية نموذج عن الاختلال
يتجلى الاختلال الذي يظهره ملف الإيجارات الحكومية في إدارة المال العام، بصورة أوضح، عند مقاربته من زاوية القطاع التربوي، حيث تتقاطع الأزمة المالية الخانقة للتعليم الرسمي مع عبء عقاري متراكم لم يُعالج بسياسات تملّك أو ترشيد مستدامة.
فالوزارة تستحوذ حاليًا على نحو ثلث مجمل العقود، أي القديمة والجديدة بـ 446 عقدًا، فيما يبرز على مستوى المؤسسات العامة استحواذ الجامعة اللبنانية على 94 عقدًا. واذا أضيفت إليها عقود المركز التربوي للبحوث والإنماء 15 عقدًا، والمعهد الوطني العالي للموسيقى 9 عقود، يتبين أن القطاع التربوي هو المهيمن الأكبر على محفظة الإيجارات العامة في لبنان.
عقود تدار بالتمديد لا بالتخطيط
عند مقاربة سعر المتر للمؤجر الجديد وجعله ينطبق على المؤجر القديم، وهي الآلية التي يفترض أن تسري وفقًا لقانون الإيجارات الجديد، ويبدأ تطبيقها بدءا من السنة الرابعة من تطبيق القانون، تظهر فجوة كبيرة بين بدلات الإيجار القديمة الحالية وبين بدلات الإيجار المحتملة، لو تم اعتماد الأسعار المتماشية مع واقع السوق اليوم. علمًا أن نحو نصف العقود القديمة لا تزال تفتقر إلى معلومات عن المساحة، ومع تطبيق القانون قد يجدها المالكون فرصة لتحديد هذه المساحات بما يتلاءم مع البدل الذي يتوقعونه، وهنا قد تبرز الأزمة الكبيرة.
يعرّي ملف الإيجارات الحكومية إذًا، نموذجًا كاملًا لإدارة المال العام، قائمًا على الإهمال والتأجيل وغياب الرؤية. فعندما لا تعرف الدولة، كمستأجرٍ ضعيف، ماذا تستأجر، وبأي كلفة، ولا ممّن، تتحوّل الإيجارات من أداة موقتة لتأمين المرافق العامة إلى سياسة دائمة لإدارة الفوضى، تُدار بالتمديد بدل التخطيط، وبالتسويات بدل المعايير فتستنزف الموازنات وتُراكم الهدر. ليبقى السؤال متى الحل، وكيف؟















