اليمن-لبنان: بلاد الأزمات الدائمة والفرص الضائعة

اليمن بلاد الأزمات والحروب الأهلية الإقليمية والفرص الضائعة على الدوام. بهذه الكلمات افتتح فارع المسلمي رواية مقتطفات من سيرته في بلده، يمن الوحدة الاندماجية بين دولتي اليمن الشمالي والجنوبي في العام 1990، فيما كان لبنان ينهي فصلًا أولًا مدمرًا من حروبه الأهلية الإقليمية.
اليمن- بيروت
وفارع يمني شمالي المولد في عام الوحدة. “الوحدة” التي استهلكت سدىً أعمار أجيال عربية، مشاعرها وانفعالاتها، وقادة ملهمين لأحزاب وأنظمة سياسية، في بلدان عربية كثيرة، أقله منذ مطلع خمسينات القرن العشرين.
وفي قرية جبلية نائية بمحافظة ذمار وسط الشمال اليمني، تفتح وعي فارع الأول، واستكمله في بيروت التي أمضى فيها سنوات شبابه، فيما كانت الفرصة اليمنية (الوحدة) تتبدد وتضيع، وتستمر في التبدد والضياع حتى اليوم.
وكيف لمستمع مثلي إلى سيرة أزمات اليمن، تصدعه وضياعه، ألا يستحضر الفرص اللبنانية الكثيرة التي تبدّدت وضاعت سدىً منذ تلك الخمسينات وحتى اليوم؟ فيما هو يعايش حقبات من دعوات الوحدة العربية، وانخرط شابًا في معمعة بدايات حروب لبنان في العام 1975، وشهد أزمات بلده المنكوب المتلاحقة، وتصدعاته المستمرة حتى اليوم.
وحتى العام 2006 عاش فارع وتلقى تعلّمه في قريته وفي صنعاء، عاصمة اليمن الشمالي، ثم عاصمة الوحدة اليمنية (1990- 2014)، وعاصمة “دولة أنصار الله” الحوثيين الذين استولوا عليها بالحرب منذ العام 2014 وحتى اليوم. وفي العام 2007 تلقى فارع السنة الأخيرة من مرحلة تعلّمه الثانوي في أميركا. وبين العامين 2008 و2019 أمضى شبابه طالبًا في الجامعة الأميركية في بيروت، ومتدربًا وباحثًا في الشؤون اليمنية في المكتب البيروتي لـ”مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي”.
وكانت إقامته الطويلة في العاصمة اللبنانية قد طعّمت لهجته اليمنية بلهجات لبنانية عدة، قبل أن يغادر لبنان المأزوم سياسيًا، والمنهار ماليًا واقتصاديًا، إلى لندن، حيث يعمل حتى اليوم باحثًا وخبيرًا في شؤون بلده في “المعهد الملكي للشؤون الدولية – شاتام هاوس”. لكن فارع لم ينقطع طوال إقامته في بيروت وحتى اليوم، عن زيارة اليمن وإقامته المتقطعة فيه، مستطلعًا وباحثًا ميدانيًا وعضوًا في مؤتمرات دولية لمعالجة أزماته. ولا هو انقطع عن زيارة بيروت التي لا يزال له منزل فيها وأصدقاء كثيرون. وفي زيارته الأخيرة للبنان في الصيف المنصرم، دعا أكثر من 30 من معارفه وأصدقائه من جنسيات مختلفة، ومنتشرين في عواصم عربية وأوروبية كثيرة، إلى سهرة أقامها على سطح البناية التي فيها منزله البيروتي. وفي النهار التالي سجلنا مقتطفات من سيرته اليمنية، واستكملنا معه هاتفيًا مستجدات الأزمة اليمنية التي يتابعها من لندن.
عوامل وحوادث تنقلب إلى عكسها
في أحاديثه عن اليمن وتشخيص أوضاعه، لا يتوقف فارع عن المقارنة بين الأحوال والمنعطفات اليمنية واللبنانية التي عايشها وخبرها، معرجًا على مقارنات بأحوال بلدان عربية أخرى. أما فكرته عن فاعلية اليمن الموحد الواعدة، فيسندها إلى معطيات وعوامل عدة متأرجحة، متدافعة ومزدوجة في صيروراتها وتقلباتها، سلبًا وإيجابًا، في مسار التحولات والحروب اليمنية الداخلية وبواعثها المحلية والإقليمية والدولية. وهنا لا بد أن يحضر لبنان، وربما بلدان عربية عدة.
ويرتب فارع فكرته عن احتمال فاعلية اليمن الموحد وقوته، حسب المعطيات والعوامل التالية.
أولًا: السكان
في حال التعويل الإيجابي على عدد سكان اليمن الموحد، بوصفه العدد الأكبر بين دول الخليج العربية (13- 14 مليون نسمة في العام 1990، و42 مليون نسمة في العام 2025)، فإن هذا التزايد السكاني الضخم، انقلب إلى عكسه بناءً على المعطيات الآتية: الشح الكبير في موارد اليمن وضعفه الإنتاجي. سوس الدولة بلا حوكمة رشيدة، أي بالفساد والرشوة والإعالة، معطوفة على الشقاق السياسي، القبلي والجهوي والمذهبي.
وللبنان نصيبه الوافر من سوس دولته بالفساد و”المناهبة” (أحمد بيضون) منذ التسعينات وحتى الإفلاس السياسي والمالي والاقتصادي الكبير (2019)، فيما الشقاق الطائفي مسترسل في تفاقمه حتى اليوم.
ثانيًا: العراقة والتاريخ
إذا كان اعتزاز اليمنيين بعراقة تراثهم وتاريخهم يمنحهم شعورًا بالتعالي على محيطهم، فالأرجح أن هذا الاعتزاز انقلب إلى شعور قدري بالحرمان، وما يشبه فصام عظامي أو عقدة اضطهاد، بعد ظهور النفط وثرواته الضخمة في بلدان الخليج المجاورة لليمن.
والمثال اللبناني ربما يتفوق بأشواط على اليمني في تعالي جماعات وفئات لبنانية وتشاوفها على محيط لبنان العربي، لكن بالحداثة والتمدّن والحرية وجمال طبيعة “سويسرا الشرق”، وبتجذره الأسطوري في التاريخ. والأرجح أن هذا المركب اللبناني انقلب إلى عكسه لدى فئات لبنانية عدة، حيال دول الخليج النفطية الغنية، أقله منذ الإفلاس المالي الكبير (2019) وانفجار مرفأ بيروت (2020). ثم حيال سوريا ما بعد الأسد (نهاية العام 2025) التي احتضنتها السياسات الأميركية والدولية، وأزالت عنها العقوبات الاقتصادية المدمّرة.
ثالثًا: استقرار وتحولات عاصفة
إلى جوار ممالك وإمارات قد تكون الأقوى ثباتًا واستقرارًا في العالم، إضافة إلى ثرواتها الضخمة، تشير الوقائع إلى أن اليمنَ بلدٌ فقير، ومجتمعُ حراك وتحولات دائمة، سياسية وأيديولوجية وفي نظام الحكم: من إمامية وراثية مغلقة ومتشددة في الشمال، إلى انقلاب عسكري عليها (1962) سُمي ثورة جمهورية، بإيحاء ناصري على الأرجح. ويشهد على ذلك تحول ذاك الانقلاب الثوري اليمني الشمالي حربًا أهلية إقليمية شارك فيها الجيش المصري، غداة فشل الوحدة المصرية السورية بزعامة ورئاسة جمال عبد الناصر (1958 – 1961). وذلك قبل رسو اليمن الشمالي على نظام جمهوري (1970)، شابته ولاءات قبلية شديدة التماسك، واغتيالات وانقلابات عسكرية أيضًا.
أما جنوب اليمن فقامت في إماراته وسلطناته حركات كفاح مسلح للتحرر من الاستعمار البريطاني، فتحول الجنوب المحرر إلى دولة جمهورية يحكمها الحزب الواحد الاشتراكي الشمولي (1967- 1990). ومن دولتين تحول الشمال والجنوب دولة واحدة اندماجية، عرفت انتخابات شكلية، غداة انهيار الاتحاد السوفياتي في العام 1989، وبعد اقتتال “رفاق الحزب الواحد” الاشتراكي اليمني الجنوبي اقتتالًا عاصفًا ومدمرًا في العام 1986: 10 آلاف قتيل في 10 أيام.
وفي تاريخهما المعاصر عرف اليمنان المستقلان والموحدان، أحزابًا وإيديولوجيات كثيرة: القومية العربية، الناصرية والبعثية، حركات التحرر الوطني، الماركسية، الإسلام الدعوي الإخواني والسلفي.
لبنان بدوره نشأ كدولة معاصرة هشّة، تتنازعها هويات جماعاته بولاءاتها الإقليمية والدولية المتضاربة. وشأن اليمن عرف لبنان أحزابًا وإيديولوجيات وحركات سياسية كثيرة: حركة التحرر الوطني الفلسطيني، أحزاب عروبية وناصرية وبعثية، شيوعية وماركسية ومنظمات لا تحصى من اليسار الشيوعي الجديد.
رابعًا: العاصم من السلطوية الشمولية
في الشمال ما قبل الوحدة اليمنية، وفي يمن الوحدة قبل حربها بين الشمال والجنوب في العام 1994، وبعد تلك الحرب، لم يعرف اليمن الموحد سيطرة سلطوية شاملة أو شمولية للدولة على مجتمعاته وجماعاته، ما خلا اليمن الجنوبي الذي عرف سلطة الحزب الواحد الشمولي قبل الوحدة. وقد يكون عاصم يمن الوحدة من النظام الشمولي -مقارنة بما حدث في مصر الناصرية وسوريا البعث الأسدي وعراق البعث الصدامي- هو قوة الولاءات القبلية والجهوية اليمنية، وانطوائها على اعتزاز علني بها، خصوصًا الجهوية منها. والولاءات الجهوية اليمنية التي تسمى بأسماء المحافظات في الشمال والجنوب، تكاد تنطوي على مشاعر وانفعالات ونعرات وطنية شبه متكاملة في محافظات عدة. أما ما بعد حرب 1994، فقد نشأ لدى الجنوبيين نفور عارم من الوحدة، لشعورهم بأن الشمال انتصر في حربه عليهم، وألحقهم به بالقوة والقسر والعسف والتسلط.
لبنان بدوره لم يعرف نظامًا سلطويًا شموليًا قط. وكان عاصمُه من ذلك “دولة توافقية” هشة ومجتمع جماعات طائفية هوياتها أقوى بكثير من هوية الدولة التوافقية الموحّدة.
اليمن-لبنان: بلاد الأزمات الدائمة والفرص الضائعة

اليمن بلاد الأزمات والحروب الأهلية الإقليمية والفرص الضائعة على الدوام. بهذه الكلمات افتتح فارع المسلمي رواية مقتطفات من سيرته في بلده، يمن الوحدة الاندماجية بين دولتي اليمن الشمالي والجنوبي في العام 1990، فيما كان لبنان ينهي فصلًا أولًا مدمرًا من حروبه الأهلية الإقليمية.
اليمن- بيروت
وفارع يمني شمالي المولد في عام الوحدة. “الوحدة” التي استهلكت سدىً أعمار أجيال عربية، مشاعرها وانفعالاتها، وقادة ملهمين لأحزاب وأنظمة سياسية، في بلدان عربية كثيرة، أقله منذ مطلع خمسينات القرن العشرين.
وفي قرية جبلية نائية بمحافظة ذمار وسط الشمال اليمني، تفتح وعي فارع الأول، واستكمله في بيروت التي أمضى فيها سنوات شبابه، فيما كانت الفرصة اليمنية (الوحدة) تتبدد وتضيع، وتستمر في التبدد والضياع حتى اليوم.
وكيف لمستمع مثلي إلى سيرة أزمات اليمن، تصدعه وضياعه، ألا يستحضر الفرص اللبنانية الكثيرة التي تبدّدت وضاعت سدىً منذ تلك الخمسينات وحتى اليوم؟ فيما هو يعايش حقبات من دعوات الوحدة العربية، وانخرط شابًا في معمعة بدايات حروب لبنان في العام 1975، وشهد أزمات بلده المنكوب المتلاحقة، وتصدعاته المستمرة حتى اليوم.
وحتى العام 2006 عاش فارع وتلقى تعلّمه في قريته وفي صنعاء، عاصمة اليمن الشمالي، ثم عاصمة الوحدة اليمنية (1990- 2014)، وعاصمة “دولة أنصار الله” الحوثيين الذين استولوا عليها بالحرب منذ العام 2014 وحتى اليوم. وفي العام 2007 تلقى فارع السنة الأخيرة من مرحلة تعلّمه الثانوي في أميركا. وبين العامين 2008 و2019 أمضى شبابه طالبًا في الجامعة الأميركية في بيروت، ومتدربًا وباحثًا في الشؤون اليمنية في المكتب البيروتي لـ”مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي”.
وكانت إقامته الطويلة في العاصمة اللبنانية قد طعّمت لهجته اليمنية بلهجات لبنانية عدة، قبل أن يغادر لبنان المأزوم سياسيًا، والمنهار ماليًا واقتصاديًا، إلى لندن، حيث يعمل حتى اليوم باحثًا وخبيرًا في شؤون بلده في “المعهد الملكي للشؤون الدولية – شاتام هاوس”. لكن فارع لم ينقطع طوال إقامته في بيروت وحتى اليوم، عن زيارة اليمن وإقامته المتقطعة فيه، مستطلعًا وباحثًا ميدانيًا وعضوًا في مؤتمرات دولية لمعالجة أزماته. ولا هو انقطع عن زيارة بيروت التي لا يزال له منزل فيها وأصدقاء كثيرون. وفي زيارته الأخيرة للبنان في الصيف المنصرم، دعا أكثر من 30 من معارفه وأصدقائه من جنسيات مختلفة، ومنتشرين في عواصم عربية وأوروبية كثيرة، إلى سهرة أقامها على سطح البناية التي فيها منزله البيروتي. وفي النهار التالي سجلنا مقتطفات من سيرته اليمنية، واستكملنا معه هاتفيًا مستجدات الأزمة اليمنية التي يتابعها من لندن.
عوامل وحوادث تنقلب إلى عكسها
في أحاديثه عن اليمن وتشخيص أوضاعه، لا يتوقف فارع عن المقارنة بين الأحوال والمنعطفات اليمنية واللبنانية التي عايشها وخبرها، معرجًا على مقارنات بأحوال بلدان عربية أخرى. أما فكرته عن فاعلية اليمن الموحد الواعدة، فيسندها إلى معطيات وعوامل عدة متأرجحة، متدافعة ومزدوجة في صيروراتها وتقلباتها، سلبًا وإيجابًا، في مسار التحولات والحروب اليمنية الداخلية وبواعثها المحلية والإقليمية والدولية. وهنا لا بد أن يحضر لبنان، وربما بلدان عربية عدة.
ويرتب فارع فكرته عن احتمال فاعلية اليمن الموحد وقوته، حسب المعطيات والعوامل التالية.
أولًا: السكان
في حال التعويل الإيجابي على عدد سكان اليمن الموحد، بوصفه العدد الأكبر بين دول الخليج العربية (13- 14 مليون نسمة في العام 1990، و42 مليون نسمة في العام 2025)، فإن هذا التزايد السكاني الضخم، انقلب إلى عكسه بناءً على المعطيات الآتية: الشح الكبير في موارد اليمن وضعفه الإنتاجي. سوس الدولة بلا حوكمة رشيدة، أي بالفساد والرشوة والإعالة، معطوفة على الشقاق السياسي، القبلي والجهوي والمذهبي.
وللبنان نصيبه الوافر من سوس دولته بالفساد و”المناهبة” (أحمد بيضون) منذ التسعينات وحتى الإفلاس السياسي والمالي والاقتصادي الكبير (2019)، فيما الشقاق الطائفي مسترسل في تفاقمه حتى اليوم.
ثانيًا: العراقة والتاريخ
إذا كان اعتزاز اليمنيين بعراقة تراثهم وتاريخهم يمنحهم شعورًا بالتعالي على محيطهم، فالأرجح أن هذا الاعتزاز انقلب إلى شعور قدري بالحرمان، وما يشبه فصام عظامي أو عقدة اضطهاد، بعد ظهور النفط وثرواته الضخمة في بلدان الخليج المجاورة لليمن.
والمثال اللبناني ربما يتفوق بأشواط على اليمني في تعالي جماعات وفئات لبنانية وتشاوفها على محيط لبنان العربي، لكن بالحداثة والتمدّن والحرية وجمال طبيعة “سويسرا الشرق”، وبتجذره الأسطوري في التاريخ. والأرجح أن هذا المركب اللبناني انقلب إلى عكسه لدى فئات لبنانية عدة، حيال دول الخليج النفطية الغنية، أقله منذ الإفلاس المالي الكبير (2019) وانفجار مرفأ بيروت (2020). ثم حيال سوريا ما بعد الأسد (نهاية العام 2025) التي احتضنتها السياسات الأميركية والدولية، وأزالت عنها العقوبات الاقتصادية المدمّرة.
ثالثًا: استقرار وتحولات عاصفة
إلى جوار ممالك وإمارات قد تكون الأقوى ثباتًا واستقرارًا في العالم، إضافة إلى ثرواتها الضخمة، تشير الوقائع إلى أن اليمنَ بلدٌ فقير، ومجتمعُ حراك وتحولات دائمة، سياسية وأيديولوجية وفي نظام الحكم: من إمامية وراثية مغلقة ومتشددة في الشمال، إلى انقلاب عسكري عليها (1962) سُمي ثورة جمهورية، بإيحاء ناصري على الأرجح. ويشهد على ذلك تحول ذاك الانقلاب الثوري اليمني الشمالي حربًا أهلية إقليمية شارك فيها الجيش المصري، غداة فشل الوحدة المصرية السورية بزعامة ورئاسة جمال عبد الناصر (1958 – 1961). وذلك قبل رسو اليمن الشمالي على نظام جمهوري (1970)، شابته ولاءات قبلية شديدة التماسك، واغتيالات وانقلابات عسكرية أيضًا.
أما جنوب اليمن فقامت في إماراته وسلطناته حركات كفاح مسلح للتحرر من الاستعمار البريطاني، فتحول الجنوب المحرر إلى دولة جمهورية يحكمها الحزب الواحد الاشتراكي الشمولي (1967- 1990). ومن دولتين تحول الشمال والجنوب دولة واحدة اندماجية، عرفت انتخابات شكلية، غداة انهيار الاتحاد السوفياتي في العام 1989، وبعد اقتتال “رفاق الحزب الواحد” الاشتراكي اليمني الجنوبي اقتتالًا عاصفًا ومدمرًا في العام 1986: 10 آلاف قتيل في 10 أيام.
وفي تاريخهما المعاصر عرف اليمنان المستقلان والموحدان، أحزابًا وإيديولوجيات كثيرة: القومية العربية، الناصرية والبعثية، حركات التحرر الوطني، الماركسية، الإسلام الدعوي الإخواني والسلفي.
لبنان بدوره نشأ كدولة معاصرة هشّة، تتنازعها هويات جماعاته بولاءاتها الإقليمية والدولية المتضاربة. وشأن اليمن عرف لبنان أحزابًا وإيديولوجيات وحركات سياسية كثيرة: حركة التحرر الوطني الفلسطيني، أحزاب عروبية وناصرية وبعثية، شيوعية وماركسية ومنظمات لا تحصى من اليسار الشيوعي الجديد.
رابعًا: العاصم من السلطوية الشمولية
في الشمال ما قبل الوحدة اليمنية، وفي يمن الوحدة قبل حربها بين الشمال والجنوب في العام 1994، وبعد تلك الحرب، لم يعرف اليمن الموحد سيطرة سلطوية شاملة أو شمولية للدولة على مجتمعاته وجماعاته، ما خلا اليمن الجنوبي الذي عرف سلطة الحزب الواحد الشمولي قبل الوحدة. وقد يكون عاصم يمن الوحدة من النظام الشمولي -مقارنة بما حدث في مصر الناصرية وسوريا البعث الأسدي وعراق البعث الصدامي- هو قوة الولاءات القبلية والجهوية اليمنية، وانطوائها على اعتزاز علني بها، خصوصًا الجهوية منها. والولاءات الجهوية اليمنية التي تسمى بأسماء المحافظات في الشمال والجنوب، تكاد تنطوي على مشاعر وانفعالات ونعرات وطنية شبه متكاملة في محافظات عدة. أما ما بعد حرب 1994، فقد نشأ لدى الجنوبيين نفور عارم من الوحدة، لشعورهم بأن الشمال انتصر في حربه عليهم، وألحقهم به بالقوة والقسر والعسف والتسلط.
لبنان بدوره لم يعرف نظامًا سلطويًا شموليًا قط. وكان عاصمُه من ذلك “دولة توافقية” هشة ومجتمع جماعات طائفية هوياتها أقوى بكثير من هوية الدولة التوافقية الموحّدة.















