تهميش صامت وخسارة متراكمة… كيف يفقد المسيحيّون مواقعهم؟

تتواصل منذ عقود خسارة المسيحيين لمواقعهم في الإدارة العامة اللبنانية، في مسار تراكمي لم يتوقف، رغم تغيّر العهود والحكومات. وفي بلدٍ قام كيانه السياسي على فكرة التوازن بين مكوّناته الطائفية، لا يمكن النظر إلى الوظيفة العامة بوصفها مجرّد مسار إداري أو فرصة عمل، بل باعتبارها مرآة للشراكة الوطنية، وضمانة فعلية لبقاء لبنان كدولة تعددية لا دولة غلبة.
ومن هذا المنطلق، فإن أي خلل مزمن في تمثيل طائفة أساسية، وفي مقدّمها المسيحيون، داخل مؤسسات الدولة، لا يُعدّ مسألة تقنية أو ظرفية، بل مؤشر خطير على اختلال عميق في بنية الدولة نفسها… واقعٌ يصفه رئيس مؤسسة “لابورا” الأب طوني خضره بالخلل البنيوي الخطير، لا من زاوية طائفية ضيقة، بل من زاوية وطنية تمسّ كفاءة الدولة وإنتاجيتها وتوازنها الدستوري.
وكشفت العقود الأخيرة عن تراجع متسارع في حضور المسيحيين داخل الوظائف العامة، لا سيما في المراكز الإدارية الحساسة، ما يطرح أسئلة جوهرية حول إذا كان هذا التراجع، ناتجاً عن عوامل ديموغرافية وإقتصادية فقط، أم عن سياسات إقصاء غير معلنة، ومخطط ما لدفع المسيحيين إلى الهجرة بحثاً عن فرص العمل، أو لامبالاة رسمية إزاء الحفاظ على التوازن الذي قام عليه النظام اللبناني؟!
يقرّ الأب خضره بأنّ العهد الحالي أحدث بعض التغيير، “لكن ليس بالمستوى المطلوب”، إذ لا تزال التعيينات تُنجز “حسب الطلب”، لا وفق آليات شفافة أو مباريات مفتوحة. هناك أشخاص جاهزون للتعيين فيُعيَّنون، من دون دراسة شاملة لحاجات الإدارة أو فتح المجال أمام الكفاءات. ويشرح بالأرقام: في الدولة اللبنانية نحو 290 مركزاً من الفئة الأولى (مدير عام، رئيس مجلس إدارة…). من بينها 64 مركزاً شاغراً، 40 منها مخصّصة للمسيحيين لكنها مشغولة بالإنابة من طوائف أخرى من دون تعيين أصيل. وإضافة إلى ذلك، هناك نحو 45 مركزاً “مسلوباً” من أصل 145 مركزاً تعود عرفاً للمسيحيين، من دون أي معالجة.
تكمن الخطورة، بحسب خضره، في أنّ المدير العام على سبيل المثال، ليس تفصيلاً إدارياً، بل حجر أساس في تسيير الدولة. “نحن لا نطالب بحصص طائفية، بل بتسيير المرافق العامة وبالمهنية، وبالتوازن الذي هو أساس الكيان اللبناني”. ويضيف: “من دون توازن وكفاءة، لا يمكن للدولة أن تعمل”.
منذ عام 2008، ترصد مؤسسة “لابورا” واقع الوظائف العامة، على ما يقول الأب خضره ويصفه بالفوضوي، القائم على التنفيع السياسي والطائفي والمناطقي. هذه الممارسات برأيه، دمّرت الإدارة وأضعفت ثقة الموظفين، مشيراً إلى مفارقة لافتة: في السابق، كان التوظيف السياسي يترافق مع رواتب مفتوحة، أما اليوم فيدفع موظفو الدولة الثمن برواتب متدنية وتعويضات غير كافية، من دون أي حماية مهنية.
في عام 2016، طالبت “لابورا” على ما يوضح الاب خضرا بإعادة هيكلة شاملة للدولة. يومها، كان هناك نحو 335 ألف موظف يتقاضون رواتب، بينهم 125 ألف عسكري، وأكثر من 200 ألف مدني، 160 ألفاً منهم دخلوا عبر المحاصصة السياسية. يومها اقترحت المؤسسة إجراء مباريات محصورة لهؤلاء: يُثبَّت الأكفّاء، ويُمنح الآخرون تعويضات عادلة للخروج من الإدارة، بما يعيد الإنتاجية والتوازن، إلا أنّ هذا الطرح لم يُنفّذ.
ويضيف: اليوم لا تزال التعيينات تحصل خارج المسارات الطبيعية. فبدلاً من فتح المباريات عبر مجلس الخدمة المدنية وفق الدستور واتفاق الطائف، يجري تجاوز هذه الآليات. الأخطر، أنّ هناك عشرات التعيينات التي رفضها مجلس الخدمة المدنية، ومع ذلك نُفّذت بقرار سياسي “لا يُؤخذ برأي المجلس ولا بأجهزة الرقابة، والمدراء عاجزون عن تطبيق القانون في ظل الهيمنة”.
أمّا عن دور القيادات المسيحية والأحزاب وبكركي، فيقول الأب خضره إنّ “لابورا” تعمل منذ 18 عاماً وفق استراتيجية واضحة، لكنها تصطدم بعدم القدرة على توحيد المسيحيين حول هذا الملف. فالمصالح الحزبية والانتخابية تتقدّم على الحقوق الاستراتيجية. “يُضحّى أحياناً بمركز مسيحي مقابل ألف صوت انتخابي”، ويُختار غير الكفوء على الكفوء إذا كانت هناك مصلحة سياسية.
و”لابورا” لا تدافع عن الموظف لأنه مسيحي، على ما يوكّد، بل لأنه صاحب حق وفق القانون. لكنها تصطدم بإجابات غير مقنعة. فهناك 9 مراكز مسيحية أُعطيت لطوائف أخرى بالإنابة أو التكليف، وبقيت كذلك. وفي حالات موثّقة، جرى تعيين شخص غير مسيحي في مركز مسيحي عليه حكم قضائي، فيما رُفض مرشح مسيحي بحجّة أنّ لديه ملف قضائي. ورغم ذلك، تشدّد المؤسسة على أنّ الحلول موجودة. فهي تمتلك قاعدة بيانات كاملة ومرشحين مؤهّلين لكل المراكز المسيحية الشاغرة، لكنّ الإرادة السياسية غائبة.
في المقابل، يلفت إلى نقاط إيجابية، أبرزها التزام المناصفة في التطويع داخل المؤسسات الأمنية، لكنه يحذّر من نقص كبير في العديد المسيحي في قوى الأمن الداخلي والجيش والجمارك، نتيجة تراكم 40 عاماً من الخلل، وتدنّي الرواتب، وشعور الشباب بأن الدولة لم تعد دولتهم.
ويكشف عن مبادرات تقوم بها مؤسسته لدعم انخراط المسيحيين في القوى الأمنية عبر الكنيسة والأحزاب، لكنها لم تلقَ تجاوباً كافياً. وفي إحدى دورات قوى الأمن، كان المطلوب 400 مسيحي، فتقدّم 100 فقط، قبل أن تنجح حملة توعية في رفع العدد إلى 500 مرشّح إضافي.
ويختم الأب خضره بالتأكيد على أنّ المشكلة ليست غياب المرشحين المسيحيين، بل تجاهلهم، “لدينا مئات المرشحين المسجّلين، لكن الدولة لا تريد أن ترى”. الحل برأيه بسيط: تطبيق القانون، احترام مجلس الخدمة المدنية، وتعيين الأكفّاء بلا وساطات، ومن دون اعتماد “علامة القائد”، على ما كان يحصل في الحربية، والتي ألغاها قائد الجيش، رئيس الجمهورية الحالي جوزاف عون، لعدم تمييز مرشّح عن آخر لأسباب معيّنة لا علاقة لها بعلامات الإمتحان. عندها فقط، لا يعود هناك حاجة لـ”لابورا”، أو قد تنفتح على الطوائف الأخرى، لأن الدولة تصبح دولة الجميع”.
تهميش صامت وخسارة متراكمة… كيف يفقد المسيحيّون مواقعهم؟

تتواصل منذ عقود خسارة المسيحيين لمواقعهم في الإدارة العامة اللبنانية، في مسار تراكمي لم يتوقف، رغم تغيّر العهود والحكومات. وفي بلدٍ قام كيانه السياسي على فكرة التوازن بين مكوّناته الطائفية، لا يمكن النظر إلى الوظيفة العامة بوصفها مجرّد مسار إداري أو فرصة عمل، بل باعتبارها مرآة للشراكة الوطنية، وضمانة فعلية لبقاء لبنان كدولة تعددية لا دولة غلبة.
ومن هذا المنطلق، فإن أي خلل مزمن في تمثيل طائفة أساسية، وفي مقدّمها المسيحيون، داخل مؤسسات الدولة، لا يُعدّ مسألة تقنية أو ظرفية، بل مؤشر خطير على اختلال عميق في بنية الدولة نفسها… واقعٌ يصفه رئيس مؤسسة “لابورا” الأب طوني خضره بالخلل البنيوي الخطير، لا من زاوية طائفية ضيقة، بل من زاوية وطنية تمسّ كفاءة الدولة وإنتاجيتها وتوازنها الدستوري.
وكشفت العقود الأخيرة عن تراجع متسارع في حضور المسيحيين داخل الوظائف العامة، لا سيما في المراكز الإدارية الحساسة، ما يطرح أسئلة جوهرية حول إذا كان هذا التراجع، ناتجاً عن عوامل ديموغرافية وإقتصادية فقط، أم عن سياسات إقصاء غير معلنة، ومخطط ما لدفع المسيحيين إلى الهجرة بحثاً عن فرص العمل، أو لامبالاة رسمية إزاء الحفاظ على التوازن الذي قام عليه النظام اللبناني؟!
يقرّ الأب خضره بأنّ العهد الحالي أحدث بعض التغيير، “لكن ليس بالمستوى المطلوب”، إذ لا تزال التعيينات تُنجز “حسب الطلب”، لا وفق آليات شفافة أو مباريات مفتوحة. هناك أشخاص جاهزون للتعيين فيُعيَّنون، من دون دراسة شاملة لحاجات الإدارة أو فتح المجال أمام الكفاءات. ويشرح بالأرقام: في الدولة اللبنانية نحو 290 مركزاً من الفئة الأولى (مدير عام، رئيس مجلس إدارة…). من بينها 64 مركزاً شاغراً، 40 منها مخصّصة للمسيحيين لكنها مشغولة بالإنابة من طوائف أخرى من دون تعيين أصيل. وإضافة إلى ذلك، هناك نحو 45 مركزاً “مسلوباً” من أصل 145 مركزاً تعود عرفاً للمسيحيين، من دون أي معالجة.
تكمن الخطورة، بحسب خضره، في أنّ المدير العام على سبيل المثال، ليس تفصيلاً إدارياً، بل حجر أساس في تسيير الدولة. “نحن لا نطالب بحصص طائفية، بل بتسيير المرافق العامة وبالمهنية، وبالتوازن الذي هو أساس الكيان اللبناني”. ويضيف: “من دون توازن وكفاءة، لا يمكن للدولة أن تعمل”.
منذ عام 2008، ترصد مؤسسة “لابورا” واقع الوظائف العامة، على ما يقول الأب خضره ويصفه بالفوضوي، القائم على التنفيع السياسي والطائفي والمناطقي. هذه الممارسات برأيه، دمّرت الإدارة وأضعفت ثقة الموظفين، مشيراً إلى مفارقة لافتة: في السابق، كان التوظيف السياسي يترافق مع رواتب مفتوحة، أما اليوم فيدفع موظفو الدولة الثمن برواتب متدنية وتعويضات غير كافية، من دون أي حماية مهنية.
في عام 2016، طالبت “لابورا” على ما يوضح الاب خضرا بإعادة هيكلة شاملة للدولة. يومها، كان هناك نحو 335 ألف موظف يتقاضون رواتب، بينهم 125 ألف عسكري، وأكثر من 200 ألف مدني، 160 ألفاً منهم دخلوا عبر المحاصصة السياسية. يومها اقترحت المؤسسة إجراء مباريات محصورة لهؤلاء: يُثبَّت الأكفّاء، ويُمنح الآخرون تعويضات عادلة للخروج من الإدارة، بما يعيد الإنتاجية والتوازن، إلا أنّ هذا الطرح لم يُنفّذ.
ويضيف: اليوم لا تزال التعيينات تحصل خارج المسارات الطبيعية. فبدلاً من فتح المباريات عبر مجلس الخدمة المدنية وفق الدستور واتفاق الطائف، يجري تجاوز هذه الآليات. الأخطر، أنّ هناك عشرات التعيينات التي رفضها مجلس الخدمة المدنية، ومع ذلك نُفّذت بقرار سياسي “لا يُؤخذ برأي المجلس ولا بأجهزة الرقابة، والمدراء عاجزون عن تطبيق القانون في ظل الهيمنة”.
أمّا عن دور القيادات المسيحية والأحزاب وبكركي، فيقول الأب خضره إنّ “لابورا” تعمل منذ 18 عاماً وفق استراتيجية واضحة، لكنها تصطدم بعدم القدرة على توحيد المسيحيين حول هذا الملف. فالمصالح الحزبية والانتخابية تتقدّم على الحقوق الاستراتيجية. “يُضحّى أحياناً بمركز مسيحي مقابل ألف صوت انتخابي”، ويُختار غير الكفوء على الكفوء إذا كانت هناك مصلحة سياسية.
و”لابورا” لا تدافع عن الموظف لأنه مسيحي، على ما يوكّد، بل لأنه صاحب حق وفق القانون. لكنها تصطدم بإجابات غير مقنعة. فهناك 9 مراكز مسيحية أُعطيت لطوائف أخرى بالإنابة أو التكليف، وبقيت كذلك. وفي حالات موثّقة، جرى تعيين شخص غير مسيحي في مركز مسيحي عليه حكم قضائي، فيما رُفض مرشح مسيحي بحجّة أنّ لديه ملف قضائي. ورغم ذلك، تشدّد المؤسسة على أنّ الحلول موجودة. فهي تمتلك قاعدة بيانات كاملة ومرشحين مؤهّلين لكل المراكز المسيحية الشاغرة، لكنّ الإرادة السياسية غائبة.
في المقابل، يلفت إلى نقاط إيجابية، أبرزها التزام المناصفة في التطويع داخل المؤسسات الأمنية، لكنه يحذّر من نقص كبير في العديد المسيحي في قوى الأمن الداخلي والجيش والجمارك، نتيجة تراكم 40 عاماً من الخلل، وتدنّي الرواتب، وشعور الشباب بأن الدولة لم تعد دولتهم.
ويكشف عن مبادرات تقوم بها مؤسسته لدعم انخراط المسيحيين في القوى الأمنية عبر الكنيسة والأحزاب، لكنها لم تلقَ تجاوباً كافياً. وفي إحدى دورات قوى الأمن، كان المطلوب 400 مسيحي، فتقدّم 100 فقط، قبل أن تنجح حملة توعية في رفع العدد إلى 500 مرشّح إضافي.
ويختم الأب خضره بالتأكيد على أنّ المشكلة ليست غياب المرشحين المسيحيين، بل تجاهلهم، “لدينا مئات المرشحين المسجّلين، لكن الدولة لا تريد أن ترى”. الحل برأيه بسيط: تطبيق القانون، احترام مجلس الخدمة المدنية، وتعيين الأكفّاء بلا وساطات، ومن دون اعتماد “علامة القائد”، على ما كان يحصل في الحربية، والتي ألغاها قائد الجيش، رئيس الجمهورية الحالي جوزاف عون، لعدم تمييز مرشّح عن آخر لأسباب معيّنة لا علاقة لها بعلامات الإمتحان. عندها فقط، لا يعود هناك حاجة لـ”لابورا”، أو قد تنفتح على الطوائف الأخرى، لأن الدولة تصبح دولة الجميع”.
















