هل تفتح مواجهة فضل شاكر والأسير مسارا جديدا في “ملف عبرا”؟

الكاتب: طوني بولس | المصدر: اندبندنت عربية
26 كانون الثاني 2026

المحاكمات بعد أحداث عبرا ركزت على جماعة أحمد الأسير من دون تحقيق شامل في أدوار أطراف أخرى أبرزها “حزب الله”

منذ تسليمه نفسه، بدا أن قضية الفنان فضل شاكر تتجه نحو تسوية سريعة، غير أن تأجيلات المحاكمات وتشابكها أعادا تكريس الغموض، خصوصاً مع ارتباطها العضوي بملف أحداث عبرا. جوهر الإشكالية لا يكمن فقط في شخصية شاكر، بل في الطريقة التي أُدير بها ملف عبرا قضائياً، إذ يرى كثيرون أن المحاسبة طالت طرفاً واحداً من دون فتح تحقيق شامل في كل الروايات.

ليست قضية الفنان فضل شاكر مجرد ملف قضائي عالق في أروقة المحكمة العسكرية اللبنانية، ولا هي حكاية فنان انزلق إلى السياسة وحمل السلاح ثم عاد ليواجه القضاء، فهو يقف اليوم في منطقة رمادية، لا براءة مكتملة ولا إدانة نهائية. هناك مسار قضائي لم ينتهِ بعد، فهذه القضية، بكل تشابكاتها تشكل نموذجاً فاقعاً لكيفية لتقاطع السياسة والأمن، وتحول القضاء جزءاً من ميزان قوى لا من ميزان عدالة على مدى أعوام طويلة مضت.

منذ اللحظة التي سلم فيها شاكر نفسه إلى مخابرات الجيش اللبناني، عاد ملف بدا لأعوام كأنه طُوي بقوة الهيمنة التي استمرت أعواماً على الدولة اللبنانية، ليطفو مجدداً على سطح الحياة العامة، محملاً بما هو أبعد من شخص المتهم نفسه. فخلف اسم فضل شاكر، يقبع ملف أحداث عبرا، بكل ما يحمله من دماء، وروايات متناقضة، وأسئلة لم يُسمح لها يوماً بأن تُطرح حتى النهاية.

منذ البداية، ساد انطباع واسع بأن تسليم شاكر نفسه قد يفتح الباب أمام تسوية سريعة. لم يكن هذا الانطباع نابعاً من تعاطف جماعي معه، ولا من اقتناع مسبق ببراءته، بل من قراءة واقعية لمناخ سياسي تغير جذرياً عما كان عليه لبنان عام 2013. فالدولة التي كانت خارجة آنذاك من ذروة الاحتقان المذهبي، وتحت وطأة الحرب السورية وتداعياتها، ليست هي الدولة نفسها اليوم. والمحاور التي حكمت تلك المرحلة لم تعد تمسك بكل الخيوط كما كانت تفعل سابقاً. ومع ذلك، سرعان ما بدا أن الملف أعقد بكثير من أن يُقفل بتسوية تقليدية. تأجيلات متكررة، جلسات حساسة، استجوابات طويلة، وغموض في المسار، كلها مؤشرات أعادت طرح السؤال الجوهري: هل نحن أمام إعادة محاكمة فعلية، أم أمام إعادة إدارة لملف قديم ضمن توازنات جديدة؟

ملف “عبرا”

لفهم عمق القضية، لا بد من العودة إلى عبرا. عبرا ليست مجرد اشتباك مسلح وقع في يونيو (حزيران) 2013 بين الجيش اللبناني ومجموعة الشيخ أحمد الأسير. عبرا عقدة سياسية وأمنية وقضائية في آن واحد. هي لحظة انفجار نتجت عن تراكم طويل من الاحتقان، وخلفت قتلى في صفوف الجيش، وفتحت في الوقت نفسه باباً واسعاً أمام روايات متناقضة. الرواية الرسمية تقول إن مجموعة مسلحة بادرت إلى مهاجمة الجيش، فكان الرد حتمياً. في المقابل، رواية أخرى، لا تزال حاضرة بقوة في أوساط مؤيدي الأسير وبعض البيئات السنية، مفادها أن ما جرى لم يكن اشتباكاً عفوياً بل فتنة مُدارة، وأن أطرافاً نافذة لعبت دوراً في تأجيج المواجهة ودفعها إلى نقطة اللاعودة. في قلب هذه الرواية الثانية، يبرز الاتهام المتكرر بوجود دور لـ”حزب الله”، سواء عبر الحضور الميداني أو عبر الضغط السياسي والأمني الذي سبق المعركة ولحقها.​​​​​​

الإشكالية هنا لا تكمن فقط في صحة هذه الاتهامات أو بطلانها، بل في أن القضاء لم يذهب يوماً إلى تفكيكها بشكل شامل. فالمحاكمات التي تلت عبرا ركزت بصورة حصرية على مجموعة الأسير ومن ارتبط بها، من دون فتح تحقيق قضائي واسع في كل المسارات المحتملة. هذا الواقع أنتج شعوراً راسخاً لدى شريحة من اللبنانيين بأن العدالة كانت انتقائية، وأن المحكمة العسكرية في تلك المرحلة كانت تعمل ضمن ميزان قوى سياسي وأمني لا يسمح لها بالبحث في كل الزوايا. ليس المقصود هنا إصدار حكم على القضاء، بل توصيف سياق معروف في لبنان: حين تصبح الملفات الأمنية الكبرى جزءاً من إدارة مرحلة سياسية، تفقد العدالة قدرتها على الوصول إلى الصورة الكاملة.

اللجوء إلى “الأسير”

على هذه الأرضية الثقيلة، عاد فضل شاكر إلى الواجهة. تسليمه نفسه كان من المفترض أن ينقل الملف من مرحلة الأحكام الغيابية إلى مرحلة المحاكمة الحضورية، وأن يسمح بتفكيك الاتهامات واحدة واحدة. لكن ما جرى خلال الأشهر التالية كشف بطئاً لافتاً. تأجيلات متكررة، جلسات تُعقد في ظروف شديدة الحساسية، واستجوابات تُدار بحذر بالغ. في كل مرة كان الدفاع يقدم معطيات جديدة، كانت الأسئلة تتكاثر بدل أن تتقلص. لماذا لا يُحسم الملف إذا كانت الوقائع واضحة؟ ولماذا يبقى الغموض سيد الموقف؟

في إحدى الجلسات المطولة، قدم فضل شاكر روايته بشكل مباشر أمام القضاء. نفى جميع التهم المنسوبة إليه، مؤكداً أنه لم يمول جماعة الشيخ أحمد الأسير لا مالياً ولا لوجيستياً، وأنه لجأ إلى محيطها فقط بعدما تعرض لتهديدات جدية، وحُرقت ممتلكاته في صيدا، وسُرقت أمواله، مما دفعه إلى الاختباء في مخيم عين الحلوة بحثاً عن حماية تمنع قتله. وفي ما يخص ملف عبرا، وهو الأكثر حساسية، كرر أنه كان موجوداً في المنطقة لكنه بقي داخل مكتبه ولم يشارك في القتال، ولم يطلق النار، ولم يتسبب بمقتل أي عسكري. هذا التفصيل ليس ثانوياً، بل هو جوهر القضية، لأنه يرسم الفارق بين توصيف سياسي أو خطابي، وبين فعل جرمي مادي يمكن إثباته.

معطيات جديدة

ووفق مصادر قضائية، تباعاً بدأت تظهر معطيات تُضعف بعض مسارات الاتهام. الحديث عن نقص في الأدلة بملفات التمويل والتحويلات المالية، وعن إمكان إسقاط بعض التهم، يعكس واقعاً مختلفاً عن صورة الملف في أعوام الاحتقان. كما أن إسقاط أحد المدعين دعواه ضد شاكر شكل مؤشراً إضافياً إلى تغير المناخ. في لبنان، إسقاط دعوى في ملف بهذه الحساسية لا يُقرأ عادة كخطوة فردية فقط، بل كجزء من مشهد أوسع تتحرك فيه التسويات الصغيرة تحت السطح.

غير أن القضية لا يمكن فصلها عن بعدها الاجتماعي. عائلات العسكريين الذين سقطوا في عبرا تنظر إلى الملف من زاوية الدم، وترفض أي مخرج يُفهم على أنه التفاف على العدالة. بالنسبة إليهم، لا يمكن للفن ولا للشعبية ولا لتغير الظروف السياسية أن تشكل مبرراً لتخفيف المسؤوليات. هذا الضغط المعاكس يجعل أي تسوية محفوفة بالأخطار، ويعيد إنتاج معادلة لبنانية مألوفة: قضاء عالق بين ضغط سياسي يريد إقفال الملفات، وضغط اجتماعي يرى في الإقفال طمساً للحقيقة.

مواجهة مباشرة

في هذا السياق، قالت الصحافية المتخصصة في الشؤون القضائية فرح منصور، في مداخلة ضمن متابعة القضية، إن الجلسة الأخيرة شكلت أول مواجهة مباشرة بين فضل شاكر والشيخ أحمد الأسير منذ نحو 13 عاماً، موضحة أن المحاكمة جاءت في إطار استجواب أولي في دعوى محاولة قتل هلال حمود عام 2013. وأشارت منصور إلى أن الجلسة استمرت ساعات وشهدت استجواب عدد كبير من المتهمين، مؤكدة أن إسقاط هلال حمود دعواه عن فضل شاكر لا يُسقط الحق العام، مما يفرض استمرار المحاكمة. وكشفت أن شاكر صرح للمرة الأولى أمام القضاء بأنه دفع مبلغاً مالياً عبر وسيط لإسقاط الدعوى، وهو تفصيل طُرح ضمن السياق القانوني لاستمرار الملاحقة.

وأضافت منصور أن شاكر كرر خلال الجلسة أقواله أمام المحكمة العسكرية، مؤكداً أن مواقفه السياسية ومناصرته للثورة السورية كانت السبب الأساس لكل ما تعرض له، وأنه لم يمول جماعة الأسير. ولفتت إلى أن الجلسة شهدت توتراً وانفعالاً من جانب شاكر، وصل إلى حد حصول إشكال مع ممثل النيابة العامة، في ظل شعوره بأن بعض الأسئلة تهدف إلى دفعه نحو اعترافات. وأوضحت أن اللقاء بين شاكر والأسير جرى من دون أي حوار مباشر، وأن الأسير بدوره نفى أن تكون جماعته ممولة من شاكر، مقدماً إفادات اعتُبرت جديدة أمام الرأي العام. واعتبرت منصور أن المسار القضائي يوحي بمحاكمة دقيقة بسبب حساسية الملف، مرجحة أن تتضح الصورة خلال الأشهر المقبلة إذا استُكملت الإجراءات.

خضوع المحكمة العسكرية

من جهته، قال الناشط والمتابع لملف أحداث عبرا خالد البوبو، إن الحديث عن تسوية لا يزال في إطار التكهنات، معتبراً أن ملف فضل شاكر سياسي بالدرجة الأولى لا أمني ولا عسكري. وأشار إلى أن الشيخ أحمد الأسير أكد داخل المحكمة أن شاكر لم يشارك ولم يمول ولم ينخرط في أي عمل مسلح، وأن الاتهامات وُجهت إليه بسبب مواقفه السياسية ومناصرته للشعب السوري ووقوفه العلني ضد نظام بشار الأسد. ورأى البوبو أن المحكمة العسكرية في تلك المرحلة كانت خاضعة لتوازنات سياسية إقليمية، وأن لبنان كان واقعاً تحت تأثير مباشر للنظام السوري، في وقت قاتلت فيه جهات لبنانية علناً في سوريا من دون أن تواجه الملاحقات نفسها.

واعتبر البوبو أن ملف فضل شاكر والشيخ أحمد الأسير مترابط جوهرياً مع ملف السجناء السوريين واللبنانيين والفلسطينيين الذين ناصروا الثورة السورية، منتقداً معالجة هذه الملفات بشكل انتقائي. وحمل المسؤولين اللبنانيين واجب إيجاد حل شامل، محذراً من أن السجناء وأهاليهم لن يقبلوا باستمرار الظلم. وذهب إلى القول إن ما جرى كان محاولة لإسكات صوت اعتراضي رفع شعار رفض هيمنة السلاح على الدولة، داعياً إلى إقفال الملف وإطلاق سراح المعنيين في ضوء المتغيرات الحالية.

جائزة معنوية

في موازاة المسار القضائي والسياسي، برز البعد الإنساني والعائلي للقضية. ففي حديث له على هامش حفل Joy Awards 2026 في الرياض، عبر الفنان محمد فضل شاكر عن سعادته الكبيرة بترشيحه، معتبراً أن وجوده في هذا الحدث يشكل محطة مفصلية في مسيرته الفنية. وقال إن ما يعيشه اليوم هو حصيلة أعوام طويلة من العمل، رافضاً فكرة الوصول السهل. وتوقف عند دلالة ترشيحه وترشيح والده في الحدث نفسه، معتبراً أن ذلك يحمل مواجهة مباشرة خاصة.

ووجه تحية مؤثرة إلى جمهور والده، مشيداً بولائهم ودعمهم المستمر، وأضاف “جمهور والدي لم يتخلَ عنه يوماً، حتى في أصعب الفترات. اليوم دعمهم يظهر بشكل أكبر، وأنا موجود هنا بفضل تصويتهم ودعمهم ومحبتهم، وأتمنى أن أكون على قدر هذه المسؤولية”.

وكشف أن والده نال البراءة منذ عام 2018 من تهمة تشكيل عصابة مسلحة والقيام بأعمال إرهابية وسلب أموال الناس، لكن الإعلام اللبناني لم يكن له مصلحة أن يهتم بالموضوع آنذاك. وأكد أنه واثق من عدالة القضاء اللبناني ومن ظهور براءة والده قريباً، مشدداً على أن “الجيش يعلم ببراءة والدي من كل التهم”.

هل تفتح مواجهة فضل شاكر والأسير مسارا جديدا في “ملف عبرا”؟

الكاتب: طوني بولس | المصدر: اندبندنت عربية
26 كانون الثاني 2026

المحاكمات بعد أحداث عبرا ركزت على جماعة أحمد الأسير من دون تحقيق شامل في أدوار أطراف أخرى أبرزها “حزب الله”

منذ تسليمه نفسه، بدا أن قضية الفنان فضل شاكر تتجه نحو تسوية سريعة، غير أن تأجيلات المحاكمات وتشابكها أعادا تكريس الغموض، خصوصاً مع ارتباطها العضوي بملف أحداث عبرا. جوهر الإشكالية لا يكمن فقط في شخصية شاكر، بل في الطريقة التي أُدير بها ملف عبرا قضائياً، إذ يرى كثيرون أن المحاسبة طالت طرفاً واحداً من دون فتح تحقيق شامل في كل الروايات.

ليست قضية الفنان فضل شاكر مجرد ملف قضائي عالق في أروقة المحكمة العسكرية اللبنانية، ولا هي حكاية فنان انزلق إلى السياسة وحمل السلاح ثم عاد ليواجه القضاء، فهو يقف اليوم في منطقة رمادية، لا براءة مكتملة ولا إدانة نهائية. هناك مسار قضائي لم ينتهِ بعد، فهذه القضية، بكل تشابكاتها تشكل نموذجاً فاقعاً لكيفية لتقاطع السياسة والأمن، وتحول القضاء جزءاً من ميزان قوى لا من ميزان عدالة على مدى أعوام طويلة مضت.

منذ اللحظة التي سلم فيها شاكر نفسه إلى مخابرات الجيش اللبناني، عاد ملف بدا لأعوام كأنه طُوي بقوة الهيمنة التي استمرت أعواماً على الدولة اللبنانية، ليطفو مجدداً على سطح الحياة العامة، محملاً بما هو أبعد من شخص المتهم نفسه. فخلف اسم فضل شاكر، يقبع ملف أحداث عبرا، بكل ما يحمله من دماء، وروايات متناقضة، وأسئلة لم يُسمح لها يوماً بأن تُطرح حتى النهاية.

منذ البداية، ساد انطباع واسع بأن تسليم شاكر نفسه قد يفتح الباب أمام تسوية سريعة. لم يكن هذا الانطباع نابعاً من تعاطف جماعي معه، ولا من اقتناع مسبق ببراءته، بل من قراءة واقعية لمناخ سياسي تغير جذرياً عما كان عليه لبنان عام 2013. فالدولة التي كانت خارجة آنذاك من ذروة الاحتقان المذهبي، وتحت وطأة الحرب السورية وتداعياتها، ليست هي الدولة نفسها اليوم. والمحاور التي حكمت تلك المرحلة لم تعد تمسك بكل الخيوط كما كانت تفعل سابقاً. ومع ذلك، سرعان ما بدا أن الملف أعقد بكثير من أن يُقفل بتسوية تقليدية. تأجيلات متكررة، جلسات حساسة، استجوابات طويلة، وغموض في المسار، كلها مؤشرات أعادت طرح السؤال الجوهري: هل نحن أمام إعادة محاكمة فعلية، أم أمام إعادة إدارة لملف قديم ضمن توازنات جديدة؟

ملف “عبرا”

لفهم عمق القضية، لا بد من العودة إلى عبرا. عبرا ليست مجرد اشتباك مسلح وقع في يونيو (حزيران) 2013 بين الجيش اللبناني ومجموعة الشيخ أحمد الأسير. عبرا عقدة سياسية وأمنية وقضائية في آن واحد. هي لحظة انفجار نتجت عن تراكم طويل من الاحتقان، وخلفت قتلى في صفوف الجيش، وفتحت في الوقت نفسه باباً واسعاً أمام روايات متناقضة. الرواية الرسمية تقول إن مجموعة مسلحة بادرت إلى مهاجمة الجيش، فكان الرد حتمياً. في المقابل، رواية أخرى، لا تزال حاضرة بقوة في أوساط مؤيدي الأسير وبعض البيئات السنية، مفادها أن ما جرى لم يكن اشتباكاً عفوياً بل فتنة مُدارة، وأن أطرافاً نافذة لعبت دوراً في تأجيج المواجهة ودفعها إلى نقطة اللاعودة. في قلب هذه الرواية الثانية، يبرز الاتهام المتكرر بوجود دور لـ”حزب الله”، سواء عبر الحضور الميداني أو عبر الضغط السياسي والأمني الذي سبق المعركة ولحقها.​​​​​​

الإشكالية هنا لا تكمن فقط في صحة هذه الاتهامات أو بطلانها، بل في أن القضاء لم يذهب يوماً إلى تفكيكها بشكل شامل. فالمحاكمات التي تلت عبرا ركزت بصورة حصرية على مجموعة الأسير ومن ارتبط بها، من دون فتح تحقيق قضائي واسع في كل المسارات المحتملة. هذا الواقع أنتج شعوراً راسخاً لدى شريحة من اللبنانيين بأن العدالة كانت انتقائية، وأن المحكمة العسكرية في تلك المرحلة كانت تعمل ضمن ميزان قوى سياسي وأمني لا يسمح لها بالبحث في كل الزوايا. ليس المقصود هنا إصدار حكم على القضاء، بل توصيف سياق معروف في لبنان: حين تصبح الملفات الأمنية الكبرى جزءاً من إدارة مرحلة سياسية، تفقد العدالة قدرتها على الوصول إلى الصورة الكاملة.

اللجوء إلى “الأسير”

على هذه الأرضية الثقيلة، عاد فضل شاكر إلى الواجهة. تسليمه نفسه كان من المفترض أن ينقل الملف من مرحلة الأحكام الغيابية إلى مرحلة المحاكمة الحضورية، وأن يسمح بتفكيك الاتهامات واحدة واحدة. لكن ما جرى خلال الأشهر التالية كشف بطئاً لافتاً. تأجيلات متكررة، جلسات تُعقد في ظروف شديدة الحساسية، واستجوابات تُدار بحذر بالغ. في كل مرة كان الدفاع يقدم معطيات جديدة، كانت الأسئلة تتكاثر بدل أن تتقلص. لماذا لا يُحسم الملف إذا كانت الوقائع واضحة؟ ولماذا يبقى الغموض سيد الموقف؟

في إحدى الجلسات المطولة، قدم فضل شاكر روايته بشكل مباشر أمام القضاء. نفى جميع التهم المنسوبة إليه، مؤكداً أنه لم يمول جماعة الشيخ أحمد الأسير لا مالياً ولا لوجيستياً، وأنه لجأ إلى محيطها فقط بعدما تعرض لتهديدات جدية، وحُرقت ممتلكاته في صيدا، وسُرقت أمواله، مما دفعه إلى الاختباء في مخيم عين الحلوة بحثاً عن حماية تمنع قتله. وفي ما يخص ملف عبرا، وهو الأكثر حساسية، كرر أنه كان موجوداً في المنطقة لكنه بقي داخل مكتبه ولم يشارك في القتال، ولم يطلق النار، ولم يتسبب بمقتل أي عسكري. هذا التفصيل ليس ثانوياً، بل هو جوهر القضية، لأنه يرسم الفارق بين توصيف سياسي أو خطابي، وبين فعل جرمي مادي يمكن إثباته.

معطيات جديدة

ووفق مصادر قضائية، تباعاً بدأت تظهر معطيات تُضعف بعض مسارات الاتهام. الحديث عن نقص في الأدلة بملفات التمويل والتحويلات المالية، وعن إمكان إسقاط بعض التهم، يعكس واقعاً مختلفاً عن صورة الملف في أعوام الاحتقان. كما أن إسقاط أحد المدعين دعواه ضد شاكر شكل مؤشراً إضافياً إلى تغير المناخ. في لبنان، إسقاط دعوى في ملف بهذه الحساسية لا يُقرأ عادة كخطوة فردية فقط، بل كجزء من مشهد أوسع تتحرك فيه التسويات الصغيرة تحت السطح.

غير أن القضية لا يمكن فصلها عن بعدها الاجتماعي. عائلات العسكريين الذين سقطوا في عبرا تنظر إلى الملف من زاوية الدم، وترفض أي مخرج يُفهم على أنه التفاف على العدالة. بالنسبة إليهم، لا يمكن للفن ولا للشعبية ولا لتغير الظروف السياسية أن تشكل مبرراً لتخفيف المسؤوليات. هذا الضغط المعاكس يجعل أي تسوية محفوفة بالأخطار، ويعيد إنتاج معادلة لبنانية مألوفة: قضاء عالق بين ضغط سياسي يريد إقفال الملفات، وضغط اجتماعي يرى في الإقفال طمساً للحقيقة.

مواجهة مباشرة

في هذا السياق، قالت الصحافية المتخصصة في الشؤون القضائية فرح منصور، في مداخلة ضمن متابعة القضية، إن الجلسة الأخيرة شكلت أول مواجهة مباشرة بين فضل شاكر والشيخ أحمد الأسير منذ نحو 13 عاماً، موضحة أن المحاكمة جاءت في إطار استجواب أولي في دعوى محاولة قتل هلال حمود عام 2013. وأشارت منصور إلى أن الجلسة استمرت ساعات وشهدت استجواب عدد كبير من المتهمين، مؤكدة أن إسقاط هلال حمود دعواه عن فضل شاكر لا يُسقط الحق العام، مما يفرض استمرار المحاكمة. وكشفت أن شاكر صرح للمرة الأولى أمام القضاء بأنه دفع مبلغاً مالياً عبر وسيط لإسقاط الدعوى، وهو تفصيل طُرح ضمن السياق القانوني لاستمرار الملاحقة.

وأضافت منصور أن شاكر كرر خلال الجلسة أقواله أمام المحكمة العسكرية، مؤكداً أن مواقفه السياسية ومناصرته للثورة السورية كانت السبب الأساس لكل ما تعرض له، وأنه لم يمول جماعة الأسير. ولفتت إلى أن الجلسة شهدت توتراً وانفعالاً من جانب شاكر، وصل إلى حد حصول إشكال مع ممثل النيابة العامة، في ظل شعوره بأن بعض الأسئلة تهدف إلى دفعه نحو اعترافات. وأوضحت أن اللقاء بين شاكر والأسير جرى من دون أي حوار مباشر، وأن الأسير بدوره نفى أن تكون جماعته ممولة من شاكر، مقدماً إفادات اعتُبرت جديدة أمام الرأي العام. واعتبرت منصور أن المسار القضائي يوحي بمحاكمة دقيقة بسبب حساسية الملف، مرجحة أن تتضح الصورة خلال الأشهر المقبلة إذا استُكملت الإجراءات.

خضوع المحكمة العسكرية

من جهته، قال الناشط والمتابع لملف أحداث عبرا خالد البوبو، إن الحديث عن تسوية لا يزال في إطار التكهنات، معتبراً أن ملف فضل شاكر سياسي بالدرجة الأولى لا أمني ولا عسكري. وأشار إلى أن الشيخ أحمد الأسير أكد داخل المحكمة أن شاكر لم يشارك ولم يمول ولم ينخرط في أي عمل مسلح، وأن الاتهامات وُجهت إليه بسبب مواقفه السياسية ومناصرته للشعب السوري ووقوفه العلني ضد نظام بشار الأسد. ورأى البوبو أن المحكمة العسكرية في تلك المرحلة كانت خاضعة لتوازنات سياسية إقليمية، وأن لبنان كان واقعاً تحت تأثير مباشر للنظام السوري، في وقت قاتلت فيه جهات لبنانية علناً في سوريا من دون أن تواجه الملاحقات نفسها.

واعتبر البوبو أن ملف فضل شاكر والشيخ أحمد الأسير مترابط جوهرياً مع ملف السجناء السوريين واللبنانيين والفلسطينيين الذين ناصروا الثورة السورية، منتقداً معالجة هذه الملفات بشكل انتقائي. وحمل المسؤولين اللبنانيين واجب إيجاد حل شامل، محذراً من أن السجناء وأهاليهم لن يقبلوا باستمرار الظلم. وذهب إلى القول إن ما جرى كان محاولة لإسكات صوت اعتراضي رفع شعار رفض هيمنة السلاح على الدولة، داعياً إلى إقفال الملف وإطلاق سراح المعنيين في ضوء المتغيرات الحالية.

جائزة معنوية

في موازاة المسار القضائي والسياسي، برز البعد الإنساني والعائلي للقضية. ففي حديث له على هامش حفل Joy Awards 2026 في الرياض، عبر الفنان محمد فضل شاكر عن سعادته الكبيرة بترشيحه، معتبراً أن وجوده في هذا الحدث يشكل محطة مفصلية في مسيرته الفنية. وقال إن ما يعيشه اليوم هو حصيلة أعوام طويلة من العمل، رافضاً فكرة الوصول السهل. وتوقف عند دلالة ترشيحه وترشيح والده في الحدث نفسه، معتبراً أن ذلك يحمل مواجهة مباشرة خاصة.

ووجه تحية مؤثرة إلى جمهور والده، مشيداً بولائهم ودعمهم المستمر، وأضاف “جمهور والدي لم يتخلَ عنه يوماً، حتى في أصعب الفترات. اليوم دعمهم يظهر بشكل أكبر، وأنا موجود هنا بفضل تصويتهم ودعمهم ومحبتهم، وأتمنى أن أكون على قدر هذه المسؤولية”.

وكشف أن والده نال البراءة منذ عام 2018 من تهمة تشكيل عصابة مسلحة والقيام بأعمال إرهابية وسلب أموال الناس، لكن الإعلام اللبناني لم يكن له مصلحة أن يهتم بالموضوع آنذاك. وأكد أنه واثق من عدالة القضاء اللبناني ومن ظهور براءة والده قريباً، مشدداً على أن “الجيش يعلم ببراءة والدي من كل التهم”.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار