مصير نظام الملالي على المحكّ والكلمة للشعب الإيراني

تقف إيران على مفترق طرق مفصليّ حيث ستحدّد الوجهة التي ستتخذها حضارتها العريقة خلال القرن الحالي، في وقت يخيّم فيه فوق طهران والمنطقة والعالم حال ترقب وحبس أنفاس حول ما إذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيفي بوعده للإيرانيين بتوجيه ضربة قاصمة لملالي طهران الذين تجاهلوا تهديداته بعدم قمع شعبهم، بل تحدّوه وارتكبوا مجزرة فاقت فظاعتها، خلال مدّة زمنية قصيرة، أيّ جريمة بحق الإنسانية ارتكبت في هذا القرن. يتيح الحشد العسكري الأميركي الذي وصل إلى المنطقة مروحة من الخيارات لواشنطن، لكن مهما كان قرار ترامب خلال الفترة المقبلة، يبقى تحديد مصير النظام الظلامي ونسج شكل نظام جديد في حال إسقاطه بيد الشعب الإيراني نفسه.
يعاني الكثير من المحلّلين والكتاب السياسيين في منطقتنا من خطأ تحليليّ شائع متمثل بتضخيم أهمية العوامل الخارجية عند دراسة أي معضلة سياسية في بلد معيّن، بالتوازي مع تقزيم أهمية العوامل الداخلية. مثلًا، يظن البعض أنه في حال قرّرت أميركا وإسرائيل إسقاط النظام الإيراني والإتيان بابن آخر شاه من المنفى وتوليته ملكًا في طهران، تستطيعان فعل ذلك بسبب تفوّقهما العسكري بغض النظر عمّا إذا كانت الديناميكيات الداخلية في إيران تسمح بتحقيق هذا السيناريو.
الحقيقة أن تجارب تاريخية كثيرة أثبتت أن القوّة العسكرية الخارجية، لو مهما كانت ضخمة، لا يمكنها إلغاء أنظمة وبناء أخرى وحدها إذا لم تواكبها قوّة داخلية جدية وقادرة. فكّر على سبيل المثال بفشل أميركا الذريع في فيتنام وأفغانستان والعراق، حيث لم تستطع واشنطن إرساء أنظمة متينة بدل الأنظمة التي كانت قائمة، ما أدّى إلى فوضى عارمة لا تزال بعض تلك الدول تعيش في ظلّها حتى اليوم. فكّر في المقابل بالنجاح الأميركي الباهر في ألمانيا الغربية واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، حيث توفرت قيادات داخلية استغلّت الفرصة التي خلقها التدخل الأميركي وسهّلت عملية التحوّل من أنظمة قمعيّة متوحّشة إلى ديمقراطيات مسالمة ومزدهرة.
لم تفشل أميركا في تحقيق تصوّرها في فيتنام وأفغانستان والعراق لأن جيشها كان أضعف من “الفيت كونغ” أو “طالبان” أو فلول “البعث” العراقي و “القاعدة” والميليشيات الشيعية العراقية، بل لأنه لم يتوفر لواشنطن في هذه الدول شريك داخليّ قادر على استثمار التدخل الأميركي في بلاده لتولّي الحكم وإرساء نظام مستقرّ مؤيّد للغرب، إذ إن شرعية أيّ نظام واستقراره لا يمكن أن ينتجا بفعل خارجيّ فحسب، بل إنهما ينبعان بصورة رئيسية من الشعب المعني نفسه.
لطالما انتقد ترامب بشدّة مغامرات جورج بوش الابن في الشرق الأوسط، وانتهج في ولايته الأولى، والسنة الأولى من ولايته الثانية، استراتيجية عسكرية مختلفة تمامًا قائمة على الضربات العسكرية والأمنية الجراحية البالغة الأهمية التي تحقق أهدافًا واقعية ومحدّدة لأميركا، من دون جرّها إلى حروب مفتوحة والتزامات طويلة الأمد كتلك التي تحتاجها عملية إسقاط نظام وإرساء نظام قابل للحياة مكانه. تشكّل عمليات مثل اغتيال قائد “فيلق القدس” قاسم سليماني، وأمير “داعش” أبو بكر البغدادي، وضرب المنشآت النووية الإيرانية الرئيسية، واعتقال الديكتاتور الفنزويلي نيكولاس مادورو، أمثلة معبّرة عن تلك الاستراتيجية.
لدى ترامب الكثير من الخيارات العسكرية في مواجهة النظام الإيراني بعد وصول التعزيزات العسكرية الضخمة إلى المنطقة، منها شن هجمات سيبرانية تضع حدًّا لانقطاع الإنترنت في إيران الذي فرضه النظام منذ حوالى ثلاثة أسابيع، وتعطيل خطوط التواصل بين قوات النظام وقياداتها، وفرض حصار على ناقلات النفط الإيراني كما يحصل في فنزويلا، واستهداف منشآت الطاقة، وضرب أهداف وأفراد وقيادات من القوات الأمنية و “الحرس الثوري” و “الباسيج”، واستهداف ما تبقى من منشآت نووية، وقصف مخازن ومنصّات ومصانع صواريخ باليستية ومسيّرات، وشن عمليات استخباراتية أمنية تخريبية على الأرض من خلال عملاء ميدانيين أو قوات خاصة، وصولًا إلى اغتيال قيادات سياسية، وعلى رأسها المرشد الأعلى علي خامنئي.
لكن ترامب يتريّث في اتخاذ قرار بدء التصعيد مع إيران لعدم رغبته في الانجرار إلى حرب استنزاف طويلة في الشرق الأوسط في حال لم تنجح العمليات العسكرية والأمنية، ما دون الحرب المفتوحة، في إسقاط النظام أو إحداث انشقاق جدّي فيه يمكن أن يؤمّن بديلًا مقبولًا وقادرًا على مسك البلاد، الأمر الذي لا يبدو أنه متوفر حتى الآن. لذلك، أبدى ترامب استعداده مرارًا للتوصّل إلى اتفاق دبلوماسي مع النظام الإيراني إذا وافق على الشروط الأربعة المتمثلة بإزالة كافة اليورانيوم المُخصّب من البلاد، وحظر تخصيب اليورانيوم داخلها، وفرض سقف على مخزونها من الصواريخ البعيدة المدى، ووقف الدعم للميليشيات الإقليمية.
رَفضَ النظام الإيراني خلال المحادثات مع أميركا التي سبقت “حرب الأيام الـ 12″، الرضوخ لتلك الشروط، وواصل الرفض بعدها رغم الخسارة المدوّية التي تلقاها في تلك الحرب. غير أن وضعيته الاستراتيجية اليوم باتت أضعف من أي وقت مضى، خصوصًا أن الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الداخلي في حال من الاضطراب المستمرّ في التدهور منذ نهاية الحرب، ما قد يجعله قابلًا لتقديم تنازلات كان يرفضها بشكل مطلق سابقًا، لكن الرهان على إمكانية أن تنبع من العقل الأيديولوجي الإسلامي في طهران براغماتية وواقعية مفرطة، ليس مضمونًا بطبيعة الحال.
انطلاقًا من ذلك، من المرجّح أن يعتمد ترامب استراتيجية مركّبة مع الملالي ترتكز على مفاوضتهم “تحت النار” من خلال تصعيد العمليات الأمنية والعسكرية بشكل تدريجي في حال استمرّوا في التعنت ورفضوا الخضوع للشروط، مثلما حصل في فنزويلا. بالتوازي، من المتوقع أن يحاول ترامب خلال التفاوض أن يركّز عملياته التصعيدية على أهداف تفسح المجال لإمكانية تحرّك طرف داخلي لاستغلال ضعف النظام وتهديد بقائه. وفي حال حدوث ذلك، يصبح لترامب شريك داخلي قادر على التعامل معه، ما سيشجّعه على تكثيف حملته العسكرية على أهداف النظام.
في نهاية المطاف، للقرار الأميركي تأثير كبير على مجريات الأحداث في إيران، غير أن التغييرات الجذرية والحلول المستدامة تبقى بيد الشعب الإيراني نفسه الذي سيتعيّن عليه استغلال الفرصة التي يوفرها اهتمام أميركا وتدخلها المحتمل، لإسقاط نظام الملالي الظلامي إلى الأبد وإرساء نظام جديد يعيد الحضارة الإيرانية العريقة إلى مكانتها ويحرّر شابات إيران وشبابها وكافة أجيالها من أكثر من أربعة عقود من استعباد الإسلام السياسي الشيعي لهم بالحديد والنار.
مصير نظام الملالي على المحكّ والكلمة للشعب الإيراني

تقف إيران على مفترق طرق مفصليّ حيث ستحدّد الوجهة التي ستتخذها حضارتها العريقة خلال القرن الحالي، في وقت يخيّم فيه فوق طهران والمنطقة والعالم حال ترقب وحبس أنفاس حول ما إذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيفي بوعده للإيرانيين بتوجيه ضربة قاصمة لملالي طهران الذين تجاهلوا تهديداته بعدم قمع شعبهم، بل تحدّوه وارتكبوا مجزرة فاقت فظاعتها، خلال مدّة زمنية قصيرة، أيّ جريمة بحق الإنسانية ارتكبت في هذا القرن. يتيح الحشد العسكري الأميركي الذي وصل إلى المنطقة مروحة من الخيارات لواشنطن، لكن مهما كان قرار ترامب خلال الفترة المقبلة، يبقى تحديد مصير النظام الظلامي ونسج شكل نظام جديد في حال إسقاطه بيد الشعب الإيراني نفسه.
يعاني الكثير من المحلّلين والكتاب السياسيين في منطقتنا من خطأ تحليليّ شائع متمثل بتضخيم أهمية العوامل الخارجية عند دراسة أي معضلة سياسية في بلد معيّن، بالتوازي مع تقزيم أهمية العوامل الداخلية. مثلًا، يظن البعض أنه في حال قرّرت أميركا وإسرائيل إسقاط النظام الإيراني والإتيان بابن آخر شاه من المنفى وتوليته ملكًا في طهران، تستطيعان فعل ذلك بسبب تفوّقهما العسكري بغض النظر عمّا إذا كانت الديناميكيات الداخلية في إيران تسمح بتحقيق هذا السيناريو.
الحقيقة أن تجارب تاريخية كثيرة أثبتت أن القوّة العسكرية الخارجية، لو مهما كانت ضخمة، لا يمكنها إلغاء أنظمة وبناء أخرى وحدها إذا لم تواكبها قوّة داخلية جدية وقادرة. فكّر على سبيل المثال بفشل أميركا الذريع في فيتنام وأفغانستان والعراق، حيث لم تستطع واشنطن إرساء أنظمة متينة بدل الأنظمة التي كانت قائمة، ما أدّى إلى فوضى عارمة لا تزال بعض تلك الدول تعيش في ظلّها حتى اليوم. فكّر في المقابل بالنجاح الأميركي الباهر في ألمانيا الغربية واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، حيث توفرت قيادات داخلية استغلّت الفرصة التي خلقها التدخل الأميركي وسهّلت عملية التحوّل من أنظمة قمعيّة متوحّشة إلى ديمقراطيات مسالمة ومزدهرة.
لم تفشل أميركا في تحقيق تصوّرها في فيتنام وأفغانستان والعراق لأن جيشها كان أضعف من “الفيت كونغ” أو “طالبان” أو فلول “البعث” العراقي و “القاعدة” والميليشيات الشيعية العراقية، بل لأنه لم يتوفر لواشنطن في هذه الدول شريك داخليّ قادر على استثمار التدخل الأميركي في بلاده لتولّي الحكم وإرساء نظام مستقرّ مؤيّد للغرب، إذ إن شرعية أيّ نظام واستقراره لا يمكن أن ينتجا بفعل خارجيّ فحسب، بل إنهما ينبعان بصورة رئيسية من الشعب المعني نفسه.
لطالما انتقد ترامب بشدّة مغامرات جورج بوش الابن في الشرق الأوسط، وانتهج في ولايته الأولى، والسنة الأولى من ولايته الثانية، استراتيجية عسكرية مختلفة تمامًا قائمة على الضربات العسكرية والأمنية الجراحية البالغة الأهمية التي تحقق أهدافًا واقعية ومحدّدة لأميركا، من دون جرّها إلى حروب مفتوحة والتزامات طويلة الأمد كتلك التي تحتاجها عملية إسقاط نظام وإرساء نظام قابل للحياة مكانه. تشكّل عمليات مثل اغتيال قائد “فيلق القدس” قاسم سليماني، وأمير “داعش” أبو بكر البغدادي، وضرب المنشآت النووية الإيرانية الرئيسية، واعتقال الديكتاتور الفنزويلي نيكولاس مادورو، أمثلة معبّرة عن تلك الاستراتيجية.
لدى ترامب الكثير من الخيارات العسكرية في مواجهة النظام الإيراني بعد وصول التعزيزات العسكرية الضخمة إلى المنطقة، منها شن هجمات سيبرانية تضع حدًّا لانقطاع الإنترنت في إيران الذي فرضه النظام منذ حوالى ثلاثة أسابيع، وتعطيل خطوط التواصل بين قوات النظام وقياداتها، وفرض حصار على ناقلات النفط الإيراني كما يحصل في فنزويلا، واستهداف منشآت الطاقة، وضرب أهداف وأفراد وقيادات من القوات الأمنية و “الحرس الثوري” و “الباسيج”، واستهداف ما تبقى من منشآت نووية، وقصف مخازن ومنصّات ومصانع صواريخ باليستية ومسيّرات، وشن عمليات استخباراتية أمنية تخريبية على الأرض من خلال عملاء ميدانيين أو قوات خاصة، وصولًا إلى اغتيال قيادات سياسية، وعلى رأسها المرشد الأعلى علي خامنئي.
لكن ترامب يتريّث في اتخاذ قرار بدء التصعيد مع إيران لعدم رغبته في الانجرار إلى حرب استنزاف طويلة في الشرق الأوسط في حال لم تنجح العمليات العسكرية والأمنية، ما دون الحرب المفتوحة، في إسقاط النظام أو إحداث انشقاق جدّي فيه يمكن أن يؤمّن بديلًا مقبولًا وقادرًا على مسك البلاد، الأمر الذي لا يبدو أنه متوفر حتى الآن. لذلك، أبدى ترامب استعداده مرارًا للتوصّل إلى اتفاق دبلوماسي مع النظام الإيراني إذا وافق على الشروط الأربعة المتمثلة بإزالة كافة اليورانيوم المُخصّب من البلاد، وحظر تخصيب اليورانيوم داخلها، وفرض سقف على مخزونها من الصواريخ البعيدة المدى، ووقف الدعم للميليشيات الإقليمية.
رَفضَ النظام الإيراني خلال المحادثات مع أميركا التي سبقت “حرب الأيام الـ 12″، الرضوخ لتلك الشروط، وواصل الرفض بعدها رغم الخسارة المدوّية التي تلقاها في تلك الحرب. غير أن وضعيته الاستراتيجية اليوم باتت أضعف من أي وقت مضى، خصوصًا أن الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الداخلي في حال من الاضطراب المستمرّ في التدهور منذ نهاية الحرب، ما قد يجعله قابلًا لتقديم تنازلات كان يرفضها بشكل مطلق سابقًا، لكن الرهان على إمكانية أن تنبع من العقل الأيديولوجي الإسلامي في طهران براغماتية وواقعية مفرطة، ليس مضمونًا بطبيعة الحال.
انطلاقًا من ذلك، من المرجّح أن يعتمد ترامب استراتيجية مركّبة مع الملالي ترتكز على مفاوضتهم “تحت النار” من خلال تصعيد العمليات الأمنية والعسكرية بشكل تدريجي في حال استمرّوا في التعنت ورفضوا الخضوع للشروط، مثلما حصل في فنزويلا. بالتوازي، من المتوقع أن يحاول ترامب خلال التفاوض أن يركّز عملياته التصعيدية على أهداف تفسح المجال لإمكانية تحرّك طرف داخلي لاستغلال ضعف النظام وتهديد بقائه. وفي حال حدوث ذلك، يصبح لترامب شريك داخلي قادر على التعامل معه، ما سيشجّعه على تكثيف حملته العسكرية على أهداف النظام.
في نهاية المطاف، للقرار الأميركي تأثير كبير على مجريات الأحداث في إيران، غير أن التغييرات الجذرية والحلول المستدامة تبقى بيد الشعب الإيراني نفسه الذي سيتعيّن عليه استغلال الفرصة التي يوفرها اهتمام أميركا وتدخلها المحتمل، لإسقاط نظام الملالي الظلامي إلى الأبد وإرساء نظام جديد يعيد الحضارة الإيرانية العريقة إلى مكانتها ويحرّر شابات إيران وشبابها وكافة أجيالها من أكثر من أربعة عقود من استعباد الإسلام السياسي الشيعي لهم بالحديد والنار.












